الحرب والانقسام السياسي لهما أثر بالغ على التعليم في لبنان، إذ تتجاوز هذه الآثار مجرد تعطيل الدراسة لتصل إلى جودة التعليم واستقراره، وصولًا إلى التأثير النفسي والاجتماعي على الطلاب والمعلمين والمؤسسات التربوية. فالتعليم لا يمكن أن يكون فعّالًا في بيئة مضطربة سياسيًا أو متأثرة بصراعات مستمرة.
أولًا، الحرب والانقسامات السياسية تؤدي إلى تعطيل المدارس والجامعات بشكل متكرر، سواء بسبب تدمير البنية التحتية، نقص الموارد، أو القيود الأمنية، ما يخلق فجوات تعليمية كبيرة لدى الطلاب ويؤثر على تحصيلهم الأكاديمي ويزيد من التسرب المدرسي.
ثانيًا، الانقسام السياسي ينعكس على استقلالية المؤسسات التعليمية وموضوعية المناهج. ففي بعض الحالات، تتحوّل المدارس والجامعات إلى ساحات لتجاذبات حزبية أو طائفية، ما يؤدي إلى توجيه المناهج أو الممارسات التربوية بما يخدم أجندات معينة، ويضعف من قدرة التعليم على تعزيز قيم المواطنة والعيش المشترك.
ثالثًا، الحرب والانقسام يؤديان إلى ضعف التمويل الحكومي للتعليم، ما يحد من تحديث المناهج، تطوير البنية التحتية، وتأهيل المعلمين. فالميزانيات المخصصة غالبًا ما تُستنزف في أولويات سياسية أو أمنية، ويظل التعليم في مؤخرة الاهتمام، ما يؤثر مباشرة على جودة العملية التعليمية.
رابعًا، التأثير النفسي والاجتماعي على الطلاب لا يقل خطورة، حيث يعيشون في بيئة مليئة بالضغوط، الخوف، والانقسام الاجتماعي، مما يضعف تركيزهم على التعلم ويزيد من صعوبات الانخراط في المجتمع والتفاعل الإيجابي مع الآخرين.
خامسًا، الانقسامات السياسية تؤدي إلى هجرة المعلمين والكفاءات التعليمية، الذين يفضلون البحث عن بيئات مستقرة تتيح لهم ممارسة مهنتهم بحرية وفعالية، ما يزيد من فقدان رأس المال البشري ويضعف القدرة على تطوير التعليم على المدى الطويل
كتابات في السياسة
شكّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 محطة مفصلية في مسار الحرب خلال الثمانينيات، إذ كان حدثاً استراتيجياً أعاد رسم التوازنات الداخلية والإقليمية المرتبطة بالساحة اللبنانية. دخل الاجتياح في سياق صراع مفتوح، لكنه سرعان ما تجاوز أسبابه المعلنة، ليترك آثاراً عميقة على بنية الصراع نفسه.
أدّى التقدّم العسكري الإسرائيلي وصولاً إلى بيروت إلى كسر معادلات كانت قائمة منذ سنوات، خصوصاً تلك المرتبطة بالحضور الفلسطيني المسلّح. خروج منظمة التحرير الفلسطينية من العاصمة لم يكن مجرد انسحاب عسكري، بل تحوّل سياسي أنهى مرحلة كاملة من الدور الفلسطيني في لبنان، وفتح فراغاً كبيراً في المعادلة الداخلية، سرعان ما ملأته قوى أخرى.
على المستوى الداخلي، أحدث الاجتياح صدمة واسعة في المجتمع اللبناني. فقد كشفت سرعة الانهيار العسكري أمام التقدّم الإسرائيلي هشاشة الواقع الأمني وتفكك القرار الوطني. كما زادت الانقسامات حدة، إذ اختلفت القراءات السياسية للاجتياح بين من رآه فرصة لإعادة ترتيب الداخل، ومن اعتبره احتلالاً مباشراً يستدعي المواجهة.
في الجنوب، شكّل الاحتلال الإسرائيلي نقطة تحوّل كبرى. فبدلاً من إنهاء الصراع، أطلق ديناميات جديدة للمقاومة، قامت على أسس مختلفة عن التجارب السابقة. هذا التحوّل لم يظهر فوراً، لكنه بدأ يتبلور تدريجياً، ليغيّر طبيعة المواجهة مع إسرائيل ويؤسس لمسار طويل الأمد في الصراع.
إقليمياً، عزّز الاجتياح تعقيد الملف اللبناني، وربطه بشكل أوثق بالتوازنات الدولية. دخلت قوى خارجية على خط الأزمة، سواء عبر قوات متعددة الجنسيات أو عبر أدوار سياسية غير مباشرة، ما جعل لبنان ساحة اختبار لإرادات متعارضة، تتجاوز قدرته الذاتية على التحكم بمصيره.
لم يكن اجتياح 1982 حدثاً عابراً، بل لحظة فاصلة نقلت لبنان من مرحلة إلى أخرى. غيّر موازين القوى، وأعاد تعريف أطراف الصراع، وترك جروحاً سياسية وأمنية لم تلتئم سريعاً، وأسّس لوقائع ستستمر آثارها إلى ما بعد نهاية الحرب.
يبدأ تاريخ الهجرة اللبنانية الحديثة عند منتصف القرن التاسع عشر، كمنعطف مصيري أعاد رسم علاقة اللبناني بأرضه وبالعالم من حوله. ففي تلك المرحلة الدقيقة، كان لبنان يقف على تخوم زمنٍ يتداعى، حيث لم تعد البنى التقليدية قادرة على احتواء التغيّرات الاقتصادية والسياسية، ولا على تأمين الحدّ الأدنى من الاستقرار لأبنائه.
كان جبل لبنان، الذي شكّل لقرون ملاذًا طبيعيًا ومجتمعًا قائمًا على الاكتفاء النسبي، يواجه ضغطًا متزايدًا على موارده. الزراعة لم تعد تكفي، والحِرَف التقليدية بدأت تتراجع، والضرائب المفروضة من السلطنة العثمانية أثقلت كاهل الأهالي، فيما أخذ التفاوت الاجتماعي يتّسع، مولّدًا شعورًا عامًا بالاختناق. ومع اندلاع أحداث 1860 الدامية، تكرّس الإحساس الجماعي بأن البقاء لم يعد خيارًا مضمونًا، وأن الرحيل قد يكون السبيل الوحيد للنجاة.
في تلك اللحظة التاريخية، تحوّل البحر من فضاءٍ للخوف إلى معبرٍ للأمل. لم يكن المهاجر اللبناني يملك خريطة واضحة لمستقبله، ولا معرفة دقيقة بالأراضي التي قصدها، لكنه كان مدفوعًا بإرادة صلبة للعيش، وبقناعة راسخة بأن العمل في أي مكان أهون من العوز في الوطن. فشدّ الرحال إلى الأميركيتين، أولًا، حيث فتحت القارة الجديدة أبوابها أمام الباحثين عن فرصة، ثم إلى أفريقيا وأستراليا، حاملًا معه ذاكرة القرية، وصلابة الجبل، وحلم العودة الذي لم يكن يغيب، حتى وإن تأجّل.
لم تكن الهجرة اللبنانية في بداياتها مشروعًا جماعيًا أو سياسة معتمدة، بل سلسلة قرارات فردية اتخذها رجال ونساء وجدوا أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ. غادروا أفرادًا، لكنهم سرعان ما شكّلوا شبكات اجتماعية واقتصادية متينة في بلدان الاغتراب، فعملوا في التجارة والصناعة والخدمات، وأسّسوا لعلاقات متوازنة مع المجتمعات المضيفة، قوامها الاجتهاد والقدرة على الاندماج من دون الذوبان.
ومع مرور الزمن، تحوّلت الهجرة من فعل اضطراري إلى ظاهرة بنيوية في المجتمع اللبناني. فقد باتت الحوالات المالية التي يرسلها المغتربون ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي، وأسهمت في تحسين أوضاع عائلات بأكملها، وفي إعادة تشكيل أنماط العيش والتعليم والتطلعات الاجتماعية. وهكذا، لم يعد المهاجر منفصلًا عن الوطن، بل صار جزءًا من دورة اقتصادية وإنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية.
ومع مطلع القرن العشرين، ثم خلال الحربين العالميتين، وبعد الاستقلال، تجددت موجات الهجرة وتبدّلت أسبابها، لكن جذورها ظلّت واحدة: البحث عن الأمان والكرامة والفرص. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في النصف الثاني من القرن العشرين، عادت الهجرة لتأخذ طابعًا قاسيًا، أشبه بنزيفٍ بشريّ أصاب مختلف المناطق والفئات، مؤكدة أن ما بدأ في القرن التاسع عشر لم يكن حدثًا معزولًا، بل مسارًا طويلًا يتكرّر كلما عجز الداخل عن احتضان أبنائه.
إن تاريخ الهجرة اللبنانية، الممتد منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، هو في جوهره تاريخ وطنٍ مأزوم، لكنه أيضًا تاريخ شعب يمتلك قدرة استثنائية على الصمود وإعادة الابتكار. فحيثما حلّ اللبناني، حمل معه لغته وعاداته وحنينه، وأسهم في بناء اقتصادات وثقافات جديدة، من دون أن يتخلّى عن انتمائه الأول. ومن هنا، يصبح الاغتراب وجهًا آخر للوطن، وتغدو الجغرافيا اللبنانية أوسع من حدودها المرسومة على الخرائط.
الهجرة اللبنانية حكاية مستمرة، تتجدّد مع كل أزمة، وتعيد طرح السؤال نفسه: لماذا لا يزال اللبناني مضطرًا إلى الرحيل؟ وبين منتصف القرن التاسع عشر والحاضر، تتراكم الإجابات، لكن الحقيقة تبقى واحدة: الهجرة لم تكن يومًا خيارًا حرًّا بالكامل، بل غالبًا صرخة صامتة في وجه واقعٍ قاسٍ، ودليلًا على أن اللبناني، حين يُضيَّق عليه في وطنه، يوسّع وطنه ليشمل العالم كله.
منذ منتصف القرن التاسع عشر، لم تكن الهجرة اللبنانية مجرد حركة انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت لحظة انكسارٍ أولى في علاقة اللبناني بوطنه. هناك، عند ذلك المفصل الزمني البعيد، بدأ اللبناني يكتشف أن الأرض التي أحبّها لم تعد قادرة على احتوائه، وأن البقاء لم يعد دائمًا مرادفًا للأمان.
لم يولد اللبناني مهاجرًا بطبعه، بل دُفع إلى الرحيل حين ضاقت به السبل. في القرى المعلّقة على سفوح الجبال، وفي البيوت المتعبة من الفقر والاضطراب، تشكّل القرار الأصعب: أن يترك الإنسان جذوره خلفه، وأن يراهن على المجهول بدلًا من انتظار الخيبة. لم يكن البحر آنذاك طريقًا للحلم، بل معبرًا للخلاص، يحمل الراحلين إلى قارات بعيدة لا يعرفون عنها سوى أنها أبعد ما تكون عن الألم القريب.
هكذا، بدأت الهجرة اللبنانية الحديثة كفعل اضطرار، لا كخيار. رجال ونساء غادروا حاملين معهم أكثر مما تسمح به الحقائب: أسماء القرى، لهجات الأمهات، ووصايا الآباء الذين بقوا خلفهم يراقبون الأفق. ومع كل سفينة كانت تغادر، كان الوطن يخسر جزءًا من نبضه، ويؤجّل مواجهته مع أزماته.
لكن اللبناني، حيثما حلّ، لم يكن عابرًا. سرعان ما تحوّل إلى عنصر فاعل في المجتمعات التي احتضنته، يعمل بصمت، ويبني بثبات، ويثبت أن ما أُجبر على تركه لم يكن ضعفًا فيه، بل ضعفًا في وطنٍ لم يعرف كيف يحمي أبناءه. وبين نجاحٍ في الاغتراب وانتظارٍ طويل للعودة، ظلّ الحنين حاضرًا، يربط المهاجر بأرضٍ لم تغادره يومًا في الذاكرة.
منذ ذلك التاريخ، تكرّست الهجرة كمرآة دائمة للأزمات اللبنانية. كلما تعثّر الداخل، فتح الخارج أبوابه. وكلما انسدّ الأفق، اتّسعت الجغرافيا. وبين منتصف القرن التاسع عشر واليوم، لم تتغيّر الحكاية كثيرًا، بل تغيّرت فقط أسباب الرحيل وأشكاله، وبقي الجوهر واحدًا: وطن يصدّر أبناءه، وأبناء يحملونه معهم أينما ذهبوا.
هذه الافتتاحية ليست رثاءً للماضي، بل تذكير بأن الهجرة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات وسياسات وإخفاقات. فالتاريخ الذي بدأ قبل أكثر من قرن ونصف لا يزال يُكتب حتى اليوم، والسؤال نفسه لا يزال معلّقًا: متى يصبح البقاء في لبنان حقًا لا مغامرة؟
يبدأ تاريخ الهجرة اللبنانية عند منتصف القرن التاسع عشر، لا كتاريخ أرقامٍ وسفنٍ ومرافئ، بل كحكاية وجعٍ طويل، كُتبت على عيونٍ كانت تحدّق في البحر أكثر مما تنظر إلى الأرض. يومها، لم يكن اللبناني يغادر وطنه لأنّه يريد الرحيل، بل لأنّ الوطن ضاق به، ولأنّ الجبل الذي احتضنه قرونًا لم يعد قادرًا على حماية أحلامه ولا على إطعام أطفاله.
في تلك السنوات البعيدة، كان لبنان يختنق بصمت. القرى مثقلة بالفقر، والبيوت متعبة من الانتظار، والحقول لم تعد تعطي كما كانت. تبدّلت الأزمنة سريعًا، وبقي الإنسان وحيدًا في مواجهة قسوة العيش. جاءت الاضطرابات والأحداث الدامية لتكسر ما تبقّى من طمأنينة، فصار الخوف مقيمًا، وصار الرحيل فكرةً تتسلّل إلى المجالس، ثم قرارًا يُتَّخذ على عجل، كمن يقفز من مركبٍ يغرق ولا يعرف إن كان الشاطئ قريبًا أم بعيدًا.
لم يكن البحر يومًا صديقًا للبناني، لكنه صار ملاذه الأخير. وقف كثيرون على المرافئ، يحملون حقائب صغيرة وقلوبًا مثقلة، يودّعون أمّهاتٍ كأنّهنّ يسلّمن أبناءهنّ للقدر، وآباءً يخفون دموعهم كي لا ينكسروا. كانت الرحلة طويلة، محفوفة بالخوف، لكن ما كان أقسى من البحر هو فكرة أن الوطن بات خلفهم، يتراجع مع الأفق، ويترك في الصدر فراغًا لا يملؤه شيء.
في المنافي البعيدة، لم يكن اللبناني مهاجرًا عاديًا. كان إنسانًا اقتلع من جذوره وحاول أن يزرع نفسه من جديد. اشتغل كثيرًا، تعب كثيرًا، ونجح أحيانًا وفشل أحيانًا، لكنه لم يتخلّ يومًا عن ذاكرته الأولى. ظلّت القرية حاضرة في أحاديثه، وظلّ اسم الأم يُنطق بلهفة، وظلّ الحلم بالعودة يكبر كلما ابتعد أكثر. كان يبني البيوت في الغربة، لكنه كان يرمّم روحه بذكريات الوطن.
ومع مرور الأعوام، لم تعد الهجرة فعلًا فرديًا معزولًا، بل صارت قدرًا جماعيًا. تكاثرت الرسائل القادمة من وراء البحار، ثم جاءت الحوالات المالية، تحمل معها طمأنينة مؤقتة وأملًا هشًّا. صار الغائب حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، وصار الوطن يعيش على إيقاع المغتربين، ينتظرهم في الصيف، ويودّعهم مع أول أزمة جديدة.
تعاقبت الأجيال، وتبدّلت الوجوه، لكن الحكاية بقيت هي نفسها. من منتصف القرن التاسع عشر إلى اليوم، يهاجر اللبناني كلما خذلته الدولة، وكلما ضاقت به السياسة، وكلما شعر أنّ كرامته مهدّدة. ومع كل موجة هجرة، كان الوطن يخسر جزءًا من شبابه، لكنه في المقابل كان يربح امتدادًا إنسانيًا في العالم، كأنّ لبنان، بعجزه، قرّر أن يعيش خارج حدوده.
إن الهجرة اللبنانية ليست مجرد خيار اقتصادي أو مسار تاريخي، بل جرح مفتوح في الذاكرة الجماعية. هي قصة وداعٍ لا ينتهي، وحنينٍ لا يبرد، وأملٍ يصرّ على البقاء رغم كل الخيبات. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر، لم يتوقّف اللبناني عن السؤال: لماذا نغادر؟ ولم يتوقّف الوطن عن الصمت.
ومع ذلك، ورغم كل شيء، ظلّ اللبناني يحمل وطنه معه حيثما ذهب. في لغته، في طعامه، في أغانيه، وفي تلك اللحظة الصامتة التي يقف فيها وحيدًا في بلدٍ بعيد، ويشعر أن قلبه لا يزال معلّقًا هناك، عند تلك النقطة الصغيرة على الخريطة، التي اسمها لبنان.
من هو “مولوخ”؟
يَرِد اسم مولوخ (أو مولِك / مولك) في نصوص قديمة في الشرق الأدنى، لا سيّما في العهد القديم، بوصفه إلهاً ارتبط بطقوس نارية مثيرة للجدل.
ويُعتقد أنّ الاسم مشتق من الجذر السامي “ملك” الذي يعني “الملك”، ما يجعل بعض الباحثين يرجّحون أنّه لم يكن اسم إله مستقل بقدر ما كان لقباً أو توصيفاً لطقس معيّن.
في التراث الفينيقي – القرطاجي، وخصوصاً في مدينة قرطاج، ارتبطت صورة “مولوخ” بما يُعرف بـ“التوفِت” (Tophet)، وهي مواقع أثرية عُثر فيها على جرار تحتوي على بقايا رماد وعظام أطفال. وقد أثار ذلك جدلاً تاريخياً واسعاً:
هل كانت هذه بقايا تضحيات بشرية فعلية، أم مقابر لأطفال ماتوا لأسباب طبيعية ثم أُحرقوا وفق طقوس دينية؟
لا يوجد حتى اليوم إجماع علمي حاسم، لكن الصورة التي ترسّخت في الذاكرة الدينية والأدبية الغربية قدّمت “مولوخ” بوصفه إلهاً تُقدَّم له القرابين البشرية بالنار.
مولوخ في المخيال الديني والأدبي
في النصوص التوراتية، يظهر مولوخ كرمز لعبادة محرّمة، تُدينها الشريعة العبرانية بشدّة.
ثم انتقلت صورته إلى الأدب الأوروبي، حيث صوّره الشاعر الإنجليزي John Milton في ملحمته الفردوس المفقود كأحد شياطين الجحيم، مجسّداً العنف الأعمى والتدمير.
ومنذ ذلك الحين، أصبح “مولوخ” رمزاً ثقافياً يتجاوز معناه الديني الأصلي، ليدلّ على القوة المتوحشة التي تطلب الدم باسم العقيدة أو السلطة.
مولوخ في الأدبيات السياسية الحديثة
في الفكر السياسي المعاصر، لم يعد “مولوخ” إلهاً، بل استعارة.
يُستخدم المصطلح للدلالة على:
أنظمة استبدادية “تأكل أبناءها”، أي تضحّي بشعبها للبقاء في السلطة.
حروب عبثية تستهلك الأجيال الشابة دون أفق.
أيديولوجيات متطرفة تبرّر العنف باسم المقدّس أو القومية.
حتى في النقد الاقتصادي، استُخدم “مولوخ” لوصف الرأسمالية المتوحشة أو البيروقراطيات الضخمة التي تسحق الإنسان الفرد.
بهذا المعنى، صار “مولوخ” رمزاً لكل منظومة تتحوّل من وسيلة لخدمة الإنسان إلى آلة تلتهمه.
بين الأسطورة والواقع
قوة “مولوخ” ليست في ثبوت قصته تاريخياً، بل في فاعلية رمزيته.
هو صورة النار التي تُشعل باسم السماء، لكنها تحرق الأرض.
هو السلطة حين تفقد إنسانيتها.
وهو التحذير الدائم من أن يتحوّل المقدّس أو الوطني أو الأيديولوجي إلى مبرّر لإفناء البشر.
لذلك، كلما اشتعلت حرب طويلة، أو سقط جيل كامل في طاحونة صراع، يعود اسم “مولوخ” إلى الواجهة، لا كإله قديم، بل كمرآة لواقع يتكرر بأشكال مختلفة.
إدوار حنين:
يعتقد الزميل الكريم الأستاذ اميل البستاني أنه بكلامه هذا يخدم الدولتين الشقيقتين مصر وسوريا. وهذا وزير الخارجية الدكتور شارل مالك يشهد أنه عندما استلم الوزارة في الحكومة الماضية طلبت إليه أن يهتم بأمور عدّة سجلها في مذكرته فكانت أربعة عشر بنداً وأظنها موجودة لديه، وفي طليعة البنود التي طلبتها منه هي تحسين العلاقات بيننا وبين مصر وسوريا وطلبت منه الانتقال إلى مصر إذا اقتضى الأمر. كما أني طلبت منه الدفاع والاهتمام بقضايا الجزائر واليمن والعربية السعودية. وإزالة الخلاف بينها وبين انكلترا. جميع هذه الأمور طلبتها منه وقد ساهم في الحكم على هذا الأساس واشتركت معه لتحقيق هذه المبادىء. وقد قرأت لحضراتكم بياناً في الجلسة السابقة وقد كان حضرة النائب غائباً في العراق، أو حضرموت لا أدري ولذلك لم يسمع ما قلته في البيان.
طلبت مراراً من الوزراء سواء في هذا الحكومة أم في الحكومة السابقة أن يتصلوا دائماً بزملائهم السوريين وهذا ما فعله زميلي وزير الاقتصاد الوطني عدة مرات. كذلك سها عن بال الزميل الأستاذ اميل البستاني أن زميلي وزير المال انتقل من لبنان إلى سوريا واتصل مراراً بزملائه السوريين. نحن لا نريد أن نتباهى بأعمالنا ولا نتكلم كثيراً ولكن نحن نعمل بالصمت ونخدم البلد خدمة صحيحة ولا نطلب منكم لا جزاء ولا شكوراً.