في الوعي السياسي للقوى المسيحية المنضوية في إطار الجبهة اللبنانية، لم يكن الوجود السوري في الثمانينيات عامل استقرار كما جرى تسويقه، بل كان امتدادًا مباشرًا لأزمة السيادة اللبنانية. فالدخول السوري، الذي بدأ تحت عناوين عربية وتهدويّة، تحوّل تدريجيًا إلى نظام هيمنة يقيّد القرار الوطني ويصادر حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم. من هذا المنطلق، رأت هذه القوى أن المشكلة لم تكن في الفوضى وحدها، بل في الجهة التي تديرها وتستثمر فيها.
اعتبرت الجبهة اللبنانية أن سوريا لم تتدخل لحماية لبنان، بل لإعادة ضبطه وفق مصالحها الاستراتيجية. فبدل أن تكون وسيطًا بين اللبنانيين، نصّبت نفسها حكمًا وخصمًا في آن واحد، مستخدمة أدوات عسكرية وأمنية وسياسية لفرض وقائع جديدة. هذا السلوك، في نظر المقاومة المسيحية، لم يؤدِّ إلى إنهاء الحرب، بل إلى إطالتها عبر كسر التوازن الداخلي لمصلحة محور واحد، وإلغاء مبدأ الشراكة الوطنية.
من زاوية هذه الرؤية، لم يكن الصدام مع سوريا خيارًا أيديولوجيًا أو انفعاليًا، بل نتيجة طبيعية لمحاولة الدفاع عن الكيان اللبناني الحر. فالمقاومة المسيحية رأت نفسها في موقع الدفاع الأخير عن فكرة لبنان المستقل، في وجه مشروع إقليمي يسعى إلى تحويله ساحة تابعة أو ورقة تفاوض. لذلك، اكتسب الصراع بعدًا وجوديًا، حيث لم يعد الخلاف سياسيًا فقط، بل مرتبطًا بمصير الكيان ودوره.
في هذا السياق، اكتسب مفهوم المقاومة معنى مختلفًا عن السائد في الخطاب الإقليمي. لم تكن مقاومة احتلال خارجي مباشر فحسب، بل مقاومة وصاية مقنّعة تتسلل عبر الشعارات القومية والتحالفات المرحلية. هذه المقاومة، كما رآها خطاب الجبهة اللبنانية، لم تكن عدوانية، بل دفاعية، هدفها منع ذوبان لبنان في مشاريع لا تشبهه ولا تعبّر عن تاريخه التعددي.
الانتقاد الأساسي الذي وجّهته هذه القوى للمسار السوري تمثّل في إلغائه مبدأ الدولة. فبدل دعم المؤسسات الشرعية، جرى تفريغها من مضمونها، وتحويلها إلى أدوات شكلية تخدم واقع السيطرة. هذا النهج عمّق الانقسام الداخلي، وأفقد اللبنانيين الثقة بإمكانية قيام دولة عادلة، ما دفع كل طرف إلى الاحتماء بخياراته القصوى، بدل البحث عن تسوية وطنية متوازنة.
كما رأت الجبهة اللبنانية أن التفاهمات الدولية التي منحت سوريا دورًا مرجعيًا في لبنان لم تكن بريئة، بل جاءت على حساب سيادة لبنان. فالسكوت الأميركي والغربي عن الممارسات السورية لم يكن اعترافًا بشرعيتها، بل تعبيرًا عن أولوية الاستقرار الأمني على حساب الحرية السياسية. هذا الواقع عزّز قناعة القوى المسيحية بأن الخارج لا يحمي لبنان إلا بقدر ما يخدم مصالحه، وأن الرهان عليه رهان خاسر.
لا استقرارًا حقيقيًا في لبنان من دون إنهاء الوصاية السورية، ولا دولة من دون استعادة القرار الوطني الحر. هذا الموقف، الذي شكّل جوهر خطاب الجبهة اللبنانية والمقاومة المسيحية في الثمانينيات، لم يكن مجرّد رد فعل على ظرف طارئ، بل رؤية متكاملة تعتبر أن السيادة ليست تفصيلًا، بل الشرط الأول لأي حوار داخلي وأي تسوية قابلة للحياة.