صرخة في زمن العتمة: أن تكون مسيحيًّا في لبنان المحترق
لا أكتب بدموعي، بل بما تبقّى من صوتي بعدما اختنق الصراخ. كل شيء من حولي ينطفئ. الصور، الوجوه، الأحلام. وحتى اللهجة التي كنّا نغنّي بها للوطن باتت تخنقنا حين ننطق بها. لم نعد نعرف كيف نعبّر عن وجعنا، نحن الذين لم نكن نتقن إلا الحياة.
كل شيء يتفكك. لا المؤسسات بقيت، ولا الثقة، ولا السقف الذي كان يجمع بين المختلفين. والمسيحي في قلب هذا الانهيار بات يشعر أنه يُحاصَر لا بالسلاح وحده، بل بالعزلة، وبالتشكيك، وبمحاولات سلخه عن دوره، وعن ذاته، وعن كيانه.
لسنا نبحث عن امتياز. نحن فقط نُدافع عن وجود، عن معنى، عن جذور تضرب في عمق هذه الأرض. وما نشهده اليوم ليس سوى محاولة خبيثة لنقلنا من موقع الشراكة إلى موقع الدفاع اليائس. وكأنهم يريدوننا أن نصمت، أن نطأطئ الرؤوس، أن نغادر، أو أن نقبل بوطن لا يشبهنا.
كثيرون من حولنا يقولون إنها حرب كغيرها، وإن النار تأكل الجميع. لكن لا، هذه النار تلسعنا في الروح. لأنها تطال ما بنيناه على مدى أجيال: الإيمان، الكرامة، الانفتاح، العيش مع الآخر على قاعدة الحرية، لا الخضوع.
في كل جبهة، يقاتل شبان لا يدافعون عن سلطة، بل عن هوية. كل وجه بينهم يصرخ: نحن هنا، لن نباع، لن نُمحى. الجبهة اللبنانية لم تقم لتصنّف الناس، بل لتحمي فكرة. والفكرة كانت وما زالت بسيطة: لا لبنان من دون المسيحيين أحرارًا، أقوياء، شركاء.
لكن كم بات صعبًا أن نشرح هذا الألم لمن لا يشعر به. أن نصرخ في آذان لا تصغي، وفي عواصم لا ترى. أن نُثبت أننا لسنا ضد أحد، بل مع أنفسنا، مع تاريخنا، مع أبنائنا الذين نخاف أن يُولدوا في أرضٍ بلا ملامح.
الحرب تطحن كل ما هو إنساني. لكنها لا تستطيع أن تطحن الإيمان. لذلك نُقاوم. لا فقط بالبندقية، بل بالحرف، بالصلاة، بالعناد، بالكرامة. نُقاوم لأننا لا نملك ترف الفرار، ولا نعرف طعم الانكسار.
في هذا الليل الطويل، قد لا نجد من يسمعنا. لكن لا بأس. المهم أن يبقى الصوت. أن يبقى الحرف. أن يبقى الإيمان بأن هذه الأرض لم تكن يومًا ملك أحد، بل صليبًا مشتركًا نحمله جميعًا، بعرقنا ودموعنا ودمنا.
هذا الحبر هو دمي. وهذه الكلمات نُطْق من بقية روح تحترق. عسى أن يصل وجعي إلى من يعنيه الأمر، قبل أن يُغلق باب الرجاء، ويصير الوطن ذاكرة بعيدة في وجدان شعب أُرغم على النسيان.
تمهيد
في لحظة دقيقة من تاريخ لبنان، وعلى أبواب استحقاقات تشريعية مفصلية، تطرح الساحة السياسية اللبنانية سؤالًا مركزيًا: هل يمكن لجبهة ذات هوية مسيحية واضحة، كالجبهة اللبنانية، أن تنفتح على لقاء سياسي مع شخصية سنية بارزة كالرئيس صائب سلام؟
إنّ تداول فكرة هذا اللقاء بين الرئيس كميل شمعون والرئيس صائب سلام داخل أطر الجبهة ليس حدثًا عابرًا، بل هو مؤشر على تحوّل تدريجي في مقاربة المرحلة، نابع من إدراك عميق بأن التفاهم المسيحي – السني هو شرط أساسي لحماية الكيان، وتحصين النظام، وتفادي انفجار مستقبلي محتمل.
أولًا: سياق المرحلة السياسية في ربيع 1972
في مطلع السبعينيات، بدا أن الحياة السياسية اللبنانية تتجه نحو انسداد تدريجي، على خلفية تصاعد التجاذبات حول السلاح الفلسطيني، وتردي الوضع الاقتصادي، وتعاظم الصراعات الطائفية المقنّعة.
الرئيس كميل شمعون، بصفته أحد أبرز أركان الجبهة اللبنانية، كان يُمثّل تيارًا مسيحيًا يرفع راية السيادة، ويرفض التنازل أمام الأمر الواقع الفلسطيني. أما الرئيس صائب سلام، فكان لا يزال في موقع القائد السني المعتدل، الذي يوازن بين الوفاء للقضية الفلسطينية والانتماء إلى مشروع الدولة اللبنانية.
بين الرجلين تاريخ من التباعد، ولكن أيضًا خيوط دقيقة من الواقعية السياسية، خاصة حين تتطلب المرحلة مقاربات وطنية تتجاوز الحسابات الشخصية والحزبية.
ثانيًا: الجبهة اللبنانية والتفكير في اللقاء
داخل الجبهة اللبنانية، تتباين الآراء حول جدوى اللقاء.
الرأي الأول يرى أن لا مصلحة للجبهة في تطبيع العلاقة مع رموز سياسية كانت في الماضي على طرف نقيض من مشروع بناء الدولة القوية، خصوصًا من كانت مواقفهم مهادنة للفصائل الفلسطينية أو داعية لتعديل النظام الطائفي.
الرأي الثاني – وهو ما يتبناه هذا السياسي – يعتبر أن اللقاء بين شمعون وسلام قد يكون مناسبة لكسر الجليد وتقديم صورة مختلفة عن الجبهة اللبنانية، لا بصفتها تكتلًا طائفيًا، بل إطارًا وطنيًا قابلًا للانفتاح والحوار.
فالجبهة إن أرادت أن تتوسع شعبيًا وتكرّس شرعيتها، لا بد أن تنفتح على الاعتدال السني، لأن استمرار القطيعة سيؤدي حتمًا إلى فرز طائفي قاتل، لن يبقي من لبنان إلا شكله الدستوري دون جوهره التعددي.
ثالثًا: دلالات اللقاء الممكن
لقاء شمعون وسلام، إن تم، سيكون رمزيًا أكثر منه تقنيًا. فهو لا يُفترض أن ينتج حكومة أو ائتلافًا انتخابيًا، بل يوجّه رسالة مزدوجة:
إلى الداخل، بأن القيادات التاريخية قادرة على تجاوز الحساسيات.
وإلى الخارج، بأن لبنان لا يزال يتحاور، رغم السلاح، ورغم الاحتقان، ورغم الانقسام.
ومن وجهة نظر استراتيجية، فإن هذا اللقاء يُخرج الجبهة من عزلتها المفترضة، ويحرج من يدّعي أنها تسعى إلى الانغلاق المسيحي أو إلى تفتيت الدولة.
رابعًا: شروط اللقاء وجدواه
اللقاء وحده لا يكفي، إن لم يُبنَ على وضوح في الثوابت، وأهمها:
احترام السيادة اللبنانية الكاملة،
رفض منطق السلاح غير الشرعي،
رفض أي تعديل في الميثاق أو الدستور لا يتم بالتوافق،
والتزام صريح بأن لبنان بلد نهائي لجميع أبنائه، لا ساحة أو ممرًا لأي صراع خارجي.
إذا استطاع اللقاء أن يُرسّخ هذه المبادئ، فهو خطوة أولى في طريق طويل نحو وفاق وطني حقيقي.