الفصل الاول.
أهل الميثاق.
النداء.
ايها اللبنانيون.
ايها اللبنانيون تريدون ان تكونوا في الساحة ولا تجدون اليها سبيلا. ايها اللبنانيون مناعتكم موانع من التعبير الصارخ عن ارادتكم. ايها الذين ظننتم الى حين ان البلاد في غنى عن مجهوداتكم والذين عدتم فرايتم ان الوطن بحاجة اليكم ولا ترون من اي باب تدخلون. ايها اللبنانيون تتحركون حماسة للعمل الحاسم. ايها العامل والطبيب والشيخ والراهب والمقاتل والفلاح والكاتب الذين في يدكم شرارات من طاقات لبنان وفي صدركم قبص من روحه. ايها الذين تجدون قدرة في نفوسكم على القيام بمجهود اي مجهود والذين تريدون متنفسا لكم وقد ضاق صدوركم من طول انتظار. ايها المغتربون الذين تتدورون على نار مواطن اغترابكم جولان ايتها الامهات والاخوات اللواتي فقدتن اعزاء وتسررنا على ان يقوم بديل في معركة المصير عمن غاب. ويا ايها المواطنون والمواطنات مقيمين ومغترمين حيثما انتم الان في بيوتكم في متاجركم في حقولكم او في المعابد والساحات. انكم مدعوبون. باسم لبنان. باسم تاريخه المليء بالبطولات والأمجاد. باسم ستة الاف سنه تتطلع اليوم اليكم. باسم ثواره وشهدائه. باسم محاربيه في شبهة الحق في الحربين العالميتين الاخيرتين.
باسمي ذاك الذي من محاربيه مات في معركة فردان عند صخرة كتب عليها بدمه اموت هنا من اجل ان يحيا لبنان. باسم كل هذا وكل هؤلاء. انكم مدعوون للالتحاق بصفوفكم فلكل واحد صف سواء كان لصفه الان اسم ام لا اسم له بعد. وان هذا التجمع اللبناني الذي يناديكم هو صف من ليس له صف وصف الذين منكم يتوقون الى الجديد. اولستم انتم قلب الامة النابض ؟ او تعيش الامة بعيدة عن قلبها ؟ فيجوز ان يخوض لبنان معركة مصيره وانتم عنها غائبون ؟ ان يواجه طلائع غده وانتم عنه لاهون ؟ ثم افليس حراما بل من الظلم ان يموت من اجلنا احباء لنظل نستمتع نحن بحياة من اللهو والبله ومن الفطور او الفجور ؟ ايها اللبنانيون. المعركة التي يتصدى لها اليوم لبنان ان في ساحه القتال او على مشارف الغد هي معركة من مات من اجدادكم من هو حي منكم ومن تتمخض بهم امهاتكم فخركم شرفكم هو انكم تخوضون عمن فات وعما هو ات معركة هي انبل واكبر واجال ما طرا على لبنان من المعارك. وانها لشرفنا بكم ايها اللبنانيون عدوكم واحد واصدقائكم كثيرون. اما عدوكم الواحد فهو من يطمع بارضكم فيحاول ان يجتاحها لتهون وهو من تؤذيه حريتكم فيحاول ان يهدها لتكفر ومن يغار من هنائكم فيحاول ان يسمه لينفر. عدوكم هو من يصعف عدوكم بالمال والسلاح والرجال او يسعفه بالتعاطف والتناغم.
عدوكم هو كل من يسقط عن عدوكم. فساكت عن الشر شريك في الشر. وعدوكم هو من يريد بلبنان ثلاثا او واحدة من ثلاث: قطع لبنان عن مغتربيه. قطع لبنان عن جذوره الفكرية والروحيه والانسانيه. او تقطيع استمرارية تاريخه المتواصل المتمادي ابدا على مجرى الدهور واما اصدقاؤكم الكفر فكل من وقف معكم من اهلكم في خطوط النار. كل من غير اهلكم شهد للحق الذي له تموتون جولان كل من جر اليكم حاله وماله. كل من برد قلوبكم وبلسم جروحكم ببادرة بكلمة بصلاة. كل من مد اليكم كاس ماء باردة. وكل من وفق بكم وبالحق الذي تحررون وامن بان قلامة ظفر محارب واحد توازي خيرات الارض على ان يظل المحارب ملتزما بشرف المحارب. عدوكم ايها اللبنانيون عدو لبنان وان قريبا منكم قريبا لكم. وصديقكم صديق لبنان مهما بعد المزار فلا اهل لكم وجار غير اهل الحق وجاره. فالحق معكم مع لبنانكم انتم ومع الذين لاجله يموتون. ايها اللبنانيون. ما من بلد في العالم على رغم ما بدا يحظى بصدقات عالمية شعبيه وعاليه اكثر مما يحظى به لبنان. فان قادري فضل لبنانكم على الانسانيه جمعاء يحبونه. ان الذين نعلم باجوائه الروحية والجمالية والحياتية يحبونه. وان الذين اكبر مغامرة بنيف في اقتحام الجن في اليم في ارتياد الدنياوات البعيده في العيش على فوهه بركان في الصمود للزلازل والذعازه كلهم يحبونه ويحب لبنانكم ويحبكم كل من وجد في العيش سحرا وفي الحياه مسرة.
مرت لربما كل 1000 عام يعطى للانسان ان يوجد بالفعل. يومنا هذا هو واحدة من هذه المرات القلائل. انه لحظنا الكبير. فعلى كل واحد منا ومنكم ان يعيش وكان مصير لبنان ملقى كله على كتفيه علينا وعليكم ان نتصرف في مسؤولية مزهوة كلية تحت وطاة هذا الثقل المريح. ايها اللبنانيون. ايمانا بلبنان ومصيره. وتاكيدا على علاقته في التاريخ واصالته الحضارية جولان ويقينا من ثباته في وجه كل تحد وتغلبه على كل محنة جولان واستجابة لتحديات الحاضر الصارخة. وطمانه لقلق بنيه وريا في تعطشهم الى كيان يركنون اليه ويؤمنون به وطموحا الى تحقيق مجتمع لبناني حر جديد تنصهر في مجتمعه طاقات بنيه وحرصا على ان ينهض بالمهمة الحضارية الخطيرة التي هو مدعو للقيام بها تجاه نفسه واتجاه محيطه المباشر واتجاه العالم. وتطلعا الى مستقبل تسوده العدالة والامن والوئام ويتم فيه التفاهم بين اهله بحيث ينصرفون في طمانينة وسلام وثقة متبادلة الى الخلق في شتى نشاطات المجتمع بتالف وتفاعل يعززان المبادرة الفردية في نطاق الخير العام. من اجل هذا لبنان يناديكم. وهو يناديكم. تاكيدا للثقة التي له بكم جولان تاكيدا لحاجته اليكم جولان وتاكيدا لان حقا انتم وراءه لن يموت. وواجبا نلقى على اكتافكم سيعلوا زولاني ايها اللبنانيون. اي لبناني لا يريد لبنان وطنا نهائيا دائما ؟ واي لبناني لا يريد لبنان وطنا للانسان لحريته لكرامته ولمماء شخصيته
اي لبناني لا يريد لبنان وطنا بالمعرفة والسعادة وطنا للحق الذي يحرر. اي لبناني لا يريد لبنان في سياق خلاق مع العصر وفي سباق معه. اي لبناني لا يصمد في وجه الاجتياح الذي يتعرض له لبنان. اي لبناني لا يبذل في سبيل صد الاجتياح ماله وحاله وكل ماله وحاله وكل ما تطول يدا جولان اي لبناني يقدر على شيء مهما صغر وقال ويدخل به على لبنان. اي لبناني يضع حدا لنفسه في حب لبنان ولجهده في سبيل ولتفانيه ليبقى. بل اي لبناني لا يقبل ان يموت من اجل ان يحيا لبنان. هذا لبناني ليس منكم ولا هو يستحق شرف انتماء اليكم. ايها اللبنانيون اثنان لا ينتهيان الله ولبنان ويا ايها اللبنانيون مرت هون جديدة ولن تكون اخر مرة نقول لكم ماذا ينفع لبناني ان ربح العالم كله وخسر لبنان ؟ عاشب لبنان. جواد بولس. شارل مالك. فؤاد افرام البستاني. ادوار حنين.
الكسليك في ٧ أيلول ١٩٧٦.
الميثاق.
المادة 1: لبنان وطن عريق متواصل التاريخ نهائي دائم سيد حر مسؤول منفتح بتقدير انواع على العالم اجمع متعامل معه باحترام متبادل في حدود سيادته المطلقه. المادة 2: لبنان قيمة عالمية واجبة الوجوب ملتقى الحضارات والتيارات الروحية ومختبر حضاري فرد. المادة 3. 2 لبنان وطن الانسان فيه تحترم حقوقه طصان وكرامته ترعى حريته تنمى شخصيته ويعزز كل ما هو انساني فيه. المادة اربعه: لبنان وطن المحبة والسعادة والاخاء. المادة خمسه: اللبناني هو من متى الى لبنان بسبب اصيل سواء اظل في ارض لبنان ام طوف مرتادا في انحاء الدنيا. وهو كل من انتسب للبنان وكان لبناني الولاء. المادة 6: المجتمع اللبناني مجتمع انساني حر متصل بكل حق ونور تنهض به روح مجتمعية مميزة. المادة سبعه نقطتين الاعلان العالمي لحقوق الانسان يجد فيه لبنان سرعته الطبيعية. فهو يلتزم به وبه يتزوج. المادة 8: حرية لبنان مطلقه ينعم بها اللبنانيون جميعا في حدود الحريه هو ذاتها. المادة 9: الحقيقة قيمة لبنانية والمعرفة طريق الوصول اليها لا يعوج عنها اللبناني من المهدي الى اللحد.
المادة 10: لبنان نتيجة محتومة لتاريخ مستمر على مدى ستة الاف سنة وهو ثمرة حضارات متفاعلات هون طوال هذه السنين كونت تراثا انسانيا متكاملا. المادة 11: لبنان الكل للكل كل لبنان لكل اللبنانيين. المادة 12: لبنان مع كل تطور انساني يؤول الى التقدم والارتقاء. المادة 13 لا ولاء لللبنانيين غير ولائهم للبنان. المادة 14 اللبنانيون متساويون في الحقوق والواجبات وفي ادارة الحكم وتقرير المصير ولا يفضل لبناني لبناني اخر الا بنسبه اخلاصه للبنان. المادة 15: لا ينفع اللبناني شيء ان ربح العالم كله وخسر لبنان. المادة 16 يظل لبنان الوطن الاوحد الذي يستحق ان نحيا لاجله ومن اجله نموت. المادة 17: السياسة هي نظر النفس لخدمة المجتمعية اللبنانية يطمح معها اللبناني من خلال الطاقات الخلقية المجتمعية الى تطويع المستحيل في سبيل لبنان. لبنان مبارك ان اعطى ومبارك ان اخذ ومبارك ان استطاع ان ياخذ منا فوق ما اعطى. ما يستهدف لبنان يستهدف كل مواطن لبناني وما يصيبه يصيب كل مواطن فيه. نظام الحكم في لبنان جمهوري ديمقراطي برلماني دستوري. جواد بولس. شارل مالك. فؤاد افرام البستاني.
ادوار حنين.
الكسليك في 7 ايلول 1976.
البيان
هذا البيان ليس البيان الذي كان متفقاً على إعداده ليذاع توضيحاً للنداء والميثاق ، والحركة التي كان مزمعاً أن تنتج عنهما .
إن هو إلا مشروع بيان ، صار الكلام على مضمونه صارت كتابة بعض مقاطعه ، صار وضعه هيكلياً ، ولم تجر مناقشته بالدقة التي نوقش فيها النداء والميثاق .
غير أنه يحمل البذور التي عليها كان يجب أن يبني ، بحيث أن كل ما هو وارد فيه ، بشكله الحاضر ، كان وارداً فيه لو أعطي شكله النهائي. ولكن ليس أكيداً أن ما هو وارد فيه ، الآن ، هو كل ما كان يجب أن يرد فيه لو تمت مناقشته وتم وضعه .
أما القصد من نشره فإعطاء صورة كاملة عن التصميم الذي هو من ضمنه ، ثم انه يحتوي الأفكار التي بها يكتمل النداء والميثاق ، ويهون فهمهما .
الناشر.
أيها اللبنانيون.
حزب لبنان حزب لكم ، قد من جبالكم ، من واقعكم ، من صميمكم فهو حزب لبناني لجميع اللبنانيين .
في هذا الحزب يجد كل من يريد الانتساب اليه مكانه . لأنه جعل على صورة المجتمع اللبناني ومثاله .
لقد كان بالامكان ان ندعو إلى إنشاء ناد ، او رهبنة ، او اخوية ، او جمعية خيرية . ولكننا لم نفعل . لأن للنادي ، للرهبنة ، للاخوية ، وللجمعية الخيرية اشخاصاً معينين تجمع بينهم هواية واحدة او تكوين نفسي واحد . كأن يلتقي اهل النادي على الفروسية ، واهل الرهبنة على التعبد الله ، واهل الاخوية على تكريم قديس ، واهل الجمعيات على خدمة الناس ، كل جمعية بحسب من يتصور الخدمة وكيف يجب ان تكون. أما نحن فنريد النقاء كل إنسان مع كل إنسان على خدمة لبنان : الندوي ، كما الراهب ، كما ابناء الأخويات والجمعيات، كما المزارع والتاجر والمدرس والطبيب والمحامي والسكاف والكاتب والصالوني والزقاقي . وفي النساء التقاء الام والبنت او الاخت والزوجة عاملات كن ، او كن منقطعات الى بيوتهن وعيالهن أو الى تعبدهن
لماذا نريد حزبنا هكذا ؟
فلكي يجيء على صورة المجتمع ومثاله
ولماذا على صورة المجتمع ومثاله ؟
فلأن الحزب كالانسان ابن بيئته. وبمقدار ما يكون الانسان او الحزب ابن بيشته بمقدار ذاك يكون قادراً على فهمها ، وحبتها ، وخدمتها .
اما الانسان والحزب القادمان من بيئة غير بيئتهما لخدمة بيئتهما بالذات فانهما لا يفهمان بيئتهما ، ولا يحبانها بالقدر الكافي ، ولا يتوصلان الى معرفة طرائق خدمتها. وإن هما فهماها على حقيقتها فيخشى ان لا تفهمهما هي وان لا تحبهما ، هي ، وان لا تقبل بخدماتهما ، لأن هذه الخدمات لا تنطبق، بالضبط ، عليها ، ولا تلبي ، بالضبط ، حاجاتها .
قد يسأل سائل : لماذا ، إذاً ، الحزب، طالما انه ينسخ المجتمع، أو ينقل المجتمع اليه ؟
ان ننسخ المجتمع في حزب ، او ننقل المجتمع ، مصغراً ، الى حزب فطبيعي ان يكون هذا من قبيل ما لا يلزم . اذ ما ينفع المجتمع ان يكون مجتمعين ، بكل حسناته وسيئاته ؟ او ماذا ينفع المجتمع ان يكون مكبراً ومصغراً في آن اذا كان المصغر نسخة طبق الأصل عن المكبر . إلا اذا كانت الانسانية ، او البشرية ، او العالم بحاجة الى تكديس مجتمعات على مجتمعات ، كما المال على المال، في سبيل التكثير لا الانتاج ، لا في سبيل التجويد .
الحزب الذي ننشئه لكم على صورة المجتمع اللبناني ومثاله انما يكون على صورة المجتمع ومثاله من حيث البنية : فما من لبنانية لا تكون ممثلة فيه ، وما من جهد لبناني لا يكون له فيه مكان . فئات اللبنانيين جميعاً ، جهودهم جميعاً تكون منه وله وفيه . لأن كل لبناني عزيز على لبنان وكل جهد من جهود ابنائه مفيد . ثم لأن اللبنانيين محرومين في حزب أقدر على خدمة لبنان منهم متشتتين ومنفردين .
غير ان بنية الحزب هذه لن تحكم عليه بالاكتفاء وبالحمود . اذ عمل حزبكم الأول سيكون تنشئة المحازبين تنشئة إنسانية ، لبنانية ، مجتمعية عصرية ، ومستقبلية.
فحزبكم ، اذا ، هو للجمع بين اللبنانيين ، جميع اللبنانيين ، وهو لتنشئتهم التنشئة الانسانية ، اللبنانية ، المجتمعية العصرية ، المستقبلية السليمة الفاعلة .
نعمل على الانسان.
نعمل وإياه.
ونعمل له.
حرصنا على ان يكون حزبكم ابن بيشته يعادله الحرص على سلامة اللبناني .
سيظل ماثلاً امام عيوننا اننا في هذا الحزب نعمل على الانسان . اي ان مادة اشتغالنا هو اللبناني كما هو الحجر مادة اشتغال النحات ، وكما هي الارض مادة اشتغال المزارع . هذا يعني انه لا يحق لنا ان نخطى . لأن الخطأ الذي ترتكبه موجع ومؤلم : فهو موجع لأنه يقع على الجسم الحي . ومؤلم لأنه يعطل أجيالاً من ابنائنا الطالعة . اما النحات والمزارع اذا أخطأ فيبدلان حجراً بحجر وارضاً بأرض ، او صيغة حجر وأرض بصيغة اخرى للأرض والحجر .
وسيظل ماثلاً أمام عيوننا اننا نعمل والانسان ، هذا الانسان اللبناني . فعلينا ، اذا ، ألا نغيب عنه ، وألا ندعه يغيب عنا . فالخيط الذي بيننا وبينه ، في هذا الحزب ، يجب ألا ينقطع . مهما طال ودق. وإلا فقد التفاعل والتجاوب ، وفقدت الغاية من الحزب ، فكل شيء فقد .
كما سيظل ماثلاً أمام عيوننا اننا نعمل لهذا الانسان ، هذا الانسان اللبناني .
لأننا نعتقد أن الانسان المطلق اذا ارتفع حتى السماك وبقي انساننا اللبناني في التراب فان شيئاً ، بالنسبة الينا ، لم يرتفع . الانسان اللبناني ، أولاً ، فهو عندما يرتفع ، يستطيع ان يشارك الانسان المطلق ، وكل انسان في اي مكان كان ، سموه وارتفاعه . فغاية حزبكم ، والحالة هذه ، النهوض باللبناني الى ان يصبح : انساناً افضل ، ومواطناً أفضل ، ورجلاً افضل .
لماذا أنشئ هذا الحزب ؟
في بلد حيث تتكاثر التجمعات ، والتكتلات ، والحركات ، والهيئات ، والاحزاب تكاثر الفطر حتى بات الواحد منها لا يعرف الآخر ، وبات الاحصائي لا يستطيع ان يعد ،
في مثل هذا البلد الذي عاش ، مئات من عمره ، على نظام الحزبين الاثنين : ابتداء بالقيسية واليمنية ، أيام الإمارة ، مروراً باليزبكية والجنبلاطية أيام القائمقاميتين والمتصرفية ، وانتهاء بالدستورية والكتلوية ايام الانتداب .
ولم ينه نظام الحزبين فيه إلا بروز الأحزاب العقائدية التي كان أهمها الحزب الشيوعي والحزب التقدمي السوري . وقد احدث بروز هذه الاحزاب ردة فعل عنيفة ومتمادية في المجتمع اللبناني . فكان من ابرز مظاهر هذه الردة قيام : القمصان البيض ، الكتائب ، الطلائع ، الغساسنة ، النجادة . ثم تمادت الحركة الحزبية في لبنان فكان من نتيجتها الحزب التقدمي الاشتراكي فحزب الوطنيين الاحرار ، تخللهما وعقبهما عشرات من الهيئات ، والمنظمات ، والتجمعات على مختلف المستويات من حد التجمعات الطائفية العليا الى حد التجمعات الزقاقية في المدن والقرى والاحياء .
في هذا الفيض من الأحزاب ، وفي بلد ألف الحزبين الوحيدين في القسم الابهى من حياته لماذا أنشئ هذا الحزب ؟
لقد أنشئ لسد حاجة لبنانية ! ! فما هي ؟
يجتاز لبنان ، اليوم ، مرحلة من أصعب مراحل حياته ، في القديم وفي الحديث .
فهو في حرب ولم ينشأ تنشئة الحروب ، ولا تشى ابناؤه تنشئة المحاربين .
وهو في سباق مع العصر ولم يحضر للسباق .
ثم هو يجد نفسه دائاً لكثرة ما ضرب على رأسه فيجب أن يصحو .
تلك هي الحاجة .
فكان هذا الحزب لسد هذه الحاجة
وكيف ؟
لبنان في حرب.
لقد شنت على لبنان حرب ، هي حرب الفلسطينيين عليه ، في الوقت وبخاصة من الفلسطينيين الذين يضيفهم الذي كان أقل ما يتوقع حرباً عليه . . بسخاء .
ثم اشتعلت على هامش هذه الحرب الشرسة ، أو في قلبها ، حروب حصرت جميعها في حرب واحدة وكأنها ، جميعها ، في اتجاه واحد :
حرب الطوائف على الطوائف ، حرب المحرومين على المتخومين والمغبونين على المميزين ، حرب اليمين على اليسار ، حرب الاتحاد السوفياتي على الولايات المتحدة الاميركية ، حرب الصهيونية العالمية على العرب ، حرب اسرائيل على الفدائيين ، حرب بعض الدول العربية على بعض الدول العربية الأخرى ، وغيرها من الحروب .
هذه الحروب احتوتها حرب الفلسطينيين على لبنان وسارت بها متأججة في نار أنت على الاخضر واليابس . وهي لا تزال تتأجج وتتعاظم .
هذه الحرب لم يكن لبنان قد أعد نفسه لها ، ولا لغيرها من الحروب ، ما دام انه يؤمن بالسلام وبالتعايش الاخوي .
بل ان الحرب عليه كانت قد أعدت فعمد المخربون الى تفتيت جيشه ، الى تهديم مؤسساته الدستورية ، الى تقويض ادارته ، الى تحطيم ثقة الشعب بقواده ، بفاعلياته ، وبنفسه. حتى حان لهم وقت إغراقه تحت وابل من القنابل والصواريخ والرصاص. فهب يدافع عن نفسه بما تيسر له . ولا يزال . هذا الذي تيسر للبنان في دفاعه عن نفسه لم يكن ، بادئ بدء ، كثيراً .
وهو ما يزال غير كثير . فلا سلاحه كان كافياً ولا عدد محاربيه وافياً . وإذا هو بعد سنة وتسعة أشهر ما برح يقاتل بنسبة واحد وربع الواحد بالمائة من مجموع ابنائه .
بوجه من ؟
بوجه عدو يزيد كل يوم ، عدد محاربيه بالمرتزقة ، والشذاذ ، وبمقاتلين من الصهاينة والعرب والشيوعيين حملتهم اليه دوافع شتى .
فماذا كان عليه ان يفعل ؟
ان يعمل على زيادة عدد محاربيه بالتعبئة العامة وبالتحالف
هذا ما جاء حزبكم لأجله .
واذا واحد من مسببات قيام هذا الحزب - وقد يكون الاقوى في الآن الحاضر - يظهر بوضوح ؛ وهو :
الدعوة الى التعبئة العامة ، وحشد الجهود ، توصلاً إلى تجييش اكثر عدد ممكن من سواعد الشعب اللبناني ومن القوى اللبنانية الحية .
عمل الحزب هذا لا ينتهي قبل ان يكون للبنان ، في حالتي الحرب والسلم، عشرون بالمائة من ابنائه مهيئين لرد الاعتداء عنه ، لمجابهة التحديات ،
وللدفاع عن نفسه .
اما لماذا هذا الحشد الكبير وفي حالتي الحرب والسلم ؟
فلأن لبنان مدعو الى ان يواجه مصيره في كل حرب ، أو معركة ، او تحد يساق اليها ، او تساق هي اليه .
وان حزبكم يأبى ان تواجه البلاد معركة مصيرها بالأقل من محاربيها وطاقاتها وقدراتها وفاعلياتها .
بل يأبى حزبكم ان تواجه البلاد مصيرها إلا بالأكثر من قواها جميعاً . وهو يأبى حتى هذا الاكثر فيعمد الى التحالفات . وهي تدعيم لقوى البلاد تدرس في حينه ، وفي ضوء كل أمر طارئ .
ذلك ان حزبكم عازم على ان يستمر في معركة المصير حتى آخر نفس. من اعضائه . وهو يرفض ، منذ الآن ، ان يكون له عذر عن اي فشل ، او وعكة ، او نكسة تطرأ ، لا سمح الله ، على معركة المصير هذه . مبدأه في هذا :
كلنا للبنان .
لبنان في سباق.
استمرار هذه الحرب مدى عمر لبنان امر لا يرد .
اذ لكل شيء آخر ، وبخاصة للبشاعة آخر . ولهذه البشاعة بالذات آخر قريب .
وما قولنا السابق : ان حزبكم يجيش الجهود اللبنانية لمرحلتي الحرب والسلم إلا في قصد تدعيم السلم ، ليبقى .
فماذا يعد حزبكم لمرحلة ما بعد الحرب ؟
ان لبنان ، كما كل دولة في العالم ، يعد ذاته للدخول في سباق الدول مع العصر :
عصر اجتاز في مسيرة الدهور ، منذ السنة ۱۹۰۰ حتى يومنا الحاضر ، ما يزيد على نصف الطريق التي اجتازتها العصور الغابرة منذ نشأة الانسانية الى بداية هذا القرن. فانتقل الانسان من حال الى حال . ان شيئاً من اشياء حاله الأولى لم يعد يصلح - او يكاد - لحاله الثانية . فكان لا بد ان يصير الإعداد لانسان آخر . هذا الانسان هو ما الى حزبكم على ذاته ان يعمل لا يجاده ، او يساعد على ايجاده . مبدأه في هذا :
إنسان جديد لوطن جديد ، في عالم جديد .
اي عالم ؟ اي وطن ؟ واي انسان ؟
هذه هي الاطروحة العظمى التي صمم حزبكم ان يرد عليها .
قد لا يجيء الرد على هذه الاطروحة العظمى دفعة واحدة .
وقد يكون الرد عليها في مراحل متتالية رداً أصلح لما يتاح له من التمهل،
أولاً ، ولكي تستطيع الاجيال اللبنانية المتعاقبة ان تشارك في الرد في ضوء معطيات مستجدة ابداً ، وابداً تتطور . كل ذلك على نور الميثاق .
غير انه لا بد ، منذ الآن ، من اعلان بعض الحقائق التي على حزبكم ان يلتزم بها في معارج نموه ومدارج تطوراته. وهي هذه :
الأولى : هوية لبنان.
من يعين هوية لبنان إلا لبنان بالذات . اذ لا هوية للبنان غير التي يكتبها لنفسه .
اما الهوية الملصوقة بلبنان لصق الشعارات على حائط ، والإسم على إناء ، فهوية مزورة غير ملزمة لأنها غير مستحقة ، ولا مستحقة.
هذه الهوية ، هوية الشعار الملصوق ، لا معنى لها ولا قدر إذ القدر والمعنى لتلك التي تنبع من صميم الحق والحقيقة والإستحقاق.
ويوم يختار لبنان العروبة هوية له ولا بنائه فان الكثيرين من الذين ينتسبون الى العروبة يسقطون من حق الانتساب اليها ، اذا كان الانتساب الى العروبة شرفاً وخدمة .
أما اذا لبنان هذا ، لبنان الكل للكل ، لم ينتصر فسننتصر ، نحن ، لأي لبنان كان ، ولأي حطام يتبقى من لبنان . لأن الوجود خير من العدم ، ولنا من الوجود انبعاث .
بلى ! ! سننتصر لأي لبنان كان ، لأي حطام من لبنان ، شرط ان يكون هذا اللبنان الكيفما كان باقياً على هويته الأصلية ، وعلى طريقه في خدمة إنسانية الإنسان ضمن إطار السيادة والحرية والكرامة .
اذ ليس من يفكنا عن اقتناعنا ، ولا من يزيحنا عن إيماننا بأن لبنان الدائم ، الحي الذي لا يموت ، سيبقى .
وإن وهن وهان فسيعود ، يوماً ، الى كامل عافيته وبهائه . إذ الحبة التي في التراب لا تموت إلا لتنبت متكاثرة جديدة .
فلبنان الذي انتزعه اللبنانيون من قبضة المماليك وأرجعوه الى أنفسهم كان اكثر تحطماً من لبنان اليوم. ومع ذلك بعيث وقام ليدهش العالم . فلا تقنطوا .
وبصدد هوية لبنان نقف تجاه الاعتبارات التالية :
ان لبنان ، كتكوين سياسي وقومي ، إنما هو وليد الجغرافيا والتاريخ. فهو الحصيلة ( الحالية ، لتطور الشعوب التي عاشت في هذا البلد منذ قبل التاريخ حتى اليوم . وارضه ، التي تؤلف فردية جغرافية طبيعية ، عملت بدون انقطاع خلال ألوف السنين الماضية لجعله كياناً جماعياً واقليمياً متميزاً، مؤلفاً من جماعات طائفية او اجتماعية مختلفة ، ارتضت ان تتعايش وتتعاون معاً في سبيل الحياة ، بصرف النظر عن فكرة العرق والدين .
ان العوامل الطبيعية التي يتصف بها البلد اللبناني ، اي الجبل والبحر والمناخ والموقع الجغرافي ، قد خصت لبنان بواجهتين تجعلان منه ، في وقت واحد ، بلداً برياً وبحرياً ، شرقياً ومتوسطياً . وبهذه الميزة الخاصة يمتاز لبنان عن كامل بلدان الشرق الأدنى .
ان علاقات لبنان بالبلدان القارية اي الشرقية او العربية ، كما علاقاته ببلدان ما وراء البحار ، هي الزامية في الاتجاهين معاً ، لكونها مفروضة عليه من خلال حاجات وجوده الحيوية .
وينتج عن جميع ذلك ان الطابع الاصيل للنفسية اللبنانية يتأتى عن اختلاف العوامل الطبيعية لمحيطه الجغرافي وعن نمط الحياة الذي تفرضه هذه العوامل . و قصارى القول ان البلد اللبناني ، منذ ان ظهر على مسرح التاريخ ، يتجه
في الوقت ذاته نحو القارة ونحو البحر ، نحو الماضي كما نحو المستقبل. وبناء على ذلك وعندما نتكلم على وجه لبنان الحالي المزدوج وعلى طابعه الاصيل و وجهه الخاص ، لا يكفي ان نفسر هذه الاوصاف وكأنها عبارة عن الوحدة السياسية لطائفتيه الكبيرتين المسيحية والاسلامية. فواجهتا هذا البلد الصغير الجغرافيتان ، اللتان تنفتح واحدة منهما على البحر والعالم الغربي والأخرى على القارة والعالم الشرقي ، بالاضافة الى المظاهر المعقدة التي يحدثها هذا الاتجاه المزدوج في الحقول الاقتصادية والنفسية والثقافية والاجتماعية والسياسية ، هذه جميعاً تفرض على اللبنانيين التعاون والتضامن في سبيل التقدم في الحياة ، باستقلال تام عن فكرة العنصر والدين .
وفي النهاية و ان الجغرافيا هي التي مكنت لبنان من الولادة وأمنت بقاءه عبر العصور . فلكل من الجبل والشاطئ دوره الخاص . فالجبل يكون الخلوة السياسية والعسكرية التي تولد الاستقلال والحريات الشخصية . والشاطئ ومرافئه وسهوله انما هي اساس اقتصاده . الوحدة في التنوع. الجو النفسي يتفق والجو الجغرافي . فهذا الازدواج كان محفوراً منذ البدء في الوضع الجغرافي .
ثم نقف عند ظرفيات كادت ترتبط في المصير :
ان الاحداث المفجعة ، التي عصفت بلبنان ، وما تزال ، كادت تطمس صورة لبنان الاصلية في الاذهان ، حتى اذهان ابنائه انفسهم ، وكادت تشوهها او تعددها فتجعل من الصورة الواحدة صوراً مختلفة ، بل متناقضة ، حتى يكاد الذي يريد من اللبنانيين ان يخدم لبنان ، او يدافع عنه ، او يصلي من اجله ، او يموت في سبيله، ان يقع في حيرة حيال اي لبنان تخدم ، او عن اي لبنان يدافع ، او من اجل اي لبنان يصلي ، او في سبيل اي لبنان يموت .
لذلك نرى انفسنا محمولين على بعض ايضاحات لازمة :
من اشد العوامل فعلاً في تشويه صورة لبنان الاصيلة حتى لدى ابنائه العوامل الثلاثة الآتية :
اولاً : الوجود الفلسطيني في لبنان على الشكل الذي اراده له الفلسطينيون .
فهذا النوع من الوجود الاجنبي المسلح على ارض لبنان ، الذي حاول التدخل في شؤونه ، العبث بسيادته ، انتهاك قوانينه ، الاعتداء على قواه المسلحة، قلب نظام الحكم فيه والتحارب مع فئة من ابنائه ضد فئة أخرى من ابنائه، هذا النوع من الوجود قد خلق لدى المتحالفين معه صورة ، بل صوراً عن لبنان تتناقض مع الصورة او الصور التي خلقها لدى المتخوفين منه فجاءت كلها هادمة لصورة لبنان الاصيلة الواحدة.
لذلك اصبح من ألح الواجبات ، لاستعادة هذه الصورة الاصيلة الواحدة للبنان ولإعادتها الى جميع اذهان ابنائه على السواء ان يفصل فصلاً مطلقاً قاطعاً ، لدى معالجة الصراع اللبناني القائم ، بين المجموعة اللبنانية الواحدة، بين الشعب اللبناني بجميع فئاته ، صاحب الارض اللبنانية وواضع النظام اللبناني وخالق المؤسسات اللبنانية والمسؤول الوحيد عن لبنان ومصيره ، من جهة ، ومن جهة ثانية بين مجموعة الفلسطينيين الموجودين على ارض لبنان وإعادة هؤلاء بجميع الوسائل ، حتى بالوسائل الحربية التي هم اختاروها ، الى وضعهم الطبيعي.
ثانياً : الرغبة لدى فئة من اللبنانيين في ان تفرض على الفئة الأخرى ، اكراها وبقوة السلاح ، الايمان بهوية لبنانية معينة هي القومية العربية ، بينما من المعروف ان الشعور بالانتماء القومي لدى شعب من الشعوب او بعض فئاته انما ينمو نمواً عفوياً بفضل اوضاع معينة مواتية وينجلي وينصقل مع الزمن ، فضلاً عن ان تعيين قومية معينة لشعب حائر في تعيين قوميته انما يعود امر البت فيه آخر الامر الى طبقة علماء الاجتماع والمؤرخين والمفكرين لا الى طبقة القادة السياسيين او العسكريين . لذلك كانت محاولة إرغام فئة من اللبنانيين لا نشعر بانتمائها الى القومية العربية تبني هذه القومية ، سبباً اساسياً لخلق صور متنافرة عن لبنان في اذهان ابنائه بحسب انتمائهم الى هذه الفئة او تلك .
على انه كان يجب ، في الوقت الحاضر، ان يترك امر تعيين واعلان هوية لبنان ريثما يختمر هذا الشعور ويتبلور لدى جميع اللبنانيين فيستفيقون ، يوماً من الايام ، منصهرين في بوتقة واحدة لا حيرة فيها ولا تردد ، وان يبنى الولاء للوطن اللبناني لدى جميع اللبنانيين على اساس الايمان بأي لبنان، بفضل تركيبه البشري وتاريخه ووضعه الثقافي والحضاري ونظامه السياسي واوضاعه الاقتصادية، قابل وقادر ومعد ، قابلية وقدرة واستعداداً قريبي التحقيق ، لان يكون وطن كرامة الانسان وحقوقه وحرياته الاساسية ، وطن المساواة التامة بين جميع ابنائه بدون اي تمييز ، وطن حرية المعتقد الديني ، وطن نمو الشخصية الانسانية الفريدة التامة ، وطن البحبوحة في العيش ووطن النور والتقدم والحضارة .
ان وطناً له ما للبنان من الامكانيات لتحقيق هذه القيم قادر ان يخلق في قلوب جميع ابنائه ذلك الولاء الذي يستهان معه بذل النفيس في سبيله والدفاع حتى الموت من اجله . المات
ثالثاً : الرغبة لدى فئة من اللبنانيين ، باسم المساواة في الحكم ، سحب الضمانات الممنوحة تقليدياً للفئة الأخرى . ان هذا الموقف يقفه المسلمون اليوم مما يسمى خطأ بالامتيازات المسيحية من شأنه ان يخلق لدى المسيحيين التخوف من العيش المشترك في لبنان ويحملهم على رسم صورة او صور للبنان تختلف او تتناقض مع صورته الأصلية .
لذلك اقتضى ان تعاد الى الاذهان ، جميع الاذهان ، ان لبنان مبني اصلاً ، ويجب ان يبقى مبنياً دوماً ، على مبدأ المساواة التامة بين جميع ابنائه في المشاركة في الحكم وتقرير المصير من دون اي تمييز طائفي او اي اعتبار آخر .
الثانية : لبنان وطن الانسان
هذه حقيقة لبنانية صرف ، نابعة من صميم كيان لبنان وتركيبه البشري وتاريخه الحضاري ونظامه السياسي واوضاعه الأخرى الخاصة به .
وهي حقيقة يمكن الجميع اللبنانيين ، مهما اختلفت طوائفهم واديانهم ، او بالاحرى بسبب اختلاف طوائفهم واديانهم ، ان جمعوا عليها ويلتفوا حولها ويدينوا بها .
بل أنها حقيقة يتحتم على اللبنانيين ، جميعاً ، اعتناقها وتبنيها والايمان بها قاعدة لشعورهم الوطني اللبناني واساساً لولائهم الوطني للبنان ، اذا ارادوا لهذا الوطن ان يعيش موحداً ويزدهر ويستمر ويحقق رسالته الى ابنائه ، والى عالمه العربي ، والى العالم اجمع .
ذلك ، اولاً ، انها نابعة من المعنى التاريخي لوجود لبنان كدولة مستقلة قائمة بذاتها وسط محيطها العربي والاسلامي الواسع . فان ما حدا باللبنانيين، ولنقلها صراحة ، بالمسيحيين ، ولنكن اكثر صراحة ، بالموارنة ، الى التحصن في هذه الجبال وإقامة كيان سياسي مستقل لهم مع من انضم اليهم او لحق بهم من اتباع طوائف واديان اخرى للتحصن معهم في هذه الجبال ، لم يكن الاختلاف عن جيرانهم في العرق ، أو اللسان ، أو الجغرافيا او التاريخ ولا كان الاختلاف في مميزات قومية اخرى ، بل كان تصميمهم على خلق وطن يكون وطناً للانسان ، للانسان السيد على نفسه ، للانسان المحافظ على كرامته، للانسان المتمتع بحريته ، وللانسان العابد ربه سراً وعلناً كما يشاء وعلى رؤوس الاشهاد .
ثانياً ، ثم ان التعديل الجغرافي الحديث الذي طرأ على حجم لبنان ارضاً وشعباً باعادة الولايات والاقضية الاربعة اليه على اثر الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ۱۹۱٨) جعل تركيبه الداخلي وتكوينه البشري عاملاً جوهرياً جديداً وحافزاً اساسياً إضافياً لتعزيز مقام الانسان وقيمته في لبنان . فقد تساوى فيه تقريباً عدد ابنائه المسيحيين والمسلمين تساوياً حتم على الفريقين معاً ان يعيشا في مجتمع واحد وان يبنيا معاً دولة واحدة وان يتعاملا معاً تعامل ابناء الاسرة الواحدة وذلك على اساس الاشتراك المتساوي في الحقوق والواجبات وادارة الحكم وتقرير المصير ، بلا تسلّط فريق على فريق ولا امتياز الفريق على فريق . غير ان هذا التساوي في العدد ، الذي يشكل بحد ذاته عنصراً سلبياً ، عنصر تناقض وتحد وانكماش ، لا عنصراً ايجابياً ، عنصر تألف وتعاون وانفتاح، ان كان يكفي لفرض التساوي الشكلي في شؤون الحياة العامة فرضاً خارجياً كالذي يفرض على الخصمين المتساويين المضطرين إلى التعايش السلبي ، فهو لا يكفى بحد ذاته لخلق ذلك التعايش الايجابي العفوي الفعال والقائم على الثقة والانفتاح والتآلف والمحبة ، ذلك التفاعل المنبثق من رابطة داخلية روحية تربط بين شطري الوطن الواحد وتجعل منهما مجتمعاً واحداً وشعباً واحداً وابناء لوطن واحد .
فما هي هذه الرابطة ؟
من الواضح ان هذه الرابطة الداخلية الروحية لا يمكن ان تكون ، في لبنان ، رابطة من نوع ديني او طائفي ، اذ ليس في لبنان من رابطة دينية أو طائفية واحدة تجمع بين جميع ابنائه ، بل هناك روابط دينية وطائفية متعددة من شأنها ، رغم تقارب تلك الاديان والطوائف ، ان تفرق لا لا ان تجمع ، فيجب
بالتالي تعديها والتعالي فوقها الى ما يجمع ويوحد .
ومن الاكيد ايضاً ، وان يكن اقل وضوحاً ، ان هذه الرابطة الداخلية الروحية لا يمكن ان تكون ، في لبنان ، من نوع قومي ، ان اذ اللبنانيين لم يجمعوا بعد على هويتهم القومية وانتمائهم ، بل جاء تمسك فريق بقومية معينة يخلق لدى الفريق الآخر تمسكاً بقومية اخرى معاكسة ، مما يجعل الدعوة اليوم الى تبني قومية معينة واحدة سبيلاً إلى التفرقة بدلاً من التوحيد ، فيجب
اذن تعدي الاعتبار القومي والتعالي فوقه الى ما يجمع ويوحد .
لم يبق اذن امام اللبنانيين، على اختلاف أديانهم وطوائفهم ، وعلى اختلاف نظراتهم ونزعاتهم وانتماءاتهم القومية ، كي يروا في بعضهم بعضاً اخوة في الوطنية بالرغم من هذه الفوارق ، الا ان يحفروا تحت طبقة الدين والطائفية ، ويحفروا تحت طبقة القومية ، الى ان يبلغوا القاعدة المشتركة بينهم والموحدة اياهم ، ألا وهي قاعدة الانسان . فعلى هذه القاعدة يلتقي ويتساوى ويتألف ويتعايش ايجابياً ويبني مجتمعاً واحداً ودولة واحدة وعائلة واحدة المسلم والمسيحي بلا اي تمييز او تفريق ، فيصبح الانسان واحترام حقوق الانسان وصيانة كرامة الانسان والمحافظة على حرية الانسان وانماء شخصية الانسان وتعزيز كل ما هو انساني في الانسان الجامع المشترك بين جميع اللبنانيين ويصبح الايمان بلبنان كوطن لهذا الانسان ومحقق لهذه القيم الانسانية ينبوع الولاء للبنان وللأخلاص له ولخدمته وللدفاع عنه حتى الموت .
ان اكثر دول العالم تجد في تاريخها ، او جغرافيتها ، او دينها ، او لغتها ، مبرراً كافياً لوجودها وعلة لبقائها كدول مستقلة منفصلة عن دول جوارها ومحيطها الطبيعي . اما لبنان ، فإن مبرر وجوده وعلة بقائه ليسا من هذا النوع .
ان مبرر وجود لبنان وعلة بقائه انما هما ، خلافاً لسائر دول العالم ، الايمان بامكانية لبنان ان يكون وان يبقى وطن الانسان وكرامته وحريته وحقوقه . فهذا الايمان بلبنان الانسان هو المبرر الاول والاخير الدائم لوجوده كدولة مستقلة ذات سيادة ، ببقائه تبقى وبزواله تزول ، و به وحده يستحق لبنان وبدونه لا يستحق ان نعيش من اجله وفي سبيله نموت . - هذا ما يهدف اليه حزبكم اما الطريق التي سيسلكها الى ذلك فهو انه سيسعى الى تطبيق المساواة التامة بين الشطرين المسيحي والمسلم ، تلك المساواة التي لا تم فعلا وحقيقة الا بإزالة شعور التخوف والحذر لدى الفريق الذي يعتبر ان تلك المساواة انما تؤدي الى غلبة وتسلط عليه من قبل الفريق الآخر ، مما يقتضي ، تحقيقاً للمساواة الحقيقية وضماناً لاستمرارها في المستقبل ان يعطى لذلك الفريق المتخوف الضمانات الفعلية الكافية لإزالة تخوفه .
أيها اللبنانيون !
وانكم لترون معي ، الآن ، وبوضوح اكثر لماذا شئنا لحزبكم ان يحارب :
لينتصر في معركة مصيره ، اولاً
ولينصر انسانه ، ثانياً
اما المصير فان بأسكم يحدد مقدار عملكم من اجله
وأما الإنسان فبطول نفسكم تنصرونه .
اذ ان معركة الانسان مستمرة ابداً . فهي لا تهدأ. ويوم تهدأ تنتهي ويموت الانسان الذي من اجله نعمل بداية معركة الإنسان هي ان ننتصر بمعركة المصير . وإن مشاركة حزبكم في معركة المصير يعطيه الحق للعمل في معركة الانسان . وبنسبة ما يكون عمل حزبكم في معركة المصير كبيراً بنسبة ذاك يستطيع عمل حزبكم في معركة الانسان كبيراً .
واذا لم يكن عمل حزبكم كبيراً في معركة الانسان يكون قد خسر السبب الثاني - وقد يكون الأول على المدى البعيد من مسببات قيامه .
لبنان الدائخ.
إن لبنان ، اليوم ، بين واقعه المؤلم وبين تطلعه المستقبلي الرائع يرى نفسه دائخاً كمن ضرب على رأسه .
وما الذي يديخه بالضبط والتعيين ؟
ثلاثون الفاً من ابنائه ماتوا في معركة مصيره.
ثلاثون آخرون فقدوا او جرحوا.
عشرات الآلاف هجروا من مكان الى مكان في ربوعه.
عشرات أخرى هاجروا الى مختلف انحاء الدنيا.
ما قيمته اربعون مليار ليرة لبنانية هدم وأحرق.
مؤسساته الدستورية والوطنية انتهكت وحطمت.
اقتصاده جرح ودمر.
مسيرته الى الرقي قطعت عليه.
إسهامه في المسيرة العالمية قد جعل دونه.
هذا من جهة .
ويديخه من جهة ثانية :
ان بعضاً من المحاربين اللبنانيين لم يحرصوا على رفعة شرف المحارب ان بعضاً آخر من المحاربين تعبوا من التحارب ، او قرفوا ، او منعوا عن ذلك وان بعضاً أخيراً منهم وقد اصبحوا اغنياء حرب يؤثرون ان ينصرفوا الى التمتع بما غنموا.
ويديحه من جهة ثالثة :
ان بعض الاحزاب نفضت يدها من القتال لتنصرف الى تحضير ما بعد القتال على صعيد التحكم والتسلط والاستثار.
وان بعض الاحزاب الآخر حاد عن خطه الوطني ، او اختبأ وراء شعار كاذب ليتهرب من واجبه الوطني ،
او اخطأ طريق القيام بواجبه الوطني.
ويديخه من جهة رابعة :
ان بعضاً من اللبنانيين يدهم في النار ويد بعضهم الآخر في الزنار ان بعضهم يتقلى وبعضهم الآخر يتحلى.
فكان لا بد من ان يكون ثمن لدم الشهداء والدمار الهائل الذي حل بلبنان وكان لا بد من مساندة المحاربين ، أو إبدال محاربين بمحاربين.
وكان لا بد من محاربة تحكم وتسلط واستثار الحزب الواحد ، او ما يشبه.
نظام الحزب الواحد.
ثم كان لا بد من محاولة لإشراك الناس في هموم الناس فلا يقوم منهم عليهم جلا دون.
هذا ما أخذ حزبكم على نفسه ان ينبري له ، ان يقوم به ، وان يضمن نجاحه.
وهذا هو السبب الثالث - وهو لا يقل أهمية عن السببين السابقين - الذي أدى الى انشاء حزب لبنان.
وليكن معلوماً.
يحرص حزب لبنان ان يكون معلوماً :
1 - انه لم يقم ليناوى الأحزاب والكتل والتجمعات القائمة . بل قام لمساندتها ، ولتكميل عملها ، تحقيقاً لرسالة لبنان . كأن تقوم جامعة في بلد ما بعد قيام عشرات الجامعات ، او رهبنة في العالم بعد قيام عشرات الرهبنات ، او ناد في بيروت بعد عشراتها .
۲ انله لا يسعى أن يكون الحزب اللبناني الواحد . بل كان لمناوأة الحزب الواحد . لأن الحزب الواحد يتهدد الحريات العامة والخاصة ، وبالتالي الكرامة الانسانية .
- انه منفتح للتحالف وللتعاون مع أي حزب ، او تجمع ، أو حركة تكون أهدافها أهدافاً لبنانية ، ويكون عملها من أجل لبنان . ويهم حزب لبنان ، بصورة خاصة ، ان يعيد ويكمل الحلف الثلاثي بغية الوصول به الى حلف بمثابة حزب يقوم بوجهه الحزب الثاني أملاً بالعودة الى نظام الحزبين . وهي التجربة التي لاقت نجاحاً في لبنان. ثم يظل الباب مفتوحاً لتكتل ثالث تنضم اليه الاحزاب الباقية ويعمل للموازنة بين الحزبين الأولين .
حيال المطلب الواحد : استمرار لبنان على ما يشرف العالم والانسان تهون الشؤون الكثيرة التي لن تسقط من اهتمامات حزبكم . ولكن كلا بما يتناسق ويتناغم مع غاياته واهدافه الكبرى .
الشؤون الكثيرة.
اما ما شأن شارل مالك ، جواد بولس ، فؤاد افرام البستاني وادوار حنين في قيادة الحزب هذا ؟
تبقى لهم القيادة العقائدية الروحية كاملة .
فانهم عندما ينسحبون من قيادته العقائدية - الروحية يعتبر الحزب قد حل.
وانهم عندما تأخذون أي مأخذ عليه وتبلغونه قيادته المسؤولة بشخص قائده الأول ، أو بواسطة احدى مؤسساته المسؤولة ، فعلى هذه المؤسسات ان تجتمع فوراً في خلال ٢٤ ساعة ) للنظر في المأخذ او الشكوى تسديداً لخطى الحزب في الحال .
البولس ومالك والبستاني وحنين الحق المطلق في تعيين وتوجيه عقيدة هذا الحزب وروحيته .
لمن هي قيادة هذا الحزب ؟
شارل مالك وجواد بولس وفؤاد افرام البستاني وادوار حنين يصلحون القيادة عالم ما داموا يقودون ضمائر الناس . غير ان جواد بولس ، فؤاد افرام البستاني وشارل مالك وادوار حنين ليسوا قواد هذا الحزب. ولن يكون واحد منهم فائدة. ذلك لسببين :
الأول : انهم يرغبون في البقاء على القيادة الروحية التي تعودوا مصاعبها ، ومسؤولياتها طوال نصف قرن كامل. ان اجيالاً لبنانية جديدة تتوق الى ان تتلمذ ، بعد، على يدهم كما تتلمذ على يدهم آباؤهم واخوانهم ،
فلا يريدون ان يفشلوا توقهم .
اما الثاني : فلأنهم يؤمنون ان الحرب التي شنت على لبنان فتشنج لها ابناؤه وانبروا عنه يدافعون ، هذه الحرب ، وما جرت اليه من اقتتال وحوادث مذهلة ستخلق ، في اعتقادهم ، ملاحم كثيرة رائعة وقائداً واحداً كبيراً .
لمن قيادة الحزب ؟
هذا القائد الكبير الواحد هو الذي يكون قائد هذا الحزب ، رجل الحشود التي ستلتف عليه، والماشي بها الى النصر . مخاض لبنان هذا ، يقولون ، سيسفر عن رجال ، عن أبطال ، وعن منقذين كثيرين . وكل هؤلاء سيسفرون عن قائد . هذا القائد سيكون قائد حزبكم .
الحق اننا لا نزال نجهل من هو !
ولكننا نعلم : انه بيننا ، الآن ، حاضر ، وانه سيطلع الى النور بين يوم ويوم . ومن صوته تعرفونه.
ومن الآن الى ان يقفز لاستلام مكانه سنظل في الساحة عنه ، نعمل بكل ما أوتينا من قوة وقدرة مرتقبين مجيئه .
منهاج العمل الحزبي
تلك كانت عقيدة حزب لبنان.
اما طريقة عمله لتحقيق تلك العقيدة ، ولتجسيدها فهى العمل من ضمن المجتمعية اللبنانية .
فما هي ؟ وكيف يكون العمل بها ؟
الثالث : المجتمعية اللبنانية.
المجتمع اللبناني مجتمع انساني حر .
الانسان في قولنا : و ان مجتمع لبنان الجديد هو مجتمع انساني حق يعني ان لبنان يلتزم باحكام الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اسهم لبناء استهاماً فعالاً في وضعه ، والذي يعبر في كثير من نصوصه عن اعمن ما في التراث اللبناني من قيم وخلق .
وتعني الحرية في قولنا : ( ان مجتمع لبنان الجديد هو مجتمع انساني حر:
(أ) ان هذا المجتمع ، في قوانينه وفي اعرافه وعاداته ، يحترم ويضمن ويطبق حرية الفكر والضمير والمعتقد والتعبير والتفتيش والتصرف والتغير في نطاق القانون ، وفي نطاق احترام حرية الآخرين .
( ب ) وان الحرية انما هي الاحرار . ولذلك وجب تعيين من هم الاحرار وما هي صفاتهم .
وتعني الديمقراطية في قولنا : و ان نظام الحكم في لبنان الجديد هو نظام جمهوري ديمقراطي دستوري برلماني :
أولاً : من الناحية السياسية ما تنص عليه الفقرة الثالثة من المادة الحادية والعشرين للاعلان العالمي لحقوق الانسان التي هذا نصها :
قوام الحكم مشيئة الشعب . ويجب لهذه المشيئة ان تتبين بانتخاب نزيه يأتي في مواعيد دورية ويكون على الاقتراع العام ، السري ، المساوى فيه بين المقترعين ، او على اسلوب آخر معادل له ، يكفل حرية الاقتراع .
ثانياً : من الناحية الحضارية : ان الشعب هو منتج الحضارة وحاميلها ، ولذلك فهو في مجهوده الفردي الحر ، وفي مجهود مؤسساته الحرة ، المبدع لكل قيمة ، مادية كانت أو معنوية ، والحكومة المنبثقة من هذا الشعب المبدع هي ، بالتالي ، مسؤولة تجاهه ، وهو ، كافراد ومؤسسات ، ليس من اجلها وليس خادماً لها ، بل هي ذاتها من اجله وخادمة له .
وتعني السياسة نذر النفس الخدمة المجتمعية اللبنانية ، وترويض المستحيل .
والمسؤولية السياسية تعني قبول المحاكمة في اي ظرف بمقياس مبادئ مجتمعية لبنان الجديد .
مجتمعية لبنان الجديد هي الاطار العام الذي تنتظم فيه جميع نشاطات اهله .
تنهض روح المجتمعية اللبنانية الجديدة على أساسين :
أولاً : الشعور الذاتي الصادق لكل لبناني بالمسؤولية المجتمعية التي تضع ، بوعي ومسؤولية تامين ، الخير العام فوق الخير الخاص .
وثانياً : الخلقية المجتمعية الجديدة .
بفعل المسؤولية المجتمعية في هذا المجتمع الجديد تتحقق العدالة والمساواة المجتمعيتان بجميع معانيهما امام القانون ، في الحقوق والواجبات السياسية ، في الاقتصاد وجميع اصناف الأمنة والضمان المجتمعين ، في إتاحة فرص التقدم الثقافي والحضاري لكل مواطن .
تتكفل بيت الروح المجتمعية الجديدة القوانين العامة التي ستطبق تطبيقاً فعلياً صادقاً ، التربية العائلية ، التربية المدرسية ، جميع وسائل النشر والاعلام .
الهدف تكوين مجتمع جديد ، عضوي . ، متماسك ، متراص ، متفاعل ، خلاق ، تسوده الثقة المتبادلة ، مجتمع يفتخر به وبقيمه كل لبناني ، ويوليه ولاءه التام ، ويذود عنه بكل شيء حتى بالحياة .
اهم شيء اطلاقاً في المجتمع اللبناني الجديد هو الخلقية المجتمعية الجديدة . بهذه الخلقية فقط يكون كل شيء ، وبدونها لا يكون شيء .
عناصر هذه الخلقية اثنا عشر :
الالفة - الشرف - الولاء - النزاهة - العقل – الحرية – المسؤولية – العدالة الصدق ، الايمان ، التطلع الى فوق ) . الرجولة - الجدية - التضحية - احترام الخير العام (مخافة الله).
كل من هذه العناصر المجتمعية يعني شيئاً مميزاً في الفكر والسلوك ونمط الحياة .
إن انسانية المجتمع اللبناني وحريته يتألفان من هذه العناصر الاثني عشر بالذات . ولبنان الجديد هو بالضبط هذا المجتمع الانساني الحر الذي سيقال يوماً عن كل من نخبته القيادية في جميع نطاقات المجتمع :
هذا رجل أليف.
هذا رجل شريف.
هذا رجل ذو ولاء.
هذا رجل نزيه.
هذا رجل عاقل.
هذا رجل حر.
هذا رجل مسؤول.
هذا رجل عادل.
هذا رجل رجل.
هذا رجل جدي.
هذا رجل مضح.
هذا رجل يحترم بطبعه الخير العام.
ان الخلقية المجتمعية اللبنانية الجديدة لا تتم بسن القوانين ، ولا بالتعليم والارشاد فقط . بل بالقدوة . لذلك تعتزم القيادة اللبنانية الجديدة ان تتقيد تقيداً صادقاً ، افرادياً وجماعياً ، بالخلقية المجتمعية الجديدة .
وشرط الانتساب الى هذه القيادة والعمل من داخلها ان يقبل كل عضو فيها بالحكم على تصرفه بموجب ميثاق يسمى ( عهد الشرف ، اما الناظر في امر هذا التصرف والحاكم عليه على اساس هذا الميثاق فهو هيئة رفيعة نزيهة من خيرة اللبنانيين ، تعينها القيادة الجديدة .
هذا البيان الذي نحونا فيه نحو البيانات الشهيرة في التاريخ ( Les Manifestes) اي توضيح ما كان قد أعلن في المواثيق ، ، ورش بذور جديدة لتطور يكون من ضمن المبادئ الاساسية التي فيها . . . هذا البيان نتركه مفتوحاً لتوثبات الغد لئلا يختنق هو في الغد ، او يختنق الغد فيه ، والأمران يفضيان الى انقطاع الفاعلية والعمل .
عسى الله أن ييسر لهذا العمل العمل الحزبي الملحوظ وتطوير هذا الحزب المرتجى ، جماعة من اهلنا يكون في عقلهم النور ، في قلبهم المحبة ، وفي عزمهم القوة ليمضوا صادقين معاندين في هذه الطريق الشاقة التي رسمناها لأنفسنا ، ومشيناها بخطى ثابتة آلينا على انفسنا ، بحكم مراسنا القديم ، ان لا تتردد ، او تنحرف ، او تهي.
وعسى الله الساهر ، ابداً ، على لبنان أن يظل ساهراً على حزبكم هذا بمقدار ما يجده قد وضع في خدمة لبنان ، وديمومته ، وخيره .
ورقة العمل.
هي الورقة التي أعدها جواد بولس ، شارل مالك ، فوار افرام البستاني وادرار حنين والتي عرضت في خلوة سيدة البير مع أوراق العمل المقدمة من الكتائب والاحرار والمؤتمر العالم الرهبانيات البنائية والجبهة الوطنية في الشمال.
الناشر.
أيها السادة ويا أيها الشهداء الأحياء أبداً ،
بعد هذه الحرب الهائلة التي أريق فيها الدم اللبناني أنهاراً وبانت فيها داره ركاماً فماذا علينا أن نفعل ؟
أن نعزم على الحؤول دون إراقة دماء اللبنانيين مدراراً ودون تهدم بيوتهم تكراراً ،
فكيف يكون ذلك ؟
بأن لا ترتجل الحلول.
بأن لا نجين في مواجهتها.
وبأن نقبل ، مسبقاً ، بكل ما يمكن أن تفرضه علينا من تضحيات .
يبقى الأهم : وهو أن نعرف ما هو الحل ؟
ان الحل الذي نقترح ، رفاقي وأنا ، اهتدينا اليه عبر طريق طويلة بدأها بعضنا من بداية التاريخ ، وبعضنا الآخر من بداية التجربة اللبنانية ، واستمرينا فيها جميعاً نلملم العبر والتجارب تخضع لها تجربتنا ونطوع أنفسنا لمرارتها أحياناً .
أيها السادة ،
قبل الدخول في موضوع الحل نود أن نعلن :
أولاً : نعرف أن التاريخ لا يعيد نفسه غير أنه مليء بالعبر والمغازي.
ثانياً : نعرف أن السياسة علم ، ولكنها كعلم التاريخ وعلم الاجتماع ، ليست علماً محكماً ، واذا هي لا تتمشى على قواعد أخيرة كما الرياضيات والفيزياء .
ثالثاً : نعرف أن أي حل لا يمكن أن يعتمد ما لم تسانده قوة : قوة تمتد من حد قوة الرأي لتنتهي الى قوة السلاح ، مروراً بقوة الاقناع والضغط والاكراه .
رابعاً : نعرف أن لا مكنة للوصول الى الحل الأفضل الذي يتهدده باستمرار الحل الأنسب . على أن الفارق بين الاثنين هو أن الحل الأفضل يجيء مطابقاً للتصور والتمني والكمال . أما الحل الأنسب فيجيء قريباً من الواقع ومن اجماع الفرقاء .
خامساً : نعرف أن يكون لبنان مختبراً حضارياً أمر من ركائز الوجود اللبنائي . ونعرف أن أطرف ما يعالج في هذا المختبر اليوم هو صيغة التعايش بين المسيحية والاسلام كدينين وحضارتين .
ولكننا نعرف أن التجربة بحياة الشعوب ومصائبهم أمر لا يجوز ، لأن الشعب يفقد فلا يعود . وهكذا المصير . اذ ليس الشعب ولا المصير كما المواد الكيمائية في مختبر عادي اذا فقدت منها كمية لجأ المختبر الى أخرى فأخرى دون ما خوف عليها أن تنضب .
سادساً : ونعرف في الختام، أن صيغة لبنان الجديد يجب أن تلملم عن جميع الدروب والخواطر . . . وأن تعترف من صميمنا لتحيي ولتحيا .
. الانطلاق نحو الحل.
أما بعد ،
فاننا ننطلق من اعلان بعض الحقائق اللبنانية المتلاصقة بالحل الذي سنقترحوهي ثوابت من التاريخ اللبناني تبيناها على مجرى العصور :
أولاً : ان لبنان مساحة روحية لم يكن على مدى تاريخه الحديث ثابت الحدود ، ولا كان شعبه ثابت التركيب .
فلبنان فخر الدين وصل الى تدمر وعكا واللاذقية . أما لبنان الامارة الشهابية فتقلص إلى مثل حدود الجمهورية الحاضرة ، أو يكاد . وقد زاد تقلصاً في عهد المتصرفية ، ثم عاد الى حدود لبنان الامارة ، أو يكاد ، في عهدي الانتداب والاستقلال .
وطبيعي أن يتبدل تركيب الشعب اللبناني تبعاً لتبدل حدوده .
اذا : عنصر الحدود والسكان في لبنان ، عنصران ثانويان حيال حقيقة لبنان الكبرى التي تجعل منه مساحة روحية لا حد لها ولا حجم . اذ لا فرق في جوهر كيانها وجوهر فاعليها بين أن تضيق رقعتها الأرضية وبين أن تتسع .
ثانياً : الشعب اللبناني العائش اليوم على أرض لبنان متكون ، بأكثريته الساحقة ، من معاندين ومن رافضين :
ان الأصيلين من سكان لبنان ، الذين تقدموا الهجرة المارونية اليه ، شعب اختار لنفسه الحياة الصعبة عائد الصخور ففجر منها الينابيع ، وعائد الجبال قنمت منها الجنائن .
ثم قدم الموارنة الى لبنان وهم حصيلة رفضين :
رفض الخضوع ، في معتقدهم ، الى معتقد الأكثرية يوم كان الصراع محتدماً في أفاميا ، بين اليعاقبة والنساطرة .
ثم رفض الخنوع لأن يعيشوا على ذمة الأكثرية الاسلامية الحاكمة . ذلك أن الموارنة يريدون حقهم من نبعه ، من الشريعة ، لا من الذمية المبنية على الرحمة والتسامح .
ثم تواردت على لبنان أقليات ، درزية وشيعية ، رافضة هي أيضاً الخضوع الأكثرية سنية . فأقلية سنية رافضة أن تخضع بدورها لأكثرية سنية ، هي أيضاً ، مستقوية بولاة الولايات وبخاصة في ولايتي حلب ودمشق .
واذا الحرية عامل أساسي في حياة هذا الشعب .
ثالثاً : الشعب اللبناني ، في تكوينه الحاضر ، يعيش على مستويين متباينين في الدين والحضارة : المسيحية ، والاسلام .
واذاً : لا بد من تسوية المستويين أو فصلهما لتصبح الحياة ممكنة .
رابعاً : التعايش المسيحي - الاسلامي على أرض لبنان مسألة قديمة ولدت مع ولادة لبنان المعاند - الرافض . غير أن صيغة هذا التعايش الحالية ولدت مع الجمهورية اللبنانية في السنة ۱۹۲۰ .
فاعلان الجمهورية اللبنانية ، في أول أيلول ۱۹۲۰ ، ضم الى لبنان أقضية وولايات ، فانضمت اليه ، في أثرها ، شعوب تخلخل من جرائها التوازن والانسجام بين اللبنانيين . لا أحد من السياسيين لمح ذلك . ولا أحد مهد له قبل الضم ، أو وجد له علاجاً بعد الضم ، الأمر الذي جعل الخلل يتسع . والمحاولات التي جرت بصدد العلاج أهمها ثلاث : دستور السنة ١٩٢٦ ، الميثاق الوطني السنة ١٩٤٣ ، ومحاولة الوحدة الوطنية أيام الرئيس شهاب . هذه المحاولات لم تصب كبد الموضوع فظل الخلل يتسع .
أن يكون لبنان مختبراً حضارياً لهذه الصيغة ولغيرها من الأشياء الحضارية فهذا أمر مفروغ منه . أما أن نظل قابلين بالمخاطرة بحياة الشعب اللبناني وبمصيره فهذا ما يجب أن يعاد فيه النظر .
. الوقوف عند أمرين.
من هنا أهمية التوقف عند أمرين :
خطورة اعلان لبنان الكبير في السنة ۱۹۲۰ المستمرة الى الآن في شكلها الحاضر .
والثاني حداثة عهد صيغة التعايش التي نعيش بظلها اليوم .
أريد أن أجيب هنا وقبل الابتعاد عن هذه النقطة عن سؤال أراه يجول في خاطركم :
اذا تقولون أن المسلمين اللبنانيين هم المسؤولون عن هذه الأحداث ؟
أجزم أنه لولا المسلمون اللبنانيون لما كانت هذه الحوادث على الشكل الذي جرت فيه لأنه لما وجد في لبنان من يواطئ الفلسطينيين على مثل هذه الحرب وغاياتها، وعلة ذلك أن المسلم اللبناني لم يوطد ولاءه بعد للبنان . وهو لم يفصل شعوره بعد ، عن شعور المسلم خارج لبنان ، فظل يعير نفسه للمسلم مجاوراً كان أو بعيداً ، سواء أكان هذا المسلم عربياً كما هي الحال اليوم ، أو كان عثمانياً ، كما كانت الحال في السنة ١٨٦٠ .
أعود فأتابع :
أولاً : قدر لبنان هو أن يقصد، دورياً، بمعدل قصدة كل عشرين عاماً : ١٨٤٢ - ١٨٦٠ - ۱۹۱٦ / ۱۹۱۸ - ۱۹۵۸ - ۱۹۷۳ - ١٩٧٥ / ١٩٧٦
من هنا اننا نعيش على فوهة بركان .
ثانياً : كلما قوي استقلال لبنان ضعف كيانه ، وكلما قوي كيان لبنان ضعف استقلاله. على ذلك شواهد كثيرة أهمها :
عندما كان كيان لبنان في ضمانة الدول السبع ، أيام المتصرفية ، كان استقلاله على دروب العواصم السبع ، هباء منثوراً. وهكذا عندما كان كيانه في حماية حراب الجيش الفرنسي المنتصر الأكبر في حرب ١٩١٨/١٩١٤ .
وعندما أصبح استقلال لبنان في يد أبنائه أخذ كيانه يرتقص على كف عفریت .
من هنا أن اللبنانيين مدعوون أبداً ، أن يتدارسوا صيغة استقلالهم بعمق وانفتاح .
ثالثاً : كلما كثر تراب لبنان كثرت مشاكله وكلما قل ترابه قلت .
رابعاً : كلما اضطرب الحكم في لبنان لجأ الحاكم الى اعتناق المارونية ، أو نصب عليه حاكم مسيحي .
على هذا الأساس اعتنق فخر الدين، بحسب بعض المؤرخين ، المارونية . كما اعتنق الأمير بشير الشهابي الكبير ، بحسب ما ذكر في وصيته ، المارونية .
وهكذا اضطرت السلطنة العثمانية الى تعيين حاكم مسيحي على لبنان أيام المتصرفية ، واستمر أمر الحاكم المسيحي في لبنان إلى يومنا هذا .
ماذا يريد اللبنانيون؟
أيها السادة ،
أخذاً بهذه الحقائق ، وانطلاقاً من هذه الاعتبارات ماذا يريد اللبنانيون ؟
جوابنا هو هذا :
يريدون : أن يعيشوا بسلام مطمئنين الى غدهم مستمتعين بحريتهم ، لينصرفوا الى العمل والخلق والابداع ، فيحققوا انسانهم كاملاً ، ويصلوا حاضرهم بماضيهم العريق - الأصيل - المتمادي منذ ستة آلاف سنة ، وتستمر ، هكذا ، مسيرة تقدمهم وارتقائهم ، فينتفعوا ، هم ، وينتفع بهم العالم .
أما كيف يتحقق لهم ذلك ؟
فبأن ينشئوا لبنان منسجماً وقابلا للحياة ؟
أما كيف يتحقق لهم ذلك ؟
فهذا عليكم أن تعرفوه أنتم !
عندنا ، في كلام التجارين ، كلام يقول : ( عملناك ريس ت تجر الريح من قرونو .
ومع ذلك فان الناس الذين من حوالي تطارحهم الأسئلة المحرقة يمدون لكم ، في هذا الموضوع الشائك ، يد المساعدة والعون، فيلفتونكم الى أن ذلك لا يتحقق إلا في مدار لبنان منسجم وقابل للحياة .
فاذا أمكن ذلك باصلاح صيغة التعايش الحالية قبلوا.
واذا أمكن ذلك عن طريق اللامركزية أو الكونفديرالية ، أو الفديرالية قبلوا.
واذا أمكن ذلك عن طريق الحياد قبلوا.
واذا لم يمكن ذلك الا عن طريق تصغير لبنان ، أو تقسيمه فهم لا يستطيعون الا أن يقبلوا . لأن وجود لبنان عندهم على أي شكل كان خير من عدم وجوده .
هذا الذى عنيناه في المجلس النيابى ، عند مناقشته البيان الوزاري كار الجمعة في ٢٤ كانون الأول ١٩٧٦ في قولنا :
ذلك فيكون لبناننا أى لبنان كان . لبنان الكيفما كان . شرط أن يبقى لبناتنا هو لبنان الكل للكل : كل لبنان لكل اللبنانيين . أما اذا لم يتحتم لبنان ولكن ، لكى نقع في لبنان الكيفما كان علينا أن نتدبر أمرنا بعقل ، وحكمة وشجاعة ، وصدق ، فتعمل على أساس تخطيط مدروس - شامل .
كل الصيغ بحاجة الى أجوبة.
على هذا ،
وجب ، عندما تبحث صيغة التعايش أن نجيب عن سؤال : هل اللبنانيون جميعهم ، في مستويات حضارية - ثقافية - حياتية متساوية سوية ؟ وان لا فكيف العمل لتسوية هذه المستويات ؟ أم التصرف بموجب وجودها ؟
كما وجب عندما تبحث اللامركزية والكونفديرالية والفيديرالية أن نجيب عن سؤال : هل اللبنانيون جميعهم ، من النضج والمهارة بحيث يستطيعون أن يستعمل آلة - الفيديرالية والكونفيديرالية - وهي آلة دقيقة الصنع . بل فائقة الدقة. استعمالاً يفضي الى الخير الذي ينتج ، عادة ، عن هذه الآلة ؟
أم تؤدي بهم ، هذه الآلة ، وبالبلاد الى هاوية سحيقة ؟
واذا بحث الحياد وجب أن نجيب عن سؤال : الى أي حد يمكن فصل شعور المسلمين عن مشاعر الشعوب الاسلامية المحيطة ؟ والى أي حد يمكن أن يصبح ولاء اللبنانيين كل اللبنانيين للبنان ولاء كلياً - أصلياً ما فوقه ولاء.
واذا ما بحثنا التصغير والتقسيم وجب أن نجيب عن سؤال : ما الذي يومي للبنان المصغر أو المنقسم الحرمة والحماية والاستمرار والاستقرار ؟
أما اذا بحثت لدينا صيغة طريقة - جديدة تشتمل على محاسن هذه المج جميعاً دون معايبها فوجب أن نجيب عن هذه الأسئلة جميعاً .
بعد ذلك يجيء دور التقرير .
أيها السادة ،
عندما يجيء التقرير تجيء معه أمور مهمة في رأسها :
أولاً : ان التقرير شيء ، وان اعلان القرار شيء آخر ، وان طريقة تنفيذه أمر ثالث . وكل واحد من الأمور الثلاثة هذه خطير بحد ذاته ، وخطير بما هو جزء من كل : جزء من خطة ولكل واحد من الأمور الثلاثة الخطيرة هذه مراس :
اذ يقتضي للتقرير : ايمان وشجاعة وصدق.
ويقتضي لاعلان القرار : حكمة ومرونة ودهاء.
كما يقتضي لتنفيذه : عناد ، ونفس طويل وبذل .
ثانياً : ان لبنان كما ننظر اليه نحن ، حل بذاته . وكما ينظرون اليه هم :
أزمة مستمرة .
ثالثاً : ان كل ما يعيق لبنان في طريق ارتقائه يصلح للبناتهم ، ومعظم ما يصلح للبناتهم يعيق ارتقاء لبناننا .
اضرب مثلاً على ذلك في الشأن التربوي . فان جميع المناهج المقترحة منهم تفضي الى خفض المستوى التربوي لتتساوى في الجاهلية ، وجميع المناهج التي في ضمائرنا تفضي الى رفع المستوى لتلتقي في الحضارة .
دور القرار.
ثم يجيء القرار.
فقرارنا هو هذا :
أن يكون لنا لبنان واحد ينسجم فيه شعبه وقادر على الحياة.
فلبنان المنسجم الواحد هذا نتصوره هكذا :
لبنان المتصرفية مضاف اليه : بيروت ، ورقعة أرض في البقاع تبدأ من أقدام جبل الأرز ، صنين ، الكنيسة ، الباروك ، وتمتد عشرة كيلومترات في السهل باتجاه (سلسلة جبال لبنان الشرقية) على أن تبحث بعمق مان القرى المسيحية في ما تبقى من البقاع ، وفي عكار ، وفي الجنوب .
ان لبنان المنسجم الواحد هذا قابل للحياة . لأن دخله يكفيه ، ولأننا تستطيع أن نؤمن له الحماية .
لهذين الأمرين دراسة عميقة يجيء بحثها في حينه .
وقبل الختام تساؤل يطرح ذاته :
لماذا نقبل بلبنان هذا ولا يقبلون ؟
لماذا يقبل المسيحيون بلبنان المنسجم الواحد ولا يقبل به المسلمون ، كل المسلمين ، المقيمين في لبنان وغير المقيمين فيه ؟
يعود ذلك ، في رأيي ، إلى أن المسلمين في لبنان يريدون من المحارة على لبنان الحالى أن يحافظوا على مستوياتهم في التجارة ، في المجتمع ، ولى شؤون الحياة اليومية . أنهم يخشون العودة الى البداوة اذا فقدوه .
أما المسلمون العرب فيريدون ، من بقاء لبنان الحالي على حاله ، يريدن أن تبقى لهم في المسلمين المقيمين في لبنان ، عبوة ناسفة يشعلونها كلما رأوا ظرفهم مواتياً .
وأما المسيحيون فان لهم في لبنان مآرب أخرى .
وهناك تساؤل آخر :
لماذا حيثما رأى المسلمون في العالم أنهم لا يستطيعون أن يسيطروا على الـبلد الذي فيه يعيشون عمدوا الى القسمة وقسموها .
ولماذا في لبنان يخافون القسمة ويرفضونها ؟ ألعلهم يتوهمون أنهم قادرون على السيطرة على هذا البلد ؟
أيها السادة ،
حاولنا ، قدر المستطاع ، أن نقدم في نصف ساعة عصارة ما به نعتقد، فحيثما وجب التصريح صرحنا ، وحيثما كان يكفي التلميح ألمحنا . ولم نغض الا حيثما رأينا الاغضاء لا يعيب وستعود في النقاش الى حقنا في الكلام للتبسط في التبيين .
أجرنا في هذا البيان اننا تخففنا من ثقل كان يطأ قوياً على صدورنا وضمائرنا . وأجرنا أننا في هذا حاولنا أن نعطي المقاتلين والشهداء أجرهم .
ويجب ألا يغيب عن بالنا أيها السادة ، اننا وصلنا الى هذا المكان جميعاً على أنهار من دم ، وعبر جبال من ركام .
عاش لبنان.