لبنان عبر العصور
لبنان كان دومًا جسر عبور ولغة تخاطب، وسيبقى قلبًا حيًا بشطريه، المقيم والمغترب، المسيحي والمسلم، ينبض في الأرض، يحييها. وستبقى عروقه الممتدة في كل أنحاء العالم روافد خير تزرع الدنيا سلامًا وأخوّة ونهضة.
ثقافتنا اللبنانية رسالة سامية تبث شعاعها داخل المجتمعات العربية والعالمية كافة.
هي انعكاس لوطن الحريات وحقوق الإنسان وهي ترجمة لدولة قوية سيدة حرة مستقلة بكيانها وبقراراتها.
''تتمثل رسالة لبنان بأن يحضن العائلات الروحية ويؤمن لها المناخ المناسب كي تعيش حرة، متساوية، متعاونة، متفاعلة.
هي التعددية ميزة لبنان، في نجاحها أمثولة للأمم والشعوب والأديان، وخدمة للبشرية.
من عمق هذه الرسالة نكتسب ثقافتنا الإنسانية وأهمية وجودنا في الزمن والمكان والواقع.
صحيح أن الحرب اللبنانية وتداعياتها شوّهت هذه الصورة التي طبعت لبنان لقرون، لكن الحضارة لا تحدد بمرحلة ولا تعنونها بضع سنوات.
الشعب اللبناني لا يزال بمجمله يعاني من تقسيم داخلي، لأن فكرة لبنان الوطن لم تنضج عنده بعد. السبب في ذلك لا يعود إلى جوهر لبنان إنّما إلى ظواهر عديدة يتأثر بها الشعب اللبناني.
المذهبية والطائفية تسبق المواطنية في الأولويات، بشكل عام، مع العلم أن المذهبية والطائفية هما من أركان الشخصية اللبنانية. فلماذا لا يسيران معًا وبنفس الزخم مع المواطنية اللبنانية إن لم نقل لا يحتلان المرتبة الثانية بعدها؟
بناء الوطن، مشروعًا وكيانونة ومجتمعًا، يتم نسجه وإتمامه خلال فترة السلم.
لبنان دخل السلام الأهلي منذ عقدين، لكنه وحتى تاريخه لم يستثمر هذا السلام في بناء وطن عصري ومحصن.
لبنان الإسم السرمدي
تعتبر لفظة لبنان من أقدم الأسماء المعروفة عبر التاريخ. إنّه لفظ قديم العهد تمتد جذوره إلى أزمنة وعصور ضاربة في القدم. ورغم تعاقب الغزاة، حافظ لبنان على اسمه.
تكوّنت أرض لبنان بين 5 و 6 مليارات سنة أو ربما 25 مليار سنة. عرفت هذه الأرض خمسة أطوار جيولوجية. خلال الطور الجيولوجي الثاني بدأ لبنان يتكوّن ويرتفع فوق سطح البحر منذ حوالي 150 مليون سنة، وانقسم إلى ثلاث كتل منذ حوالي 50 مليون سنة.
تتكوّن أرض لبنان من قسم ساحلي خصب إنما ضيّق ومتقطّع وآخر جبلي وعر وموحش تحوّلت هضابه إلى ملجأ لكل هارب ومضطهد وطامح للتحرّر والحرية. فترعرعت في رياضه ديمقراطية خاصة هي أصغر ديمقراطيات العالم ولكنّها أغزرها حبكة وأشدّها أثرًا على الحضارة القديمة والحديثة.
لبنان أرض ذات خصوصية لا جدال فيها.
العالم تعامل مع هذه الجغرافيا كواقع خاص مستقل وسلّطت الأضواء عليه وعلى سكانه بشكل منفصل عن محيطه الجغرافي وذلك قبل أن يصبح لبنان جمهورية مستقلة بزمن.
لفظة لبنان لم ترتبط بإتنية أو شعب أو حضارة فقط بل أيضًا وهنا الأساس ارتبطت بموقع جغرافي محدد ومعروف، له ميزاته وخصوصيته وله ارتباط وثيق مع محيطه الإقليمي.
هذا الارتباط المزدوج التكوين تميز بالمتانة والثبات رغم كل االتطورات التاريخية والتحولات الإتنية والاجتماعية.
ارتبط لبنان بالجغرافيا في وقت كان الإنسان لا يزال قزمًا في التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة.
منذ البدء وقبل أي بدء تأريخي، أعطى لبنان اسمه لرقعة جغرافية محددة وثابتة ومميزة رسالتها أن تكون قلب الكرة الأرضية النابض والموحد والمحيي.
لفظة لبنان مشتقة من اللغات السامية القديمة
ورد عند البابليين بلفظة "لَبنانا" La-ab-na-na
في نصوص إبيلا القديمة نلحظه بألفاظ ثلاث:
"لَبنان" La-ba-na-an
و"لُبانو"Libânu
و"لِباميم"Li-ba-mim
عرفه الأشوريون:
"لَبان" La-ab-a-an،
و"لَبناني" Lab-na-ni
و"لَبنانا" Lab-na-na.
الكلدان: "لبنانو" la-ab-na-nu
ورد في النصوص الحثّية كما يلي:
"لُبلانا" La-ab-la-na
"نبلاني" Nib-la-ni
في النصوص المصرية الفرعونية القديمة يتخذ شكلين:
"رَمَنَن" Rmnn
"رَبَرنَ" R(a) b(a) r(a) n(a)
الفينيقيون استخدموا لفظة "لبنن" Lbnn
العبرانيون والآراميون: لِبَنون Libanon،
أما اليونانيون وبعدهم الرومان فأسموه ليبانوس، Libanus وLibanos
في حين عرفه العرب بـ ''لِبنان'' أو ''لُبنان''.
إستنادًا إلى أبحاث المؤرخين المتخصصين بدراسة الأسماء، ثمة إجماع إلى أن لفظة لبنان مشتقة من جذر ثلاثي هو "لبن" ويعني اللون الأبيض أو الجبل الأبيض. وأن هذه التسمية تشترك في استخدامها جميع اللغات السامية التي تشمل اللغة السامية والأكادية والبابلية والأشورية والكنعانية الفينيقية والعبرية والآرامية والسريانية والعربية والحبشية.
تاريخيًا ظهر اسم لبنان قبل ظهور اسم كنعان وفينيقيا بآلاف السنين.
عُرف لبنان بجبل الطيوب، وعرف ببلاد العسل واللبن أي أرض الخير والبركة التي يجري فيها العسل واللبن أنهارًا.
أعطى المؤرخون معنيين لاسم لبنان،
الأول يعتبره مشتقًا من كلمة لبن السامية ومعناها الأبيض
والثاني يربطه بلفظة لبان التي تعني البخور.
أما الأسباب التي دفعت إلى هذه التسمية فثمة آراء ثلاثة:
منهم من يرى أن معنى لفظة لبنان "الجبل الأبيض" ومنهم من يؤكد انها تعني "جبل الطيوب" ومنهم يرّد معناها إلى "الحاكم الجبار"
لبنان أو "الجبل الأبيض"
تعود هذه التسمية إلى بياض الثلوج التي تكسو جبال لبنان وتغطي قممه معظم أيام السنة.
من دول العالم قاطبة وحدها لفظة لبنان وألبانيا تعنيان "الجبل الأبيض"
لبنان أو جبل الطيوب
يرد بعض الباحثين اسم لبنان إلى لفظة "اللبان" أو "اللبنى" Styrax officinale وهي تطلق على شجرة عطرية مشهورة ذات صمغ بلسمي رائحته طيبة كرائحة البخور، انتشرت بكثافة في لبنان في العصور القديمة وكانت مكرسة للإلهة عشتروت كما يؤكد عالم الطبيعيات الروماني بلين في القرن الأول الميلادي وكما يذكر القديس كيرلس الإسكندري (380 – 444).
مع الإشارة إلى أن البخور باللغة اليونانية يسمّى "ليبانوس" Libanos.
لبنان أو الحاكم الجبار
المعنى الثالث للفظة لبنان هو حاكم جبار كما ورد في كتابات المؤرخ فيلون الجبيلي في القرن الأول الميلادي الذي كتب باللغة اليونانية نقلاً عن كوسموغونية المؤرخ البيروتي سنخوني آتن الذي عاش في القرن الثالث عشر ق. م.
عمومًا، ورد اسم لبنان في النصوص القديمة عند كافة شعوب الشرق القديم وبمختلف أشكال الكتابة من التصويرية المقطعية المسمارية إلى الهيروغليفية المصرية، في كتابات الفراعنة وحكّام آكاد وبابل وآشور وفارس. وبالأبجدية الفينيقية بالشكل المسماري الاوغاريتي، وبالحرف الجبيلي ومشتقاته في النصوص العبرانية واليونانية واللاتينية في مرحلة التاريخ القديم، وبالعربية والكتابات الأوروبية في القرون الوسطى.
لبنان في نبوءة حزقيال في الكتاب المقدّس - العهد القديم:
"(1) وفي السنة الحادية عشرة في الشهر الثالث في الأول من الشهر ، كانت إليّ كلمة الرب قائلاً (2) يا ابن البشر قل لفرعون ملك مصر ولجمهوره من ماثلت في عظمتك. (3) هوذا أشور أرزة بلبنان بهيجة الأفنان غبياء الظل شامخة القوام وقد كانت ناصيتها بارزة بين أغصان ملتفّة. (4) ألمياه عظّمتها والغمر رفعها. أنهارها جرت من حول مغرسها ومجاريها أرسلتها إلى جميع أشجار الصحراء. (5) فلذلك عند نشاتها ارتفع قوامها فوق جميع أشجار الصحراء وكثرت أغصانها وامتدّت فروعها من كثرة المياه. (6) في أغصانها عشّشت جميع طيور السماء وتحت فروعها ولدت جميع وحوش الصحراء وفي ظلّها سكنت جميع الأمم الكثيرة. (7) فصارت بهيجة في عظمتها وفي طول عذاباتها لأن أصلها كان على مياه غزيرة. ( فالأرز لم يظلّ فوقها في جنّة الله والسرو لم يماثل أغصانها والدلب لم يكن كفروعها وكل شجر في جنّة الله لم يماثلها في بهجته. (10) لذلك هكذا قال السيد الرب بما أنك تشامخت بقوامك وأبرزت ناصيتها بين أغصان ملتفّة وترفّع قلبها في تشامخها (11) فقد جعلتها في يد جبّار الأمم فسيصنع بها صنيعًا فإني قد نفيتها لنفاقها. (12) فيقطعها الغرباء معتزّو الأمم ويطرحونها في الجبال فتسقط عذباتها في جميع الأودية وتكسّر فروعها في جميع مسايل الأرض وينزل من ظلّها جميع شعوب الأرض ويغادرونها. (13) على جثتها تسكن جميع طير السماء وبين فروعها تكون جميع وحش الصحراء (14) لئلاّ يتشامخ بقوامه كل شجر على المياه ولا يبرز ناصيته بين أغصان ملتفّة ولا يعتمد عليه كل مسقيّ بالماء عند شموخه لأنّه قد لأسلم الجميع إلى الموت إلى الأرض السفلى فيما بين بني البشر مع الهابطين في الجب. (15) هكذا قال السيد الرب إني في يوم هبوطها إلى الجحيم أقمت مناحة. غطّيت عليها الغمر ومنعت أنهاره فانسدّت المياه الغزيرة وألبست لبنان حدادًا عليها واكتأبت عليها جميع أشجار الصحراء. (16) من صوت سقوطها أرعشت الامم حين أهبطتها إلى الجحيم مع الهابطين في الجب فتعزّى في الأرض السفلى جميع أشجار عدن نخبة لبنان وخياره كل مسقي بالماء. (17) تلك أيضًا هبطت معها إلى الجحيم إلى قتلى السيف وكذلك أذرعتها الساكنون في ظلّها في وسط الأمم. (18) من ماثلت هذه المماثلة في المجد والعظمة بين أشجار عدن. فها إنّك قد أهبطت مع أشجار عدن إلى الأرض السفلى فتضجع بين الغلف مع قتلى السيف. هذا فرعون وجميع جمهوره يقول الرب. "
إسم لبنان في ملحمة جلجامش
أجمع المؤرخون على اعتبار ملحمة جلجامش الوثيقة التاريخية الأقدم التي ورد فيها اسم لبنان.
إن الشعوب السومرية التي استوطنت المنطقة الممتدة بين جبال زغروس شرقًا والبحر المتوسط غربًا وبلاد الأناضول شمالاً حتى شبه الجزيرة العربية ومصر جنوبًا، هم أول من ذكر اسم لبنان في كتاباتهم المسمارية في ملحممة جلجامش، في نهاية الألف الرابع ق. م. مكتوبًا بالخط المسماري المقطعي على ألواح من الأجر المشوي.
هذه الملحمة هي أقدم ملحمة بطولية في التاريخ. تبلورت على مراحل. وجدت أحدث نصوصها في مكتبة الملك الأشوري أشوربانيبال 668 – 626 ق. م. ، في مدينة نينوى، مدوّنة بالخط المسماري على اثني عشر لوحًا من الأجر المشوي.
تروي الملحمة أعمال جلجامش البطولية في سبيل تخليد ذكره بعد الممات. وقد قدم من الشرق برفقة صديقه البطل أنكيدو، ووصلا إلى غابة الأرز في جبل لبنان لينقلا خشب الأرز الثمين إلى مدينة أوروك.
في جبل لبنان، كان على جلجامش وصديقه مجابهة المارد "خمبايا" أو "هواوا" حارس الغابة، ذاك المقاتل القوي الذي لا ينام، ولا يُصدّ له هجوم، ولا يستطيع الصمود بوجهه أحدٌ في موطنه.
لبنان بحسب الملحمة هو الجبل الممتد "من جبل بعل حرمون إلى مدخل حماة، الناظر إلى دمشق، المطل على بحر أمورو العظيم، وقد نقش ملوك أشور وبابل لوحاتهم على صخور شاطئه عند مصب نهر الكلب.
التاريخ يحفظ كيف استنزف كبار حكام الشرق القديم غابات الأرز فيه.
وردت زيارة جلجامش وصديقه أنكيدو إلى بلاد الأرز في اللوح الرابع من الملحمة. وفي اللوح الخامس، نشهد مصرع حارس الغابة خمبايا على يد البطلين جلجامش وأنكيدو.
بعد موت المارد خمبايا، دخل جلجامشو أنكيدو الغابة، مقر الآلهة أنوناكي السري وقطعا من الأرز الثمين ونقلاه عبر مجري الفرات إلى مدينتهم أوروك.
إنجاز عظيم خلّدهما في سفر الآلهة والأبطال.
بعد سفر عشرين ساعة مضاعفة، تبلّغ جلجامش وأنكيدو بقليل من الزاد وبعد ثلاثين ساعة مضاعفة توقفا ليمضيا الليل ثم انطلقا سائرين خمسين ساعة مضاعفة أثناء النهار (وقطعا مدى سفر) شهر ونصف الشهر في ثلاثة أيام إنهم سيصلون إلى جبل لبنان.
ونجح البطلان في اجتياز مدخل الغابة (في جبل لبنان)،
ووصلا إلى داخلها،
فأبصر الجبال الخضر، وذهلا من منظر غابة الأرز وسحر جمالها.
ولما بدأ جلجامش بقطع أشجار الأرز بفأسه،
سمع "خمبايا" الضجيج، فغضب وهاج وزمجر صائحًا:
من القادم المتطفّل الذي كدّر صفو الغابة،
وأشجارها النامية في جبلي؟
من الذي قطع الأرز؟
ورد ذكر للبنان والأرز وملك جبيل في نص ون-أمون المصري الذي يعود إلى حوالي السنة 1000 ق. م.
عثر في السنة 1891 على إناء فخاري قديم فيه برديات مطوية تشكل ثلاث مخطوطات مختلفة.
في المخطوطة الثالثة، تدوينات تاريخية ذات أهمية في معرفة العلاقات السياسية والإقتصادية بين مصر وآسيا الغربية في عهد الأسرة الفرعونية الحادية والعشرين أي حوالي السنة 1000 ق. م.
هو تقرير حول رحلة إلى لبنان قام بها ون-أمون المصري بأمر من الفرعون هير-هور للحصول على أخشاب لبناء مركبة فخمة للإله أمون.
اعترض قراصنة البحر مركب وون أمون عند الشاطئ الفلسطيني واستولوا على حمولتها من البضائع التي أرسلت من مصر للمقايضة بأخشاب لبنان مع ملك مدينة جبيل.
إلا أن الموظف المصري تمكن من الوصول إلى صور ثم الإنتقال إلى جبيل التي رفض ملكها ذكر- بعل استقباله وهدده بالأسر كما هو مذكور في البردية.
وجاء موقف ملك جبيل ردًا على ما اعتبره وقاحة من قبل وون أمون وإصراره على تنفيذ المهمة دون أن يستوفي شروط المعاملة.
يقول وون أمون في تقريره:
"قضيت 19 يومًا في ميناء هذا الملك وكان يرسل إلي كل يوم قائلاً إنصرف عني".
ثم سمح ذكر بعل للرسول المصري بمقابلته.
فأظهر له السجلات اليومية التي يحتفظ بها عن أسلافه وهي تظهر الصدق والإحترام المتبادل في التعاون التجاري بين فراعنة مصر وملوك جبيل.
طلب وون أمون خشبًا لمركب أمون رع الفخم بدون مقابل. فرفض ملك جبيل الطلب وقال:
"أنا لست خادمك ولست بخادم للذي بعث بك إلي. إنني آسف فيما يختص بالأرز أو الصنوبر رَبْرَنْ الذي يخترق السماء. فإنني إذا ناديت لبنان تنفتح أبواب السماء وتتدحرج جذوع الأشجار الأرو رَبْرَن ملقاة هنا على الشاطئ"
فيجيبه المبعوث المصري:
ليس على النهر مركب واحد لا يخص أمون.
له البحر، له لبنان هذا البلد الذي تقول إنه ملكي
هو له أيضًا
جعلت هذا الإله الكبير ينتظر 29 يومًا في حين كان في مرفأك
لكنك أمسكته هنا وساومت بلبنان الإله أمون سيده.
ويذكر التاريخ أن وون أمون عاد وأرسل رسولاً إلى مصر ليجلب ثمن الخشب ذهب وفضة وأقمشة وورق بردي وجلد بقر وسمك وعدس وبصل.
وعندها تلقى من ملك جبيل ما يحتاجه من الأخشاب.
إسم لبنان في النصوص الحثية
نص الملك شبيليوليوما 1385 – 1346 ق. م.
على عهد الملك شبيليوليوما إسترجعت الدولة الحثية قوتها بعد فترة من الضعف.
سيطر هذا الملك على منطقة واسعة بعد احتلاله مملكة الميتانيين في شمالي سوريا، باسطًا سلطته على منطقة العاصي وأمراء حلب.
صارت مدينة كركميش على الفرات عاصمة للدولة الأقوى في غربي آسيا.
عقد الملك الحثي معاهدات مع الأمراء المحليين تعهد بمساعدتهم وحمايتهم في مواجهة فراعنة مصر.
من تلك المعاهدات واحدة مع أمير ميتاني واسمه كورتيوازا يرد فيها اسم لبنان بصيغة "نِبلاني" كحدود غربية لهذه الإمارة:
"أخضعت كل تلك البلاد في سنة واحدة وضممتها لأرض حتي من هذه الجهة جعلت من جبل نبلاني (لبنان) حدًا والفرات من الجهة الأخرى. "
إسم لبنان في النصوص الحثية القديمة
نص الملك مورسولي 1345 – 1315 ق. م.
خلف الملك مورسولي الثاني والده الملك الحثي شبيليليوما في السنة 1345 ق. م.
تذكر إحدى النصوص المنسوبة إلى زمنه:
بعد أن جلست على عرش والدي أخضعت في خلال عشر سنين كل البلاد العدوة التي كانت تحيط بي وألحقت بأعدائي الهزيمة.
من المعاهدات التي أبرمها مع الملوك الذين احتل مملكاتهم، نذكر معاهدة الملك مورسولي مع الملك الأموري دوبي – تشوب 1339 – 1306 ق. م. وفي متن المعاهدة يستحضر جميع الآلهة كشهود على صدقيته ومن بينهم الإلهة جبل لبلانا (جبل لبنان):
الإله شمس. السماء. الإله عاصفة السماء إيا. عشتار. الإله المحارب أرزيا. سيدة لمدا. جبل لبلانا (لبنان). جبل سريانا. أنو. أنتو. أبانتو. إيليل. ننليل. الجبال. الأنهار . السهول . البحر الكبير. . الأرض والسماء. الرياح والغيوم ليكونوا شهودًا على هذه المعاهدة.
الأشوريون، قوم سامي، كانوا الشعب الأول الذي استوطن أرض الرافدين العليا.
إعتمدوا نهجًا عسكريًا توسعيًا وجعلوا الحرب محور نشاطهم والعنف ضد الأعداء ميزتهم.
طمعوا بمنفذ على البحر، فسلكوا مسلك أسلافهم الأكاديين، وسعوا للإستيلاء على المدن الفينيقية الشاطئة على المتوسط، لا سيما صور وصيدا.
وكان الأكاديون قبلهم في الربع الأخير من الألف الثالث ق. م. قد تمكنوا من بسط سيطرتهم على المنطقة الممتدة بين الخليج العربي الفارسي والبحر المتوسط واحتلوا جبال لبنان وغابات الأرز والمدن الكنعانية الفينيقية.
يعتبر ملك الأكاديين، سرجون الأكادي، الذي عاش حوالي السنة 2250 ق. م. أول فاتح ساميّ في التاريخ.
إسم لبنان على نصب الملك الاشوري شمشي – أدد الأول
(1816 – 1783 ق. م. )
واصل الملك شمشي أدد الأول السياسة التوسعية الأشورية نحو الغرب حتى وصل أرض لبنان القديم، وأقام على شاطئه نصبًا له.
والعادة عن الملوك الأقدمين أيقيموا أنصابًا تخلّد فتوحاتهم على صخور لبنان لاسيما صخور نهر الكلب.
تعتبر الكتابة المسمارية المنقوشة على النصب الحجري للملك شمشي أدد الأول النص الأشوري الأول الذي ورد فيه اسم لبنان.
يتفاخر الملك الأشوري أنه وصل شاطئ البحر الكبير وأنه أقام نصبًا في أرض لبنان.
"نصبت اسمي العظيم ومسلّتي في أرض "لَبان" على شاطئ "البحر الكبير".
الملك الأشوري تغلت فلاصر الأول في غزوة جبال لبنان القديم
نص الملك تغلت فلأصّر الأول الأشوري (1114 – 1076 ق. م. )
بين القرن العشرين والثاني عشر قبل المسيح، إحتدم الصراع بين الأشوريين وجيرانهم البابليين والميتانيين والحثيين والآراميين.
وبعد أن قضى شعوب البحر منهم الفلسطو على الإمبراطورية الحثية نحو السنة 1200 ق. م. وانحسار النفوذ المصري في الشرق، بدأ الأشوريون يتوسعون في اتجاه الغرب. فبسط الملك الأشوري تغلت فلاصر الأول سيطرته من أرمينيا حتى البحر الأبيض المتوسط.
وقد بلغ جبال لبنان الغنية فأعجبته بثرواتها الطبيعية وأخشاب غاباتها.
فدوّن في إحدى كتاباته:
"أتيت إلى لبنان قطعت خشب الأرز لهيكل أنو وأدد"
ويذكر في موضع آخر:
"بطلب من آنو وأدد الإلهين الكبيرين سيديّ، أتيت إلى جبال لبنان قطعت جذوعًا من الأرز لهيكل آنو وأدد".
لبنان في نص الملك أشور ناصربال الثاني (883 – 859 ق. م. )
إفتتح الملك الأشوري أشور ناصر بال الثاني مرحلة جديدة من الفتح الأشوري للغرب وصولاً حتى شاطئ البحر المتوسط.
لقد افتتح موجة جديدة من حملات عسكرية لم تنته إلا بسقوط نينوى في السنة 612 ق. م.
إجتاز الملك أشور ناصربال الثاني الفرات واحتل كركميش ثم اتجه نحو لبنان القديم بهدف السيطرة على شواطئ البحر المتوسط.
أرّخ حملته هذه، في نقش على بلاط معبد نينورتا في كلخ نقرأ فيه:
"ملوك جميع البلدان المجاورة أتوا إليّ قبّلوا قدميّ، وأخذت منهم رهائن، وساروا معي في الطليعة (أمامي) في اتجاه لبنان.
ثم استوليت على كل جبل لبنان ووصلت إلى بحر أمورو العظيم وغسلت سلاحي في البحر العميق".
ثم ذكر الضرائب التي فرضها على مدن الساحل:
"صور وصيدون وجبيل ومحالاتا وميزا وكيزا وبلاد أمورو وجزيرة أرواد، الذين دفعوا (الجزية) ذهبًا وفضة وقصديرًا ونحاسًا وثيابًا مزركشة ومصبوغة وقرودًا صغيرة وكبيرة وأبنوسًا وصناديق خشب وعاجًا من أنياب عجول البحر. "
في نص آخر يذكر أشور ناصر بال الثاني مجيئه إلى لبنان وحصوله على خشب الأرز والشربين:
"إلى جبل لبنان ذهبت، وألواحًا من الأرز والشربين. قطعت".
لبنان في نص الملك الأشوري شلمنصّر الثالث (858 – 824 ق. م. )
عُرف عهد الملك أشور ناصر بال بنزعة توسعية إستمرت بعد وفاته على يد خلفه الملك شلمنصّر الثالث الذي واجه حلفًا عسكريًا ترأسه ملك دمشق بن هدد الآرامي وضمّ اثني عشر ملكًا بينهم الملك الإسرائيلي أحاب وملك عربي اسمه جنديبو وملوك عرقة وإرواد وحماه وعمون وسواهم.
تواجه الجيشان في قرقر عند العاصي في السنة 855 ق. م. وادّعى الملك الأشوري النصر في المعركة.
وكان ملوك صور وصيدا وجبيل قد تحصّنوا بالقرب من مدينة البترون وبنوا ثلاثة حصون في "كيزا" وميزا" و"ماحالاتا" التي أطلق عليها الإغريق اسم طرابلس أي المدن الثلاث.
هاجم شلمنصر الثالث في السنة 842 ق. م. ملك دمشق الآرامي حزائيل الذي تحصّن في جبل سنير المواجه لجبل لبنان.
ويروي الملك الأشوري تفاصيل عن حملته العسكرية تلك:
"في السنة الثامنة عشرة لملكي، عبرت الفرات للمرة السادسة عشرة. إعتمد حزائيل (ملك) دمشق على كثرة جيشه واستدعى فرقه بأعداد كبيرة، واتخذ جبل سنير المواجه لجبل لبنان حصنًا له. حاربته فانتصرت عليه. وقد هدمت مدنًا لا عدّ لها وأحرقتها بالنار. ثم تقدّمت نحو بعلي راسي (رأس بعل) الجبل المشرف على البحر. هناك أقمت نصبًا ملكيًا لشخصي. "
من المرجح أن الملك شلمنصر الثالث قد نحت نصبًا أول له عند رأس الناقورة مقابل مملكة صور، قبل أن يتابه زحفه شمالاً ويصل إلى موقع نهر الكلب حيث نقش نصبه الثاني إذ يتابع في سرده تفاصيل الحملة العسكرية فيقول:
"وعند رجوعي، صعدت إلى جبل لبنان، ونقشت صورتي إلى جانب صورة تغلت فلأصّر الملك".
ويرد اسم لبنان بين أسماء البلاد التي احتلها وسيطر عليها في حملته والممتدة بين البحرين الأعلى ةالأدني أي بين جلة والبحر المتوسط:
"شلمنصّر. التنين الكبير، ملك آشور، فاتح البحرين الأعلى والأدنى وبلاد حتّي ولوهوتي وأدري، ولبنان. "
لبنان في نص الملك تَغِلَت – فلأصّر الثالث (745 – 727 ق. م. )
إعتلى عرش نينوى أعظم ملوك الأشوريين تغلت لأصّر الثالث في السنة 745 ق. م.
سيطر على سوريا الشمالية في السنة 738 ق. م.
إحتل دمشق السنة 722 ق. م. وكانت مركز القوة الآرامية، فأحرقها.
فرض سيطرته على فلسطين وغزّة.
أما ملك جبيل شبتي بعل وملك صور وصيدا أحيرام الثاني فدفعا الجزية مقابل استقلالهما الداخلي.
يذكر الملك الأشوري أنه تلقى من صور وحدها 150 وزنة من الذهب.
في السجلات المنقوشة على بلاطات عثر عليها في كلخ، ورد اسم لبنان في تعداد المطن التي خضعت للملك الأشوري تغلت – فلأصّر ودفعت له الجزية:
"أوزنو، سيانو، صميرا، راشبونا. كذلك مدن جبل ساو، الجبل الذي يستند إلى لبنان. "
وفي نص آخر، نقش بالكتابة المسمارية على لوح يُعرف بلوح نمرود، معروض في المتحف البريطاني، يصف تغلت فلأصّر الثالث قصوره في كلخ، وقد أدخل في بنائها خشبًا من لبنان:
"بألواح طويلة من الأرز، الذي يوازي بطيب رائحته شجر السرو، إنتاج الأمانوس، ولبنان، وجبل أماناتا، بنيت سقوفًا لها (لقصوره) وأتممتها بشكل كامل".
لبنان في نص الملك أسرحدون 689 – 669 ق. م.
من الثورات التي اندلعت بوجه الحكم الأشوري، ثورة حرّض عليها فرعون مصر، وقعت في صيدا في السنة 676 ق. م. التي تزعمت المدن الفينيقية منذ عهد سنحريب (705 – 681 ق. م. ).
نظّم الملك الأشوري أسرحدون حملة عسكرية على صيدا ودمّرها تدميرًا كاملاً وبنى مكانها مدينة جديدة أسماها "كار أسرحدون".
ويروي أسرحدون على إحدى النقوش تفاصيل حملته على سوريا ولبنان وفلسطين والجزية التي فرضها على ملوك المنطقة وهي خشب لبناء قصره في نينوى:
"أرسلتهم جميعًا لينقلوا إلى نينوى. ألواحًا سميكة من الأرز والشربين منتوجات سيرارا ولبنان.
ثم يقرر أسرحدون الزحف على مصر، فعقد معاهدة مع بعلو ملك صور في السنة 671 ق. م. ورد فيها اسم لبنان، أمّن له الأسطول الصوري وحماية أموال الملك الأشوري في البحر.
إلا أن ملك صور نقض المعاهدة ورفض نقل الجنود الأشوريين إلى مصر.
فحاصر أسرحدون صور. لكنه لم يستطع أن يخضعها.
ثم زحف نحو مصر بمساعدة القبائل العربية في الصحراء، فسقطت بيده وأعلن نفسه ملكًا عليها.
ثم عاد أدراجه وعبر الساحل الفينيقي وخلّد انتصاراته على لوحة صخرية عند مصب نهر الكلب، إلى جانب لوحات الملوك والحكام السابقين له مثل رعمسيس الثاني وأشور ناصر بال الثاني وشلمنصر الثالث وسواهم.
لبنان في نص الملك أشوربانيبال (668 – 626 ق. م. )
خلف الملك أشوربانيبال والده الملك أسرحدون على عرش الإمبراطورية الأشورية فبلغت في عهده أوج عظمتها.
سار على خط أسلافه في التوسع العسكري والإجتياحات.
إحتل مصر العليا ودمّر عاصمتها طيبة (663 ق. م. ) بعد سيطرته على السامرة وبابل ومدن أخرى.
في طريق عودته من مصر، قدّم له الطاعة ملكا إرواد وصيدون.
أما صور فتمردت عليه. حاصرها لسنوات أربع، إنتهت بتسوية سلمية قضت بأن تدفع صور ضرائب جمّة وأن يصطحب الملك أشوربانيبال معه ابنة ملك صور، ويضمها إلى حريم العاهل الأشوري. وفي المقابل تحتفظ المدينة باستقلالها الداخلي وتستمر بنشاطها التجاري البحرير وتمتنع عن التحالف مع مصر.
يذكر أشوربانيبال في أحد سجلاته أن استعمل شجر غابات لبنان في بناء معبد الإلهة "سين في حرّان".
"الأرز العالي الذي ينمو في لبنان، والشربين الذي خلقه أدد في سيرار. "
بعد وفاة أشوربانيبال دخلت الإمبراطورية الأشورية مرحلة احتضار سمحت للكلدان والفرس أن ينقضّوا عليها ويدمروها في السنة 612 ق. م.
لبنان في نص الأمير كومّا الأشوري
(منتصف القرن السابع ق. م. )
ورد اسم لبنان في نص بالخط المسامري مدوّن على لوح من الأجر المشوي، يعود لمنتصف القرن السابع ق. م. ، عُثر عليه في مدينة أشور.
إنه قصيدة نثرية تروي حلم أمير أشوري، اسمه "كوما"، أراد أن يكوّن رؤيا للعالم السفلي، مملكة نرغال وأريشكيغال.
قام البروفسور الألماني ولفرام فون سودن بترجمة النص إلى الألمانية، وقد ورد اسم لبنان فيه في العبارة التالية:
". الإحتفال المقدّس يمهرجان – السهل – للسنة الجديدة في روضة الخصب صورة لبنان. إلى الأبد".
دُمرت نينوى على يد الكلدانيين والميديين في السنة 612 ق. م.
إنتقلت السيادة على سوريا ولبنان القديم وفلسطين من الأشوريين إلى الكلدانيين.
إحتدم الصراع مجددًا بين بلاد ما بين النهرين وبلاد مصر الفرعونية.
في السنة 605 ق. م. ، إنتصر الملك الكلداني تبوخذنصر الثاني (605 – 562 ق. م. ) على الفرعون المصري نخاو الثاني في معركة كركميش على الفرات.
أكمل زحفه جنوبًا واحتل سوريا وفلسطين وسبى اليهود إلى بابل في السنة 586 ق. م.
إعترفت المدن الفينيقية بالأمر الواقع فاحتفظت باستقلالها مقابل دفع الجزية، باستثناء صور التي تمرّدت على البابليين.
وكان النبي حزقيال قد تنبّأ بحملة الملك الكلداني على صور في عهد ملكها إيتوبعل الثاني، فذكر في حزقيال 26: 2 – 10
"هأنذا أجلب على صور نبوخذنصر ملك بابل، ملك الملوك، من الشمال، بخيل وبمركبات وبفرسان وجمع وشعب كثير، فيقتل بناتك في الحقل بالسيف ويبني عليك معاقل، ويبني عليك برجًا ويقيم عليك مترسة. ولكثرة خيله يغطّيك غبارها، من صوت الفرسان والعجلات والمركبات تتزلزل أسوارك عند دخوله أبوابك كما تدخل مدينة مثغورة".
صدقت نبوءة حزقيال في صور البرية أما صور البحرية فقاومت الحصار ثلاث عشرة سنة، بدءً بالسنة 585 ق. م. ، ثم وقعت مع الغزاة اتفاقية سلام في السنة 572 ق. م.
لبنان في نص الملك نبوخذنصّر الثاني
(605 – 562 ق. م. )
الحلقة الأولى
إتخذ الملك الكلداني نبوخذنصّر الثاني، قاعدة له، مدينة "ربلة" شمالي غربي منطقة الهرمل، عند نهر العاصي الشمالي.
في وادي بريسا، أقام نصبين على واجهتين صخريتين متقابلتين تشرفان على الممر الذي يعبر الوادي من الهرمل باتجاه سهلة مرجحين وجباب الحمر.
في النصب الأول يبدو الملك الكلداني واقفًا أمام شجرة كبيرة.
في الثاني يبدو وهو يصدّ أسدًا يهاجمه.
وفي كلا النصبين كتابة بالخط المسماري تشير إلى مآثر الملك الكلداني وإلى حملته العسكرية التي وصلت إلى لبنان.
يقول النص المسماري:
"من البحر الأعلى إلى البحر الأدنى. هذا ما أوكله لي مردوخ. لقد جعلت مدينة بابل مميزة بين الأقطار ومساكن الناس. كملك حكيم دائمًا رفعت اسمها ممجدًا بين المدن المقدسة. مع معابد الربّين نابو ومردوخ. "
في ذلم الزمن، كان لبنان، جبل الأرز، غابة مردوخ العنية، العابقة بالروائح العطرية، ذات الشجر العالي الذي أراده نابو ومردوخ زينة مناسبة لبيت ملك السماء والأرض، كان مُبتلى بعدو غريب متسلّط عليه ينهب خيراته ويشرّد بنيه فيهربون إلى مناطق عدة.
بالإتكال على سيدي نابو ومردوخ، نظّمت (جيشي) في (حملة) إلى لبنان. جعلت هذا البلد هانئًا واستأصلت أعداءه في كل مكان. أعدت المهجّرين إلى بيوتهم. وهذا ما لم يفعله أي ملك من قبل.
شققت مسالك في الجبال الوعرة وفتّتت الصخور ففتحت ممرات خلالها، وأنشأت طريقًا مستقيمًا لنقل أخشاب الأرز، التي حملها النهر معه إلى سيدي مردوخ. جذوع الأرز الطويلة المتينة ذات اللون الداكن والجمال الرائع، إنتاج لبنان الوفير، غدت محمولة في النهر كالأقصاب. وقد اختزنت الأخشاب في بابل".
وعملت على أن يعيش سكان لبنان معًا بأمان وألا يزعجهم أحد. ولكي يعتبر كل طامع في أرضهم فلا تحدّثه نفسه بالإعتداء عليهم، فإنني قد أقمت هناك نصبًا لي. ليشهد أنني الملك الذي لا يزول ملكه.
إلى نصبي وادي بريسا، ثمة نصبان آخران في وادي بريسا خلّفهما نبوخذنصّر الثاني وراءه منقوشان على واجهة صخرية قريبة من نبع ماء في وادي السبع غربي أكروم.
في النصب الأول يبدو الملك الكلداني وهو يطعن أسدًا، وفي الثاني يظهر واقفًا يصلي أمام صور رمزية تمثّل الآلهة.
كذلك عند محلة نهر الكلب في كسروان، لوحة عند الضفة اليمنى من النهر مشابهة لنقش وادي بريسا، خلّد فيها نبوخذ نصر الثاني عبوره فوق النهر.
ورد اسم لبنان في نص كلداني يعود للملك نابونيدس وهو آخر ملوك بابل.
إلى استغلاله كأسلافه موارد لبنان الطبيعية لا سيما الخشب، يذكر في سجلاته العائدة للسنة الخامسة 550 ق. م. والسادسة 549 ق. م. من حكمه، أنه كان يستقدم "الحديد من لبنان" ويحدد الكمية التي ينقلها إلى مملكته وكانت توازي 129 كلغ.
لبنان في نص الملك الفارسي داريوس الأول
(521 – 485 ق. م. )
دفع لبنان للفرس ضريبته من ثرواته الطبيعية وخشب غاباته.
وأشرف الفرس على قسم كبير من الأحراج اللبنانية.
كانت الديانة الفارسية الزردشتية بسيطة. لم تتطلب طقوسها بناء الهياكل الضخمة بل اكتفت بمذابح حجرية للنار.
واستعمل الخشب في بناء الأساطيل وتشييد قصور برسيبوليس وبازاغاد وسوسه وأقباط.
ترك ملك الفرس داريوس الأول في مدينة سوسة العاصمة، نقشًا ذكر فيه كيفية بناء قصره الملكي والمواد التي استعملت في عملية البناء ومنها خشب أرز لبنان.
يقول النص:
"إله عظيم هو أهورامزدا، الذي خلق الأرض والسماء والإنسان، وجعل داريوس ملكًا.
كل ما فعلته برضى أهورامزدا فعلته.
هذا القصر الذي بنيته في سوسة من بعيد جلبت مواد زخرفه.
خشب الأرز هذا جلبته من جبل يسمى لبنان.
الشعب الأشوري أتى به من بابل
الكاريون والآيونيون نقلوه إلى سوسه.
في سوسة عمل ممتاز قد أنجز ليكن أهورامزدا حاميًا لي، لوالدي ولبلادي. "
الإسكندر المقدوني في لبنان
هزم الإسكندر المقدوني الملك الفارسي داريوس الثالث في معركة إيسوس السنة 332 ق. م. في كيليكيا، لكنّه لم يتابع زحفه نحو عاصمتهم برسيبوليس، بل اتجه جنوبًا واستولى على المدن الفينيقية التي كانت حليفة للفرس ضد المقدونيين: أرواد وجبيل وبيروت وصيدا التي استسلمت جميعها من دون اية مقاومة.
وحدها صور وكانت القاعدة البحرية للأسطول الفينيقي وأعظم قوة بحرية في المتوسط الشرقي، فقد طلبت عقد معاهدة مع الإسكندر وأرسلت من أجل ذلك وفدًا قدم له تاجًا من ذهب وكثيرًا من المؤن الغذائية لجنده.
قبل الإسكندر الهدايا واستقبل الوفد بحفاوة وأبلغ الرسل رغبته في تقديم القرابين لهرقل (ملقرت) في هيكله في جزيرة الصوريين.
لكن الصوريين رفضوا أن يدخل الإسكندر مدينتهم وطلبوا منه تقديم القرابين في هيكل صور البرية لأن هيكل الجزيرة من حقوق ملك الصوريين فقط.
قرر الإسكندر أن يسيطر على صور البحرية ويحتلها مهما كلّفه الأمر.
أمر ببناء سد يصل البر الصوري بالجزيرة المنيعة المحاطة بأسوار ترتفع مئة وخمسين قدمًا.
إستعمل الإسكندر ركام البيوت التي هدمها في صور البرية في عملية الردم.
صيدا وأول انتحار جماعي في التاريخ
إحتلت صيدا في ظل الحكم الفارسي المرتبة الأولى بين ممالك الساحل الفينيقي القديم.
زشملت سلطة ملكها المنطقة الواقعة بين نهر الدامور ونهر القاسمية أو الليطاني.
وكانت تحدها من الشمال مملكة جبيل التي تمتد منطقتها الساحلية من نهر الدامور حتى رأس شكا وتتبعها بيروت.
أما من الجنوب فمملكة صور التي تمتد من نهر القاسمية حتى عكا والكرمل.
من الأرجح أن أراضي مملكة صيدون إمتدت جنوبًا حتى مدينة يافا الساحلية في سهل شارون أو سارون.
إذ ورد في نص فينيقي منقوش على غطاء ناووس أشمون عازر الثاني ملك صيدون الذي حكم في الربع الأخير من القرن السادس قبل المسيح "إن الملك الفارسي داريوس سيد الملوك، قد وهبه مدينتي دور ويافا، مكافأة لأجل العظائم التي صنعها في إشارة إلى مشاركة الملك الصيدوني في حملة الفرس ضد مصر.
وجاء في النص ما يلي:
"وأعطانا سيد الملوك دأر ويافي أراضي دَجَن العظيمة التي في سهل شارُن لأجل العظائم التي فعلت. وأضفناها إلى تخم الأرض لتكون إلى الصيجونيين إلى الأبد".
وكانت ممالك صور وصيدا وجبيل وأرواد قد أنشأت فيما بينها اتحادًا مركزه مدينة طرابلس يجتمع أعضاؤه فيها سنويًا للتداول في شؤونهم المشتركة وعلاقاتهم بالملك الفارسي.
وجد الفينيقيون في الإمبراطورية الفارسية الشاسعة مجالاً رحبًا لنشاطهم التجاري. كما وجدوا في الفرس حليفًا مهمًا ضد منافسيهم التقليديين الإغريق.
وقد استفاد الفرس من مؤهلات اللبنانيين الفينيقيين في الملاحة وطلبوا منهم المشاركة في حملاتهم ضد الغريق منافسيهم التقليديين في التجارة البحرية.
وكان ملك صيدا قائدًا أعلى للأسطول الفارسي الذي بناه الفينيقيون بمعظمه من خشب غاباتهم وكان يحتل المركز الأول بين الملوك والقادة من حلفاء الفرس.
الحلف الفينيقي الفارسي لم يلبث أن سقط بسبب محاولة ملك صيدا عبد عشتروت ستراتون الخروج على طاعة الفرس للإنضمام إلى الحلف المصري الإغريقي فنشبت الثورة ضد الفرس في الحي الصيدوني في طرابلس ثم انتقلت إلى صيدا بقيادة الملك إبنيت أو تينيس.
وقطع أهل صيدا أشجار الحديقة الملكية فيها وأشعلوا النار في التبن والحشيش اليابس المخزون لخيالة الفرس.
فسير الملك الفارسي أرتحششتا الثالث حملة ضد صيدا في السنة 348 ق. م. قوامها مئتا ألف راجل وثلاثون الف فارس واسطول من 800 سفينة.
وبينما هو في طريقه لقمع ثورة صيدا إلتقى ببعض ولاته على سوريا وكيليكيا الذين حاولوا قبل ذلك قمع الثورة في لبنان لكن الفينيقيين هزموهم.
تقدمت الجحافل الفارسية ورفض الملك الفارسي التفاوض.
فضل الصيدانيون الموت على الإستسلام، فأغرقوا مراكبهم في الميناء ودخلوا بيوتهم وأقفلوا أبوابهم واستسلموا للموت حرقًا فسجلوا أول انتحار قومي في التاريخ.
في السنة 333 ق. م. إجتاح الغسكندر المقدوني الشرق فسقطت الإمبراطورية الفارسية تحت ضرباته وبدأ عهد جديد في العلاقات بين الشرق والغرب.
يذكر المؤرخ اللاتيني كوينتوس كورتيوس من القرن الأول للميلاد في تاريخه أن الخشب المستخدم في صناعة الأطواف والأبراج كان يجلب من لبنان.
ثمة منطقة جبلية قريبة من مدينة صور ترتفع فوق الألف متر كانت مصدرًا لخشب أشجار الصنوبر والسنديان والسرو والشربين والعرعر والشوح والأرز تقع في القسم الجنوبي من السلسلة الشرقية أي جبل حرمون.
وكان المؤرخ كورتيوس قد وصف المقاومة التي أبداها الصوريون في مواجهة مهاجميهم فقال: "إن عربًا من لبنان هاجموا المقدونيين فقتلوا ثلاثين منهم وأسروا عددًا آخر.
من المرجح أن هؤلاء العرب هم من الأيطوريين شبه الرحل، قدموا من أيطوريا في الجنوب الشرقي من دمشق أي من منطقة حوران وجبال اللجى وتوسعوا في اتجاه السلسلة الشرقية من جبال لبنان وجعلوا مدينة خلقيس عاصمة لمملكتهم العربية الشبيهة بالمملكة النبطية في البتراء.
توسعت هذه المملكة حتى البقاع الذي أطلق عليه المؤرخ اليوناني بوليبيوس حوض مارسياس أو ماسياس وفق المؤرخ سترابون.
وتمدد سلطانهم ليشمل بعض الحصون الجبيلة في لبنان مثل سيناس أو صنين وبوراما أو برمانا وجيغارتا ورأس الشقعا قرب البترون.
كان الأيطوريون ينطلقون من هذه الحصون ليهاجموا مدن الساحل اللبناني بين صيدا والبترون يسلبون وينهبون ثم يعودون إلى قواعدهم ظافرين.
يذكر المؤرخ اليوناني بلوتارك (50 – 125 م. ) في كتابه حياة الإسكندر أن القائد المقدوني خلال حصاره لمدينة صور قام بحملة ضد العرب الذين كانوا يقيمون قرب الأنتيليبان.
جغرافية لبنان في العهد الهلنستي اليوناني السابق للعهد الروماني
يذكر المؤرخ اللاتيني كوينتوس كورتيوس من القرن الأول للميلاد في تاريخه أن الخشب المستخدم في صناعة الأطواف والأبراج كان يجلب من لبنان.
ثمة منطقة جبلية قريبة من مدينة صور ترتفع فوق الألف متر كانت مصدرًا لخشب أشجار الصنوبر والسنديان والسرو والشربين والعرعر والشوح والأرز تقع في القسم الجنوبي من السلسلة الشرقية أي جبل حرمون.
وكان المؤرخ كورتيوس قد وصف المقاومة التي أبداها الصوريون في مواجهة مهاجميهم فقال: "إن عربًا من لبنان هاجموا المقدونيين فقتلوا ثلاثين منهم وأسروا عددًا آخر.
من المرجح أن هؤلاء العرب هم من الأيطوريين شبه الرحل، قدموا من أيطوريا في الجنوب الشرقي من دمشق أي من منطقة حوران وجبال اللجى وتوسعوا في اتجاه السلسلة الشرقية من جبال لبنان وجعلوا مدينة خلقيس عاصمة لمملكتهم العربية الشبيهة بالمملكة النبطية في البتراء.
توسعت هذه المملكة حتى البقاع الذي أطلق عليه المؤرخ اليوناني بوليبيوس حوض مارسياس أو ماسياس وفق المؤرخ سترابون.
وتمدد سلطانهم ليشمل بعض الحصون الجبيلة في لبنان مثل سيناس أو صنين وبوراما أو برمانا وجيغارتا ورأس الشقعا قرب البترون.
كان الأيطوريون ينطلقون من هذه الحصون ليهاجموا مدن الساحل اللبناني بين صيدا والبترون يسلبون وينهبون ثم يعودون إلى قواعدهم ظافرين.
يذكر المؤرخ اليوناني بلوتارك (50 – 125 م. ) في كتابه حياة الإسكندر أن القائد المقدوني خلال حصاره لمدينة صور قام بحملة ضد العرب الذين كانوا يقيمون قرب الأنتيليبان.
أنتي ليبان وهي المنطقة الشمالية للبنان اليوم، ذكرها المؤرّخ والجغرافي اليوناني سترابو (58 ق. م. – 21 م. ) في كتابه "الجغرافيا" ، وجعل حدودها نهر أسماه الحريو وهو النهر الكبير الجنوبي الفاصل بين حدود لبنان الشمالي وسوريا.
كان هذا النهر في زمن سترابون يفصل بين سالوقيا من جهة وفينيقيا وسوريا المجوّفة من جهة أخرى.
وسوريا المجوّفة تقع بحسب سترابون بين سلسلة جبال لبنان الموازية للسلسلة الأخرى المسماة أنتي ليبون. أي أن هذا الإسم أطلق على سهل البقاع بعد فتوحات الإسكندر المقدوني.
وسها البقاع بالنسبة للمؤرخ بوليبيوس يُعرف بحوض مارسياس ويمتد بين جبال لبنان أي السلسلة الغربية وأنتي ليبان أي السلسلة الشرقية.
أما المؤرخ سترابون فذكر أن مقاطعة سهل مارسياسي أو ماسيساس تبدأ من مدينة اللاذقية وكانت تعرف بلاذقية لبنان بناها سالوقس الأول على العاصي تيمنًا باسم أمه، وفي هذا الموقع بالذات بنيت مدينة قادش القديمة وتعرف اليوم بتل النبي مدد جنوبي مدينة حمص.
من المرجح أنها سميت بلاذقية لبنان لتفرقتها عن اللاذقية الحالية الواقعة على ساحل البحر.
إن الحدود الجغرافية اللبنانية في العهد الهلنستي تمددت شمالاً حتى مشارف مدينة حمص شاملة السلسلتين الشرقية والغربية وهذه حقيقة تتواءم مع ما ورد في الكتاب المقدس – العهد القديم حول حدود جبل لبنان من الجنوب إلى الشمال من بعل حرمون إلى مدخل حماة وذلك في سفر القضاة 3:3.
إنتهى العمل ببناء السد الذي أمر به الإسكندر.
إقتحم المقدونيون أسوار صور المنيعة بعد أن بنوا أبراجًا يبلغ ارتفاع كل منها 53 مترًا لتشرف على الأسوار.
سقطت صور في الشهر السابع من بدء الحصار في آب 333 ق. م. بعد قتال ضار.
دمر الإسكندر أسوارها وقتل قسمًا من سكانها وشتت الآخرين.
حلّت مدينة الإسكندرية في مصر مكان صور وسلبتها دورها الإقتصادي والثقافي.
أكمل الإسكندر سيطرته على الأجزاء الغربية من الإمبراطورية الفارسية واحتل مصر.
ثم انتقل شرقًا ودخل عاصمة الفرس.
وأقام نفسه وريثًا شرعيًا لآخر ملوك فارس.
ثم تابع زحفه حتى وصل شمال شرقي الهند.
إستغل الإسكندر ثروة لبنان من خشب غاباته لبناء أساطيله.
أصدر أوامره إلى الحكام الذين أقامهم على ميزوبوتيميا أي بلاد ما بين النهرين بأن يقطعوا الخشب من لبنان ويجلبوه إلى مدينة تابساكوس على الفرات الأعلى لاستعماله في بناء أسطول من 700 سفينة ذات سبعة صفوف من المجاذيف وينقلوه بعد ذلك إلى بابل كما ورد في كتاب "التاريخ" لكوينتي كورسي.
يذكر المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس في القرن الأول الميلادي أن اليهود دعموا أنطيوخوس الثالث في حملته على فلسطين ضد بطالسة مصر لطردهم من البلاد وساندوه وزودوا رجاله بالغذاء.
تعاطف أنطيوخوس مع اليهود وأصدر قراره بإكمال بناء معبد أورشليم وأمر بجلب الخشب المعفى من الرسوم من اليهودية من البلاد الأخرى ولاسيما من لبنان.
لبنان في آخر عهود الإغريق الهلنستيين
أنطيوخوس الرابع أكمل سياسة سلفه التوسعية وهاجم بطالسة مصر في ديارهم في السنة 169 ق. م.
قبل أن تدخل مملكته بعد وفاته في السنة 164 ق. م. في حال من التمزق والإنحلال.
نشبت نزاعات على العرش واندلعت ثورات داخلية.
إحتل الفرس بلاد الرافدين.
أقيمت إمارة آرامية مستقلة في منطقة الرها واسس الأنباط دولتهم عبر الأردن وجعلوا من البتراء عاصمتهم.
أما الأيطوريون فسيطروا على حوران وجبل لبنان الشرقي والبقاع وتسللوا غربًا إلى الساحل اللبناني.
إستقلت اليهودية.
إجتاح تيغرانس ملك أرمينيا سوريا الشمالية وكيليكيا وصولاً حتى عكا عاقدًا حلفًا مع حميّه ميتريدانس ملك بلاد البنطس الواقعة عند الشاطئ الجنوبي الشرقي من البحر الأسود.
في السنة 160 ق. م. إحتلت الجيوش الرومانية بقيادة بومبيوس الشرق وانتقلت السلطة من السلوقيين والبطالسة اليونان إلى الرومان ليبدأ عهد جديد.
خلال قرن من الزمن من 164 ق. م. حتى 64 ق. م. شهدنا انحلال الإمبراطورية الإغريقية السلوقية وتمكنت بعض المدن الفينيقية لاسيما صور وصيدا وبيروت من الإحتفاظ باستقلال ذاتي وخضعت لحكامها المحليين وحصلت على اعتراف بحصانتها ومارست نفوذها في صراع الملوك الإغريق المقدونيين في مصر وسوريا واحتفظت بعلاقات تجارية مع الفئتين. وكان لها حق الحصول على حكومات محلية مستقلة تحت ظل الحكم الهلنستي. فسكّت عملتها الخاصة.
لبنان في ملحمة الشاعر ننّوس – الديونيزياكا – القرن الرابع م.
يصف الشاعر ننوس بيروت في ملحمته فيقول:
إنها مدينة "بيروي"، سحر حياة الإنسان، مرفأ كل حب، الراسخة فوق البحر، ذات الجزر الرائعة، والخضرة الممرعة. إنها جسر ضيق لرأس مستطيل حيث العنق المرتفع بين بحرين تضربه الأمواج من جانبيه، تمتد من أحد الجوانب منتشرة تحت جسر كثيف من غابات لبنان. في الشرق المتوهّج، حيث يهب على سكّانها نسيم منعش للحياة، يوشوش عاليًا، وهو يحرّك أشجار السرو بنفحات من العطور. والجانب الآخر للمدينة يطل على البحر، حيث تقدّم صدرها لبوزيدون (إله البحر)، فيعانق الزوج المائي عنق المرأة المنفتح بذراع مبتلة، طابعًا قبلات رطبة على شفتي عروسه".
يرد إسم لبنان ومدنه الساحلية في الكتاب المقدس منذ عهد سليمان الحكيم وحيرام ملك صور
لبنان في الكتاب المقدس
لِتُزهر أزهارًا وتبتهج ابتهاجًا مع هتاف
لقد أتيْتَ مجد لبنان وبهاء الكرمل والشارون
فهم يرون مجد الرب وبهاء إلهنا
(أشعيا 35: 2)
ناحَتِ الأرض وذَبُلَت وخَجِلَ لبنان وذوى وصار الشارون كالقفر وارتعد باشان والكرمل
(أشعيا 33: 9)
أليس عمّا قليل يتحول لبنان جنة والجنة تحسب غابًا.
(أشعيا 29: 17)
حتى السرو وأرز لبنان يشمتان بك: منذ اضطجعْتَ، لم يصعد علينا مَن يقطَعُنا
(أشعيا 14: 18)
تُقطع أدغال الغاب بالحديد وبيد ذي بطش يسقط لبنان
(أشعيا 10: 34)
وعلى كل أرز لبنان العالي المرتفع وكل بلوط باشان وعلى جميع الجبال العالية وجميع التلال المرتفعة
(أشعيا 2: 13)
ولما كان يتناول أجزاء الذبيحة من أيدي الكهنة وهو واقف على موقد المذبح، كان يحيط به إكليل من الإخوة كفروع الأرز في لبنان أو جذوع النخل.
(يشوع بن سيراخ 50: 12)
أو زهر الورد في أيام الربيع أو الزنبق على مجاري المياه، أو نبات لبنان في أيام الصيف.
(يشوع بن سيراخ 50: 8)
كالأرز في لبنان ارتفعت وكالسرو في جبال حرمون.
(يشوع بن سيراخ 24: 13)
عنقك كبرج من العاج وعيناك بركتا حشبون عند باب بنت ربيم. وأنفك كبرج لبنان الناظر نحو دمشق.
(نشيد الأناشيد 7: 5)
ساقاه عمودا رخام موضوعان على قاعدتين من ذهب نقي. طَلْعًتُه كلبنان كأبهى أشجار الأرز".
(نشيد الأناشيد 5: 15)
ينبوع جنات وبئر مياه حية وأنهار من لبنان.
(نشيد الأناشيد 4: 15)
شفتاك تقطران شهدًا أيتها العروس. وتحت لسانك عسل ولبن. ورائحة ثيابك كرائحة لبنان.
(نشيد الأناشيد 4: 11)
هلمي معي من لبنان، أيتها العروس، هلمّي معي من لبنان.
أتركي رأس أمانة. رأس سنير وحرمون، من رابض الأسود، من جبال النمور.
(نشيد الأناشيد 4: 8)
الملك سليمان صنع لنفسه تختًا من خشب لبنان.
(نشيد الأناشيد 3: 9)
تشبع أشجار الربّ، أرزُ لبنان الذي غرسه
(المزمور 104: 16)
البارُّ كالنخل يسمو ومثل أرز لبنان ينمو
(المزمور 92: 13)
"وَفُرَت الحنطة في البلاد وتموّجت على رؤوس الجبال كلبنان، إذ أخرج ثماره وأزهاره وإذ أخرجت الأرض عشبها"
(المزمور 72: 16)