لبنان، بحكم تركيبته التاريخية وتنوّعه السياسي والطائفي، لا يمكن أن يُدار بقرارات تُصاغ خارج حدوده أو بإرادات مفروضة من عواصم بعيدة. فكل تجربة حكم قامت على الوصاية أو التدخل الخارجي، مهما بدت قوية في لحظتها، سرعان ما اصطدمت بواقع داخلي معقّد لا يقبل الإملاء ولا يستقيم إلا إذا نبع القرار من الداخل اللبناني نفسه.
إن خصوصية لبنان تجعل من التوافق قاعدة حكم لا خياراً ظرفياً. فالتوازنات الدقيقة بين مكوّناته لا تُدار بالغلبة ولا بالأكثرية الصمّاء، بل بتفاهمات وطنية تضمن مشاركة الجميع في القرار وتحفظ الاستقرار السياسي والاجتماعي. وعندما يُهمَّش هذا المبدأ، تتحوّل السلطة إلى عامل انقسام بدل أن تكون مظلة جامعة.
التوافق لا يعني تعطيل الدولة أو شلّ مؤسساتها، بل يعني البحث عن قواسم مشتركة تُترجم في سياسات عامة تحظى بحدّ أدنى من الرضى الوطني. وهو المدخل الطبيعي لإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين، ولإنتاج سلطة قادرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية والأمنية بروح جماعية لا بروح التحدّي والكسر.
من هنا، فإن أي مشروع إنقاذي للبنان لا يمكن أن ينجح إذا استند فقط إلى دعم خارجي أو إلى تسويات تُعقد بعيداً عن إرادة اللبنانيين.
وحده التوافق الداخلي، القائم على احترام الشراكة والدستور، كفيل بإعادة انتظام الحياة السياسية ووضع البلاد على سكة التعافي، بعيداً عن الارتهان للخارج وقريباً من مصلحة الوطن العليا.