ما من حضارة يحق لها أن تعتبر لبنان امتدادًا لحضارتها، أو ترى شعب لبنان شعبًا تابعًا لها أو ملحقًا بها.
ما من دولة يحق لها الإدعاء بأنها خلقت الكيان اللبناني.
قد تكون فرنسا مثلاً أظهرت حدود الجمهورية اللبنانية، لكنها لا تستطيع أن تدعي خلق لبنان.
لبنان موجود قبل ظهور فرنسا نفسها.
ليس لبنان ملتقى للحضارات فحسب بل هو حضارة قائمة بذاته ومستقلة أيضًا.
تاريخيًا ظهر اسم لبنان قبل ظهور اسم كنعان وفينيقيا بآلاف السنين.
عُرف لبنان بجبل الطيوب، وعرف ببلاد العسل واللبن أي أرض الخير والبركة التي يجري فيها العسل واللبن أنهارًا.
أعطى المؤرخون معنيين لاسم لبنان، الأول يعتبره مشتقًا من كلمة لبن السامية ومعناها الأبيض والثاني يربطه بلفظة لبان التي تعني البخور.
تعتبر لفظة لبنان من أقدم الأسماء المعروفة عبر التاريخ. إنه لفظ قديم العهد تمتد جذوره إلى أزمنة وعصور ضاربة في القدم.
ورغم تعاقب الغزاة، حافظ لبنان على اسمه.
الأشوريون عرفوه لبنانو، العبرانيون لبنون والآراميون أيضًا، أما اليونانيون وبعدهم الرومان فأسموه ليبانوس، في حين عرفه العرب بـ ''لِبنان'' أو ''لُبنان''.
لفظة لبنان لم ترتبط بإتنية أو شعب أو حضارة فقط بل أيضًا وهنا الأساس ارتبطت بموقع جغرافي محدد ومعروف، له ميزاته وخصوصيته وله ارتباط وثيق مع محيطه الإقليمي.
هذا الارتباط المزدوج التكوين تميز بالمتانة والثبات رغم كل التطورات التاريخية والتحولات الإتنية والاجتماعية.
ارتبط لبنان بالجغرافيا في وقت كان الإنسان لا يزال قزمًا في التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة.
منذ البدء وقبل أي بدء تأريخي، أعطى لبنان اسمه لرقعة جغرافية محددة وثابتة ومميزة رسالتها أن تكون قلب الكرة الأرضية النابض والموحد والمحيي.
عوامل كثيرة تعطي لبنان خصوصيته الجغرافية وثوابته التاريخية وكينونته الفلسفية.
من هذه العوامل الأرض والإسم والتواصل التاريخي والمرتكز الحضاري.
للبنانيين تاريخ واحد، يسكنون فوق جغرافيا واحدة، يتفاعلون في مجتمع واحد.
تاريخ لبنان جعل منه خلاصة الحضارات الشرقية وتمازجها مع الحضارات الغربية.
التاريخ اللبناني هو تاريخ تلاقي الحضارات العالمية بأكملها، ظهرت بنتيجته الشخصية اللبنانية المنبثقة من الجميع والمستقلة عن الجميع والمكمّلة للجميع.
لبنان الجديد الذي يجب أن نطمح لبنائه وإعلاء مداميكه هو قمّة نضوج الدول ومرتجى كل الكيانات الدولية الساعية نحو استقرار شعوبها وتعايشهم ووحدتهم.
لبنان الجديد هو خلاصة كل شيء وبداية شيء مشترك ومتكامل ومميّز.
أما الجغرافيا اللبنانية فقد ظهرت نتيجة عاملين أساسيين:
أولاً : اندثار وانهيار ديكتاتوريات القوّة والظلم التي تحكّمت بالمجتمعات البشرية حتى الأمس القريب وقد كلف هذا الأمر اللبنانيين كثيرًا.
ثانيًا : الحاجة لخلق بقعة ديمقراطية حرّة في الشرق الأوسط تلخّص مراحل هذه المنطقة وتثبت قدرة أيديولوجياتها على الاشتراك في رسم وتوطيد أطر السلام والتعايش فيما بينها وبالتالي بين الشعوب كافة.
أما المجتمع اللبناني فقد تشكّل من خليط مجتمعات جسّدت هموم الإنسان الهارب من ظلمة الغابات ووحشة الصحاري وفساد الأنظمة، والساعي لبناء مدنية الكلمة وديمقراطية النظام، ولانبعاث الذات في حريتها وسلامها وإنسانيتها.
هذا المجتمع اللبناني يستمدّ جذوره من أعمق أعماق التاريخ العالمي ويتكوّن من تراكم طبقات حضارية هي خلاصة اختبارات أجيال من اللبنانيين، سجّلت بدمائها تاريخ ظهور الحضارات وتواجهها فتضاربها ثم تمازجها.
هنا تكمن خصوصية المجتمع اللبناني وميزته.
فالمسيحية اللبنانية تبقى مسيحية ولكنّها ذات صبغة خاصة ووجه خاص، خبرتها الحضارية تغني الحضارة المسيحية العالمية وتساعدها على تخطي كافة الحواجز والتأكيد العملي على واقعية المسيحية وعظمتها وعالميتها. إن المسيحية اللبنانية هي قمة نمو المسيحية وسر حيويتها وعظمتها وعالميتها.
وهكذا قل عن الإسلام اللبناني، والشيوعية اللبنانية والعلمانية اللبنانية والليبرالية اللبنانية وحتى الأصولية اللبنانية.
تميّزت الأمة اللبنانية بتعددية مصادر حضارتها واختلاف أيديولوجيات أبنائها.
هذه الحقيقة رغم أهميتها ومكامن غناها جُيِّرَت لترسيخ الإنقسام والشرذمة في الكيان اللبناني، مما أدّى إلى رسم لُبَيْنَنات متعددة داخل لبنان. فأصبحت للتاريخ اللبناني صيغ مختلفة وتحديدات متناقضة ومصادر متضاربة، مع أن الحدث التاريخي حدث واحد لا ازدواجية فيه، وهكذا المجتمع اللبناني أضاع هويته وجذوره ومعنى وجوده وقيمة حضوره الدولي.
لا يجوز أن نستغل ولادة الجمهورية اللبنانية على أنقاض السلطنة العثمانية نتيجة اتفاقية سايكس بيكو لندّعي بعدم أحقية وجود الكيان اللبناني كحقيقة قائمة بذاتها تتجسّد فيها روح الأمة اللبنانية.
ولادة هذه الجمهورية البكر والتي احتفلت بيوبيلها المئوي لا تعني مطلقًا أن لبنان ما هوى سوى بدعة رسمها الاستعمار.
كل دول العالم بكبيرها وصغيرها رسمت حدودها الجغرافية منذ زمن ليس ببعيد.
تذوّق لبنان نكهة العيش المشترك منذ دخول الإسلام إلى أرضه حيث وجد جماعة مسيحية كبيرة تنتشر بتجذر وقوة.
بدأ الحوار الإسلامي المسيحي في لبنان منذ تلك الحقبة، واختبر لبنان عبر تاريخه مختلف مراحل هذا الحوار الحضاري. لهذا السبب يمتلك اليوم خبرة طويلة ومعرفة عميقة في هذا الحقل.
الصراع المسيحي الإسلامي عبر التاريخ في لبنان كان صراعًا بين جماعة تلوذ في هذه الجبال الوعرة، وبين جيوش وسلطات غزاة.
لم يكن بغالبيته صراعًا مسيحيًا إسلاميًا داخليًا ببعد عقائدي. بل على العكس نجح اللبنانيون بمختلف طوائفهم في التغلب على المؤثرات الخارجية وبعد كل جولة تَدَخُّل من الخارج بشؤونهم، تمكنوا من الالتزام بالتعايش عبر ما كانوا يطرحونه في كل مرة من صيغة تعكس إرادة العيش المشترك.
مدخل مختصر لتاريخ لبنان الحديث
يبدأ تاريخ لبنان الحديث من عام 1516 تاريخ بداية الفتح العثماني للبنان ويمتد حتى سنة 1915 تاريخ إنهاء امتيازات المتصرفية مع جمال باشا ليبدأ تاريخ لبنان المعاصر الممتد حتى يومنا هذا. في بداية الفتح العثماني نتوقف عند حدثين بارزين يذكرهما التقليد التاريخي المكتوب والمتوارث، الحدث الأول هو معركة مرج دابق التي انتصر فيها العثمانيون والثاني هو لقاء الأمراء اللبنانيين بالسلطان سليم الأول العثماني أو السلطان الأحمر. بعد هذه المحطة تبدأ مرحلة الإمارة المعنية في الشوف فتمتد من سنة 1516 حتى سنة 1697 – 1698 وتقسم إلى ثلاث مراحل الأولى تبدأ في القرن السادس عشر مع تولي الإمارة الأمير فخر الدين الأول وابنه قرقماز أبرز ما في هذه المرحلة استمرار الحرب بين الدروز ووالي دمشق أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تمتد طوال فترة إمارة الأمير فخر الدين الثاني من عام 1591 حتى عام 1633 والمرحلة الثالثة والأخيرة تمتد من عام 1633 حتى عام 1698 وقد شهدت صراعًا حزبيًا ضاريًا انتهت بها الإمارة المعنية وبدأت الأمارة الشهابية التي دامت من عام 1697 حتى 1841 . هذا الانتقال كان نتيجة ما عرف بالميثاق الشهابي بين الأمير الشهابي والأعيان الدروز الذي حدد أصول تنظيم الحكم في الجبل.
يقسم تاريخ الإمارة الشهابية إلى خمس مراحل
المرحلة الأولى هي مرحلة التحولات امتدت من عام 1697 حتى عام 1775 من أبرز محطاتها موقع الأمير الحرج بين الحكم والحاكم ، معركة عين داره والقضاء على الحزب اليمني عام 1711 ، ظهور حزبين جديدين هما الجنبلاطي واليزبكي.
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الصراعات والفوضى في الإمارة امتدت بين عام 1775 و1804 تميّزت بانفجار الوضع في الجبل وبروز أحمد باشا الجذّار ونزعة الاستقلال في عكا وانتهاء أزمة الجبل بوفاة الجذّار عام 1804 . أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة إصلاحات الأمير بشير الثاني وتمتد من عام 1804 حتى 1832 كالمحطة الأبرز في تلك الفترة إذ سجّلت وصول الحملة المصرية مع ابراهيم باشا إلى بلاد الشام وإلحاق الإمارة بالإمبراطورية المصرية. عام 1821 تاريخ عامية أنطلياس تحررت العامة من هيمنة الأعيان وبدأوا يدخلون في هيئة منظمة ثم التحق الأعيان بهم. في المرحلة الرابعة بدأت الهيمنة المصرية وامتدت من 1832 إلى 1840 وقد دعيت بالهيمنة لأن المصريين لم يحتلّوا الجبل عسكريًا. أما المرحلة الخامسة فهي مرحلة الثورة اللبنانية التي انلعت عام 1840 يوم ثار سكان المتن والجبل ضد المصريين. وإقالة بشير الثاني وتعيين بشير الثالث مكانه ثم انتهاء الإمارة الشهابية . أما المرحلة السادسة فهي مرحلة بشير الثالث تلاها مرحلة تعيين عمر باشا النمساوي عام 1841 - 1842 لحكم جبل لبنان واعتراض اللبنانيين من موارنة ودروز كما الدول الكبرى عليه ثم بدأت فترة نظام القائمقاميتين من عام 1842 إلى 1860 وقد مرّ في مراحل ثلاث. الأولى من عام 1842 حتى 1845 وقد شهدت تقاتلاً مسيحيًا درزيًا . الثانية من عام 1845 حتى 1859 تميّزت بإصلاحات شكيب أفندي والأخيرة من عام 1859 حتى 1860 تاريخ اندلاع الثورة الكبرى.
ثم بدأ عهد المتصرفيّة من عام 1861 حتى عام 1915. عرف لبنان فيه نظامًا فيدراليًا بين الطوائف إذ شارك كل الطوائف في نظامه. وامتد هذا الحكم حتى تاريخ خسارة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.
أقناع العالم، بوجوب وجود لبنان
من الآن الى أن توضع هذه القواعد التي يشعر في ظلها، كل لبناني أنه مسؤول عن لبنان بنسبة اقتناعه به بعد أن أصبح كاملاً، وبنسبة انتفاعه منه، بعد أن أصبح كلياً، لا بد من أن أتوجه بكلمة موجزة أخيرة الى جميع الذين يجدون في هذا الكيان كياناً واجباً.
أعلن وأردد، لم أتعب من اعلانه وترداده في المقالات والمحاضرات والخطب داخل المجلس النيابي وخارج هذا المجلس:
" أيها اللبنانينون! ماذا ينفع اللبناني لو ربح العالم كله وخسر لبنان".
ولكن ليس باقتناع اللبنانيين، وحدهم، يبقى لبنان. علينا أن نقنع ببقائه جميع شعوب الأرض. وبنسبة ما يزيد عدد المقتنعين ببقاء لبنان بنسبة ذاك يبقى. فليس في القوة نقنع العالم بأننا واجبو الوجوب. بل بأن الخير والحق والجمال تنقض في الأرض اذا زال لبنان، وتنقض، على الأخص، الرحمة، والإنسانية، والحرية والكرامة والعدل. ونقنع العالم بالمحبة التي بدونها كل شيء يفرغ من معناه، وكل كلمة تخور.
المبدأ: إن لا يعادينا أحد لأننا لا نعادي أحداً.
أما اذا بدى لنا أعداء لأمر أو لآخر، فعلينا ألا نلين لهم، أو نلتوي أمامهم، فالنار بالنار والحديد بالحديد الى أن نباد أو نبيد.
وأجد، هنا، مكاناً لتكرار ما قلته في الجامعة العربية ببنغازي، السنة 1958:
"لن يستسلم لبنان ما دامت روح تخفق في صدر آخر لبناني في آخر قرية لبنانية".
وسنظل هكذا
الى أن ينبلج النور، ويعرف عنادنا في البقاء حتى انعدام الأرض وزوال السماء.
عشتم وعاش لبنان
لبنان الغد
محاضرة القيت في الندوة البنانية بتاريخ 8 تشرين الثاني 1965.
نتوجه بالشكر الى محاضر الليلة ادوار حينين. ونحن سعيدون في أن تبدأ الندوة سنتها العشرين معه تكريساً لجهاد مشترك، أدبي فكري وطني، يقوم بيننا على أوسع مدى وأخلص مودة، وكله يرمي الى الإسهام في تركيز لبنان اليوم على أمتن القواعد وفي ارساء غده على ما يتوافق ورسالته العظمى.
( من مقدمة مؤسس الندوة، ميشال أسمر)
طريق المستقبل
علينا ان نعي التحول الذي ألنا اليه. علينا ان نخلق إدارة في مستوى ذلك التحول. علينا أن ننور الرأي العام، ونصدقه الخبر والرأي. وعلينا أن نثق بالدولة، بعد أن تربح الدولة معركة الثقة التي بينها وبيننا. وعلينا ان نتفلت من قيود ماضينا، من تحجر عاداتنا، من جمود فلسفاتنا، ومن تفاهة النطاق الذي ما زلنا نسرح فيه. علينا ان نعيد النظر في أشيائنا جميعاً، وفي أنفسنا. علينا أن نثق بالشباب، أن نضارب بوثبهم، وأن لا تخيفنا جرأتهم وجسارتهم. وعلينا أن نؤمن بلبنان، وأن نقدم، أن نقدم اليوم لا غداً لأن الطريق الطويل، والعمل مقض، والرهان كثير الإغراء. ". لأن العمل سيكون طويلاً يجب أن نبدأ في الحال"، قال الماريشال ليوتي لمعاونيه عندما عزم على انهاض المغرب العربي.
سيداتي، سادتي،
مؤمن أنا اذا تهيأت ظروف العمل، وخفت صوت السياسة، وخجلت من نفسها المناورات، وتحطمت العصي التي تدس في الدواليب، ثم استراح من يجب أن يستريح ليعمل من يجب أن يعمل.
اذا تهيأت الظروف، وصار الإتكال على الله، ووثقنا بالعقل النيّر الذي يقودنا والإرادة الحسنة، والقصد الصالح، والعلم الاجح، والمثالية التي لا مثي لها.
اذا تهيأت الظروف،
كان طلوعنا الى طريق الغد غداً.
وكان لنا لبنان، هذا الذي يتحرك في عزمنا، يتوثب في أوصالنا، ويهدر. كان لنا "لبنان الغد" بعد غد.
ويا ايها السيدات والسادة،
أبعد مكا يبعد الإنسان هو عندما لا يعرف في أي اتجاه يتجه.
ففي سبيل اختصار الوقت والمسافات لنضع، نصب أعيننا، لبنان، ونمش. "وفي طريق الجهاد الحقيقي سنسبق آمالنا في طريق". لنمش.
نحن هنا لأن الدولة في مأزق والوطن في خطر، وعندما يكون الوطن في خطر، نلتقي في ملتقاه كجنود ارتباط وانضباط، للعمل على انقاذه، ولأن لبنان هو أرض التلاقي والتفاعل بين الأديان والحضارات والإتنيات، علينا العناية به لننطلق من التسويات الى الحل، وبالتالي الى وطن نموذجي، ضامن للسلام والأمان والطمأنينة لشعبه ولشعوب المشرق.
جميعنا مدعوون افرادا وفئات الى قراءة علامات الازمنة لنستشف دورنا فيها، ولا يجب ان تختلف الاراء وتتباين الاقتناعات وتتمايز الاقتراحات لما في قواعد التفكير والتطلعات من تنوع وفي الاحداث المحلية والعالمية من اضطرابات وفي الافق من غموض. والفطنة في الا يستكبر احد على احد ولا تستخف فئة بفئة، والحكمة في الاصغاء والتفاعل بغية التكامل.