إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين السياسي والمشرع

في زمن الإنتداب الفرنسي

من زمن الإنتداب الفرنسي للبنان:
في صيف 1919، جرى لقاء تاريخي بين رئيس الحكومة الفرنسية جورج كليمونصو والزعيم الروحي للموارنة البطريرك الياس الحويك، وقد حضر إلى باريس للمطالبة بالإستقلال الذاتي وضم الأقضية الأربعة إلى جبل لبنان.
أبحر البطريرك الحويك من جونيه على رأس وفد من رجال الإكليروس فوق بارجة حربية.
حدد الرئيس الفرنسي موعدًا للإجتماع مع الآتي من الشرق وتسلّم مذكرته حول الصيغة المطلوبة للبنان تحت الرعاية الفرنسية.
وقف كليمنصو ومدّ يده إلى غبطة البطريرك الحويّك، وأكد للبطريرك أن لبنان سينال منفذًا إلى البحر أسوة بغيره من البلدان.
فرد البطريرك مصححًا ما التبس على رئيس وزراء فرنسا وقال:
لكن لبنان غني بالشواطئ وكلّه منافذ إلى البحر.
فاعتذر كليمنصو لهذا الإلتباس ثم أصغى باهتمام إلى كلام البطريرك.
إنحسر المد العثماني إلى حدود تركيا الحالية، وكانت رحلة البطريرك الحويك إلى باريس بمثابة الخطوة الأولى نحو ولادة لبنان الكبير الذي أبصر النور في السنة 1920 تحت إشراف الدولة الفرنسية مفتتحًا مرحلة من الإنتداب الدولي على بلاد الأرز.
بمناسبة ولادة دولة لبنان الكبير أقيم احتفال في قصر الصنوبر تصدّره الجنرال غورو أول مندوب سامي فرنسي في لبنان وقد جلس عن يمينه البطريرك الياس الحويك وعن يساره مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا.
مع انتقال لبنان وسوريا إلى قبضة الإنتداب الفرنسي، إستولى الفرنسيون على إدارة مرافق البلدين.
إستفادت طبقة من السياسيين والعسكريين الفرنسيين من هذا الظرف وراحت تنشر نفوذها وتأخذ مكانتها في مواقع القرار إلى درجة صار كل لبناني متخرّج من أوروبا أو من غيرها يحتاج إلى ضوء أخضر من المندوب السامي الفرنسي حتى يحصل على وظيفة، وإلا فالأبواب مغلقة في وجهه.
وكان في واجهة المفوضية العليا مستشار قضائي إسمه الموسيو بواش.
وكان المحامي شارل دباس خريج جامعات باريس، متزوجًا من فرنسية.
فاختاره بواش ليعاونه ويكون همزة الوصل بينه وبين المحامين اللبنانيين.
وبجهد الرجلين نُظّمت مهنة المحاماة واختير لرئاسة النقابة المحامي وديع دوماني، ولعضويتها المحامون بشارة خليل الخوري وعوني اسحق ونجيب عبد الملك وغيرهم.
وكانت لشارل دباس غرفة في المفوضية العليا، ثم لاحقًا في سراي بيروت القديمة وكان موقعها مكان سينما ريفولي في ساحة الشهداء.
في أيار (مايو) 1924، جرت الإنتخابات النيابية في فرنسا وفازت كتلة اليسار والراديكاليين الإشتراكيين والحزب الإشتراكي وحلفائهما.
إختير "هيريو" لرئاسة الوزارة الجديدة، فأبرق إلى الجنرال "ويغان" يعفيه من مهامه في لبنان وسوريا، ويعيّن مكانه الجنرال سيراي، وكان شرس الطباع غير حافل بالتقاليد الدينية.
أقيم وداع مهيب للجنرال ويغان في مرفأ بيروت، نظّمه جوزف شيحا، وكانت العادة أن يقام احتفال للترحيب بالمفوض العام الجديد.
كان نقولا بسترس، رئيس التشريفات السابق في وزارة الخارجية موجودًا في فرنسا فزار الجنرال ويغان في منزله ليقدّم إليه نفسه.
وجده يعيش ببساطة وبلا بذخ، إلا أنه كان شرس الطباع، لا تعرف الإبتسامة موقعًا فوق ثغره.
فاستقبله بالقول:
من أنت وماذا تريد؟
أجابه:
علمت بتعيينكم مفوضًا ساميًا لبلادنا فجئت أسلم عليك، وأعرض خدماتي".
فرد بالشراسة نفسها:
"أخذت علمًا بذلك.
وحذار أن يكون لي حفلة تكريم عند مجيئي.
أنا ضد حفلات التكريم.
تذكر ذلك جيدًا".
تحدد يوم الثاني عشر من كانون الثاني (يناير) موعدًا لترشيح الأسماء الثلاثة.
كان سيراي يريد إبعاد إميل إده المقرّب من الصرح البطريركي عن المنصب.
لكنه لم يعثر على الإسم البديل.
فكان يفضل التريث.
وبالتالي كان يريد تعطيل الجلسة فأوكل المهمة لأيوب تابت وبترو طراد وشارل دباس.
والمسيو روزور.
ضرب إميل إده المنصة بمطرقته الخشبية معلنًا بدء الإقتراع للأسماء الثلاثة.
بين النواب تيار يريد اختيار إميل إده.
وكان فيه المسيحي والمسلم.
فاللعبة الطائفية في بدايات الإنتداب لم تكن نافرة في لبنان.
أعلن إميل إده أن الجلسة مخصصة لانتخاب مرشحين لحاكمية لبنان.
طلب النائبان أيوب تابت وبترو طراد الكلام.
لفتهما إميل إده بأن الجلسة مخصصة للإنتخاب لا للمناقشة.
مع ذلك أصرّا على الكلام.
وأيّدهما النائب الجديد يوسف السودا الذي خلف المرحوم نعوم لبكي.
وطلب بدوره الكلام.
ساد المجلس جو بلبلة.
وقف شارل دباس ومعه الموسيو روزور وأعلنا بأن الأصول البرلمانية غير مرعية، ثم يقول دباس وهو يزرر جاكتته علامة الإنسحاب:
"إننا ننسحب من الجلسة صونًا لحرمة التقاليد البرلمانية".
كان ذلك كافيًا لتعطيل الجلسة ولتفويت فرصة المجيء إلى حاكمية لبنان على إميل إده.
وجدها سيراي فرصته فاختار في اليوم الثالث عشر من ذلك الشهر، ليصدر قرارين تاريخيين:
الأول بحل المجلس النيابي لطغيان السلبية على جلساته، والثاني بعزل الجنرال فان دنبرغ وتسمية ليون كيلا حاكم جبل العلويين خلفًا له.
بعد خمس سنوات من إعلان دولة لبنان الكبير، كانت البلاد حاكمية إدارية، وكان الحاكم فرنسيًا يختاره المفوض السامي بالإتفاق مع باريس.
يلعب ضمنًا دور رئيس الجمهورية، بينما كان مجلس النظار أو المديرين يلعب دور الحكومة.
كان أعضاء هذا المجلس:
شارل دباس مدير العدلية، الشيخ محمد الجسر مدير الداخلية، الأمير جميل شهاب مدير المال، نجيب عبد الملك مدير المعارف، ابراهيم حيدر مدير الزراعة، ألفونس أيوب مدير الشؤون الإقتصادية، إدمون بشارة مدير الأشغال، الدكتور يوسف منصور مدير الصحة والإسعاف العام.
وانتقلت هذه الحاكمية من الجنرال ترابو في عهد الجنرال غورو، إلى الجنرال فان دن برغ ثم إلى ليون كيلا.
بالإضافة إلى مجلس النظار أو المديرين كان هناك مجلس الشورى الذي أنشئ في السادس من أيلول 1924، واختار الجنرال فان دن برغ لرئاسته السيد حبيب باشا السعد رئيس مجلس النواب السابق، بعدما قدّم استقالته من مجلس النواب، وانتخب مكانه وديع عقل.
ويبدو أن حبيب باشا كان محبوبًا عند جميع الحكّام الإداريين الفرنسيين، بدليل أنّه ما إن استتبت المقاليد في قبضتَيْ "كيلا" حتى عيّن حبيب باشا أمين سر عام رئيس مجلس النظار، وهو، مع بعض الفوارق، منصب يساوي الآن منصب رئيس مجلس الوزراء.
كان سيراي عدو التقاليد الدينية.
كانت تبدأ الدروس الصباحية في مدارس الرهبان والآباء اليسوعيين وكل معهد علمي أو تربوي يديره أو يشرف عليه إكليريكيون بدقيقة صمت حدادًا على وجود الجنرال سيراي كممثل لفرنسا.
خفّف الجنرال من علمانيته، كما خفّف من علمانية مساعده الحاكم كيلا.
وقسّم منطقة النفوذ بينه وبين رجل إداري فرنسي يدعى الموسيو ديمون، كان مندوب المفوض السامي في لبنان بحيث تولى كيلا الشؤون الإدارية فقط وتولى ديمون الشؤون السياسية ومنها الإشراف على الإنتخابات التي عين الجنرال موعدها في تموز 1925، والإشراف كما يفهمه المفوض السامي، لا الإعداد لانتخابات حرة نزيهة بل اختيار اللوائح الإنتخابية من أسماء الذين يدينون بالولاء للإنتداب الفرنسي.
يوسف سالم الذي كان قد قرر نزول الإنتخابات عن الجنوب ولو منفردًا، يقول:
"قبل موعد الإنتخابات بأسابيع قليلة طلب إلي مدير شركة المياه الكومندون دوبوريغان أن أقابل السيد ديمون مندوب المفوض السامي في لبنان بناء على رغبته.
ففعلت.
وقال لي الموسيو ديمون وأنا أصل إليه في سراي البرج:
أعرف عنك من صديقي الكومندون دوبويغار أنك شاب نشيط مثقف، وأنك أهل لأن تكون عضوًا في المجلس التمثيلي.
لكن ألا ترى معي أنك لا تزال فتيًا.
أقول لك هذا وأريد أن تأخذ علمًا بأن لائحة الجنوب قد أقفلت واكتملت بأعضائها السبعة ووافق عليها المفوض السامي، وليس من سبيل للرجوع عنها أو إجراء أي تعديل فيها.
وهذا ببساطة يعني أن لا أمل لك بالنجاح.
.
كما جرّب الموسيو ديمون طريقة الترغيب والترهيب مع يوسف سالم جربها مع آخرين وكل مراده ومراد المفوض السامي أن يوظفا نوابًا وإن كانت العملية عملية انتخاب.
فإذا جاء دور النواب لانتخاب رئيس الجمهورية كان مرشح الإنتداب الفرنسي هو المؤهل للنجاح أي تعيين النواب الذين يهيئون للمفوض السامي بواسطتهم تعيين رئيس الجمهورية اللبنانية وبالتحديد أول رئيس لهذه الجمهورية.
اللعبة مسلية ولكنها محفوفة بالمخاطر والمفاجآت.
الإنتداب الفرنسي بدأ يأخذ أبعادًا عميقة في لبنان، وبدأ ينقسم حوله اللبنانيون:
منهم من بدأ يعتبر بيروت جزءًا لا يتجزأ من فرنسا، ومنهم من حمل لواء العروبة والوحدة العربية التي جسّدها الملك فيصل.
منهم من طالب للبنان بنظام ملكي يحكمه أحد أفراد عائلة بوربون الفرنسية، ومنهم من اقترح جعل لبنان إمارة على رأسها أحد أبناء الشريف حسين.
كان ميشال شيحا ينكبُّ إلى وضع الصيغة المناسبة للدستور اللبناني مستلهمًا دستور الجمهورية الثالثة الصادر في السنة 1875، وسعى لتكييفها مع العقلية الشرقية ومع طبيعة اللبنانيين.
وفرنسا كانت الجمهورية الوحيدة ذات النظام الديمقراطي في اوروبا، فأراد أن يستلهم ميشال شيحا منها دستورًا للجمهروية اللبنانية.
نواب اللجنة المكلفة بصياغة الدستور على رأسهم موسى نمور رئيس المجلس ناقشوا مسودة الدستور، هكذا قيل.
ومنهم من يقول إنّهم بصموا عليه بصمًا دون قراءته، لأن كثيرين منهم أميون غير مؤهلين للمناقشة وللترجمة من الفرنسية إلى العربية.
من هنا أتت المادة 95 ذكرت بصورة مؤقتة والتماسًا للعدل والوفاق تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دون أن يؤول ذلك إلى الإضرار بمصلحة الدولة.
هذه الصورة المؤقتة لا تزال حيّة بعد مرور مئة عام على ولادتها.
في 19 آيار 1926 صدّق على الدستور اللبناني لم يعرقل المفوض السامي دو جوفنيل ولادته سيما وأنه نسخة عن دستور فرنسا، فأصدر قرارًا بتحويل المجلس التمثيلي إلى مجلس نواب في 23 آيار 1926 وأصدر قرارًا آخر بتعيين أعضاء مجلس الشيوخ وانتخب الشيخ محمد الجسر رئيسًا لهذا المجلس.
بيروت قُبيل فجر الإستقلال في التاسع من أيلول 1936، جرى التداول في معاهدة بين الحكومة الفرنسية ولبنان، في ظاهرها اعتراف بالإستقلال وفي باطنها استمرار للإنتداب لمدة خمس وعشرين سنة قابلة للتجديد.
في الثالث من تشرين الثاني تم التوقيع على هذه المعاهدة في بيروت بين الكونت دو مارتيل المفوض السامي الفرنسي وإميل إده رئيس الجمهورية اللبنانية.
إلا أن مجلس النواب الفرنسي رفض التصديق عليها.
كذلك رفضها البيروتيون بمعظمهم، وأيّدهم في موقفهم أبناء المناطق التي ألحقها الجنرال غورو بجبل لبنان لتشكل لبنان الكبير منذ أول أيلول 1920.
في العاشر من آذار 1936، إجتمع زعماء بيروت الذين يطالبون بالوحدة مع سوريا في قصر عمر بك بيهم وأطلق على ذاك الإجتماع إسم مؤتمر الساحل.
أصدر في أعقابه المجتمعون بيانًا جددوا فيه مطالبتهم الإنضمام إلى سوريا والإستقلال عن الفرنسيين.
ووقّع على هذا البيان التاريخي جميع الحاضرين بمن فيهم ممثلون عن بيروت وطرابلس وصيدا وصور وجبل عامل والأقضية الأربعة بعلبك وراشيا وحاصبيا والبقاع.
وحده قاظم الصلح إمتنع عن التوقيع وأذاع بيانًا مستقلاً برر فيه موقفه.
في أيلول 1939 إندلعت الحرب العالمية الثانية فأصدر المفوض السامي قرارًا أوقف بموجبه الدستور في لبنان وأعلن الأحكام العرفية وحالة الطوارئ واسترد الفرنسيون حكمهم المباشر وألغوا كل شكليات الحكم الوطني.
 
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
• مختارات من محاضرات
إدوار حنين - المجموعة الأولى

• ملف شوقي
• ملف خواطر
• ملف ثلاث كلمات في المصالحة مع الذات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.