عراقة الحكم الجمهوري
نحن والجمهورية اثنان في لبنان. فعلى ان اللبنانين من أعرق شعوب الأرض في الحكم الجمهوري، اذ رعوا الجمهورية، منذ عهد الفينيقيين الأول، على أرض مدائنهم: طرابلس، بيروت، صيدون، وصور، فعلى أرض قرطاجة، وفي الزمن الأخير على أرض الامارة، والمتصرفية، ثم في ظل الإنتداب، والإستقلال.
حتى كان منهم من ناد في الجمهورة أداة حكم لهم، منذ ما يزيد على 113 عاماً أبان ثورة طانيوس شاهين الملتهبة. هذه الجمهورية الحديثة نحن واياها إثنان في لبنان. على أنها الأصلح ما يكون لنا بين الأنظمة والمعروفة جميعاً. فمنذ أن نشأت في ربوعنا أول عهد الإنتداب، راحت تمنى بإمتهان الدستور، تعليقاً، وتعديلاً وإفتئات، بحيث كنا نكيّف الجمهورية على قدنا فلا نحاول أن نصبح، نحن، على قد الجمهورية.
ثم أخذت تنتابها موجات فتتسلط عليها، حيناً، قوى من خارج النظام، وتقوى عليها، أحياناً، أجهزة من قلبها فتهزل حتى الأمحاء.
وكثيراً ما أصيبت جمهوريتنا الناشئة أيام الإنتخابات خاصة، بالتلاعب والتزوير والضغط والإرهاب. فبالتجاوزات على أنواعها، بعد ذلك.
الأموجات التب انتابت الجمهورية اللبنانية لم تستطع، في يوم، أن تدك ركائزها. ذلك بفضل أصالة الجمهورية في الروح اللبنانية وقد مهرت بها منذ أقدم العصور.
ولم تستطيع ذلك أي عاهة مهما تفاحل شرّها.
غير أن واحدة لازمت الجمهورية اللبنانية، لخمسين سنة خلت، عند أول نشأتها في الزمن الحاضر، هي أكثر ما يخشى منها عليها.
هذه العاهة هي موضوع حديثنا الليلة في طريقنا "نحو الجمهورية".
واني لأرجو ان ينبري لها على طرح الصوت، جماعات من اصل الأصليين وأرسخ الراسخين بالفضل – ومن يدري فقد يكون بعضهم بيننا الآن – فيسلخ هذه العاهة من جمهوريتهم. ثم يغسلوها من العيوب التي بدونها تتكامل عافيتها ويتألف لبنان.
طموح لبنان
أخواني
ما كان الطموح يوماً، بحجم أصحابه
فقد تطمح أمة الى ما يزيد على حجم أرضها وعدد أبنائها. ولبنان، هذا الصغير الكبير في الأرض، لا حد لطموحه في متاهات الحق والخير والجمال.
وأنه ليطمح بوثمة من جميع أبنائه المقيمين منهم في أي من بقاعه، والمغتربين تحت كل سماء. وهو يطمح في رعاية الله، سبحانه، وقد جعله على خير طريق .
. غداً يتكامل بين أيدينا بناء لبنان. "وان غداً لناظره قريب"
وحدة العالم
في هذا العالم الدائخ في سرعة، الصاعد أبداً ولا يتوقف، الذي فلق الذرة وشك أعلامه في القمر، كان يجدر ظان نتطلع الى المستقبل، فعلى أني فعلت ذلك، منذ خمس سنين، في محاضرة موضوعها "لبنان الغد"، اعود، اليوم، فأتطلع الى ماض لنا قريب، علّنا نرجع فنلمح النور الذي على هديه كانت مسيرة اللبنانيين، منذ ستت آلاف سنة، وبخاصة مسيرتهم في الألف الأخير.
في هذا العالم المتزايد عدد أبنائه بنسبة 2 ونصف % كل عام، والمتزايدة الهجرة الى مدائنه بنسبة 10%، في الأونة الاخيرة، والذي لا تتزايد أرضه بمثل هذه النسبة، ولا انتاجه، بل تتزايد مطالب أبنائه وحاجاتهم 100%، وينشدون العدالة في توزيع خيرات الأرض، كان يجب أن ننظر الى حالنا الحياتية لا الى تاريخنا الكياني. لو كان ممكناً ان نعيش يومنا على غير ما أعد لنا أمسنا، وما يعد به المستقبل.
في هذا العالم الذي يهد الحواجز بين الدول في القالرة الواحدة، ثم يهدها بين القارات جميعاً، بغية الوصول الى وحدة عالمية ينظر فيها الى الإنسان في حاضره وتوقه ومراميه، تحقيقاً لإنسانيته الفضلى، وإمتلاكاً لكرامته، يطيب لنا أن نعلن: أننا نهيء أنفسنا للسير في الوحدانية. ولكننا لن نسعى اليها الا بعد أن يثبت لنا أن الحدود بين البلدان والشعوب قد انهارت نهائياً ليقوم مكانها العالم الواحد الأحد اسعاداً لإنسانه.
ومن الآن الى أن يتحقق حلم الإنسانية هذا، حلمنا جميعاً، سنظل في طريقنا الى الحفاظ على لبنان سيداً حراً كريماً ولو اضطرنا ذلك الى إحكام الأظام والنواجز.
قواعد الجمهورية اللبنانية
لن أطيل المقدمات قصد الوصول الى موضوع الليلة الذي هو اقتراح في ضرورة التوافق على وضع قواعد الجمهورية اللبنانية الحديثة:
كانت لجبل لبنان قواعد. وهي التي تمشى عليها اللبنانيون، عمرهم فحفظوه لنا سالماً معافى.
وكنت قواعد هذا الجبل تتبدل وتتنوع، من ضمن البقاع اللبناني، بحسب ما يكون نظام لبنان نظام عشائر، أو يكون امارة، أو حكماً مباشراً، أو متصرفية، أو انتداباً، أو جمهورية مستقلة، وبحسب ما يكون عدد أبنائه نحوا من نصف مليون، او يكون عددهم نحوا من ثلاثة ملايين. المتأخرون لم يعطوا الجبل واحدة من قواعد التي وضعت له. ان هم الا آباؤنا وأجدادنا الذين بينوها فوضعوها على تساوق الايام. وما عمله المتأخرون ليس سوى التغني بالكيان، الذي بقي بفضل المتقدمين، وليس سوى الاشادة بالحلاوات التي هي من صنع الله وصنع يد الآباء تبارك وتباركوا الى الأبد. لقد غنت أجيالنا لبنان من صوت جديد. ومشينا، مخلصين، نحو الامل، نستنهض الهمم، ونشحذ العزائم.
اما أن تكون أجيالنا قد تطلعت الى الجمهورية الناشئة فتبصر في سبل بقائها، وتقدمها وازدهارها، وعملت على ترسيخها كما عمل الاجداد لجبلهم فرسخ، فهذا ما سنبحثه أمامكم، الليلة متنقلين بين التقاسيم الكبيرة التالية:
لبنان صغيراً وكبيراً
الجمهورية اللبنانية
القواعد – الحلول
حدود لبنان في أيام فخر الدين
اسارع فأقول أن الحدود الجمهورية اللبنانية لم ترتجل ارتجالاً ان هي الا ترجيع لحدود بلغها لبنان في عهود له سابقة.
كان يوم، عهد فخر الدين المعني الثاني، اتسع فيه حدود لبنان حتى بلغت الشاطئ الفينيقي بما في ذلك طرطوس، طرابلس، بيروت، صيدا، صور، وعكا. وشملت في الداخل بلاد البشاره، الجليل، القيصرية، الحولة، حاصبيا، راشيا، مرجعيون، بعلبك، البقاع وحوران، حتى استفاق في يوم من السنة 1609، حافظ باشا، والى دمشق، على الخيول اللبنانية تصهل قبالة قصره، فشهد بأم العين، كما يقول جو بلان، اللبنانيين يتحدون، باعتزاز على أرض الشام، جميع اعدائهم.
وكان يوم عادت فيه الامارة فاتسعت بعد تقلص، عهد الأمراء الشهابيين اذ أدخل الأمير حيدر، في امارته، بلاد البشارة، حاصبيا، راشيا، البقاع، مرجعيون، الضنية، بيروت، والقسم الاكبر من امارة فخر الدين.
لبنان في عهد المتصرفية
وقد ظل لبنان يضيق ويتسع وتترجرج حدوده حتى كانت المتصرفية فكسرت جبل لبنان الصغير بحدوده التالية:
شمالاً: الضنية
شرقاً: بعلبك والبقاع
جنوباً: قضاء صيدا
وغرباً: البحر المتوسط ومدينة بيروت.
ثم أنشأت المتصرفية الأقضية التالية:
1- قضاء جزين، وهو يقسم الى مديريتين: جبل الريحان، واقليم التفاح.
2- قضاء الشوف وهو يقسم الى اثنتي عشر مديرية، الشوفين، اقليم الخروب، العرقوب الاعلى، العرقوب الشمالي، العرقوب الجنوبي، المناصف، الجرد الشمالي، الجرد الجنوبي، الغرب الاعلى، الغرب الشمالي، الغرب الاقصى، والشحار.
3- قضاء المتن وهو يقسم الى خمس مديريات: المتن الاعلى، بسكنتا، الشوير، القاطع، الساحل.
4- قضاء زحلة: مديرية واحدة.
5- قضاء كسروان وهو يقسم الى تسع مديريات: جبيل السفلى، جبيل العليا، جرد جبيل، المنيطر، الفتوح، غوسطا، جونيه، الذوق، جرد كسروان.
6- قضاء البترون وهو يقسم الى تسع مديريات: البترون السفلى، البترون الوسطى، البترون العليا (تنورين)، قنات، حصرون، بشري، اهدن، الزاوية، الهرمل.
7- قضاء الكورة، وهو يقسم الى ثلاث مديريات: الكورة الشمالية، الكورة الوسطى، القويطع.
8- ومديرية دير القمر المستقلة.
وكانت مساحة ارض المتصرفية ثلاثة آلاف وخمسمائة كيلومتر مربع (لبنان، اسماعيل حقي بك، الصفحة 10) أي، تماماً، ثلث مساحة الجمهورية اللبنانية التي تبلغ، اليوم، عشرة آلاف وخمسمائة كيلومتر مربع.
يلاحظ هنا ان امتصرفية قد أسقطت من لبنان الإمارة، حاصبيا، راشيا، البقاع، بعلبك، مرجعيون، بلاد البشارة، الجليل، القيصرية، الضنية، الضنية، طرابلس، بيروت، صيدا، صور، وغيرها.
فيكون لبنان الجمهورية قد استعاد بعض ما اغتصب من أرضه ولا يكون، يوم أعلنت حدوده الطبيعية، قد اغتصب، هو، أرض غيره.
أما عدد سكان المتصرفية فكان 358000 نسمة موزعين هكذا:
235000 المسيحيون
121000 المحمديون
2000 اليهود
358000 المجموع
أي سبع مرات أقل من المجموع الحالي.
وسنرى عندما يجيء الالكلام على ذلك، كيف اصبحت الحدود، وكيف صارت تتساوق الامور.
نضال الشعب اللبناني
كانت ولادة الجمهورية اللبنانية، بعد الحرب العالمية الأولى، عسيرة.
اللبنانيون، أبناء الجبل، رأوا بلادهم تتسع، أيام فخر الدين، حتى عكا والجليل وحوران.
ورأوها تصل الى مثل هذه الحدود، تقريباً أيام الامير حيدر شهاب.
ولا تنقص كثيراً، عن ذلك طوال الأمارة الشهابية.
ثم رأوها تتقلص، حيناً بعد حين، فتعود وتتسع بحسب ما يكون على رأس لبنان حاكم هزيل أو قادر، أو يكون في الولايات العثمانية المحيطة، وبخاصة طرابلس، بيروت، صيدا، عكا، دمشق، حمص، والغافل او الساهر.
ثم ان اللبنانين كانوا قد أطلقوا في لبنان وخارج لبنان (القاهرة، باريس، نيويورك، خاصة) دعوات لحركات منوعة منها ما هو مقنع بمصلحة السلطنة العثمانية، ومنها ما هو مقنع بمصلحة العرب ومنها ما هو سافر لا قناع عليه تستهدف، جميعاً تعزيز الإستقلال اللبناني الإداري، والإقتصادي والسياسي، والإتفاق نهائياُ، على حدود لبنان في الأرض.
ولقد ناضل الشعب اللبناني الجبلي، على مختلف مشاربه ونزاعانه في سبيل إستقلال بلاده نضال الأبطال فكانت المعاهدات والإتفاقات الدولية، وكانت الثورات، اهمها ثورة السنة 1840 التي اطلقت في وجه ابراهيم باشا الفاتح، وكانت العاميات التي أهمها في لحفد، والسمقانية، والباروك، وكانت الجمعيات الحزبية.
وقد تكلل كل ذلك، بعد الحرب العالمية الأولى، بالمساعي الرسمية التي بذلها المسؤولون اللبنانيون، ومشى بها الشعب، +وقامت بها وفودهم الى مؤتمرات الصلح. ومما يجب أن يذكر في هذا السبيل الوقوعات التالية:
مؤتمر الصلح في باريس
في 9 كانون الأول 1918 اجتمع مجلس ادارة جبل لبنان (المتصرفية) في بعبد وقرر توجيه وفد الى مؤتمر الصلح في باريس مؤلف من داوود بك عمون أحد أعضائه مندوباً أولاً، ومحمود بك جنبلاط عضوه الآخر، وعبدالله بك الخوري ترجمان الحكومة، وكل من الأفندية اميل اده، ابراهيم بك بو خاطر، وعبد الحليم الحجار، وتامر بك حماده مندوبين عن جبل لبنان للمطالبة بالإستقلال ولاعادة الأراضي المفصولة، ومما جاء في هذا القرار التاريخي الخطير ما حرفيته:
"من حيث ان جبل لبنان لم يزل، منذ القديم، متمتعاً بحكومة وطنية مستقلة تشمل جبل لبنان بحدوده الجغرافية والإقتصادية، وقد امتدت في عهد بعض امرائه كالأمير فخر الدين المعني الى حدود عكا والقيصرية.
"وحيث ان هذا الإستقلال الإداري ما برح مسلماً به من الجميع بدون منازع.
"وبما أن المندوب العثماني (فؤاد باشا) في المؤتمر الذي عقدته الدول الأوروبية ببيروت، السنة 1861، قد استفاد من منافسة الدول، حنذاك، بجعل حق لبنان في الإستقلال حقاً صورياً فقط بان فصل عنه من جهة موالي بيروت وصيدا وطرابلس وملحقاتها، ومن جهة أخرى سهل البقاع، وبعلبك، جبل الشيخ بما فيه حاصبيا وراشيا، مما اضطر اللبنانين الى التشتت في أطراف المعمور.
"وبما أن لبنان الحالي لا يغل من الحبوب الا ما يقوم بحاجة أهله لمدة شهرين فقط .
"وبما أن العمل الذي توخته الدول سنة 1861 بقي ناقصاً: فإن الذي قصدته الدول هو أن تضمن لجبل لبنان استقلالاً إدارياً واقتصادياً واقياً لا صورياً. ولذلك يجب اتخاذ الأسباب التي تمكنه من تحقيق الإستقلال المذكور تحقيقاً فعلياً.
"فالآن بمناسبة طرح أماني الشعوب في مؤتمر الصلح أمام أعظم هيئة عادلة أسستها البشرية حتى الآن فقد قرر هذا المجلس توجيه وفد من ومن. مندوبين عن جبل لبنان ليعرضوا في المؤتمر المشار اليه الطلبات الآتية:
المطالب اللبنانية أمام المؤتمر
1. توسيع نطاق جبل لبنان الى ما كان معروفاً به من التخوم تارخياً وجغرافياً وما تقتضيه منافعه الإقتصادية بحيث يكون بلاداً قادراً على القيام بحياة شعوبها ومنافعهم وثورتهم وبحكومة راقية منظمة.
2. تأييد إستقلال هذا البلد اللبناني بإدارة شؤونه الإدارية والقضائية بواسطة رجال من أهله.
3. يكون لهذه البلاد اللبنانية مجلس نيابي يؤلف على مبدأ التمثيل النسبي، حفظاً لحقوق الأقلية، وينتخب من الشعب. ويكون لهذا المجلس حق التشريع ووضع القوانين الملائمة للبلاد، وسائر ما للمجالس النيابية في البلدان الديمقراطية".
كان النواب الذين وقعوا هذا القرار:
حبيب السعد، رئيساً، سعدالله الحويك، شديد عقل، سليمان كنعان، داوود عمون، محمود جنبلاط، فؤاد عبد الملك، الياس الشويري، نقلا غصن، محمد الحاج محسن، ونعوم باخوس، أعضاءً.
وغاب محمد صبرا الأعور ويوسف البريدي عن هذا الإجتماع بسبب مرضهما. وكان المقعد السني شاغراً بوفاة النائب حسين الحجار الذي خلفه في النيابة ابنه عبد الحليم الحجار (والد النائب الحالي عصام الحجار).
ثم كان الوفد الذي شخص، فعلاً، الى باريس مؤلفاً من: داوود عمون، مندوباً أولاً، إميل إده، نجيب عبد الملك، عبد الحليم الحجار مندوبين آخرين.
فبعد أن أقام الوفد مدة في باريس رجع الى بيروت دون نتيجة (يوسف السودا، في سبيل الإستقلال)
قرار مجلس إدارة جبل لبنان
على أثر ذلك عاد مجلس إدارة جبل لبنان فاجتمع في العشرين من أيار 1919
مؤكداً المطالب الوطنية الأساسية.
"لما كان جبل لبنان مستقلاً منذ القدم بحدوده التاريخية والجغرافية، والقطع التي فصلت عنه قد سلخت عنوةً واغتصاباً من الدولة التركية.
"ولما كان لا يتسع للبنان العيش والرقي ما لم تعد اليه القطع المفصولة عنه.
"ولما كانت دول الحلفاء أعلنت أنها تساعد على تحرير الشعوب المظلومة، وأعادت الأراضي المغصوبة لبلادها الأصلية، وكانت القطع المغتصبة من لبنان تعتبر قسماً منه ومعظم سكانها من اللبنانيين أصلاً.
"فبناءً عليه قد اجتمع هذا المجلس بصفته ممثلاً للشعب اللبناني وأصدر القرار الآتي:
أولاً- المناداة باستقلال لبنان السياسي والإداري بحدوده الجغرافية والتاريخية، واعتبار البلاد المغصوبة منه بلاداً لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه.
ثانياً- جعل حكومة لبنان هذه ديمقراطية مؤسسة على الحرية والإخاء والمساواة مع حفظ حقوق الأقلية وحرية الأديان.
ثالثاً- مباشرة درس وتنظيم القانون الأساسي (الدستور) بطريقته الأصولية.
رابعاً- تقديم هذا القرار لمؤتمر الصلح العام.
خامساً- إعلان هذا القرار في الجريدة الرسمية.
الوفد الثاني الى باريس برئاسة البطريرك حويك
في 4 حزيران 1919 قامت، في بعبدا، تظاهرة كبرى تقاطر اليها الناس من كل أنحاء لبنان، تطالب بإرسال وفد آخر الى مؤتمر الصلح برئاسة البطريرك الحويك لملاحقة تنفيذ القرار الذي كان قد اتخذه مجلس الإدارة في العشرين من أيار الفائت.
وفي 16 حزيران 1919 وضع مجلس الإدارة قراراً بانتداب البطريرك الحويك الى مؤتمر الصلح للمطالبة بتنفيذ قرار المجلس الصادر في 20 أيار، ولمساندة المطالب الوطنية الأساسية.
وبعد أن تسلم البطريرك كتاب مجلس الإدارة، وجاءته الوكالت من الهيئات اللبنانية على اختلاف الطوائف والمناطق سافر غبطته على رأس وفد لبناني ثاني الى مؤتمر الصلح بباريس. وقد أبحر الوفد من جونيه على مدرعة حربية فرنسية ليعود في 23 كانون الأول 1919 في يوم عاصف خشي فيه على الباخرة وركابها.
وقد كان هذا الوفد، بالإضافة الى البطريرك الحويك رئيسه، مؤلفاً من: المطران اغناطيوس مبارك، المطران بطرس الفغالي، الأب اسطفان الدويهي، السيد لاوون الحويك، والشماس ابراهيم خليل.
وقد انضم الى الوفد في باريس: المطران كيرللس مغبغب، والمطران يوسف الخازن، والأب تيودوسيوس معلوف.
وقد تميزت أعمال الوفد الثاني بالمذكرة التي رفعها البطريرك الحويك بتاريخ 25 تشرين الأول 1919 الى مؤتمر الصلح والتي يرد فيها التأكيد بضرورة "الإعتراف للبنان بالإستقلال الذي نادت به الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني في 20 أيار 1919" وبضرورة "إعادة لبنان الى حدوده التاريخية والطبيعية بإرجاع البقع التي سلختها عنه تركيا". وأشفع غبطته هذه المطالب ببيان أتى فيه على لمحة تاريخية واعتبارات سياسية وثقافية وقانونية.
الضمانات الفرنسية
وكان أبرز ما حصل عليه هذا الوفد الجواب المطمئن الذي تلقاه البطريرك من كليمنصو رئيس الوزارة الفرنسية. وقد جاء فيه:
"ان رغبة اللبنانيين بالإحتفاظ بحكومة ذاتية وبنظام وطني مستقل، يتفق اتفاقاً تاماً مع التقاليد الحرة لفرنسا.
"فبمعونة فرنسا وبمساعدتها يستطيع اللبنانيون – وهم مستقلون عن كل تجمع وطني آخر – أن يكونوا على ثقة بأنهم يحتفظون بتقاليدهم، ويوسعون أنظمتهم السياسية والإدارية، ويعملون بأنفسهم لتقديم بلادهم، ويرون أخيراً أبنائهم مهيئين في مدارسهم الخاصة للوظائف العامة في لبنان.
"على أن فرنسا التي بذلت جهدها سنة 1860 لتضمن للبنان مساحة من الأرض أوسع لا تنسى أن تضييق الحدود الحاضرة هو تنيجة ظلم عاناه لبنان طويلاً. فإن فرنسا عند تحديد لبنان تعنى كل العناية بما يجب الإحتفاظ به للجبل من سهول ومنفذ الى البحر تأميناً لازدهاره".
الوفد اللبناني الثالث في باريس
غير أن التأكيدات التي أعطيت للبطريرك الحويك من كليمنصو لم تقترن بنتائجها طوال المدة التي مكث فيها الوفد بباريس فألجأت الحال الى ارسال وفد ثالث مهمته حمل الحلفاء، وفرنسا خاصةً، على تنفيذ ما ورد في رسالة كليمنصو الى البطريرك. سافر الوفد الثالث، فجأةً، الى باريس في 2 شباط 1920، وكان مؤلفاً من المطران عبدالله الخوري، رئيساً، وإميل إده، وباترو طراد، ويوسف الجميل، وتوفيق إرسلان أعضاء.
فتكلل مسعاه بالنجاح.
قد قام الوفد الثالث بالمهمة التي أوكلت اليه وكان من جملة ما قام به أنه استحصل في 24 آب 1920، من السيد ميلران، رئيس الوزارة الفرنسية آنذاك على تأكيدات أهمها:
"يجب أن يحتوي لبنان على سهول عكار في الشمال، وأن يمتد الى حدود فلسطين في الجنوب، وأن ترتبط به مدينتا طرابلس وبيروت ارتباطاً تاماً.
". ولم يعد من حاجة الى أن أؤكد لكم استقلال لبنان الذي أعلنه كليمنصو وأعلنته أنا أيضاً.
"وأن قانون لبنان الأساسي يجب أن يكون مطابقاً للحاجات الجوهرية ولمجموع المصالح في البلاد التي يناط به أمرها بعد إنشاء لبنان الكبير".
الجنرال غورو في لبنان
وفي غضون ذلك أوفدت فرنسا الى لبنان الجنرال غورو، قائد حملة الدردنيل في أثناء الحرب العالمية الكبرى، مفوضاً سامياً، للدرس والتنفيذ، فوصل الى بيروت في أوائل تشرين الثاني 1919.
وقد أحاط الجنرال غورو نفسه بمعاونين ومستشارين، فرنسيين ولبنانيين أكفاء، فانكب وإياهم، يبحث ويناقش حتى خرج، بعد عشرة أشهر، بسلسلة قرارات خطيرة تستجيب، جميعها، للمواقع التاريخي والإرادة اللبنانية. فكان من نتيجتها لبنان الكبير أي الجمهورية اللبنانية الحاضرة.
ففي 3 آب 1920 أصدر الجنرال غورو، بزحلة، قراراً رقم 299 ب "ضم أقضية حاصبيا، وراشيا، وبعلبك، والمعلقة (البقاع) الى لبنان في ما يتعلق بنظامها الإداري (مادة أولى).
اعلان لبنان الكبير
وفي 31 آب أصدر، بيروت، القرار رقم 318 بتعيين حدود لبنان الكبير، ومما جاء فيه، كما عينتها الإدارة اللبنانية:
المادة الاولى: تشكلت حكومة باسم دولة لبنان الكبير تشتمل:
أولاً- على منطقة لبنان الإدارية الحالية.
ثانياً- على أقضية بعلبك، والبقاع، وراشيا، وحاصبيا، وفقاً للأوامر الصادرة في القرار رقم 299 المؤرخ في 3 آب 1920.
ثالثا- على أراضي ولاية بيروت المفصّلة في ما يلي:
أ. سنجق صيدا خلا ما ألحق منه بفلسطين بحسب الإتفاقات الدولية.
ب. سنجق بيروت.
ت. قسم من سنجق طرابلس يشتمل على أراضي قضاء عكار الواقعة جنوبي النهر الكبير، وقضاء طرابلس (مع مديريتي الضنية والمنية وقسم من قضاء حصن الأكراد).
المادة الثانية: إن حدود لبنان الكبير هي كما يأتي:
شمالاً: من مصب النهر الكبير الى خط يرافق مجرى النهر الى نقطة اجتماعه بنهر وادي خالد الصاب فيه على علو جسر القمر.
شرقاً: خط القمة الفاصل بين وادي خالد ووادي نهر العاصي، ثم حدود أقضية بعلبك، البقاع، حاصبيا، وراشيا الشرقية.
جنوباً: حدود فلسطين كما هي معينة في الإتفاقات الدولية.
وغرباً: البحر المتوسط.
وفي اليوم ذاته أصدر، بيروت، قراراً رقم 321 جاء فيه مادته الأولى:
"تلغى المنطقة الإدارية لأراضي لبنان المستقلة ونظاماتها ومصالحها الإدارية العمومية والمحلية".
وهذا يعني إلغاء المتصرفية وبروتوكولات 1860 – 1864 وما يليها.
ثم جاء دور إعلان لبنان الكبير الذي حصل في اليوم التالي (1 أيلول 1920)، بقصر الصنوبر في بيروت، اذ ألقى الجنرال غورو خطابه الشهير في حشد حافل من أهل السياسة والمجتمع والناس يقف عن يمينه البطريرك الياس الحويك وعن شماله الشيخ مصطفى نجا، وهو شهيد.
وهذه أهم المقاطع التي وردت فيه:
يا أهل لبنان الكبير
ان اليوم الذي انتظره آباؤكم عبثاً والذي ستكونون أنتم، أحسن حظاً منهم فترون فجره قد دنا.
هذا هو ذلك اليوم.
أمام هذا الشعب المحتشد المتقاطر من جميع البلدان التي يشرف عليها لبنان، وكانت، أمس، متاخمة فأصبحت متحدة في وطن قوي بماضيه عظيم بمستقبله.
أمام أرباب الحكومة اللبنانية وأبناء أشهر الأسر والرؤساء الروحيين من جميع المذاهب والطوائف.
وبمشهد من ممثلي الدول التي جاهد أكثرها معنا ذلك الجهاد الطويل إنتصاراً للحق والحرية.
وتجاه هذه الجبال الشامخة التي كانت قوة بلادكم إذ لم تزل الحصن المنيع لإمانها وحريتها.
وعلى شاطئ البحر الشهير بغرائبه الذي شاهد مراكب فينيقيا واليونان، ورومه، وحمل الى أقطار المعمور أجدادكم الذين عرفوا بالحذق وبالمقدرة التجارية وفصاحة اللسان، وهو الآن، بعود حميد، يحمل اليكم تثبيت مواثيق ود عظيم قديم ومنافع الصلح الفرنسي.
فعلى مرأى ومسمع من هؤلاء الشهود جميعاً، شهود أمانيكم ومكافحاتكم وانتصاركم، وبالإشتراك في فرحكم وافتخاركم أعلن أمام الملأ:
لبنان الكبير
وباسم حكومة الجمهورية الفرنسية أحييه في عظمته وقوته من النهر الكبير الى أبواب فلسطين وقمم لبنان الشرقي.
ذلك هو لبنان
بجبله حيث يخفق قلب هذه البلاد المضطرم
بسهل البقاع الخصيب.
بمدينة بيروت المرفأ الأعظم للدولة الجديدة ومقر حكومتها. بمدينتي صيدا وصور صاحبتي الماضي الشهير اللتين ستجددان شبابهما باتحادهما بوطن كبير.
هذا هو الوطن الذي هتفتم له وحييتموه"
ثم تكرس لبنان الحاضر في شرعة جمعية الأمم سنة 1922، في معاهدة لوزان السنة 1923، في الدستور اللبناني تاريخ 23 أيار 1926، في الحركات الإستقلالية العديدة، وفي إجماع اللبنانيين على بعث لبنان المعنيين والشهابيين حراً سيداً كريماً.
المجالس الإدارية والنيابية
لبنان الكبير هذا صارت مساحة أرضه عشرة آلاف وخمسمائة كيلومتر مربع (أي، تماماً، ثلاثة أضعاف مساخة أرض المتصرفية)، وصار عدد سكانه نحوا من مليون ومائة ألف نسمة (أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف سكان المتصرفية).
وفي 22 أيلول 1920 أصدر الجنرال غورو، تنفيذا لقراره رقم 336 تاريخ أول أيلول، قراراً يعين فيه أعضاء اللجنة الإدارية الأولى (الخمسة عشر) التي استمرت حتى 1922. وقد ورد أسماء أعضائها، في قرار التعيين، على الترتيب التالي:
ابراهيم أبو خاطر، عثمان علم الدين، داوود عمون، نصري العازوري، حسن بيهم، عمر الداعوق، أنطون عرب، يوسف الجوهري، ابراهيم حيدر، توفيق مجيد ارسلان (وقد خلفه رشيد جنبلاط بعد أن عين متصرفاً للبنان الجنوبي، بطرس بشاره كرم، يوسف الخازن، نعوم اللبكي، ابراهيم الصراف، باترو طراد، الحاج حسن الزين.
وقد توالت المجالس النيابية المنتخبة كلها، ثم المنتخب بعضها والمعين بعضها الآخر، في السنوات 1922، 25، 29، 34، 37، 43، 47، 51، 53، 57، 60، 64، 1968 الذي ما زال يجلس سعيداً.
وكان فيها من رجالات البلاد أبرزهم: نخله التويني، عبدالله أبو خاطر، شبل دموس، موسى نمور، مسعود يونس، خالد شهاب، نخله الأشقر، فؤاد ارسلان، نعوم باخوس، ابراهيم المنذر، حبيب السعد، جورج ثابت، عمر بيهم، ميشال شيحا، جميل وسليم تلحوق، روكز أبو ناضر، عبد اللطيف الأسعد، يوسف الزين، نجيب عسيران، يوسف سالم، صبحي حيدر، صبري حماده، نقولا غصن، يوسف اصطفان، البير قشوع، محمد الجسر، محمد الكستي، ميشال زكور، جبرائيل نصار، قبلان فرنجية، بشارة الخوري، يوسف السودا، حسين الأحدب، أحمد الحسيني، هنري فرعون، خير الدين الأحدب، كميل شمعون، حميد فرنجية، شارل دباس، حبيب أبو شهلا، عبدالله اليافي، سليم تقلا، يواكيم البطار، قازم الخليل، جواد بولس، الياس عاد، شارل عمون، كمال جبر، محي الدين النصولي، جبران التويني، خليل كساب، غبريال خباز، سامي الصلح، ألفرد نقاش، أمين السعد، جورج عقل، أسعد البستاني، كمال جنبلاط، وديع نعيم، اميل لحود، فؤاد الخوري، عبد الحميد كرامي، شارل الحلو، اميل البستاني، عادل عسيران، أحمد الأسعد، رياض الصلح، صائب سلام، يوسف الهراوي، رشيد كرامي، سليمان فرنجية، شارل مالك، ريمون اده، بهيج تقي الدين، غسان تويني، أنور الخطيب، فؤاد غصن، فيليب بولس، تقي الدين الصلح، قازم الخليل، ميرنا البستاني، سليم لحود، جوزف أبو خاطر، عثمان الدنا، عبدالله المشنوق، بيار الجميل، جوزف شادر، ادمون رزق، نصري معلوف، لويس أبو شرف، خليل الخوري، كامل الأسعد، نسيم مجدلاني، نهاد بويز، محمود عمار، اميل سلهب، نديم نعيم، وكثيرون غيرهم.
وكان في الحكومات المتوالية رؤساء ووزراء غير الذين عرفوا من النواب اكفاء بارزون أمثال: أوغست أديب، نجيب القباني، يوسف أفتيموس، نجيب أبو صوان، صبحي أبو النصر، جميل شهاب، كامل غرغور، أسبيريدون أبو الروس، رامز سركيس، ألفريد سكاف، جورج كفوري، وغيرهم.
وكان في أهل الفكر والصحافيين الذين بحثوا في السياسية من سرت لهم شهرة كبيرة.
وكانت في الأحزاب والتكتلات ما قوي حتى صارت تشكل أملاً دائماً.
وخطر في رئاسة الجمهورية أو في مقامها، نخبة من أكبر اللبنانيين:
شارل دباس، حبيب السعد، أميل اده، الفريد نقاش، باترو طراد، أيوب تابت، بشارة الخوري، كميل شمعون، فؤاد شهاب، شارل حلو.
ومع ذلك، فإن واحداً من هؤلاء السادة، سواء أكان في الموالين لقيام الجمهورية أو في المعارضين، لم يثر، ترسيخاً لها أو تعجيزاً، مسألة وضع قواعد لهذه الجمهورية الطريئة والناشئة.
ضرورة وضع قواعد لجمهورية لبنان الكبير
ان ما كان، وما ظل، وما سيظل (الى وقت أرجو الا يكون بعيداً) من أمر رقعة أرض صغيرة واتسعت حتى شملت مقاطعات وأناساً لا هي تعودت، لوقت طويل، ولا هم، ينتسب رضاء، للبنان. . ان كان هذا لم يحرك واحداً من السياسيين والمفكرين والمسؤولين لوضع هذه القواعد.
هذه المضمومات، حديثاً، الى جبل لبنان – وان كان ضمها الى الجمهورية اللبنانية ترجيعاً لحدود قديمة اغتصبت منه اغتصاباً – ما برحت تنتظر المبررات التي توحدها، من ضمن الجمهورية، مع باقي الأجزاء اللبنانية سواء منها القديمة أو الحديثة. انها لا تبتغي مبرراً تاريخياً، أو منطقياً. لأنها قابلة بما ما هو صائر. ولكنها ترغب في أن ترى قواعد على أساسها يحصل الرضى والقبول بين جميع أجزاء الجمهورية ان لم يكن لشيء إلا لإيجاد الحجة الواحدة المقنعة الدامغة التي على زعماء المقاطعات المضمومة ان يعطوها لأنصارهم لكي يلحقوا بهم الى بيروت. هذه القواعد تفرضها اعتبارات صارت واضحة من سياق هذا الكلام:
أولاً- إعلان الجمهورية اللبنانية بدون تهيئة نفسية كافية تتناول على الأخص، أبناء الأقضية المضمومة، بعد أن كان قد انقضى وقت طول على انفصال بعض الأجزاء المضمومة عن الإمارة اللبنانية وعن المتصرفية، بوجه خاص.
ثانياً- الجمهورية اللبنانية، بما ضم اليها من السكان، كانت سبباً في خلخلت التوازن الذي كان سائداً في جبل لبنان.
لقد كان عدد السكان، آخر أيام المتصرفية، في جبل لبنان 358000 نسمة، فأصبح عددهم في الجمهورية اللبنانية نحوا من مليون ومائة ألف نسمة (اي ثلاثة أضعاف ما كان عليه عددهم أيام المتصرفية).
وهو، اليوم، نحو من سبعة أضعاف. اذ بسبب الإحصاءات الأخيرة، يزيد عدد سكان الجمهورية اللبنانية، اليوم، على 2387000 نسمة.
ثم كان المسيحيون في جبل لبنان نحوا من 235000 نسمة والمحمديون نحوا من 121000 نسمة.
فإذا المحمديون والمسيحيون، اليوم، نصف بنصف. أو بزيادة تكاد لا تذكر.
ثالثاً- كان سكان جبل لبنان، على مختلف أديانهم ومذاهبهم قد حصلوا على لبنانهم بتكديس البطولات في الكر والفر والمقاومة العنيدة والمواقف الجريئة الواعية. وكانوا يحرصون عليه حرصهم على كنوزهم. لأنهكان لهم ملجأ وملاذاً. وكان سكان الجبل، جميعاً، من الأقليات والمضطهدين الذين هرعوا اليه هرباً من مواطنيهم وجيرانه. أما الجمهورية اللبنانية فقد تغيرت أسسها اذ أدخلت، في عداد أبنائها، جماعات ليسوا في الأقلية بالنسبة الى عالمهم المحيط. ولا هم كانوا في المضطهدين.
رابعاً- ارتباط شعور أبناء بعض المقاطعات المضمومة بشعور اناس ظلت مقاطعاتهم المتاخمة (أوالمقسومة الى اثنين) ضمن حدود دولة مجاورة كسوريا وفلسطين وقد اوجد هذا الشعور المشترك تعامل وزواج وجوار وعادة لا ينفع إلا الوقت بإيجاد مثله في بيئتهم الجديدة.
خامساً- إعطاء حجة، قوية مقنعة لزعماء المقاطعات المضمومة في قيادة أتباعهم للدخول في الجمهورية الناشئة راضين مقتنعين على أساس أن الإنضمام يرضي كبريائهم القومي ويزيد في نفعهم (كرامتهم الإنسانية، حريتهم، ورخاء عيشهم).
وهنا لا بد من كلام يفرض نفسه بحكم الظرف:
لو أن قواعد الجمهورية اللبنانية وضعت في حينه لكانت الوحدة الوطنية التي ننشد جميعاً حقيقة واقعية فاعلة لا كلاماً يخبىء فراغاً عظيماً ولعباً على الواقع.
ولو أن قواعد الجمهورية اللبنانية وضعت في حينه لما كنا نقاسي، اليوم، ما نقاسيه من اختلاف في الرأي، وتباعد في الصف، وتباين في الهدف.
ثم كان التغلب على الصعاب التي تعترضنا نوعاً من التلهي، أو هو، على الأقل، من العاديات الأمور. اذ كان يقف لبنان، آنذاك، بشيبه وشبابه، ليرفض، مجمعاً مخلصاً واثقاً، كل اعتداء على أرضه، على نظامه، على مؤسساته، أو على أي معنى من معانيه العتاق.
محاولات لوضع قواعد الجمهورية اللبنانية
سيداتي سادتي
انه لمن الإجحاف أن نقول: ان محاولات لم تجر في هذا السبيل. فالميثاق الوطني كان محاولة، ومحاولة كان القول "بالوحدة الوطنية"، ومحاولات كان الدستور اللبناني، وكانت الأحزاب والتكتلات والتحركات، وكانت المعاهدات والإتفاقات.
ولكن واحدة من هذه المحاولات لم تنظر الى أبعد من يومها. فلم تنظر الى أرساء قواعد عامة، شاملة، يكون لها نفاذ في المستقبل، وتكون، بالفعل، قد وضعت قواعد أساسية للجمهورية اللبنانية يرجع اليها في بحث كل قضية طارئة، ولدى اتخاذ أي قرار.
وبتواضع كلي أعلن أنني لست أنا، الليلة، واضع هذه القواعد.
فوضع هذه القواعد يقتضي له جماعات من أهل الرأي والعلم والثقافة، والخبرة والسياسة، والتمثيل الشعبي القوي، جماعات له من رصيدها الشعبي ما تستطيع معه أن تقبل بتنازلات، وأن يقبل منها ذلك. لأن أي اتفاق بدون ما تنازل من كل من الفرقاء لا يمكن أن يحصل.
لست أنا الليلة كل هذه الجماعات في آن معاً. ولا أستطيع أن أكون.
ولكن لا بد من بداية.
القواعد المقترحة
والبداية، في هذا الباب، هي مجرد طرح الفكرة. وما ابداء بعض الملاحظات، تصدر عني الآن، حول هذه الفكرة سوى من قبيل الزيادة التي هي، هذه المرة، من لزوم ما يلزم، فمن قبيل هذه الزيادة – المشاركة أقول:
أولاً- يتفق المجتمعون – وقد ذكرنا من هم – على رورة حصول اتفاق بينهم. وعلى أن يتناول هذا الإتفاق وضع قواعد الجمهورية اللبنانية. اذ أن وطنا لا قواعد له كبيت ليس له رأس. فإنه مدعو الى الخراب.
ثم أن قواعد الجهورية اللبنانية تحفظ الجمهورية اللبنانية كما حفظت قواعد اللغة العربية، مثلاً، اللغة العربية.
ثانياً- ان لم يكن الإتفاق ممكناً، في المجتمعين، بين مواطن ومواطن، كلاهما قابل بالجمهورية اللبنانية فليكن الإتفاق بين المجتمعين، كما الإتفاق بين مستأجر ومؤجر في سبيل تأمين السكن، في الجمهورية اللبنانية، على أفض وجه من ضمن الإمكانات القائمة لدى كل من الفريقين.
اذ ليس شرطاً أساسياً أن يكون اللبنانييون من أصل بشري واحد لكي يتمكنوا من الحياة معاً، على أرض واحدة، في وطن واحد. فالسويسريون من أصل الماني، وايطالي، وفرنسي، وسويسري. ومع ذلك يتعايشون على أحسن حال، ويؤلفون أمة واحدة في وطن واحد.
كما أنه ليس شرطاً أساسياً أن يبحث المجتمعون أصل اللبنانيين، وأن يعلنوا ذلك. فالشعب الأميركي (في الولايات المتحدة الأميركية)، وهو أكبر شعوب الأرض، لا يبحث أصله. والأمر سيان لدى الأميركي الفرنسي، والأميركي البريطاني، أو الإلماني، أو الإسباني، أو الإيطالي، أو الإرلندي، أو الهولندي، أو غير ذلك. على أنه شعب يتألف من جماعات يرجع أصلها الى هذه الشعوب جميعاً. فمع ذلك فإن فئاته تتعايش على أحسن حال. وهو يستطيع كشعب ان يدل على أعظم الشعوب وأعرقهم أصلاً، وأكثرهم كرامة وتشوفاً. اذ الإقليم وحده يؤقلم. وهو، وحده، يطبع الشعوب بطابع واحد أو شبه.
مثل هذه المباحث الشاردة شروداً مكنت فيليب المكدوني من احتلال بيزانطيا في ما كن علماؤها تحت عين الشعب يبحثون جنس الملائكة: أذكور هي أم إناث؟ ولا أدري ماذا يفيد المتعبد أن يعرف ذلك؟! وما بحث الشؤون العرقية والدينية، والطائفية، وما اليها سوى شيء من هذا. وأنه لآسفين في بنية التوافق والإتفاق، وسبب للتفرقة، طالما توصله المغرضون.
وفي سبيل الوصول الى اتفاق لا يعهد الى اي لبناني بشأن عام، وعلى الأخص احدى الئاسات الثلاث، أو عضوية الحكومة أو المجالس النيابية إلا إذا كان صاحب اقتراح أو ملاحظة جدية تقرب هذا الإتفاق، أو تخدم التقرب على الأقل. وليس الأمر غريباً. ففي بعض دول العالم لا يعهد الى أي مواطن برئاسة الدولة ما لم يكن صاحب كتاب في موضوع الدولة التي يرئس.
هذا فضلاً عن اي انصراف اهل القلم والسياسة الى ايجاد حل من الحلول لمثل هذا الموضوع الحيويأنفع للبلاد وللعباد من أي بحث آخر، الموقف آخر، أو هتمام آخر. عل هذا يخفف من كثرة تحرك لا ينفع.
ثاثاً- الإتفاق يجب أن يستمد من توق المواطن الى إرضاء كبريائه القومي وإشباع حاجاته الحياتية بدون ما عناء وعنت وفناء.
أما الكبرياء القومي فليس مشروطاً لإرضائه ان يكون لبنان أكبر دولة على الأرض، ولا أن يكون أسبق الدول الى فلق الذرة والوصول الى القمر، ولا أن يكون صاحب الأسبقيات في العلوم والفنون وشؤون الفكر والحياة. بل يستطيع أن يكون بلد صغير، متواضعاً وان يكون كبرياؤه القومي موفوراً، ورأسه عالياً، بأن يكون الإنسان فيه كريماً على أرضه، حراً، سيد أمره، يتمتع برخاء وبعيش هنيء وبأن تكون مؤسساته قادرة سليمة، من جيشه، الى ادارته، الى حكومته، الى مجلسه، الى قضائه، كما انه ليس ضرورياً أن يكون الإنسان بحجم الإسكندر، وهانيبعل، ونابليون، وعمرو بن العاص، أو بحجم أرسطو وديكارت، وكانت، والغزالي وجبران، أو بحجم المتنبي وغوته وفاليري لكي يكون الإنسان نبيلاً كريماً يفرض احترامه.
وأما الحاجات الحياتية فيجب أن تكون موفرة لكل إنسان بلبنان فلا تعطل عن العمل، ولا شيخوخة ولا عجز مانع، ولا طبابة مكلفة، ولا تعليم مرهق، ولا معيشة صعبة، ولا حرية مكبوتة، ولا إجراءات اعتباطية، ولا قهر للكرامة،
رابعاً- لا إتفاق ما لم تؤخذ بالإعتبار حقائق لبنانية صارخة، من هذه الحقائق ما هو وارد في أقوالنا السابقة وفي أقوال غيرنا، وما نذكر ببعضه تذكيراً الآن:
1. ان لبنان نظراً لموقعه الجغرافي لعلى مفرق طرق عالمية، وهو ساحة عمومية. انه بلد متوسطي منه تبدأ واليه تنتهي دنيا العرب. وفي لبنان تتصافح المدنيات، وتتبادل المعتقدات واللغات والطقوس شعائر الإحترام. وهو ذو حضارتين متوسطية وعربية.
2. لبنان متعدد اللغات كما اللبنانيون متعددو الطبائع.
3. لبنان بلد مضياف وإنساني.
4. لبنان بلد مكوّن من تداخل الجبل والبحر.
5. لبنان بلد تزحف اليه المطامع يدفعها في طريقها مناخه، مياهه، خضاره، بحره، وكونه أحد أحلى بلدان الارض قاطبة.
6. لبنان، في الاصل، جبل قديم له قواعده الذاتية، ضمت اليه حديثاً مقاطعات كانت مفصولة عنهوتأخذ بقواعد الآخرين فصار محتوماً أن تكون له قواعد خاصة.
7. لبنان ملجأ وملاذ، ملجأ للأقليات القلقة، وملاذ للمخلوعين، والمضطهدين، والمنفيين.
8. ليس لبنان مع اليمين المتحجر، ولا هو مع اليسار المتطرف. ان هو الا مع العصر في تطوره الصاعد ومع الإنسان في تأمين كرامته وعيشه.
9. شعب لبنان شعب مجنّح دائم الشوق الى الإرتحال. لا يهنأ له بال، أو تستقر له حال، الا إذا أحب العالم وقرّب العالم اليه.
10. ان مستقبل لبنان منوط، أساساً، بالحرية: حرية في العقيدة، وحرية في العمل والدأب. وهو منوط برحابة البصر والبصيرة في النظامين الساسي والإجتماعي، وبتسديد الأخلاق والعوائد، أخذاً باحترام الحريات الشرعية، ومنوط، اخيراً، بإزالة القيود والعوائق على مدى وسيع.
11. لبنان، أبداً، مع ضيعته، مع حاكورته، ومدرسته، وسنديانته، لبنان مع نفسه، مع بقائه حراً سيداً كريماً ما بقيت نسمة من نفس في جباله وشطآنه.
وهو لكذلك لأنه في مصلحة العرب أجمعين أن يبقى هكذا وفي مصلحة العالم كله.
نحو لبنان الغد
عندما ترسى القواعد التي هي لنفع الجمهورية يصبح لا بد من القواعد التي هي لنفع الناس.
وهنا، أيضاً، لا أريد أن أنشيء جمهورية مماثلة لجمهورية أفلاطون، ولا أختا لمدينة الفارابي الفاضلة.
بل أقول بإيجاز كلي،
لكي تحيا الجمهورية فيحيا فيها الناس، على ما يجب أن يحيوا، لا بد من أن تعي الجمهورية ذاتها.
لا بد من أن تتبين طريقها فتتحرك وتمشي صعداً نحو الأحدث والامثل.
لا بد من أن تصمم لغدها
لا بد من ان يكون لديها:
في وجه كل محارب رسول محارب رسول
في وجه كل كلام مدور كلام مدور
في وجه كل تعليم مدروس تعليم مدروس
لكل "سلوغان" و "كاتيشيسم" سلوغان وكاتيشيسم من نوع آخر.
وفي وجه كل وعد كاذب وأمل خالب وعد وأمل صحيحان.
لكل ضمان منجز ضمان منجز من نوعه.
ولكل تدبير حياتي تدبير حياتي آخر.
. ثم استباق
استباق ينشيء في عالمنا ما لم يفكر بمثله عالم آخر.
بحيث يصبح انسان الجمهوريات الديمقراطية افضل انسان:
كرامته أسلم كرامة، حريته أرسخ حرية، وعيشه أطيب عيش.
فكل ما يعمل في لبنان، اليوم، وغداً وبعد غد، بعيداً عن مواجهة العصر المائج ومجابهة الثور الهائج اضاعة لوقت هو، في الزمن الحاضر، أثمن وقت.
بل هو مواطئة في الإنكسار.
مسؤولية الشباب
والآن، وفي هذا الجو العابق برائحة الشباب – ولنا منهم في بيتنا أفلاذ – أقول لأولادنا:
ليس في ساحة المجلس النيابي الخارجية تشترع القوانين، بل في قدس أقداسه.
ليس في الشارع تنطلق المطالب الحقة، بل في الخلوة المعطرة.
ليس بالصراخ تنال الحقوق. بل بالهمس الرفيق الناعم. فكل ما يعمل اليوم في لبنان، لا يجوز إلا بقصد واحد هو زيادة مدماك على بناء الوطن الشاهق.
الحق الذي يطالب به أصحابه المزايدة على مطالب آخر ليس حقاً. بل ادعاء باطل.
والكلمة التي تساند هذا الحق ليست كلمة بل جعجعة خرقاء، ولا البادرة بادرة.
فلبنان، بالنظر لموقعه من العالم، تهتز أرضه كلما داس جبار أديم الأرض ولو في أطراف الدنيا.
فمن كل مكان يدركنا الإرتجاج.
الغاية، اذاً، هي أن نسمّر الارض تحت أقدامنا، ان نسمرها بالقصد الصالح، بالتطلع البعيد، بالحكمة الواعية، وبالحزم الظافر.
وكل ما يخر ج عن ذلك مساندة منا، لا واعية، للجبار لذي يتبختر ويتكبر.
وهو توغل في الكيد. الكيد للبنان.
. وعن أية يد؟!
" ان كنت لا تدري فتلك مصيبة
أو كنت تدري فالمصيبة أعظم"
الغد ولبنان حلمان لا أدري أيهما أحب وأروع. أهو لبنان أم الغد؟ فكيف اذا اجتمعا في حلم واحد: لبنان وغده!
بيد اني كنت كلما عدت الى موضوعي الليلة: "لبنان الغد" كان يمثل أمام عيني قولان:
واحد للويس – فردينان سيلين يؤكد فيه أن: "ابله كل من يتكلم عن المستقبل، لأن حاضرنا هو المستقبل"،
وآخر لسانت أكزوبري جاء فيه: "تحضير المستقبل هو العمل للحاضر. أما الذي ينجذبون وراء التخيلات البعيدة فإنهم يفنون في تتبع المحال".
قولان كانا يغمراني بمثل برودة الثلج، فأتسمر مكاني، ويجمد الوثب حد حدود الواقع.
. وبعد افليس واقع العالم، اليوم، نوعا من الحلم الذي لا تحده نهاية؟
سرعة التطور
سيداتي، سادتي،
الذي يبده اجيالنا، اليوم، لم يبده أي جيل قبلنا منذ فجر الخليقة حتى يومنا الحاضر.
لقد مشت الإنسانية، بطريقها الصعدي، في نصف هذا القرن الأخير، شوطاً لم تقو على بعضه منذ أن قيل للإنسان كن فكان. ثم تسلم طريقه.
على سبيل التذكير والمثال نورد ما يلي:
من السنة 1700 الى السنة 1960 تكبير الأشياء بواسطة المجهار (ميكروسكوب) قد انتقل من 200 مرة ازيد من الحجم الطبيعي الى300000 مرة.
في السنة 1830 كانت الطاقة المحركة في حدود ال 200 ميليار كيلوات، فأصبحت في السنة 1960 تزيد على ال 30000 ميليار كيلوات.
في السنة 1830 كانت السرعة القصوى لا تزيد عن العشرين كيلومتراً في الساعة فأصبحت، اليوم، موازية لسرعة الصوت.
قوة المتفجرات كانت قد زادت، حتى السنة 1945، 750 ضعفاً على ما كانت عليه في السنة 1860. وقد بلغت مع القنبلة الذرية 6 ميليار و500000 ضعف، ومع القنبلة الهيدروجينية 4 ميليار و800 مليون ضعفاً. (أي لو شئنا ان نجمع من البارود مقدار ما يفعل فعل القنبلة الهيدروجينية لما اتسعت له جميع أساطيل العالم التجارية والحربية مجتمعة للغرض الواحد).
والخطير في الأمر هو: ما أن تضع الإنسانية يدها على مبدأ علمي حتى يليه التطبيق في سنوات معدود:
فبين اكتشاف النوترون وانشاء أول بطارية ذرية عشر سنوات، وبين اكتشاف الموجات القصيرة واختراع الردار عشر سنوات، ثم بين فلق الذرة وأول قنبلة ذرية خمس سنوات.
وعلى صعيد آخر:
ما الذي لم يحدث على يد التلفون، والسينما، والراديو، والتلفزيون؟ مخاطب نيويورك في باريس كم كان عليه أن ينتظر جوابه، وقد صار يهمس، اليوم، فيسمع؟ صوت الحجاج، ونابوليون، ولنكولن كم كان يطول، في حينه، من المستمعين، وما هو عدد الذين يستمعون، اليوم، الى "صوت العرب" وديغول؟ المستمتعون بباخ، وبيتهوفن وموزار، كم كان عددهم حتى أواخر القرن الفائت، وما هو عددهم اليوم؟ البيوت التي كان يخترق خدورها، أمس، صورة أو صوت ما هي؟ وكم هي؟ وكم صارت، اليوم، البيوت التي لا يستطيع حاجز أن يرد عنها الصور والأصوات؟
أما وهذه هي الحال، فمن أين نبدأ في بناء لبنان الغد؟
هنا نخبط في الحيرة التي ما برح العالم كله يضرب، الآن في مثلها:
عالم قفز قفزة عملاق، فانقطع الذي بين حاضره وماضيه، وإنسان سبق عقله كيانه حتى كأن الإنسام لم يعد يقوى على اللحاق بذاته. ثم أوضاع، وأجهزة، وإدارات ما مازلت على قدميها، في أيدي القدامى، تساس بعقلية ليست من العصر الحاضر.
ومع ذلك يجب أن يلحق العالم بالزمن، وإن يلحق الإنسان بذاته، وأن نكون جميعاً، بقوة الزوبعة التي تعصف في العصر.
كل ذلك على تطور لا تهور، لكي لا ينهار كل شيء، ولكي يعطى للإنسان ان يكيف كيانه على مدوات عصره وعقله، وما بلغ العصر والعقل اليه.
لبنان قاعة استقبال كبرى
سيداتي، سادتي،
تجدون، معي، أننا في عالم مذهل وفي عصر لم تسمع بمثله أذن، ولم تقع عين على مثله.
وتجدون أن لبنان الراغب، أبدا، في العيش على مستوى طموح، والطامح، أبدا، الى مجاراة العصر، ينام ويستفيق على ذهول، ولكنه لا يقبل أن يضل طريقه، وهو يحاول، اليوم، أن يتبين معالمها. فإن لم يوفق، سريعاً، الى ذلك فهو مقبل، بإذن الله على التوفيق في غد. وما غد الإصحاء ببعيد!
لبنان الغد لا بد له من مرتكز وتطلع. أما المرتكز فيجب أن يربطه بمحور الأرض. وأما التطلع فبروحية العصر. وهو ما سنحاول توضيحه، ما أمكن، في حديثنا، الليلة.
يعقد لبنان على رقعة من الأرض يحلو للشرق والغرب أن يلتقيا عليها. وهي بنسبة ما يجد فيها الغربان: الأوروبي والأميركي راحتهما بنسة ذاك يجد فيها الشرقان: الآسيوي والأفريقي راحتهما، أيضاً.
فبما هو لبنان ملتقى العالمين، فملتقى الحضارتين، وجب أن يكون المكان اللائق لإجتماعهما ليظل إجتماعهما فيه حلواً، فاعلاً كثير العطاء.
وعلى هذا وجب أن يكون لبنان قاعة استقبال كبرى تليق بالمضاف وبالمضيف في آن معاً، ثم وجب أن يسهل لبنان تماس العالم بعضه بيعضه الآخر، وأن يسهل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ترتسم طريق لبنان في غده، فماذا نجد في الطريق؟
من أجل أن يكون لبنان تلك القاعة الدولية الكبرى، التي تليق بالمضاف وبالمضيف، يكفي أن يكون علم المسؤولين فيها كعلم واحدة من ربات البيوت اللواتي يحسنّ استقبال ضيوفهنّ.
ربة البيت الأنيقة المدعوة الى استقبال ضيوف يفدون اليها بلا انقطاع، تأبى إلا أن يكون بيتها نظيفاً، ومثله حرم البيت، لذلك فهي تكنس وتغسل أرض بيتها، وأدراجه، وساحاته، وأرصفته، ومسالكه، كل يوم. وقد يكون أكثر من مرة بحسب كثرة الوافدين اليه.
ربة البيت، في "أمستردام"، تشطف بيتها، وأدراج بيتها، والأرصفة المحيطة به، كل يوم مرة، بحيث أن الرصيف يشطف، مرات كل يوم، تبع عدد الطوابق التي في البيت الذي يعلوه، ومثله الأدراج.
في كيطو، عاصمة اليابان القديمة، يظل كنس الشوارع قائماً، ما زالت الشمس مشرقة، على يد فتيات في لباسهن الأبيض، كالممرضات.
في البندقية، على أنها مدينة بحرية عرضة للتوسخ، وعلى أن طرقاتها قنالات تبتلع كل ما يزج فيها. في البندقية قوارب محكمة الصنع والإغلاق تتولى نقل النفايات الى أفرانها لتحرق.
ذلك أنه، في اعتقاد الناس هناك، ان الشارع عنوان الأمة، وان الطريق حرم الشعب، بمقدار ما هو البيت حرم العائلة. وفي اعتقادهم، هناك، ان الأقذار والأوساخ، ما لم تحرق في محارق للنفايات، تظل أقذاراً وأوساخاً، وإن هي اغتربت من حي الى حي، أو تناثرت نتفاً في كل مكان، بعد أن كانت أكداساً في مكان واحد.
ربة البيت الأنيقة تأبى الا أن يكون بيتها باسماً من زهر، وغنياً من لوحات وتماثيل وبيبلوهات مختارة. فلا أقل، في المدينة المضيفة، من حدائق عامة، من شوارع مشجرة – مزهرة، من ساحات تقوم عليها الأنصاب والتماثيل، وتترقرق المياه في أحواضها.
روما، فيينا، فلورنسا، بروسيل، جنيف وباريس، بتماثيلها وأنصابها وأحواضها، وبعض مبانيها، متاحف مشرّعة الأبواب ليل نهار.
مدائن الألب النمساوية، والإيطالية، والسويسرية، مزهريات منورة. حتى أن أحواض الأزهار معلقة في النوافذ، في الشرفات، وفي أعمدة المصابيح كالمصابيح وأضوى. ذلك أن الناس، هناك، يؤمنون إيمان "كنكزلي" "بأن الجمال هو توقيع الله على الأرض".
ربة البيت الأنيق تأبى الا أن يكون خدم البيت في لباس نظيف، لائق، فلا تأذن لهم في أن يفرطوا في التأنق لكيلا يختلط خدم البيت بأهل البيت، ولا بأن يفرطوا في اللامبلاة حتى كأنهم شحاذون.
شرطة المدينة في روما، سواء الذين منهم على سير بثيابهم البيضاء المهفهفة، أم الذين منهم على أمن الناس ببزات العيد وسيوفهم، كلم في خدمة بناء المدينة وضيوف المدينة كأنهم يخدمون في قصر مترف.
في فيينا وواشنطن وهنولولو وفرنكفورت وفي الشاطئين اللازورديين الإيطالي والفرنسي تشغل نواطير المدينة مثل هذه الإهتمامات.
في سان فرنسيسكو بالإضافة الى كل ذلك مضيفات المدينة، وهن صفوة نسائها، يطوفن في الطرقات لإزالة المؤذيات، ثم يطفن زوارها في معالمها المبهجات، على أروع ما يكون العلم بالشيء واللطف معاً.
لشرطة المدائن، هناك، تربية ومدارس. وللسواقين تربية ومدارس. وأن تربيتهم هذه حملت أحدهم على أن يقول لي يوماً: "الدولاب المخالف يوجعني كأنه يكر على صدري".
وبما هو لبنان قاعة لاستقبال العالم وجب أن يجد فيه كل أبناء العالم مناخهم الروحي. أما المناخ الذي يطيب لكل إنسان فهو مناخ السكينة، والطمأنينة، والأمان.
في جنيف لشهرين خليا فرغت أذننا المريضة من زمرة زامر، وصرخة صارخ، وقول يطلق عالياً من فم قائل. وفي جنيف تتناول جريدتك من صندوق تضع فيه بعض الدريهمات، فلا رقيب ولا حسيب، ولا من يغافل فيسرق. وفي جنيف ساعات، ومجوهرات، وثروات من وراء الزجاج، في واجهات لا هي في حراسة الحديد، ولا هي في حمى العتمة، كأنها مطروحة في عرض الطريق لا حارس لها إلا ذمة الناس.
انفتاح لبنان على الحضارات
يبقى ان لبنان، الذي عين له موقعه الجغرافي ان يكون تلك القاعة الدولية لاستقبال شعوب الأرض، هو معين لتسهيل تماس العالم بعضه ببعضه الآخر، وتسهيل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ان شعبه مدعو اليوم، أكثر من كل يوم سابقاً، الى أن يكون منفتحاً على جميع الحضارات، قابلاً لهضم جميع التيارات الروحية والفكرية التي تعصف فيه، آخذاً بتعدد اللغات ليظل قادراً على أن يرحب ويتوسط، ويفهم ويفهم.
ومن هنا ان سياسة لبنان الخارجية لا يمكن أن تكون الا سياسة الحياد: حياد من الشرق، وحياد من الغرب. حياد من الخلافات الأخوية العربية، ومن المنازعات العالمية والدولية، وحياد حتى حدود الخير والشر واللذين لا حياد حيالهما.
وفي سبيل هذا الحياد، على سياسة لبنان الخارجية أن تحظى بتأييد الفرقاء جميعاً.
ثم أن تكيف الذهنية اللبنانية، بفعل التوعية الساهرة المجدة، على مراس الحياد، وهو أصعب مراس، على ما ورد في محاضرتنا: "بعد العاصفة".
هذا، وأن البلد الذي عينه موقعة وواقعه على أن يكون صالة العالم لن يطول به الزمن ليصبح واحداً من بلدان الطليعة في العالم السياحي. ولما لا؟ وهو البلد الأوحد الذي، بالإضافةالى ندرة مناخة وجمال طبيعته، تتراءى فيه عظمة الفينيقيين والرومان والصليبيين على السواء. وهو البلد الأوحد الذي ينظر فيه الرائي الى أول حرف سار به لسان، والى أول بناء نهض في الأرض، والى أول مرفأ اطلق في اليم أول شراع. وفيه ينظر الرائي ما لا ينظر في غيره، الى خمس حضارات تنام جنب الى جنب على زند أرض لبنانية في صور. فضلاً عن أنه حلقة من سلسلة حواضر شرقية ولد في بعضها اله ونبي وأولياء، وولد في بعضها الآخر حضارات فرعونية، فارسية، عثمانية، وعربية.
فكل جهد يبذل بسبيل ادخال لبنان في نطاق السياحة الدولية يكون جهداً مستجاباً ومثمراً. ويوم يصبح لبنان في النطاق لا يعود ينزل عن عرشه اذ تكون قد زالت، في غضون ذلك، البشاعات المؤذية، وبدأت ترث مكانها الحلاوات.
هكذا أتصور لبنان الغد بالنسبة الى المكان الذي يقتعد من الأرض.
أما لبنان المتطلع الى غده فعليه أن ينطلق في طريقه الصعيدي المتمادي أبداً، من بعد اعتبارات ومبادىء تفرضها عليه مستلزمات الطريق، ثم أن ينصرف، في الحال، الى بعض اجراءات وأعمال يوكون التنكر لها، اليوم، تنكراً للغد المرتقب.
منطلقات الغد:
أما هذه المعتقادات والمبادىء فأهمها:
1- ان قضايا الإنسان، في العصر الحاضر، كبر حجمها بحيث تغير نوعها. وان كل بلد يريد أن يبقى في حلبة السباق عليه أن يجعل طموحه في حجه هذه القضايا الجديدة.
2- ان خلل حضارة القرن العشرين ناتج من تخلف الأجهزة عن التجهيز. وان التوفيق بين الأجهزة والتجهيز يتطلب قلب المقاييس جميعاً. ذلك التطوير لم يعد كافياً في معظم الأحيان، لأن القواعد المفروضة علينا، الآن ترجع الى يوم كانت المجتمعات تواجه القضايا في بساطتها العادية. وقت لم تكن للجماعات، بعد، حقوق تتزايد يوماً بعد يوم. وان اصعب ما في التنظيم الجديد انه لا يقبل من بلد الى بلد وهو سليم معافى، كما التقنية التي لا تحدها حدود. اما ابلغ ما فيهو ان لا الحق في العمل، ولا الحق في الضمانات الإجتماعية، ولا الحق، بالتالي، في العدل والعدالة ميسورة المنال الا من ضمن تنظيم ملائم. وأما أخطر ما فيه فهو ان الناس محمولون على أن يطلبوا من العنف ما لم ينلهم اياه العمل الهادىء المنظم.
3- ان نؤمن بالتقنية ضرورة ملحة، وان لا شيء يستطيع أن يعيقها في الطريق. ذلك أننا لا نستطيع أن نتحمل تكاثر السيارات والطيارات والصواريخ، ونحن لا نزل في ذهنية أصحاب الطنابر، وبهذا الصدد قال جاك برجيه: "اننا لا نزال نعيش على أفكار، ومبادىء، وعقائد، وفلسفات تمت الى القرن التاسع عشر، حتى كأن كل واحد منا هو الجد الأعلى لنفسه".
4- ان نؤمن بأن لا موقف الا موقف التطلع الى غد، وان مجرد التطلع الى غد موقف جريء، وان الخوف اياً كان المخيف جبن يجب أن يقهر. ثم ان نؤمن بأن العظيم، اليوم، هو من يكون على رأس جماعة في عمل يتطلع أصحابه، جميعاً، الى المستقبل بهوس وفرح. أما الذين عينهم على الماضي السعيد ينوحون عليه، فقد قال لهم جوريس: "من مذبح الجدود فلنحافظ على الشعلة لا على الرماد".
ويقول لهم آخر: يا أيها النواحون على الماضي السعيد، لولا البنسلين هل كنت عشتم الى اليوم للنحواح على الأمس الذي مضى؟
5- ان العصر الذي نعيش فيه هو عصر البحبوحة والإنتاج الوفير. وجد، اذاً، ان يكون عصر التوزيع العادل، وتقاسم خيرات الأرض بحق. على أن العطاء فن هو أصعب من فن التمتع بالحرية.
6- ان نظل نؤمن ان الديمقراطية الكثيرة الأزمات تتغلب على أزماتها كما الجسم على أمراضه، وأن ليس غير الديمقراطية نظام يتسع لمكاسب هذا العصر، ويستطيع أن يجاري قصده المذهل.
7- ان عقل الإنسان يجب أن يترك حراً ليستطيع أن يتجه في كل اتجاه يتراءى له فيه الأمل.
على ان الحريةليست في ان يحيا الإنسان على هامش المجتمع، وكما يعن له، ان هي الا القبول، بإرادة كلية واعية، بالتنظيم الذي يجعل التقدم ممكناً. ولا يكون التقدم مضموناً الا اذا وثق المواطن في الدولة، واذا جعلت الدولة نفسها خليقة لثقة الناس.
8- ان الثورات لم تعد قادرة على أن تحقق التحول المنشود بالسرعة المنشودة. ذلك أن الثورة تهدم لتبني، فإذا هي تنقضي فيبقى الهدم ولا يقوم البناء.
9- ان نثق بأن المجتمع اللبناني مجتمع سليم – صحيح – متحرك. وأنه، وحده، المريض أو الضعيف يخاف المشي والتحرك. ثم أن نحمل المجتمع اللبناني على أن يوفق بين سيره وسرعة العصر، جاعلاً في اعتباره ان للسرعة شروطاً أقله حدة البصر وامعان النظر في معارج الطريق، تماماً كما يجب أن تكون أنوار السيارة المسرعة قوية بنسبة قوة السرعة التي تعتمد في سيرها.
10- ان رجل السياسة، في العصر الحاضر، يجب أن يكرس نفسه بما هو أنبل ما في العلوم الإنسانية. لأن إنسان القرن العشرين أصبح الهدف الأول والأخير للسياسة الواعية الرشيدة. فكل نضال خارج نطاق الإنسان هدر قوى ووقت. وما مبرر المعارضة السياسية، بعد اليوم، سوى استنهاض الحاكم على تطوير أوضاع الإنسان تطويراً لا وقفة فيه ولا تلكؤ.
11- ان نعود انفسنا أن نرى كبيراً، وان نفكر كبيراً، على الرغم مما عودناه في مدى عصور المظالم. ذلك أن الجور والطغيان عودانا ان نكتفي في البيت الصغير، والحاكورة الصغيرة، والدكان الصغير، والمرامي الصغيرة التي في عقبها، جميعاً، اذ عندما تكبر حاجاتنا تكبر متطلباتنا، تكبر امكاناتنا، تكبر أمانينا، فنصبح بمستوى العصر والطموح. ثم أن يظل ماثلاُ امامنا ان الشعوب ليست في أن نكون كباراً، بل في أن نعرف كيف نكبر.
12- ان نسارع الى اختيارنا نريد لئلا نجد أنفسنا ملزمين على القبول بما يراد لنا.
13- ان المرء بقدر ما يكون منسجماً في عمله قدر ذلك تكون رجة المعاكسات التي تستهدفه ضئيلة، وبالنسبة ذاتها لا يضج، شأنه شأن الدولاب في المركبة الذي بنسبة ما لا يكون مرتكزاً في مكانه، أو غير محكم الوضع بنسبة ذاك يكون قلقاً ضجاجاً.
14- ان اجتراءات الشباب، بالغاً ما بلغت من الشأو والعنفوان، يجب ألا تخيفنا. ذلك أن الأمل في اجتراءات الشباب.
وآخراً لا أخيراً ان تحاب أبناء الشعب الواحد لات يكون الا عن طريق عمل كبير واحد.
"أقيموهم على بناء كاتدرائية، يقول سانت أكزوبري، اذ ذاك يحبون بعضهم بعضاً".
القاعدة في اختيار المسؤولين
سيداتي، سادتي،
هذه هي بعض الإعتبارات والمبادىء التي نرى أن تكون في قاعدة انطلاق لبنان في اتجاه غده. ويبقى أن نتوقف، قليلاً، عند بعض الاعمال والإجراءات التي تنبثق، من هذه الإعتبارات والمبادىء في انشاء لبنانى الغد.
يطيب لي، في ساعات الشرود والتأمل، ان أنقل خيالي في بعض جوانب من لبنان كما اتصوره في غده فأرى:
ان عزم الشعب اللبناني، في مستقبل أيامه، على استنان قاعدة في اخيار حكامه كأن يكون كل مسؤول في لبنان، من رئيس الجمهورية، الى رئيس مجلس النواب، الى رئيس مجلس الوزراء، فإلى الوزراء جميعاً. ان يكون المسؤول في لبنان صاحب كتاب يتجسد فيه تفكيرهالإجتماعي، والإقتصادي، والتربوي، والسياسي، بحيث يكون الكتاب كاشف النقاب عما في الألباب، فيدل، في أقل ما يدل عليه، على أن صاحبه يحبالحكم كفنان، على نحو ما يحب عازف الكيثارة كيثارته، ليصعد منه أنغاماً وألحاناً تكون متعة المواطنين، كما كان يحلو نابليون ان يقول.
ثم يكون الكتاب عهداً على صاحبه حيال الرعية، فلا يقبل الشعب أن يولي امره لمجهول يقفز به في عالم المجهول.
ويكون الكتاب، أخيراً، مرآة صاحبه بالذات، فيعطي الدليل على أن صاحبه واحد من اللبنانية التي يمخر شراعها تحت كل سماء في لآفاق الفكر والروح متهادياً بين الفنون والآداب والعلوم حيث لهم، في القديم وفي الحديث، كواكب تلمع، فيعرف فيه المثقف نفسه، أو صنوا لنسه، ثم يخلد ابن الشعب مطمئناً، الى ظله الوارف. وهذا الدليل لا يستطيع أن يعطيه انتخاب. لأن الرئيس الرئيس هو عطية من الله لا من أكثرية ناخبة.
الإدارة اللبنانية
ثم أنظر فأرى:
ان الإدارة اللبنانية، وقد جعلت نفسها من مستوى العصر، باتت آلة من آلات الزمن الأخير، المحكمة الصنع، التي قوتها من دقة لا من ضخامة، مجردة من الزخارف والزوائد، تسير نحو الهدف الأوحد الذي هو احقاق الحق وإسعاد الإنسان، فنتبوأ معها مكاننا اللائق في جوقة الأمم التي تجهد، هي أيضاً، في احقاق الحق وخدمة الإنسان.
اداة تكون في رأس دوائرها دوائر الإحصاء الذي، بدونه، لا يعرف لمن تعمل الإدراة، وكيف تعمل. احصاء يتبين منه، لدى كل خطوة، عدد أبناء الرعية مع نسبة تزايدها، على الأيام ليعرف من تخدم اليوم، ومن ستخدم غداً.
وتتبين منه حركة الهجرتين الى خارج البلاد، والى المدينة. وتتبين من الموازنات العائلية عند مختلف فئات الشعب، وفي مختلف الأنحاء اللبنانية. ويتبين منه تكوين أسعار السلع والحاجات من حد انتاجها، أو استيرادها، الى حد وقوعها في يد المستهلكين. وتتبين منه البنية الإقتصادية العامة، الأموال المشغلة والأموال التي هي في الإحتياط، الإنتاج، الأجور، الأرباح، والمختزانات. ويتبين منه الدخل الوطني بكامل تنوعاته وتفرعاته، ليعرف كيف يصير الإنتقال، عندنا، من الميزان التجاري غير المتوازن الى ميزان المدفوعات المتوازن. وتتبين منه، بدقة، موازنة الدولة، بما في ذلك موازنات المصالح المستقلة، والنفاقات التي تجري من خارج الموازنة العامة، على ما فصل ذلك ميشال شيحا، فان زيلند، والأب لوبريه.
ثم ننتهي، بنتيجة الإحصاء، وعلى يد دوائر مختصة، الى وضع الحسابات والإحتمالات والترجيحات والدراسات والإقتراحات، التي تجعل القيام بحركة للتنمية في البلاد أمراً ممكناً مكفول النتائج.
ادارة يصير التوفيق بين مختلف مديرياتها، ومصالحها، ودوائرها، ابتداء من درس المشاريع، مروراً بإقرارها، وانتهاء بوضعها في التنفيذ، تفادياً للمتناقضات ولهدر الوقت والجهود، وحقنا لمال الخزينة، فلا نظل نرى طريقاً تعبد، اليوم، لتحفر غداً في مدى خطوط الكهرباء، ثم تحفر بعد غد في مد خطوط التلفون، ثم بعده في مد قساطل المياه، ثم تعود فتحفر في أغراض المجارير.
ادارة يكون على رأسها دماغ يفكر عنها، لأنه ليس للإدارة دماغ، فيتولى التخطيط في أغراض تنمية شاملة بعيدة المدوات، تخطيطاً تتناسق فيه المشاريع لتحقيق نهضة تتجاوب وحاجات الشعب، وتستخدم فيها جميع طاقات الأمة المادية والبشرية. فلا يكون تخطيطاً، والحالة هذه، أي مجموعة من المشاريع، ولو غير مرتجلة، ولا تربط بينها رابطة التنمية الشاملة والإنهاض الكامل. على ما ذهبت في شرحه بحثة "أرفد" في تقريرها المسهب.
دماغ الإدارة هذه، وهو مجلس التخطيط الذي يجب ان يعبأ بالكفاءات العلمية – العملية – الفاعلة. ثم يربط، مباشرة، برئيس مجلس الوزراء الذي يجب الا تسند اليه مهام غير مهامه لينصرف، بكلية مستوعبة واعية، الى مختلف شؤون هذا المجلس التي هي، بحق، شؤون الدولة أجمع.
اما هذه الكفاءات فقد صار لزاماً أن نهيىء لها بالإعداد الرصين الجدي الحيوي، بغية الحصول على أفواج جديدة من المخططين اللبنانيين، الذي يقوى عمل التخطيط على يدهم، ويستمر، وينتج، فيطمئن قلب البلاد اليهم.
ادارة تعتمد الكفاءة، تتحرر من اللامبالاة، تخنق الرشوة، وتثيب الخدمة والموهبة والإخلاص. لأنه ايا كانت أجهزة الإدارة، والنظم التي تخضع لها، وأيا كان نصيبها من الأحكام والإنتظام فهي لن تكون ادارة الغد المنشود، حلمنا جميعاً، الا اذا كان العنصر البشري الذي يعهد بها اليه عنصراً سليماً، قادراً، مبتغياً خير العباد والبلاد.
أتصور رجل الإدارة، في لبنان الغد، رب عيلة صالح أبعد ما يكون عن سمسار وأقرب ما يكون الى رسول، رجلاً يتعبد لعمله، يتجهد له، يعايشه، يؤاكله، ويشرب معه، يقوم له في الليل كما الراهبين لصلاتهم، ويظل ينحت فيه حتى يستقيم وينجز.
الإقتصاد اللبناني
ثم أنظر الى لبنان الغد، وقد انتظم الحكم فيه، فأراه يسلم للدولة شؤوناً يخاف منها، اليوم، عليها، فلا يعود يجفل من تدخلها حتى في شؤونه الإقتصادية العامة.
بديهي ان الإقتصاد في لبنان الغد، مثله في لبنان الحاضر، يجب أن يظل قائماً على الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، والمخاطرة، والمزاحمة، والكسب، في اطار من الحرية نتمسك بها تمسكنا الثبت بمجمل حرياتنا، لأنها من مقومات الكيان الأساسية.
على أنه، والعصر هو ما هو، وموقفنا من العصر هو ما يجب ان يكون، والمبادىء التي آلينا على أنفسنا أن ندين بها هي ما ذكر، لا بد من الأخذ، في هذا الصدد، ببعض الإعتبارات التي أهمها:
1- أمران يجب الإحتراز منهما:
أضعاف الكسب الشخصي،
وتضليل الإقتصاد القومي في سبل الإنماء.
2- الكسب الشخصي الذي يقوم على الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، وروح المخاطرة والتزاحم، هو أقوى عامل في ضبط سير المجتمع، اذ هو الدافع الأمثل الى العمل والخلق. فهو عندما يفضي الى تكثير خيرات البلاد يكون عامل ارتقاء. أما عندما يغني القلة ليفقر الكثرة فيكون عائقاً في سبيل الإرتقاء، واذ ذاك تجب إعادة النظر فيه.
ذلك أن الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، وروح المخاطرة والتزاحم التي هي عناصر الكسب الأصلية، مرتبطة، كلها، بأوثق رباط في القيم الإنسانية المقدسة التي يجب الا تمس في هذا العصر الإجتماعي، عصر البحبوحة والإقتسام العادل، الا إذا رئي، في آخر المطاف، انها تركب، إعتباطاً وتجبراً، لتنيل راكبها غرشاً فتخسر الجماعة ألف غرش.
3- كثيراً ما يحسب الناس أن المزاحمة الكاذبة مزاحة مشروعة، وكثيراً ما يحسبون الربح الحلال ربحاً محرماً. فلكي يكون الكسب كسباً منسجماً مع روحية العصر وجب أن يكون بعضه كسباً للجماعة يستفيد منه الأفراد بعد أن يتحقق. ذلك أن قسط الجماعة من نشاطات هذا العصر بات يجب أن يكون القسط الأول والأهم.
4- وبخاتمة هذه الإعتبارات لا بد من الإشارة الى أن الإقتصاد، ككل قوة متحركة كبيرة، كالنهر، كالآلة، كالجماعة، لا بد له من ساهر، أ, ضابط، أو معدل والا خيف منه وعليه من الإنحراف والتهور.
وقد يكون، هنا، مجال القول في أن الضرائب إذا أحسن فرضها، وأحسنت جبايتها، وأنجزت توعية المواطنين الى ضرورتها، وعظيم فاعليتها وشأنها لدفع الأذى عن الأثرياء دفعه عن أصحاب الحال المتوسط والحال المعسور سواء بسوء، استقامت بين أيدينا وسيلة عمل لإسعاد الجماعات قد يكون فيها الغنى عن وسائل أخرى تجر في أعقابها القلق، أو تجر الى أكثر منه. ينتج من هذه الإعتبارات ان الإقتصاد المنور – المتحرر، الإقتصاد الذي يقبل النصح ويرفض الإستسلام، الإقتصاد الذي يصون مصلحة الفرد دون أن يغفل مصلحة الجماعة. الإقتصاد الذي يظل ماثلاً لديه: أن ثلث البلاد للدولة بواسطة أملاكها الأميرية،ومشاعات القرى، والحدائق العامة، والأبنية الرسمية، كالسرايات والمتاحف والمدارس والمستشفيات والمستوصفات والمختبرات، ومختلف المرافىء والتجهيزات كالمرافىء، والطرق، والمياه، والكهرباء، ووسائل النقل.
وماثلاً لديه: أن من حق الدولة أن تستمتع بأشياء الفرد بنسبة ما يستمتع الفرد بأشيائها وأن حرية الفرد في العمل والتصرف والكسب هي من الحريات الركائز التي بدونها لا تكون قيم انسانية أخيرة.
كل اقتصاد من هذا النوع، سواءاً كان اسمه اقتصاداً موجها أو حراً، أم كان اسمه اقتصاداً منوراً أو متحرراً، كل اقتصاد تسلم فيه حرية الفرد ولا يضيع معه نفع الجماعة ، ثم تأخذ بيده إدارة تقنية – لينة – متعافة – سليمة، لتكون لنا سوق تضعف فيه شوكة الوسيط فلا يتضاعف ثمن الحاجة ثلاثة من إنطلاقها من مكان الإنتاج حتى وصولها الى يد المستهلك، سوق تتوزع بعدل بين التعاونيات والهالات والتجار فلا يموت التاجر ولا يفنى المستهلكون،
ثم تكون لنا معها تأمينات وضمانات تقينا شر غلاء التعليم والتطبيب وشر التعطل والشيخوخة والحوادث والكوارث والآفات، كل إقتصاد يهدف الى هذا هو الإقتصاد الذي يطيب لي ان أراه مستقيماً على عرشه في لبنان الغد.
ولقد آن الأوان لنعتبر ان الجدل في الإقتصاد الحر والإقتصاد الموجه هو من نوع الجدل الذي كان يدور على جنس الملائكة، اذ المهم الآن هو أن يكون لنا ملاك، ذكراً كان أم أنثى، وأن يكون ملاك رحمة في حراسة الساعين الى نعيم فردوسهم الأرضي حيث الإطمئنان والبحبوحة والرخاء.
وعلى هذا نجد أنه من خير لبنان الغد أن يكف بعضنا عن دغدغة طفولة العقل احتراماً لقدسية العقل العاقل، فيكف عن التأكيد أن توزيع الثروة الموجودة في أيدي الناس هو خير من إيجاد ثروة جديدة تزيد فينا نعماء الناس، ان تأميم المعامل والمؤسسات هو أفضل من إنشاء معامل ومؤسسات جديدة، ويكف عن التأكيد أن وضع فلاح غافل في مكان ملاك مجرب هو أجدى للإنتاج وأضمن، ان موظفاً حكومياً هو أكثر كفاءة في إدارة العمل من صاحب العمل الذي أنشأه بالذات.
ومن خير لبنان الغد أن يكف بعضنا عن إقناع الناس بأن العمائم والقلانس عملت لأقدامهم، والأحذية لرؤوسهم. ثم أن يكف هذا البعض عن الإتجار ببضاعة الامل، عن المضاربة بآلام الناس وبؤسهم وشقائهم، وعن الإفتتان في إطلاق الأكاذيب بقوالب الوعود والإغراء والتقوى الوطنية.
ونذكر، هنا، كلمة "لجوزف له ميتر" الذي قال:
"الآراء الخاطئة كالعملة الزائفة التي يبدأ صكها مجرمون كبار. ثم يتولى تصريفها ناس طيبون فيتمادى الجرم على يدهم وهم لا يعرفون ماذا يفعلون".
ما لا يقتنع وجدان الأمة بصواب أمر فعبثاً يحاول المحاولون.
وعبثاً يحاول المحاولون أن يشبعوا الناس من كلام طيب.
يحكى أن أحدى الصحفيين، في باريس، كان يقلب بين يديه في مكتبة كتاباً يشتريه، عنوانه "كيف تصبح غنياً". وكان هذا الصحفي صديقاً لفيدو الروائي الشهير. فوقعت عين فيدو على الكتاب فاقترب يهمس في أذن مشتريه قائلاً:
"أنصحك أن تشتري مع هذا الكتاب قانون العقوبات أيضاً".
نعرف كذلك عن بعض الثروات والأثرياء. غير أننا، قبالة هذا، نعرف أن الرئيس عبد الناصر في خطابه أمام مجلس الأمة، مساء الخميس الواقع في 12 تشرين الثاني 1964 قد قال:
"ان بعض المصانع المؤممة، في الجمهورية العربية المتحدة، قد توقفت لسوء الإدارة. وأنه يوجد سرقة وتلاعب في المراكز الحكومية المخصصة لبيع المواد الغذائية. ".
سرقة وأختها. أما أختها فأبشع.
يبقى أن المشكلة هي في كيف ننقذ الإنسان من نفسه والنظام منه!
نظام تربوي متطور
ثم يحلو لي أن أنظر فأرى لبنان الغد، وقد وضع نفسه في طريق إقناعه، عاجل الى الأخذ بالثروة التربوية التي بدأت تختمر في نفس بعض عظمائها في هذا العصر من أمثال الذين يرون أن التعليم يجب أن يكون متمادياً الى أكثر من فترته المعتادة من عمر الإنسان. لأنه ليس في الناس من يستطيع الإعتقاد أن المرء في عمر الفتوة والصبى قادر على استيعاب المعارف التي يحتاج اليه في مدى عمر كامل. ولأن التعليم المتمادي يبقى رغبة الإنسان في الإطلاع بيقظة دائمة، فلا يطفأ في نفسه فرح المعرفة ولا يطمس بريقها.
وعندما يكون التعليم متمادياً يصير بالإماكن أن يعطى لكل عمر ما يناسبه من العلوم. فلا يعلم التلميذ التاريخ مع علم الأشياء، والفلسفة مع علم اللغة، والعلوم الإجتماعية مع العلوم الطبيعية، بل يصير الإكتفاء، في مراحل التعليم الأولى، بإرساء قواعد الأساس للمعرفة عامة، تلك التي يقتضي لها ذاكرة وحفظ كاللغات، وعلوم الأشياء، والطبيعيات، علم الحساب وما اليها.
وعندما يكون التعليم متمادياً يصير همّ المعلم ان يعلم التلميذ كيف يتعلم ، فيلقي بين يديه مفاتيح المعرفة يفتح بها الأبواب التي يريد، في الوقت الذي يراه مناسباً.
وعندما يكون التعليم متمادياً لا يعود السبق للأكثر اجتهاداً، على حساب الأكثر مواهب، ولا للأقوى ذاكرة على حساب الأمتن عقلاً، ولا للأكثر ركوداً على حساب الأكثر تحركاً، ولا للأشد صاعة على حساب الأشد تحرراً، ولا للأسرع أخذاً على حساب الأبعد تعمقاً، اذ ان كثرة ساحقة من الذين ينفعون في غربال المدارس كثيراً ما يكونون من زبدة الأمة.
وبهذا الصدد قال "آلان":
"اذ طلب منا أن نفهم أشياء كثيرة في فترة قصيرة، يجيء يوم نصبح فيه عرضة لأن نحفظ الأشياء الكثيرة دون أن نفهم". وهنا الطامة الكبرى.
هذا التبديل في استيحاء اسلوب التعليم يحتم تبديلاً أصلياً في المناهج. كل تعديل منهجي يبعد عن هذا الوحي – ولا أقول الأسلوب – يفضي، حتماً، الى تثقيل المناهج فقتل الرغبة في العلم بحشو العقول على أن تخفيفها يفضي، حتماً، الى إحياء الرغبة في العلم فتعميقه في النفوس.
أعلام متطور
ثم أتطلع فأجد أن جهاز النشر والأنباء، وقد رسخ انه اقوى جهاز وأنفع جهاز، بات يحتل مركز الصدارة في لبنان الغد، لأن بالنشر والأنباء يمكن تطوير الجماعات حتى مستوى التجهيز العصري. وبالنشر والأنباء تستطيع الديمقراطية ان تعمل وتنمو، اذ بنسبة ما تكون حركة الأنباء الجيدة العميق متسعة كثيفة بنسبة ذلك تكون الديمقراطية متينة سليمة. ذلك أن الديمقراطية هي، في اعمق ما هي، تفاعل صحيح بين الناس وعدد كبير من القضايا التي تتصل بمصلحة المجموع.
على يد الأنباء، بالإضافة الى ذلك، نستطيع أن نضع الفكر في طريق سموه، أن نكثف المعرفة، ان ننمي الوح الإجتماعية، روح التعاون والمحبة، وأن نقرب التفاهم بين الفئات المتباعدة بسبب أنها لم تضع يدها، بعد، على لغة تكون مشتركة بينها جميعاً. وتكون فاعلية الأنباء منقطعة النظير في البيئة التي بدأ يدخل اليها الصوت والصورة وقد كانت مغلقة، من قبل دونهما.
هذا الكائن البشري الذي صار باستطاعته أن يسمع، من وراء الجدران، صوتاً يتحدث اليه في شؤون الفكر والجمال والسياسة والإجتماع، والذي صار باستطاعته أن يرى ألواناً وأزياء ووجوها وحركات لم يكتن يحظى بمثلها من قبل. هذا المخلوق المغلق صار، اليوم، منفتحاً لتيارات جديدة راحت تمخر في نفسه، فصار قابلاً لكل تحول.
وقد ازدادت أهمية الأبناء في الزمن الحاضر، لأن الجريدة والمجلة والكتاب قد بلغت، بفضل الإنتصار على الأمة وإزدهار الطباعة، مدى واسع في الإنتشار. يقرأ اليوم بلزاك في السنة الواحدة أكثر من قريء في مدى عمره الكامل. والجريدة التي تطول، منذ خمسين سنة خمسين ألف قارىء باتت تطول، اليوم، خمسة ملايين.
ولأن حركة الأنباء أصبحت تدرك الطفل والأمي والمحتسب والمحتجب على يد الراديو، والتلفزيون، ولأن الراديو والتلفزيون صارا في عادات الناس فصارت لهما فاعلية عبر الأذن والعين وهما غافلتان. وصار حامل الترانزيستور، مثلاً، يعرف على الرغم منه.
فلأن الأمر كذلك أتصور أن لبنان الغد، مدركاً خطورة الأنباء، قد اسلم أمره الى مجتمع تحتشد فيه المواهب – المواهب في العلوم، في الفنون، في الآداب، وفي التقنية الحديثة – قادر بواسطة أعضائه على ان يتناول كل فن ومطلب وأمر بالبحث والتنفيذ، قادراً على تبسيطه، قادراً على إخراجه ضاحكاً أو عابساً، جاداً أو هازلاً، مسهباً أو مختصراً، جامداً أو متحركاً، موقعاً أو مغفلاً، بلغة الناس أو بلغة القاموس، في أسلوب الحوار أو في أسلوب الدراسة، في مستوى الأطفال أو في مستوى الرجال، مجمع يوازي بالأهمية مجلس التخطيط، دعوته رسالة والداعون اليها رسل يقومون ويقعدون على وقر المسؤولية، مسؤولية المسؤول عن فكر وقلب، وعن مستقبل ديمقراطية، واسعاد جماعة، وتوطيد أمة. مجمع، وقد ألهبه روح العصر، لا يهدأ قبل أن ينقل اللهب الى كل جماعة، وبيت وإنسان.
مثل هذا المجمع يجل نفسه عن الكذب والغش والخداع، يترفع عن التمويه والتخدير، يجابه الواقع، يفجر الحقائق، يخدم الحق، يبده الشعب، ينور عقله، يطهر نزواته، ويقدس مسعاه.
ومثل هذا المجمع قادر، في الأقل، على أن يجعل المواطن اللبناني العادي مواطناً حضرياً. "ولا يكون حضرياً"، على ما يقول "آلان" : "المواطن الذي لا يكون قد أدرك نبل التصرف فأصبح يستحيل عليه أن يعنف شحاذاً، أن يهزأ من أعمى، أن يضلل قاصراً، ان يتخلى عن مريض في الطريق أو أن يتعمد دهس هرة أو كلب أو دجاجة".
ثم لا يعود فرق بين أن تحتكر الدولة حركة الانباء أو أن تبقى مشاعاً بين الناس. أن الغلبة، بالنتيجة، هي للنوع وللجودة.
في جانب مجلس التخطيط ومجمع الانباء أتطلع الى ركن القيادة الذي تصور صديقي بشير العريضي قيامه في لبنان الغد من صفوة لبنانية – علمية – واعية – رسولية تستقطب الرأي والرجال، تبين، تنصح، ترشد، وتلقن مستمدة قواها من الهالة التي تكون قد عصبت بها رأسها المثقل بالخيرات.
ركن القيادة هذا قد تكون له نواة من اللفيف العفوي الذييتحلق عادة نحو الرئيس الأول، أو في ما يشبه الندوة. وقد لا يكون شبيهاً بأي شيء قائم فيكون طرفة بذاته. الامر الذي يزيدنا حدة في ترقب قيامه.
وأتصور لبنان الغد قد وثق فيه المواطن بدولته فبات يحرص على حصة الدولة بأرباحها منه حرصه على حصة نفسه فيها. فلا يتهرب من ضريبة أو رسم، ما دام دخلهما يقدم له الطبابة والدواء، المسكن والغذاء، المدرسة والكتاب مجاناً، أو بسعر الكلفة، وما دامت الدولة تختزن له المال الذي تعود أن يختزنه، هو، لمرض، أو شيخوخة، أو تعطل.
ثم أتصور لبنان الغد قد أحب فيه الفلاح أرضه فأحنى عليها، والعامل مصنعه فصار منه، والمستخدم متجره فلان له. وأحب الملاك والصناعي والتاجر عمالهم ومستخدميهم فوفوهم حقهم عليهم، وأثابوا انتاجهم، وعدلوا فيهم حتى سقط في الناس هتاف ليقول هتاف:
"أيها المنتجون في الأرض اتحدوا". اتحدوا، لأن اليد والمال مجتمعين على عدالة وعدل هما اللذان يبلغان بلبنان الى ما يستحق. واتحدوا في الكبيرة والصغيرة لأن الخراب يكون من باب الصغيرة التي لا تدخل، عادة في الحساب وفي التحسب.
وهنا استنزل الرحمة على فرنكلين الذي قال:
"لأن مسماراً فقد فقد فقدت النضوة، لأن النضوة فقدت فقد فقد الحصان، لأن حصاناً فقد فقد فقد الفارس، لأن فارساً فقد فقد فقدت المعركة، ولأن معركة فقدت فقد فقد الملك. ولم يفقد كل ذلك الا لأن مسماراً فقد".
لبنان المغترب
ثم أتطلع الى لبنان المغترب الذي أبناؤه أكثر عدداً وأوفر عدة فأراه مشدوداً الى لبنان المقيم بأوصال لا تفصم يقوم على توثيقها وزير للمغتربين، يطوف في الأرض بين الجاليات، يقف على شؤونهم، يستنهض، يحث، ويصمم لنا ولهم، ثم يظل يعمل ويجهد حتى تنفتق الإمكانات جميعاً، ويسطع الخير، فلا تبقى طاقة الا تكونقد أخذت مكانها من مجهود الامة جمعاء. اذ حرام ان لا نثمّر الوجود اللبناني في العالم، وهو أوسع انتشاراً من اي وجود آخر، لأي من شعوب الأرض. وحرام أن لا نضع في خدمة لبنان وأصدقائه وحلفائه جحافل من الشخصيات اللبنانية المهجرية التي هي في الحكم، في الإدارات، في المجالس النيابية، في عالم المال والاعمال، في المحافل العلمية والفنية والفكرية والإجتماعية، شخصيات بالغة الاثر في بيئتها تستطيع ان تنال للبنان الغد كل ما يرى انه لصالح لبنان. ثم حرام أن لا نجعل في خدمة لبنان الغد جهازاً دعائياً زاسع الإنتشار قوامه اللبنانيون المغتربون، جرائدهم، مجلاتهم، دور الطباعة والتلفزيون، والراديو، ومختلف وسائل النشر التي يملكون. وهو جهاز لا تملك مثله أي دولة من عظيمات دول الأرض، شرقية وغربية.
وبعد، فأية غضاضة في ان يكون الرئيس المنتخب للجماعة اللبنانية في العالم نائباً، حتمياً، في مجلس النواب اللبناني، يتمثل به المغتربون، رمزياً، في مجلس يشتاق الإستماع الى صوتهم، والوقوف على أحوالهم، وتبادل الرأي في جميع شؤوننا وشؤونهم؟
كل ذلك،ى وأن الذي أقوله الآن، كان يجل أن يقال في هذا المكان بالذات، على رأس الهرم الذي بلغنا اليه.
كل ذلك يحتم أن تكون الامة اللبنانية، بشقيها الإثنين، قد باتت وطيدة الإيمان بلبنان مرحلة نهائية في سعيها وطلابها وعيشها، وقيمة أخيرة بين القيم التي في ظلها أن تحيا، وفي غير ظلها لا تكون لها حياة.
فعلى نحو ما توجب الشفاعة إيماناً لا حد له بالله وبأوليائه، هكذا العمل للبنان الغد لا يمكن أن يقوم الا على إيمان لا نهاية لو بلبنان وبطاقاته جميعاً. وهي لا تحصى ولا تحد.
اما المشاكل اللبنانية الموروثة التي ما برح تعميق لبنان في طريق النمو والإرتقاء، فليس أفضل من الإرتفاع بها الى مستوى الحوار – على ما حاولت الندوة في العام الفائت – حيث للعقل سيادة على النزوات والأهواء، وحيث من المؤمل ان يطلع من الحوار ميثاق ترتضيه الأمة على مختلف فئاتها فيصبح، عندها، ديناً من الدين، او نسماً من مقدساً.
سيداتي، سادتي،
في السنة 1875 تقدم رئيس مكتب تسجيل الإختراعات في الولايات المتحدة الاميركية باستقالته قائلاً لوزيره:
"لماذا تريدني أن أبقى، ولم يعد بالإمكان اختراع أي شيء جديد؟".
من السنة 1875 حتى يومنا هذا مشت الإنسانية في طريق الإختراعات والإكتشافات شوطاً لم تقو على مثله من قبل.
ومن يدري فقد يكون لها، في الثلث الباقي من القرن الحاضر، شوط من أبعد من الشوط الذي اجتاوته من ثلثيه الأولين. فلم يعد علينا إذاً ان نضع أنفسنا في مستوى ما بلغ اليه العصر فحسب، بل علينا أن نهيىء أنفسنا لتكون في مستوى ما قد بلغ اليه العصر في المستقبل.
ان سبل التكيف والإرتقاء متشعبة، وعرة المسالك. لكن لا بد من طيها للوصول.
وحده تقدم في الروح الإجتماعية – المدنية موازى لتقدم التقنية يمكّن من بلوغ الأرب.
يعقد لبنان على رقعة من الأرض يحلو للشرق والغرب أن يلتقيا عليها. وهي بنسبة ما يجد فيها الغربان: الأوروبي والأميركي راحتهما بنسبة ذاك يجد فيها الشرقان: الآسيوي والأفريقي راحتهما، أيضاً.
فبما هو لبنان ملتقى العالمين، فملتقى الحضارتين، وجب أن يكون المكان اللائق لإجتماعهما ليظل إجتماعهما فيه حلواً، فاعلاً كثير العطاء.
وعلى هذا وجب أن يكون لبنان قاعة استقبال كبرى تليق بالمضاف وبالمضيف في آن معاً، ثم وجب أن يسهل لبنان تماس العالم بعضه بعضه الآخر، وأن يسهل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ترتسم طريق لبنان في غده، فماذا نجد في الطريق؟
من أجل أن يكون لبنان تلك القاعة الدولية الكبرى، التي تليق بالمضاف وبالمضيف، يكفي أن يكون علم المسؤولين فيها كعلم واحدة من ربات البيوت اللواتي يحسنّ استقبال ضيوفهنّ.
ربة البيت الأنيقة المدعوة الى استقبال ضيوف يفدون اليها بلا انقطاع، تأبى إلا أن يكون بيتها نظيفاً، ومثله حرم البيت، لذلك فهي تكنس وتغسل أرض بيتها، وأدراجه، وساحاته، وأرصفته، ومسالكه، كل يوم. وقد يكون أكثر من مرة بحسب كثرة الوافدين اليه.
ربة البيت الأنيقة تأبى الا أن يكون بيتها باسماً من زهر، وغنياً من لوحات وتماثيل وبيبلوهات مختارة. فلا أقل، في المدينة المضيفة، من حدائق عامة، من شوارع مشجرة – مزهرة، من ساحات تقوم عليها الأنصاب والتماثيل، وتترقرق المياه في أحواضها.
ربة البيت الأنيق تأبى الا أن يكون خدم البيت في لباس نظيف، لائق، فلا تأذن لهم في أن يفرطوا في التأنق لكيلا يختلط خدم البيت بأهل البيت، ولا بأن يفرطوا في اللامبلاة حتى كأنهم شحاذون.
وبما هو لبنان قاعة لاستقبال العالم وجب أن يجد فيه كل أبناء العالم مناخهم الروحي. أما المناخ الذي يطيب لكل إنسان فهو مناخ السكينة، والطمأنينة، والأمان.
انفتاح لبنان على الحضارات
يبقى ان لبنان، الذي عين له موقعه الجغرافي ان يكون تلك القاعة الدولية لاستقبال شعوب الأرض، هو معين لتسهيل تماس العالم بعضه ببعضه الآخر، وتسهيل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ان شعبه مدعو اليوم، أكثر من كل يوم سابقاً، الى أن يكون منفتحاً على جميع الحضارات، قابلاً لهضم جميع التيارات الروحية والفكرية التي تعصف فيه، آخذاً بتعدد اللغات ليظل قادراً على أن يرحب ويتوسط، ويفهم ويفهم.
ومن هنا ان سياسة لبنان الخارجية لا يمكن أن تكون الا سياسة الحياد: حياد من الشرق، وحياد من الغرب. حياد من الخلافات الأخوية العربية، ومن المنازعات العالمية والدولية، وحياد حتى حدود الخير والشر واللذين لا حياد حيالهما.
وفي سبيل هذا الحياد، على سياسة لبنان الخارجية أن تحظى بتأييد الفرقاء جميعاً.
ثم أن تكيف الذهنية اللبنانية، بفعل التوعية الساهرة المجدة، على مراس الحياد، وهو أصعب مراس، على ما ورد في محاضرتنا: "بعد العاصفة".
هذا، وأن البلد الذي عينه موقعه وواقعه على أن يكون صالة العالم لن يطول به الزمن ليصبح واحداً من بلدان الطليعة في العالم السياحي.
وهو البلد الأوحد الذي، بالإضافةالى ندرة مناخه وجمال طبيعته، تتراءى فيه عظمة الفينيقيين والرومان والصليبيين على السواء.
وهو البلد الأوحد الذي ينظر فيه الرائي الى أول حرف سار به لسان، والى أول بناء نهض في الأرض، والى أول مرفأ اطلق في اليم أول شراع.
وفيه ينظر الرائي ما لا ينظر في غيره، الى خمس حضارات تنام جنب الى جنب على زند أرض لبنانية في صور.
فضلاً عن أنه حلقة من سلسلة حواضر شرقية ولد في بعضها اله ونبي وأولياء، وولد في بعضها الآخر حضارات فرعونية، فارسية، عثمانية، وعربية.
فكل جهد يبذل بسبيل ادخال لبنان في نطاق السياحة الدولية يكون جهداً مستجاباً ومثمراً.
ويوم يصبح لبنان في النطاق لا يعود ينزل عن عرشه اذ تكون قد زالت، في غضون ذلك، البشاعات المؤذية، وبدأت ترث مكانها الحلاوات.
أما لبنان المتطلع الى غده فعليه أن ينطلق في طريقه الصعيدي المتمادي أبداً، من بعد اعتبارات ومبادىء تفرضها عليه مستلزمات الطريق، ثم أن ينصرف، في الحال، الى بعض اجراءات وأعمال يوكون التنكر لها، اليوم، تنكراً للغد المرتقب.
الإقتصاد اللبناني
بديهي ان الإقتصاد في لبنان الغد، مثله في لبنان الحاضر، يجب أن يظل قائماً على الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، والمخاطرة، والمزاحمة، والكسب، في اطار من حرية نتمسك بها تمسكنا الثابت بمجمل حرياتنا، لأنها من مقومات الكيان الأساسية.
نظام تربوي متطور
لبنان الغد، عاجل الى الأخذ بالثروة التربوية التي بدأت تختمر في نفس بعض عظمائها في هذا العصر من أمثال الذين يرون أن التعليم يجب أن يكون متمادياً الى أكثر من فترته المعتادة من عمر الإنسان.
وعندما يكون التعليم متمادياً يصير بالإماكن أن يعطى لكل عمر ما يناسبه من العلوم.
وعندما يكون التعليم متمادياً لا يعود السبق للأكثر اجتهاداً، على حساب الأكثر مواهب، ولا للأقوى ذاكرة على حساب الأمتن عقلاً، ولا للأكثر ركوداً على حساب الأكثر تحركاً، ولا للأشد صاعة على حساب الأشد تحرراً، ولا للأسرع أخذاً على حساب الأبعد تعمقاً، اذ ان كثرة ساحقة من الذين ينفعون في غربال المدارس كثيراً ما يكونون من زبدة الأمة.
هذا التبديل في استيحاء اسلوب التعليم يحتم تبديلاً أصلياً في المناهج. كل تعديل منهجي يبعد عن هذا الوحي – ولا أقول الأسلوب – يفضي، حتماً، الى تثقيل المناهج فقتل الرغبة في العلم بحشو العقول على أن تخفيفها يفضي، حتماً، الى إحياء الرغبة في العلم فتعميقه في النفوس.
وأتصور لبنان قد وثق فيه المواطن بدولته فبات يحرص على حصة الدولة بأرباحها منه حرصه على حصة نفسه فيها. فلا يتهرب من ضريبة أو رسم، ما دام دخلهما يقدم له الطبابة والدواء، المسكن والغذاء، المدرسة والكتاب مجاناً، أو بسعر الكلفة، وما دامت الدولة تختزن له المال الذي تعود أن يختزنه، هو، لمرض، أو شيخوخة، أو تعطل.
ثم أتصور لبنان قد أحب فيه الفلاح أرضه فأحنى عليها، والعامل مصنعه فصار منه، والمستخدم متجره فلان له. وأحب الملاك والصناعي والتاجر عمالهم ومستخدميهم فوفوهم حقهم عليهم، وأثابوا انتاجهم، وعدلوا فيهم حتى سقط في الناس هتاف ليقول هتاف:
لبنان المغترب
ثم أتطلع الى لبنان المغترب الذي أبناؤه أكثر عدداً وأوفر عدة فأراه مشدوداً الى لبنان المقيم بأوصال لا تفصم يقوم على توثيقها وزير للمغتربين، يطوف في الأرض بين الجاليات، يقف على شؤونهم، يستنهض، يحث، ويصمم لنا ولهم، ثم يظل يعمل ويجهد حتى تنفتق الإمكانات جميعاً، ويسطع الخير، فلا تبقى طاقة الا تكونقد أخذت مكانها من مجهود الامة جمعاء.
حرام ان لا نثمّر الوجود اللبناني في العالم، وهو أوسع انتشاراً من اي وجود آخر، لأي من شعوب الأرض.
حرام أن لا نضع في خدمة لبنان وأصدقائه وحلفائه جحافل من الشخصيات اللبنانية المهجرية التي هي في الحكم، في الإدارات، في المجالس النيابية، في عالم المال والاعمال، في المحافل العلمية والفنية والفكرية والإجتماعية، شخصيات بالغة الاثر في بيئتها تستطيع ان تنال للبنان الغد كل ما يرى انه لصالح لبنان.
حرام أن لا نجعل في خدمة لبنان الغد جهازاً دعائياً واسع الإنتشار قوامه اللبنانيون المغتربون، جرائدهم، مجلاتهم، دور الطباعة والتلفزيون، والراديو، ومختلف وسائل النشر التي يملكون. وهو جهاز لا تملك مثله أي دولة من عظيمات دول الأرض، شرقية وغربية.
كل ذلك يحتم أن تكون الامة اللبنانية، بشقيها الإثنين، قد باتت وطيدة الإيمان بلبنان مرحلة نهائية في سعيها وطلابها وعيشها، وقيمة أخيرة بين القيم التي في ظلها أن تحيا، وفي غير ظلها لا تكون لها حياة.
اما المشاكل اللبنانية الموروثة التي ما برح تعميق لبنان في طريق النمو والإرتقاء، فليس أفضل من الإرتفاع بها الى مستوى الحوار. حيث للعقل سيادة على النزوات والأهواء، وحيث من المؤمل ان يطلع من الحوار ميثاق ترتضيه الأمة على مختلف فئاتها فيصبح، عندها، ديناً من الدين، او نسماً من مقدساً.
طريق المستقبل
علينا ان نخلق إدارة في مستوى التحول. علينا أن ننور الرأي العام، ونصدقه الخبر والرأي. وعلينا أن نثق بالدولة، بعد أن تربح الدولة معركة الثقة التي بينها وبيننا. وعلينا ان نتفلت من قيود ماضينا، من تحجر عاداتنا، من جمود فلسفاتنا، ومن تفاهة النطاق الذي ما زلنا نسرح فيه.
علينا ان نعيد النظر في أشيائنا جميعاً، وفي أنفسنا. علينا أن نثق بالشباب، أن نضارب بوثبهم، وأن لا تخيفنا جرأتهم وجسارتهم.
المسيحية في الشرق الأوسط
تميّز أتباع المسيح منذ فجر الإسلام بالأخلاق والمروءة. والتاريخ الإسلامي يحفظ للنجاشي ملك الحبشة حمايته أتباع الرسول العربي من بطش أعدائه.
أما المسيحيون من رعايا الدولة الإسلامية فكانت العلاقة معهم باستمرار قائمة على "ميثاق" هو أشبه ما يكون بعقد يعطيهم حقوقهم، ويرتب عليهم واجبات معينة. وفي القرآن الكريم تتردد لفظة "الميثاق" هذه في مواضع كثيرة، بل إنه ندر أن ورد ذكر الأديان الأخرى دون جعل الميثاق ضابط التعامل مع أبنائها، وواضح ان القرآن الكريم يلزم المسلم بالميثاقية في التعاطي مع غير المسلم من المسيحيين واهل الكتاب عامة.
وفي الزمن الذي ولدت فيه فكرة أهل الذمة نجد انها المرة الاولى في تاريخ البشرية تسلم فيه سلطة بخرق المبدأ الذي كان معمولاً به في كل اطراف العالم المعروف آنذاك، ومن ضمنه العالم المسيحي، وهو المبدأ القائل بان الناس على دين ملوكها، وهو بالأصل عبارة شرعية مكرسة كانت الجماعات والكنائس تأخذ بها دون نقاش.
مع ظهور الدعوة وقيام الدولة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية ثم الفتوحات التي جرت لاحقا بدأ المسيحيون العرب يتلمسون تحولاً كبيرًا في واقعهم الذي اخذ يومًا بعد يوم يتحول غلبة فكرية وعددية في غير صالحهم.
المسيحيون العرب الأوائل الذين عاصروا الفتح الإسلامي انتقلوا فجأة من سلطة الدولة البيزنطية التي كانت تضطهدهم، إلى سلطان دولة إسلامية حافظت على أديارهم وكنائسهم وصلبانهم بعد أن خيرتهم بين اعتناق الإسلام والبقاء على دينهم شرط الدخول في ذمة المسلمين ورفض القتال إلى جانب أعدائهم.
والتاريخ يذكر أن عمرو بن العاص عندما فتح الإسكندرية للمرة الثانية وزع من بيت المال على الأقباط أموالا طائلة على عكس ما حصدوه من الدولة البيزنطية التي بسبب اضطهادها لجأ رهبانهم إلى الصحاري القاحلة.
يبقى الشرق موطن ولادة المسيح وانطلاقة المسيحية
يعتنق المسيحية اليوم ثلث سكان الكرة الأرضية وتشكل الديانة الأوسع انتشارًا في العالم.
تراجع نسبة المسيحيين المشرقيين يثير قلقًا بالغًا لدى المجتمع المسيحي العالمي.
المخاوف من إقفار الأماكن المسيحية المقدسة وخسارتها لأبنائها المؤمنين باتت جدية.
المسيحيون اضطلعوا بدور هناك في تحقيق المصالحة، وأن وجودهم خفف من حدة التوترات، وأن تضاؤل هذا الوجود بإمكانه الإسهام في تأجيج التطرف.
بطبيعة الحال، يغلب المسلمون حاليا على التركيب السكاني بمنطقة الشرق الأوسط. وفيما عدا إسرائيل، التي يسكنها ستة ملايين يهودي، لا توجد دولة بالمنطقة لا يشكل المسلمون غالبية سكانها، بما في ذلك لبنان، التي يقدر المسيحيون الآن بربع سكانها، علاوة على إيران وتركيا غير العربيتين.
في خضم هذا الوضع، يجد المسيحيون المحليون أنفسهم ممزقين بين الرغبة في دق ناقوس الخطر والتزام الصمت، الأمر الذي يرجع إلى عدم ثقتهم فيما إذا كان لفت الأنظار إلى المشكلة سيقلصها أم سيزيدها عبر دفع البقية الباقية من المسيحيين إلى الرحيل.
مع صعود الإسلام السياسي محل القومية، باعتباره القوة المحورية في صياغة سياسات الهوية، بات المسيحيون، الذين اضطلعوا بأدوار مهمة خلال العديد من النضالات الوطنية، مهمشين في الوقت الراهن.
ونظرا لأن الثقافة الإسلامية، خاصة في صورها الأكثر أصولية، غالبا ما تعرف نفسها بالتناقض مع الغرب، فقد تدنت منزلة المسيحية ببعض المناطق إلى منزلة ثقافة معادية ـ أو على الأقل دخيلة.
طالت معاناة المسيحيين العرب بفعل تحولهم إلى أقلية في العالم العربي.
في كل الأزمات، التي تخبط بها العالم العرب وعلى مدى القرون، سعت الكنائس جاهدة في سبيل الحفاظ على تماسكها على المستوى الداخلي، أما على مستوى علاقاتها بمحيطها الإسلامي فتحركت من اجل المصالحة والتعايش والاستقرار. كما دعمت استقلال الدول التي تعيش في كنفها وتبنت القضايا العربية المحقة، في توجهاتها، لا بل ساهمت في إيصال الحق العربي إلى اعلى المنابر الدولية.
مع ولادة مشروع الدولة اليهودية، اندلعت الحرب العالمية الأولى وبزغ فجر انهيار أوروبا مقابل نشوء الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي دفع باليهود الهاربين من أوروبا إلى الانقسام في اتجاهين الأول نحو فلسطين والثاني باتجاه الولايات المتحدة الاميركية فتعايش المنحى الأيديولوجي مع البعد الاقتصادي.
وبفعل عمليات شراء الأراضي في فلسطين نشبت بعض المناوشات والمنازعات بين القادمين الجدد والفلاحين العرب، وبدأت اولى العلاقات العنفية بين الطرفين.
قامت السياسة الصهيونية ليس فقط على احتلال الأراضي الفلسطينية فحسب بل على الاستيلاء أيضًا على المقدرات المالية والصناعية والزراعية.
رغم نجاح الخطوة التأسيسية للإستيطان الصهيوني لأرض فلسطين، بقيت نسبة اليهود الاستيطانية ضئيلة إذا ما قيست بالملايين من اليهود الذين تقاطروا تزامنًا إلى الولايات المتحدة ومختلف دول أميركا اللاتينية.
تغيرت هذه المعادلة بعيد الحرب العالمية الاولى بفعل إقرار وعد بلفور فدخلت الحركة الصهيونية بعده مرحلة جديدة.
بعدما تحولت فلسطين إلى هدف الصهيونية العالمية الاوحد بعد استبعاد الأرجنتين وأنغولا نهائيًا، بدأت الخطوات العملية المتسارعة لتحقيق مقررات المؤتمرات الصهيونية لاسيما مؤتمر بازل الأول الذي دعا إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي من خلال منهجية تسلسلية تقوم على تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وربط اليهود بالحركة الصهيونية وتأمين التأييد الدولي للمشروع الاستيطاني وتشكيل المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية المولجة تنفيذ قرارات المؤتمرات وجمع الأموال لشراء الأراضي وإقامة المستوطنات وإرسال المهاجرين إليها.
سنة 1948 نجحت المنظمة الصهيونية العالمية في إقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين.
بعد نكسة حزيران عام 1967، انعقد المؤتمر الصهيوني السابع والعشرون ليستنهض من جديد المشروع الصهيوني فأصدر "برنامج أورشليم" الذي تمسك بوحدة الشعب اليهودي ومركزية أرض إسرائيل، وجمع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي عن طريق الهجرة من كل بقاع الأرض، والمحافظة على أصالة الشعب بتنمية التعليم اليهودي واللغة العبرية وبث القيم الروحية والثقافة اليهودية.
بفعل هذا المؤتمر بدأت المنظمة الصهيونية تخسر بعضًا من اختصاصاتها لصالح دولة إسرائيل.
سنة 1948 نشبت الحرب بين الإسرائيليين والعرب، انتهت بنكبة الفلسطينيين وتهجيرهم عن أرضهم، وبالمقابل قيام دولة إسرائيل.
بدأت القيادات الإسرائيلية بإعداد خططها العسكرية سنة 1945 وفي السنة اللاحقة بدأت الهاجاناه بإجراءاتها المضادة بما فيها الخدمة العسكرية. في وقت كان الفلسطينيون يفتقرون إلى التنظيم والدعم والقدرة اللوجستية.
اجتمعت الدول العربية في القاهرة سنة 1947 وأعلنت رفضها التقسيم، في حين وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين إلى دولتين الاولى يهودية والثانية فلسطينية.
في وقت رحب الصهاينة بالمشروع رفضه الفلسطينيون واستمرت الأحداث على تفاقمها، لاسيما بعدما تألف جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، ولجوء الصهاينة إلى استخدام السيارات المفخخة، ما فتح الباب أمام تبادل كلا الطرفين عمليات النسف والتفخيخ والتفجير.
في صبيحة جلاء القوات البريطانية عن فلسطين سنة 1948 أصبح إعلان قيام دولة إسرائيل ساري المفعول ما اجج الحرب بين الكيان الجديد والدول العربية التي أرسلت الجيوش إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في السنة التالية اعترفت الولايات المتحدة الأميركية بإسرائيل وتبناها مجلس الأمن الدولي عضوًا في الأمم المتحدة، وتوقفت الحرب المندلعة بين العصابات الصهيونية والجيوش العربية بتوقيع الهدنة الثانية التي لا تزال تحكم العلاقة بين الطرفين حتى تاريخه، في وقت بات ما نسبته 75 % من الشعب الفلسطيني بحكم اللاجئ والمهجّر والمقيم قسرًا خارج حدود فلسطين التاريخية.
حملات إبادة
في مطلع القرن العشرين تعرّض الأرمن والأشوريون "السريان" القاطنون في السلطنة العثمانية لحملة إبادة واسعة النطاق، على يد الجيش العثماني وبأوامر مباشرة من السلطان.
هذا التطهير العرقي الذي مارسه العثمانيون ضد المسيحيين يفسر ظاهرة تلاشي المسيحيين من مناطقهم التاريخية.
بالمقابل، لعب المسيحيون المشرقيون الدور البارز في إطلاق حركات التحرر القومي والوطني ضد الاحتلال العثماني في مختلف الأمصار العربية.
المجازر عمومًا هي صفحة سوداء في تاريخ الانسانية. والمسيحيون عبر تاريخهم وقعوا عرضة لأشرسها، سيما وأن ذيول بعضها لا تزال ملموسة حتى تاريخه وما تلك التي راح ضحيتها الأرمن المسالمون في الربع الأول من القرن العشرين سوى خير شاهد على ما حل على الجماعات المسيحية من نكبات وأهوال.
تعود مقدمات المجازر الأرمنية الى نهاية القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها فيالسنوات 1915 و 1922، حيث ذهب ضحيتها حوالي المليون ونصف المليون، بعد عملية طرد واسعة النطاق طاولت جميع الشعب الأرمني المقيم في أرمينيا التركية.
والارمن وقعوا ضحية لمرتين، الأولى على يد الاتراك الطورانيين والثانية بسبب تنكر تركيا لتلك المجازر وعدم اعترافها بها، والأخطر في الموضوع أن غالبية دول العالم حتى اليوم لا تزال تتعاطى مع هذه المأساة بفتور ولا مبالاة.
المسيحيون والمسلمون
تاريخ الشرق الاوسط وواقعه لا يمكن فهمهما بدون تحليل الروابط العميقة التي ربطت مسيحييه ومسلميه عبر التاريخ.
لهاتين الديانتين السماويتين رصيد هام، ان بصورة مستقلة احيانا او مندمجة احيانا اخرى في تاريخ وحياة الشرق الاوسط الثقافية والاجتماعية والسياسية والحضارية.
الحوار الاسلامي - المسيحي يبدو في الشرق حقيقة ملموسة، فهم وعبر قرون متواصلة لم يتحاوروا فقط، بل تعايشوا معا، وجاهدوا معا، وتألموا معا في سبيل القيم الانسانية والاخلاقية السامية.
عمومًا تعاطى المسيحيون العرب بإيجابية مع الإسلام في الشرق بحيث أرادوا التمسك بصورة حضارية قائمة على تفاعل ثقافي.
المسيحيون والإرهاب
عبر التاريخ كان مسيحيو الشرق ومازالوا الضحية الأولى لكل الغزوات التي عاشتها المنطقة، من الغزو الروماني البيزنطي الى الغزو العربي الاسلامي مروراً بالغزو الفارسي والعثماني وصولاً الى الغزو الأوربي في القرن الماضي والغزو الأمريكي الغربي الجديد.
في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين استفادت "الشعوب العربية" من تدخل العالم الغربي ضد السلطنة العثمانية يوم أتت الجيوش الأوروبية وحررت شعوب المنطقة من الاحتلال العثماني المرابض على اكتاف العرب لاكثر من أربعة قرون باسم الخلافة الإسلامية، وتشكلت بفعل هذا التحول الدول العربية المعاصرة بحدودها الجغرافية ومكنوناتها السياسية والاجتماعية.
لم يحصد مسيحيو الشرق(آشوريون"سريان/كلدان"أرمن، موارنة،أقباط) أي مغنم من هذا التحول بل عانوا المزيد من الويلات والنكبات، ليس فقط على يد من يتقاسمهم الأرض والجغرافيا، بل من الغزاة الجدد أيضًا ولو انهم يتواصلون معهم في الفكر الديني والمعتقد.
الواقع المرفوض
الشعوب العربية عبر تاريخها كانت سباقة في حوار الحضارات. والحضارة العربية لم تكن ذا وجه إسلامي فقط بل كانت من نتاج عمل مشترك إسلامي مسيحي.
هذا الحضور المسيحي في الشرق اثر بعمق في نهج الإسلام ومعرفته وتحولاته.
لم يخدم الاستعمار الغربي للعالم العربي المسيحية في الشرق بقدر ما أساء إليها، وتسبب بمأزق في العلاقة بينها وبين الإسلام.
كيف يمكن لديانتين عاشتا قرونا طويلة وحسن جوار متبادل، ان تنتهي العلاقة بهما إلى هذا الدرك المخيف؟
لماذا الإرهاب يطال اليوم مسيحيي الشرق الذين ضحوا عبر التاريخ في سبيل نهضة بلادهم وازدهارها؟
أي عرقلة للتعايش المسيحي الإسلامي في الشرق هو ضربة مثلثة الأبعاد: فهي تطال سيادة البلدان العربية والسلام، كما تطيح بحقوق الانسان وحرية الاعتناق الديني وهي أيضًا تقضي على كل حلم بوحدة عربية متكاملة.
هذه العنصرية الهادفة إلى استئصال الوجود المسيحي من الجذور يتزايد مع صعود الاصولية المتطرفة من جهة وترسيخ التهويد الصهيوني للأرض الفلسطينية واستعمار الاقتصاد العربي.
هذا المخطط الهادف إلى إشعال نيران الفتنة الدينية بين المسلمين والمسيحيين يهدف إلى ترسيخ تلك المزاعم القائلة باستحالة التعايش بين الديانتين في مساحة جغرافية واحدة، ما يخدم منطق قيام الدولة الإسرائيلية وحججها، إن لجهة أحاديتها العرقية والدينية والعنصرية أو لجهة تبرير مخاوفها ودوافع حروبها مع محيطها.
عادة ما يضرب الإرهاب الحلقة الأضعف في تركيبة المجتمع وفي عالمنا الشرقي تبدو الجماعات المسيحية هي تلك الحلقة.
في كل مجتمع تغيب عنه مؤسسات ديمقراطية تمثيلية وأحزاب سياسية تترسخ حالة التخلف وتنمو ظاهرة الإستبداد والسيطرة العسكرية كما الأصولية المتطرفة.
انتشار التطرف والتزمت الدينيين بين المسلمين،واعتبار الإسلام هو وحده دين الله الحق، واعتبار غير المسلمين مجرد أهل ذمة لامواطنين متساوين مع غيرهم، ظواهر ووقائع معروفة ولها عواقبها على التعامل مع غيرالمسلمين. وحرق الكنائس والاعتداء عليها وعلى الرهبان وغير ذلك من أعمال العدوانتكاد تصبح ظواهر يومية في الشرق الأوسط.
يومًا بعد يوم، يتقلص عدد المسيحيين الشرقيين فيأوطانهم رغم أصالة جذورهم ورغم تضحياتهم وخدماتهم في مختلف الميادين والقطاعات من علم وأدب واقتصاد ومجتمع وفنون وثقافة وفكر وسياسة ونبل في الخصال والأخلاق والوفاء لأوطانهم وقضاياها المحقة.
تقع مسؤولية تراجع عدد المسيحيين في الشرق على البرلمانات والحكومات ورجال الدين المسلمين ومعظم المثقفين العرب والمسلمين،كذلك تتحمل الدول الغربية الجزء الكبير من المسؤولية بسبب عدم اتخاذها مواقف واضحة وصريحة أمام مأساتهم.
لقد آنالأوان للمفكرين والمثقفين المسلمين أن يقفوا في الصف الأمامي دفاعًا عن إخوتهم المسيحيين الشرقيين وجدير بهم التحرك من اجل التصدي كل انتهاك يطال حقوق المسيحيين، والمطالبة بدولة المواطنة والمساواةوحقوق الإنسان.
لا يجوز ان تبقى الدول العربية وجامعتهم ومنظماتهمعلى كافة انواعها ومستوياتها مكتوفة الايدي غير مبالية في دعم بقاء المسيحي العربيفي ارضه المقدسة.
التاريخ المعاصر يحفظ مآثر رواد مسيحيين كبار لمع نجمهم في الحركة القومية العربية لعل أبرزهم جورج حبش وكمال ناصر ونايف حواتمة ووفا الصايغ. وكثيرون سطروا نضالات وطنية وقومية تحولت مآثر تشرّف التاريخ العربي برمته.
والتاريخ اليوم يعيد نسج المشهد السابق فتحل كل الويلات على المسيحيين الفلسطينيين وعلى الآشوريين والكلدانيين والأقباط وعلى مسيحيي الشرق قاطبة والذين تعرضوا لسلسلة اعتداءات إرهابية لا تحصى اشتدت وتيرتها في الربع الاخير من القرن العشرين ولا تزال.
الاعتراف بالتمييز بوجود أهل ذمة هو بحد ذاته عنصرية وجريمة علنية ومتعمدة ضد الإنسانية وفق معايير العصر، هو محصلة طبيعية ونتيجة تلقائية لهذا الفكر المتطرف والمشحون بالعنصرية والحقد والتعسف.
المسيحيون العرب هم أشبه بمراكب تائهة وسط محيط صحراوي عاصف. جذور مأساتهم ضاربة في التاريخ، تعود إلى أواسط القرن السابع الميلادي، واستمرت حتى اليوم.
لعب المسيحيون العرب دورًا رياديًا في تأسيس الحركات القومية العربية الأحزاب السياسية وبرز منهم العديد من الوجوه الرموز كجورج حبش ونايف حواتمي وميشال عفلق وأنطون سعادة وغيرهم.
لقد زخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين بمفكرين كبار مسيحيين وناشطين أسهموا في ولادة الحركات الاستقلالية والمشاركة في قيادة البلاد نحو الاستقلال والديمقراطية.
ولم يخل قطاع إلا وتحرك فيه المسيحيون بمن فيهم الأرمن والسريان والأقباط والأشوريين والكلدان في سبيل النهوض بالحضارة العربية من حالة الرقاد والانحدار التي أدخلتها في نفقه السلطنة العثمانية طوال احتلالها للجغرافيا العربية.
فإذا بالأعلام المسيحيين ينهضون بالصحافة والفكر والسياسة والطب والعلم والثقافة والادب وتزهر من جراء نشاطهم النزعة الاستقلالية والديمقراطية والعلمانية.
نهضة الشرق تتوقف عن مدى الشراكة التي يبلغها المسيحي في علاقته بالمسلم وهي قناعة على الطرفين كلاهما ان يؤمنا بها من اجل بناء مستقبل مستقر ومنسجم مع تاريخه وتنوع مكنوناته وتكاملها.
هو مشروع يجب ان يحتل اولوية كل حوار عربي داخلي.
ليست المسيحية العربية حركة سياسية بل هي تجمع كنائس وجماعات بطريركية ذات هوية مسكونية تتكامل بالحوار والتعاون والشراكة والوحدة.
صحيح أن الاختلاف في صفوف المسيحيين الشرقيين يخفف من وهج حضارتهم ويضعف موقعهم وقدرتهم على التنسيق والتعاون والسهادة الحقيقية. إلا أنه تبقى على عاتقهم رسالة كبيرة تنبع من جوهر حضورهم الإنساني.
المسيحيون العرب هو جزء لا يتجزأ من العالم العربي يخدمونه ويدافعون عنه ويتجذرون فيه وينخرطون في مشاريع إصلاحه وتجدده ونهوضه وغنمائه وتقدمه. هذا هو تاريخهم وهذه هي رسالتهم وهذا ما قاموا به عبر العصور.
لقد شاركوا المسلمين في كل تطلعاتهم ومساعيهم نحو مستقبل زاهر.
تعاطفوا مع العرب عمومًا والتزموا بقضاياهم العادلة، وساهموا في تقريب وجهات النظر بين الذهنيتين الغربية والشرقية.
أما الحوار الجدي فهو الذي يقود العلاقة بين المسيحيين والمسلمين إلىالاعتراف بكرامة الإنسان وحقوقه وبالمساواة وتعزيز ثقافة الحرية والتعددية والديمقراطية وحق الاختلاف والاعتراف بالآخر ومعرفته والعيش معه والتعاون من أجل إقامة دولة الحق والقانون والشفافية والمؤسسات ودعم التنمية والامن والاستقرار وترسيخ القيم الأخلاقية والروحية.
على العلاقة بين الجانبين ان تتوجها الواقعية والاعتدال والعقلانية والحكمة وخصوصًا المحبة مع الثقة المتبادلة.
المسيحيون العرب اليوم يعيشون في بيئة عربية إسلامية وفي عصر تقوده العولمة.
هذه المسيحية في نشاتها والأصيلة في تجذرها تساهم في تطور الثقافة العربية.
لقد انتشرت المسيحية العربية قبل الإسلام بقرون وأسست أولى الممالك العربية. وفي زمن النهضة كان المسيحيون روادها وأول من أسس الأحزاب العقائدية.
المفهوم المسيحي في الضمير الإسلامي يكتنفه الغموض فكلمة مسيحيين لم ترد في القرآن بتاتًا. بل ذكروا بأهل الذمة يحظون بالحماية وبالتالي همشوا في الحياة الوطنية لاسيما في الانظمة التي اعتمدت الإسلام دين الدولة وطبقت الشريعة الإسلامية في قوانينها وحياتها المجتمعية.
هذه النظرة غير المتكافئة للمسيحيين في الإسلام خففت من وهج حماستهم في الانخراط داخل مجتمعاتهم وساهمت في ترسيخ خيارين لديهم إما الالتزام في الحيادية والإنعزال أو الانسحاب نحو الغربة.
رغم ان التاريخ لم ينصف المسيحيين المشرقيين، إلا أنهم حافظوا على دورهم وشكلوا عبر الزمن قوة حيوية أنعشت الشرق الأوسط.
المناصب اتي تبوأوها والمواقع التي نشطوا فيها والمبادرات التي تبنوها في مختلف الدول والأقاليم والقطاعات أثمرت نهضة وإصلاحًا ونموًا مطردًا.
المسيحيون الأثرياء خدموا بلادهم بتجرد وأسهموا في ازدهارها ومواكبتها للعصر وتنشيط اقتصادها وتنمية مجتمعها.
والجامعات العربية عجّت بالطلاب المسيحيين يأمونها للغوص في علوم العصر وأفكاره.
وفي البلاد التي توافر فيها مجتمع مسيحي عريق، علت جسور ربطت الشرق بمختلف اوصال المجتمعات الدولية الغربية والشرقية والجنوبية والشمالية.
هجرة المسيحيين
الوجود المسيحي في الشرق اليوم يضمحل سنة بعد سنة، والمجتمعات المسيحية آخذة بالانكماش.
الهجرة تكاد تكون الجامع الأكبر للشباب المسيحي المشرقي،
الاضطهاد السياسي سابقًا والعنف الطائفي اليوم عاملان كانا ولا يزالان يقضان مضاجع المسيحيين.
صعود الإسلام الراديكالي واتخاذ المسيحية هدفًا يصوب نحوه سهامه يزيد السواد في الافق.
إن الصمت العربي والاسلامي ازاء ما يتعرض له المسيحيون في بعض دول المنطقة غير مبرر. هذا الصمت يشجع التنظيمات الإرهابية على تماديها في اعتداءاتها على المسيحيين. والمؤسف ان الحكومات تقطع كل طريق نحو أي حوار وطني حول مأساة المسيحيين كونها أصلاً لا تعترف بوجود مثل هذه المأساة.
وكل حوار إسلامي مسيحي مشرقي نشهده لا يقتصر إلا على مسائل لاهوتية يدور بفعلها في حلقة مفرغة. اما الواقع المسيحي المتدهور فهو غير مطروح.
الشرق يخلو من مسيحييه يوماً بعد يوم.
ولدت المسيحية في الشرق الأوسط ومهدها في فلسطين الارض المقدسة التي تعيش حالة تفريغ من أهلها المسيحيين.
فمعظم المدن المسيحية كبيت لحم والناصرة والقدس تستنزف مواطنيها المسيحيين.
أما في بقية الأقطار العربية فتختلف أوضاع المسيحيين العرب من دولة إلى أخرى حسب طبيعة النظام السياسي والنظام القضائي والمجتمع والحضارة بصفة عامة.
مسيحيو الشرق، آشوريون وأرمن واقباط وموارنة وعرب، ارتضوا التخلي عن الكثير من حقوقهم القومية وخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية والدينية وضحوا بها لأجل "حقوق المواطنة" في مسعى نحو بناء دولة ديمقراطية ليبرالية، نراها تصبح اليوم حلمًا يتبخر، وتسقط صريعًا على سندان التطرف الإسلامي.
بقاء المسيحيين في الشرق يحتاج الى تعميق روح المساواة بين المواطنين، وهو ما يتنافى مع مبادئ كل مشروع "دولة إسلامية".
وبسبب عدم استعداد الشرق ان يرتدي اليوم ثوب الإصلاح الحقيقي، سيبقى المسيحيون فيه عرضة لكل الأخطار بما فيها القتل والخطف والتهجير.
ليت التجربة اللبنانية من ناحية التعايش السلمي بين الأديان تعمم على سائر الأقطار العربية فنشهد حرية كاملة في الإيمان وممارسته، ومساواة في المواطنة.
لم تعد الحرب اللبنانية نموذجًا استثنائيًا في العالم العربي الكبير، لأن في الواقع ثمة ما بات يشبهها في العديد من الدول العربية في حين اصبح البعض الآخر الذي لا يزال بمناى عن هذه الظواهر يحمل في احشائه احتمالات انتقال العدوى إليه.
العالم العربي اليوم مفتوح على كل انواع التحولات الداخلية والخطير في الموضوع ان لا أفقًا واضحًا لهذا التحول.
العالم العربي اليوم المحيط بدولة إسرائيل في دوامة الضياع والقلق والاضطراب، أطرافه تقطتع منه قطعة تلو الاخرى، وقلبه المركزي مهدد بالتفتيت.
الدين في العالم العربي يتحول عند بعض الأطراف إلى طائفية ومذهبية اللتين هما عنصرا تفتيت لا وحدة.
والإجتهاد في الرأي يفقد اليوم طابعه الإثرائي الذي يغني الفكر والرسالات السماوية، ليصبح تعصبًا يفيض حقدًا وكراهية.
الحرية والديمقراطية قيمتان ساميتان تحافظان على كرامة الإنسان وتنظيم العلاقات الاجتماعية، تتحولان على يد من يسيء استعمالهما إلى فوضى وفلتان وانهيارات على مختلف الأصعدة.
والعدالة أيضًا التي تضمن المساواة بين المواطنين، تتحول على يد المتطرفين إلى دعوة للتناحر الدموي والبطش الفئوي.
الثورة بما هي تسريع لعملية التغيير والتقدم، وبما هي استئصال للعقبات والمصالح الفاسدة، هي هدف تتوحد حوله المجتمعات، وقضية يجتمع الشعب تحت لوائها، لكنها على يد أصحاب النهج التفتيتي تتحول إلى تسلط وقمع وإرهاب غير مبرر.
الحوار بين المسيحيين والمسلمين حاجة ملحة.
في استمراره ضمانة لمستقبل مستقر.
بالطبع لا أحد ينكر دور المسيحيين في النهضة الثقافية العربية. ولا احد ينفي تجذرهم في هذه الأرض.
لقد حققوا عبر تاريخهم ورغم ما تعرضوا له من نكبات واضطهاد،
أنجزوا إنجازات متميزة على مر تاريخهم.
نشطوا في عهد الامويين والعباسيين، وفي الخلافة الفاطمية.
بفضلهم انتشرت البعثات التربوية والثقافية الأجنبية. فأنشئت المدارس واستقدمت المطابع، وأبصرت النور الصحافة الحرة،
استلهم المسيحيون ثقافة الغرب فادخلوا إلى البيئة العرية روحًا تحررية عصرية.
ليس التنوع في النسيج الاجتماعي هو وحده ما يميز لبنان، بل قبول الاختلاف في الرأي ونزعة الانفتاح على العالم بكامله وتقديس الحرية واحترام المجتمع المدني.
هذه هي بعض ملامح رسالة لبنان في هذا الشرق.
هذا البعد الحضاري دفع بالمسيحيين إلى الاهتمام الكبير بالثقافة وتعميم المدارس وإطلاق الجامعات ونشر العلوم وإحلال هذه القطاعات في صلب عمل الكنيسة.
ليس الوجود المسيحي في الشرق منة من أحد.
هذا التجذر قوي بفعل صمود المسيحيين ورفضهم لكل مشاريع التهجير التي عرضها عليهم الاستعمار منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.
فالمسيحية تحتضن في باطنها روحًا مقاومة تنبع من شخصية المسيح المتالم الرافض للهزيمة أمام الخطيئة والشر والممتلئ من إيمان القيامة.
هي ثقافة الصبر في وجه الألم وريادة الثائرين في الحق نحو التحرر.
بهذه الثقافة يواجهون مخططات التهجير من الأراضي المقدسة ومن العراق ولبنان ومصر.
هو حضور المسيحيين في الشرق يضفي عليه نكهته وخصوصيته وقيمته الحضارية.
في مرحلة كانت العروبة مجالاً ثقافيًا للقاء المسيحية بالإسلام،
هذا البعد الحضاري يفقد مركزيته بفعل تنامي الأصوليات والتطرف والعنصرية والمذهبية.
عالمنا يحتاج غلى مبادرات وفتاوى تحرم التنازع واستخدام العنف وترسخ التسامح الديني وحرية المعتقد والاعتراف بالحق في الاختلاف والتنوع.
أمام عجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتصلة بحقوق المسيحيين والمسلمين في فلسطين ولبنان وسوريا والجولان، على المسيحيين والمسلمين أن يبادروا متضامنين من اجل استرداد حقوقهم.
ظاهرة العنف المستشري في العالم لا تمت بأي صلة إلى الأخلاق الإسلامية والمسيحية. هي تنبع من تلك النظرية التي تريد ان تدخل الأديان والحضارات في صراع دائم وتقضي على كل منحى حواري بينها.
لم يعد كافيًا استنكار المجازر والاعتداءات التي تطال المسيحيين الابرياء. يجب ان يقرن الكلام بالافعال وان تبادر المرجعيات الدينية الإسلامية إلى اتخاذ موقف جماعي واضح تمنع كل اعتداء يطال المسيحيين العزل في كنائسهم ومنازلهم ومراكز اعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم.
السكوت عن هذا الإجرام لم يعد جائزًا.
المسيحيون لا يطالبون بامتيازات، ولا يحتاجون إلى شهادات حسن سلوك كي يثبتوا مواطنيتهم.
والمسيحيون لا يعتدون او ينتقمون او يطمعون.
من واجب الحكومات حماية المسيحيين ورعاية حقوقهم.
والتعاطي بالعدل معهم والإنصاف والمساهمة في تطوير قراهم ومناطقهم.
ثقافة التعددية هي رسالة حضارية وهي ركيزة كل جسر يجمع أطياف العالم بأسره ويوحد المجتمع الدولي.
الوجود المسيحي متجذر في تاريخ البلدان العربية وجغرافيتها رغم تحولهم اليوم إلى اقليات.
نشات المسيحية في الشرق وتفتحت براعمها في بيت لحم حيث ولد المسيح وتمددت نحو مصر والناصرة وقد عاش في أرض فلسطين ولجأ إلى أرض مصر وجنوب لبنان وأمضى فتوته في الناصرة وآخر لحظات حياته على جبل الزيتون.
كذلك سار على طريق الشام بولس والرسل ومن أنطاكيا انطلق المسيحيون وانتشروا في مختلف انحاء العالم القديم، وتمدد انتشارهم على كامل بقاع الأرض.
في جوهرها تبدو المسيحية رسالة ثقافة انعشت النهضة العربية التي اطلقتها شخصيات آمنوا بالإنسان والفكر الحر ورفضوا كل جمود وتخلف ورجعية.
المسيحيون رغم ما يعانون من اضطهاد، لا تزال رسالتهم هي هي، ومسؤوليتهم تاريخية.
هم رسل محبة وسلام وشهادة.
رغم كل شيء على المسيحي ان يتحرر من حالة الإحباط والخوف والضياع ويستعيد دوره الريادي.
فبقدر ما ان وجود المسيحيين ضمانة لاستقرار الشرق وتوازنه، بقدر ما على المسلمين العرب ان ينشطوا في سبيل حماية المسيحيين.
من الضروري ان يستعيد المسيحي إيمانه بأرضه ووجوده وحضوره ويسترجع حقوقه بالمواطنة وأن يمتنع عن بيع اراضيه والتخلي عن كل رابط يربطه بتاريخه وحضارته.
على المسلم ان لا يقف عائقًا أمام استعادة المسيحي لدوره الفاعل.
فالعلاقة بين الجانبين بغض النظر عن حجم كل منهما إلا أنها تبقى علاقة عضوية متكاملة.
في الماضي والحاضر، صدرت دعوات غربية لمسيحيي الشرق بالتقوقع وإقامة دويلاتهم المستقلة.
لكن عموم المسيحيين المشرقيين رفضوا هذه الدعوات ونبذوها وتمسكوا بتعايشهم مع إخوتهم .
أما في لبنان فالمسيحي مرّ بتجربة مرّة جعلته يقف في نهاية المطاف امام خيارات عدّة تجعله يحدد نطلعاته ورؤيته
عليه اليوم أن يتمسّك ويعمل من اجل بناء لبنان لا يتجزأ ودولة مستقلة ذات نظام جمهوري، ديمقراطي برلماني، حر، قائم، يختزن تنوّعًا حضاريًا وثقافيًا، وفي حركة تفاعل دائمة مع الحضارات العالمية.
دولة ترعى حقوق الطوائف وتؤمّن لهم الضمانات وتحافظ على تقاليدهم وأعرافهم التاريخية المتينة وتبني في إطارها مرتكزات التعاون الوطني في المجالات كافة.
عليه أن يقر بطابع لبنان الحضاري المميز، ويعمل في الوقت عينه في سبيل إيجاد صيغة مستقبلية من شأنها المحافظة على خصوصية لبنان وطابعه وواقعه وحضور تنوّع في وحدته.
لا يمكن للمسيحي أن يقف على الحياد، عليه أن يرصد الواقع اللبناني ويلفت إلى كل سوء عاينه وتلمسّه، في مسعى منه نحو تصحيح المسار وترتيب الأوضاع التي يعاني منها البلد في شتى الميادين. وهو قادر على تشخيص المعضلة اللبنانية والمرض الوطني والمشاكل الداخلية لاسيما في النواحي الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد المواطن.
في أفكاره ترشيد إلى مكامن الخلل، وفي تحركه تقديم يد المساعدة لتضميد جراح الوطن وتوحيد ما تجزأ وتقريب ما تباعد.
عليه أن يرفض أن يكون جزءًا من اي مشروع إلا مشروع سيادة لبنان وحريته واستقلاله وعيشه المتوازن الكريم. وان يؤمن بان الولاء للبنان يعني أن نحب كل أرضه غير منتقص منها ولا حبة تراب ولا ضيعة. وأن نحب كل أهله، كل ابناء الوطن على تنوعهم غير منتقص منهم ولا مواطن أي الـ4 ملايين مهما اختلف عنا في العقيدة السياسية أو التوجه أو المذهب أو الطرح.
أن يرى لبنان دولة سيّدة على كامل أرضها، وأن تبقى هذه السيادة فوق كل اعتبار. وأن تكون دولتنا الأقوى، حاضنة وحدة الشعب وصاحبة العين الساهرة.
المطلوب نقلة نوعية ليس في الأداء السياسي فقط ولكن أيضًا في الفكر السياسي الذي يلبي طموحات الجميع وخصوصًا في التعاطي مع المرحلة الشديدة الدقة التي نحن مقبلون إليها.
التوافق الوطني والمحافظة على مقومات لبنان في الديمقراطية والحريات، حقيقتان يحفظان الوجود المسيحي ويرسخان منطق التفهم والتفاهم.
من هنا الحاجة إلى الوعي من قبل أركان السلطة والاعتراف بأن مسار الأمور في ازمة والمطلوب تغيير في الفكر والممارسة.
تحتاج الوحدة الوطنية إلى تحصين وحوار جدي وحقيقي بين كل اللبنانيين. والمحافظة على الروح الميثاقية تتطلب العمل مع جميع المسؤولين لتثبيت التوازن خدمة للبنان الواحد، وطن الرسالة، الذي يشكّل نقيضًا للرهانات التي تتحدث عن استحالة التعايش السمح بين الأديان السماوية على أرض واحدة، متأثرة بنظرية "صراع الحضارات" المستحدثة.
الدولة الواحدة العادلة لا يمكن أن تقوم إلا على المساواة والتوازن، وبالتالي ألا تشعر اية طائفة او فئة او مذهب او مجموعة أنها مغيبة عن المشاركة في صناعة القرار الوطني، او انها مبعدة عن دور اساسي في التوازن.
هم العرب عمومًا بحاجة إلى من يجمعهم لا إلى من يفرقهم، وإلى مزيد من الأمل والرجاء لا إلى مزيد من الإحباط.
ان الوطن ثابت ونهائي رغم كل المحن وهو ليس عرضة للمساومة ولا استقلاله مدار جدل.
اننا نتطلع الى وعي مسيحي أكبر لما يجري، فالمطروح ليس صراعاً بلدياً حول موقع، بل هو دورنا ومصيرنا ومستقبلنا في وطن سيد حر آمن لجميع العائلات الدينية وفي هذا الشرق العزيز.
اننا نعول على مبادرة من كافة المراجع الدينية لوضع الاسس والخطوط بما يثبت هذا الاستحقاق ويحفظ وحدة لبنان وديمومته ودوره ورسالته الحضارية.
لن يقوم لبنان على التراشق والتخوين والتهديد والتشنج ولا على بقائه ساحة صراع.
وكل تسلح طائفي أو مذهبي أو حزبي هو طعنة في صميم الكيان اللبناني ودعوة إلى حرب أهلية.
غياب التفاهم والتوافق بين اللبنانيين في ظل اوضاع صعبة اقليمية ودولية، وأحوال اقتصادية – اجتماعية تنذر بالخراب، يفتح البلاد إلى آفاق رمادية ضبابية غير مريحة.
يبقى الأمن هاجس المسيحيين ويومًا بعد يوم يتمسكون برفض كل محاولات إثارة الفتنة الطائفية والمذهبية ويطالبون بالتصدي لكل تنظيم يستعمل السلاح والعنف في التخاطب السياسي.
فإلى اعتبار السيادة والاستقلال والحرية ثوابت لا تنازل عنها أبداً، تأتي الأولوية أيضًا للأمن في كل المناطق، إذ هو ممنوع ان يشعر مواطن في أي منطقة انه مهدد.
فالأمن حق كل مواطن على كامل مساحة الوطن، وأول واجب على الدولة، وهو جزء لا يتجزأ من الوفاق الوطني لأن الصراع الداخلي على السلطة يشكل نافذة يدخل منها كل عابث بأمن الوطن.
لم يعد المسيحيون قادرين على تحمل الانفجارات أو الاغتيالات ولا الخطف أو العبوات. ولم يعد مسموحًا أي تقصير في هذا الإطار، ولا إخفاء الحقائق والمجرمين، ولا إبقاء الأوطان ساحة لأي، ما جعل المواطنين يكفرون بما آلت إليه الأوضاع.
يبقى الامن خطًا أحمر في أية عملية نهوض تخرجنا من هذه المحنة التي نتخبط بها.
إن الجيش الوطني الشرعي هو الضامن الأكيد وعنوان السيادة.
وبالتالي لا مكان في بلد مستقر، لجزر امنية أو بؤر خارجة على القوانين.
الجيش وحده صاحب قدسية حمل السلاح دفاعًا عن كل أبناء الوطن.
نتوقف بإجلال أمام الدماء التي تسقط من ابناء الوطن وأمام الجرحى والمشردين والمهجرين وكأن قدر أوطاننا ان تبقى معلقة على الصليب، وان تتعاقب المجازر والإجرام والبربرية والتدمير.
في هذه التضحيات قرابين مباركة، وهي، بكل براءتها وبكل قداستها، ذخيرة قد تساهم في ابقاء شعلة وطن يحاول اعداؤه طمسه وإلغاءه.
هلاّ تعلمنا كيف نحصّن هذه الأوطان، وكيف نوحّد جهود شعوبنا لنمنع عنا الأذية والدمار؟
مطلب الناس الأول هو الأمن والكرامة وهو حق لهم على الوطن والحكم.
على الدولة أن تتحمل مسؤولياتها كاملة في المناطق والقرى المحررة وأن تضع خطة متكاملة كي يتم تطبيقها في كل المجالات الأمنية والعسكرية والمدنية والإعمارية والاقتصادية.
نتمسك بالحريات العامة بكل أبعادها وعلى رأسها حرية الإعلام والتظاهر دون أي تجاوز للقوانين اللبنانية.
إبداء أي رأي هو حق أساسي لكل مواطن يضمنه الدستور شرط مراعاة أصول المخاطبة واحترام رأي الآخر.
وبقدر ما نتمسك بوجوب احترام الحريات السياسية والإعلامية، بقدر ما نخشى على مستقبلها بسبب ما تعانيه من انتقاص وكبت وتضييق وكأن هناك تحضيرًا لنظام آخر ومختلف.
كل استهداف لأية وسيلة اعلامية مستنكر.
نتبنى الديمقراطية الصحيحة نهجًا لممارسة الحكم.
قانون الانتخاب جوهر النظام السياسي اللبناني وهو الذي يجب أن يؤسس لتمثيل صحيح لكل الطوائف، فلا يشعر أحد أنه مهمّش أو ملغى أو يفرض عليه نوابه.
من هنا أولوية قانون الانتخابات ومركزيته.
الاستحقاق النيابي فرصة حقيقية لتمثيل قوي حقيقي لكل اللبنانيين.
من منطلق القلق على مبدأ انتخابات حرة وديمقراطية تعطي الشعب كل الحق في اختيار ممثليه ومن منطلق الحرص على المشاركة العادلة والصحيحة في صنع القرارات، يأتي التمسك بمبدأ تحصين الانصهار الوطني وإشاعة جو من الارتياح ينعكس على كل لبنان، مع ضرورة المحافظة على الاعتدال والمشاركة والتوافق والتمثيل الصحيح ، بعيدًا عن الضغوطات والاستئثار.
أما الانتخابات النيابية فالأجدى أن تتحرر من اجواء الاثارة السياسية وان تراعى فيها دائما روحية الوفاق الوطني والتوازن.
التمسك بدولة القانون والمؤسسات وبالحريات العامة يجعلنا نقر أن لا قيامة حقيقية للبنان إلا بدولة مؤسسات تبسط سلطتها على كامل ترابها.
هو موقف ثابت باعتبار أن الشرعية للجميع ولا يمكن أحد أن يتجاهل وجودها أو ان يحل محلها.
المطلوب اليوم السير معًا نحو دولة حقيقية ملتزمة بدستورها وبكل أبنائها.
اجواء التنقية الاقليمية تساعد على البدء في حلول لبنانية.
اننا إذ ندرك تماما ترابط وضعنا مع ازمات المنطقة، نتمسك بوحدتنا وحوارنا واحترامنا التام للتعدد والتنوع احزابا وطوائف ومذاهب.
لماذا ننتظر تداعيات المنطقة ولا نحصن نفسنا؟
ان اللبنانيين كلهم، على اختلاف طوائفهم وأحزابهم عائلة واحدة فلماذا يسمحون بتدخل من الخارج في شؤون وطنهم وإدارته.
نحن نتحمل مسؤولية مصيرنا ومستقبلنا. علينا المبادرة الدائمة لصنع التوافق والحوار لاننا ادرى بشؤوننا من كل عواصم العالم ونحن نفهم على بعضنا اكثر مما يفهمنا السفراء والقناصل والقوى الخارجية.
أليست الطريق بين احزابنا وقياداتنا اقرب واقصر منها الى عواصم العالم؟
لا أحد يريد مصلحة لبنان اكثر من اهله ولا أحد يفهم حساسيات وضعنا اكثر منا.
فإذا كنا كمسيحيين لا نقدِّر حجم المخاطر التي تحيط بنا ومعنى حضورنا ودورنا ونتائج خلافاتنا على قضيتنا، ين فلن يرأف بمصيرنا أحد، ولن تكون لنا حقوق ولا مساواة ولا مشاركة حقيقية.
المسيحيون والمسلمون على السواء مطالَبون بالذهاب جميعًا إلى الحوار ليس من أجل الحوار بل من أجل التوصل إلى حلول.
الدعوة إلى الوفاق الوطني لا تنطلق من حب البعض لموقع او كرسي او مركز بل من غيرة على كل لبنان فلا تغيب اية قوة تمثيلية عن المشاركة في تحمل المسؤولية الوطنية.
والحوار وحده يمكن ان يجنب الوطن مخاطر كثيرة في ظل التنوع حتى الاختلاف في التوجهات والنظرة الى الهوية والانتماء. في حين ان الشارع ليس حلاً ولا التصادم ولا التراشق بل التوافق الدائم.
على الحوار أن يقدّم إلى اللبنانيين حلولاً بدلاً من أن نراه يغرق في تأجيل جلساته، كأن الشعب قادر على الانتظار. صحيح أن الأزمة متشابكة مع صراعات إقليمية ودولية، ولكن هل يمكن في ظل مناخ الانقسامات والأداء الرديء ونشر غسيل الخلافات على المنابر العربية وأمام الشاشات أن نكون نسير على الطريق الصحيح؟
صحيح أن لا حلولاً سحرية، إلا أنّ التوافق هو المدخل ولبنان هو بالضرورة وطن الحوار الدائم والحياة المشتركة. إن دولة واحدة قوية وسيدة وحدها هي الحل.
العيش المشترك من صميم ايماننا، إلا ان ابرز هواجسنا يبقى المشاركة الفعالة التامة بصنع القرار الوطني، وفي أولويات الوصول اليه قانون انتخابات يعكس صحة التمثيل وحقوق جميع العائلات الروحية.
جميع القوى السياسية مدعوة إلى الحوار. فيه وسيلة لخلق مناخ الوئام.
لا بديل عن "التفهم والتفاهم" بين كل اللبنانيين.
لا يكتمل عقد الوطنية إلا بشعور كل أبناء الوطن بالمساواة والعدالة.
لا قيامة للبنان الا بشعور كل ابنائه بأنهم متساوون وان لا غلبة لفئة واحدة على الآخرين.
التوازن الوطني ليس منّة من أحد ولا هبة وكل ما يُعمل دون مراعاته يخالف الميثاق الوطني والدستور.
التنوّع والديمقراطية هما في أساس تكوين لبنان. إلا أن الشعب اللبناني اليوم بأمس الحاجة إلى توحيد الاستراتيجيا، وإلى تضامن أحزابه وتياراته ومؤسساته.
أمام مصير مخيف وتحديات مذهلة وكوارث اقتصادية وإنسانية واجتماعية وبيئية، ثمة دعوة إلى الشفافية والصراحة والتضامن والقرار المشترك بين كل اللبنانيين من أجل التأسيس لبناء وطن ودولة راسختين.
الوحدة الوطنية ضمانة كل مستقبل، ومطلب التوازن والمشاركة الحقيقية الكاملة في الوزارات والادارات ليس طرحًا فئويًا او مذهبيًا، ولا هو أخذ حصص طائفية ضد آخر، بل هو في صميم رسالة الوطن وفي قلب روح وثيقة الوفاق الوطني، إذ لا شرعية لأي سلطة لا تراعي الميثاق الوطني كما جاء في مقدمة دستورنا.
الحوار ضرورة وواجب الدولة رعايته وإدارته عبر مؤسساتها بدءًا بمجلس الوزراء ومجلس النواب إلى مشاركة كل الفعاليات من دون استثناء.
وفي هذا الإطار تبدو المصالحة الوطنية أولوية وانخراط كل القوى والتيارات في مشروع الدولة حاجة ملحة.
الحوار وحده يمكنه ان يجنب الوطن مخاطر كثيرة في ظل التنوع حتى الاختلاف في التوجهات والنظرة الى الهوية والانتماء. ان الشارع ليس حلاً ولا التصادم ولا التراشق بل التوافق الدائم.
المطلوب تغليب العقل والمنطق والعودة الى الحوار الجدي الرصين العميق.
ليس لدينا خيار سوى ان نتفاهم. مهما تباعدنا لا بد من تسوية. فلماذا علينا ان ندفع من لحمنا ودمنا وأجسادنا واقتصادنا. ألم نتعلم من عبر الماضي؟
ان مصير لبنان على المحك، الخلافات السياسية الداخلية تنعكس سلبا على المناخ العام.
قدر اللبنانيين وخيارهم ان يثبتوا انهم تعلموا من عبر الحرب والخلافات وانهم قادرون على صناعة غدهم والمستقبل.
المطلوب وضوح الرؤية. لقد حان زمن إشراك كل لبنان في تقرير المصير.
حان وقت تلازم مسارات السيادة على كل الارض والحرية لكل الشعب والتوازن بين كل العائلات الروحية.
الانتشار اللبناني هو ثروة وطنية، رغم ان الارض خسرت ابناءها.
تثبيت اواصر اللحمة بين جناحي لبنان، المقيم والمغترب هو من واجبات الدولة بكل اجهزتها، على ان الطوائف والمؤسسات الاغترابية والاهلية يجب ان تلعب دورا رائدا في هذا المجال.
المنتشرون مطالبون بالتسجيل الدائم لكل ابنائهم في القنصليات لئلا ينقطع حبل الرحم مع لبنان.
على وزارة الخارجية تسهيل هذه المعاملات.
ان استعادة الجنسية للذين فقدوها يجب ان يكون على جدول اعمال الهيئات الاغترابية والسفارات والقنصليات في الخارج، وإن حق الانتخاب لكل المنتشرين هو من صميم مسؤوليات الدولة التي يجب ان ترعى ابناءها كلهم.
واللبنانيون المنتشرون مدعوون إلى المساهمة المادية الفعالة في دعم المؤسسات هنا والتي وصل الكثير منها الى حالات صعبة. ان تثبيت صمود الناس حتى لا يهاجروا يقع على عاتق اخوانهم الذين نعمت عليهم الاوطان الجديدة بأوضاع اقتصادية افضل.
على الانتشار ان يكون الصوت المدوي للقضية اللبنانية والعين الساهرة على لبنان، على كل تراب لبنان، ولكل اهل لبنان وأن يتعالى عن الخلافات المذهبية والدينية ويظهر الوجه الواحد للوطن الام. ان صوت الانتشار في عواصم القرار هو صوت لبنان الجريح الواحد.
كل عملية اغتيال أو خطف او ضغط يتعرض لها لبناني مغترب هي مأساة وطنية كبيرة تطال العائلة اللبنانية الشاملة التي اضطرتها ظروف الحرب والاقتصاد إلى الهجرة بحثًا عن أمن ومستقبل. فإذا بها تدفع خيرة ثمارها ضريبة للعنف والإرهاب.
على اللبناني ان يحمل لواء القضايا الاجتماعية ويبحث عن حلول لمسائل الفقر والبطالة وغياب فرص العمل، والطفولة المشردة على الطرقات، والعجزة والمتشردين والشحادين.
الالتفات الى قضايا الناس اليومية ومشاكلهم امر بديهي إذا ما أردنا بناء دولة العدالة والكرامة الإنسانية.
الأوضاع المتردية في لبنان والعالم العربي تولّد هواجس لدى الشباب اللبناني، وتزيد في نسبة القلق على المصير وموجات اليأس والهجرة.
لم يعد مقبولاً أن تستمر الخلافات والتجاذبات بين أهل الحكم، في وقت يئن اللبناني من أزمة اقتصادية خانقة، ويسأل عن الحق فيضيع.
ثمة خطر من ان تصل الامور إلى نقطة انفجار اجتماعي لا يرغب به أحد من اللبنانيين.
المطلوب من الدولة أن تؤكد وجودها قبل فوات الأوان.
من القضايا التي تستحق ان تستحوذ كل الاهتمام التربية والتعليم بما فيه الجامعي.
بقدر ما هو التعليم رسالة روحية ووطنية وإنسانية، بقدر ما يتوجب التحسس بمستقبل الاجيال اللبنانية الناشئة والحفاظ على مصلحتهم ومصلحة الأهل والوطن ومعالجة مسألة الزيادات الدائمة على الأقساط المدرسية.
تفاقم القلق وازدياد المشاكل الحياتية والاقتصادية والاجتماعية في هذه المرحلة الحساسة يتطلب الكثير من الوعي والحكمة والصراحة.
على الحكومة إيلاء الحالة الاقتصادية الاجتماعية اقصى درجات الاهتمام لأن وجع الناس وصراخهم يزداد ولأن القلق على المستقبل خاصة عند الشباب من ابرز اسباب الهجرة التي هي عدونا الابرز.
بات ملحًا اليوم اعلان حالة طوارئ اقتصادية اجتماعية لأن الاستحقاقات المالية داهمة، والشعب يئن من البطالة وصرف العمال والغلاء والاقساط وندرة الاستثمار.
وصل الوضع الاقتصادي الاجتماعي الى درجة تستدعي ليس فقط حلقات حوار ولا خلوات وزارية دائمة بل حتى حالة طوارئ سياسية يكون بندها الوحيد كيفية معالجة الهجرة واليأس والهدر والفساد والدين العام.
الاصلاح الاقتصادي صار امرًا واجب الوجود، وإلا سيستمر الوطن في نزيفه وانهياره.
من الضروري أن يكون برنامج الإصلاح المالي الاقتصادي على رأس الاهتمامات
لن يتحمل اللبنانيون ولن يقبلوا أن يدفعوا ثمن أخطاء الطبقة السياسية.
تحريك الجمود والالتفات إلى قضايا الناس الحياتية من عمل وبنى تحتية وكهرباء وسواها، أولوية أساسية إذا ما أردنا قيامة حقيقية لواقع المجتمع اللبناني.
ثمة قلق جدي بفعل تراجع الوضع الاقتصادي وارتفاع حجم المديونية العامة، لما ينعكس ذلك على الوضع العام في البلاد.
إلى الأزمات الاقتصادية والدين العام وواقع الإدارة غير المتوازي، تأتي ملفات الفضائح التي تطاول أكثر من مرفق لتزيد الواقع سوءً وسوادًا.
مطلوب جردة حساب رسمية على واقع التعيينات والتعاقد، ليتسنى للرأي العام أن يعرف حقيقة الأمور وإصلاح اي خلل.
مع رفض وجود السلاح في أيدي الفلسطينيين، خارج وداخل المخيمات، يأتي التخوّف من التوطين ليزيد الواقع ضبابية.
إن رفض التوطين هو من المسلمات الوطنية التي جاءت في مقدمة الدستور وهو يرتدي الأهمية نفسها التي ارتدتها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
إن لبنان الذي استضاف اللجوء الفلسطيني، عملاً بالواجب الإنساني والقومي، والذي تحمّل التضحيات القصوى في سبيل نصرة القضية الفلسطينية، المتمثلة بحق العودة، أصبح هدفًا لمؤامرة خطيرة يوم طرح وطنًا للفلسطينيين، بديلاً عن فلسطين.
هذه المؤامرة معززة بالكثافة الفلسطينية في لبنان، وحالة التسلّح بذريعة "العمل الفدائي"، كانت من الأسباب المباشرة، لاندلاع الحرب في لبنان عام 1975، ولتحريك الطروحات القصوى التي هددت وحدة الشعب والأرض، وقد تمثلت بمؤامرة التقسيم.
أصدرت جامعة الدول العربية، قرارات عدة حظّرت بموجبها على الدول العربية المضيفة للشتات الفلسطيني، منح جنسيتها للأخوة اللاجئين، حفاظًا على قضيتهم، وحفظًا لحقهم بالعودة، ومنعًا لذوبان هويتهم عبر توطّنهم الدائم في هذه البلدان.
كما أن ثمّة قرارات دولية خاصة بالحقوق الفلسطينية، أبرزها القرار 194، والقرار 242، اللذان يكرسان حق العودة، وحق جمع شمل العائلات، التي شرّدتها نكبة فلسطين والحروب التي تلت تاريخ النكبة.
إن اعتبار حاجة العالم العربي، للسلام العادل والشامل، موازية لحاجة إسرائيل والغرب، وسائر دول العالم لهذا السلام إياه، وما لم يكن الأمر على هذا النحو، فلا حاجة به للبنان وسوريا، ولا لبلدان المنطقة العربية، ولا للأسرة الدولية جمعاء.
تمسّك لبنان بإسقاط مؤامرة التوطين مطلب داخل في صميم محادثات السلام، وبند أساسي في جدول أعمال هذه المحادثات، وشرط وطني، يوازي بأهميته تحرير لبنان.
وبقدر التعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني والتأييد لنضاله من أجل إقامة دولته والاستنكار لما يتعرّض له الفلسطينيون من تنكيل، بقدر ما هي مرفوضة عودة الفلسطينيين في لبنان إلى خطاب تصعيدي أو انفلات أمني تحت أي حجة تفتح بابًا على حرب لسنا مهيئين لها.
من واجبي التذكير ببعض الثوابت اللبنانية، التي تشكل ضمانة لكل الطوائف اللبنانية وتؤمن العدالة بين اللبنانيين.
لبنان وطن نهائي، بحدوده المبينة في المادة الاولى من الدستور اللبناني والمتعرف به دوليًا.
اللبنانيون: المقيمون منهم والمنشرون في العالم، يؤلفون الأمة اللبنانية، المبنية تاريخيًا على التعددية الاثنية والدينية، وعلى التنوع الحضاري، والثقافي، والتراثي، واللغوي، والمتكونة من مجتمعين رئيسيين متحدين: المسيحي والاسلامي، وهما متساويان في الحقوق والواجبات.
لبنان بواقعه الاجتماعي والسياسي والوطني، وبحقيقته التاريخية، هو :اتحاد طوائفي" بين مجتمعين الاساسيين، مما يحتم اشراك طوائفهما في ادارة شؤون الدولة.
لبنان دولة حرة مستقلة، ذات سيادة تامة، وذات نظام جمهوري ديمقراطي برلماني تعددي يقوم على مبدأ فصل السلطات، ويرتكز على ديمقراطية التوازن والعدالة بين الطوائف.
تضمن الدولة اللبنانية وتصون حريات وحقوق الافراد والجماعات التي يكرسها الدستور اللبناني، وايضاً كل الحقوق والحريات التي تكرسها شرعة حقوق الانسان.
لبنان، في محيطه الاقليمي متعدد الانتماآت: (مشرقي، وشرق ادنوي – وشرق اوسطي _ وشرق عربي – وبحر متوسطي) وهو من الوجهة الحضارية والثقافية والتراثية، حصيلة الحضارات والديانات الديمة والحديثة، التي عاشت على ارضه وتفاعلت مع شعبه عبر تاريخه الطويل، وعالميًا فهو ينتمي الى الحضارة الغربية الانسانية العالمية، التي هي ايضًا جزء منه. وبفعل هذا، فقد تكونت للبنان الوطن، وللأمة اللبنانية، هوية وطنية قومية لبنانية خاصة بهما.
الدولة اللبنانية، بحد ذاتها، كشخص معنوي وقانوني، هي دستوريا (المادة 9 من الدستور)، دولة علمانية (زمنية)، اي غير دينية، وبالتالي حيادية بين الاديان، تمتنع عن اتخاذ اي دين رسمي لها، ان علمانية الدولة، وواجب احترام وضمان حرية الاشخاص، توجب علىالدولة اقامة الزواج المدني الاختياري، ووضع قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية، يطبق على كل من يختاره من اللبنانيين.
يجب اعلان لبنان دولة حيادية، تلتزم الحياد الدولي الدائم، وتبعا لذلك فهي تعمل للسلام العالمي، وتبتعد عن المحاور والاحلاف السياسية والعسكرية، وعن الحروب، وهي تمارس هذا الحياد من خلال عضويتها في جامعة الدول العربية، وفي منظمة الامم المتحدة، وفي سياستها الخارجية مع كافة دول العالم.
تنتسب الدولة اللبنانية، كعضو عامل وفعال، في المؤسسات والمنظمات الثقافية، والاقتصادية، والعلمية، الاقليمية منها والدولية، فتعمق بذلك مساهمة لبنان في التعاون الدولي الانساني.
تتعامل الدولة اللبنانية في علاقاتها مع كل دول العالم، على اساس مبدأ السيادة التامة، والمساواة، والمعاملة بالمثل، وعلى أساس التعاون، والاحترام المتبادل لاستقلال كل دولة، وسيادتها، وأنظمتها، وقوانينها.
نظام لبنان الاقتصادي حر، وعلى الدولة رعايته، ويجب عليها أن تضمن للمؤسسات وللأشخاص وللرساميل حرية التحرك والعمل، بعيدًا عن التجاوز والاحتكار والاستغلال.
المبادرة الفردية مصونة بما لا يتعارض مع النظام العام والمصلحة العامة.
اي مشروع اصلاح او تطوير للنظام اللبناني، يجب ان يكون توافقيًا بين المجتمعين اللبنانيين الرئيسيين، وأن يقوم على أساس الثوابت الواردة في هذه المذكرة، كما يجب ان يحافظ على الحقوق والضمانات التاريخية العائدة للطوائف اللبنانية. وذلك عن طريق الحوار بين اللبنانيين، وفي اطار من السلم الحقيقي، والحرية التامة.
ان بحث واقرار اي اقتراح او مشروع يتعلق بتطوي النظام اللبناني، يجب ان يتم بواسطة المؤسسات والسلطات الدستورية الحالية، وفقًا للأصول المحددة في الدستور اللبناني، ومن قبل مجلس نيابي منتخب.
وجوب ممارسة اصول الديمقراطية الصحيحة في اختيار نواب الامة، مما يعني رفض مبدأ تعيين النواب بأي شكل كان.
ان اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، مسلمين ومسيحيين، مؤمنون بان هذا الوطن اذا خسر تنوعه الايماني والثقافي والحضاري، واذا فقد حرية انسانه الفردية فانما يخسر مبرر وجوده وديمومته لان هذا اللقاء الفذ بين اديانه ومذاهبه وهذا التفاعل الخلاق بين معتقدات ابنائه، هو الذي يعوض عن مساحته وعدد سكانه ويحوله الى وطن ذي دور ورسالة.
السلام والاستقرار وحقوق الانسان والازدهار والحرية والديمقراطية، هي مطالب جميع مواطني دول هذه المنطقة.
الهجرة بسبب غياب هذه الحقوق، تطاول اعدادا كبيرة من ابنائها المسلمين قبل المسيحيين، غير ان انعكاس هذا الغياب على اتباع الديانة المسيحية اكبر بكثير. اولا، لان اعدادهم قليلة بالاساس، وبالتالي فان التناقص سريعا ما يبرز للعيان. وثانيا، لان وقع التهميش على الاقليات اكثر وطأة عليها منه على سائر فئات المجتمع التي لا يمكنها ان تعزو سبب تهميشها الى كونها أقلية. هذا فضلا عن سعي المجموعة او الفرد الحاكم الى استرضاء الاكثرية من خلال تدابير ومواقف غالبا ما تستهدف الاقليات، وبخاصة الدينية منها" .
وليس من يجهل ان المجتمعات المزدهرة والمطمئنة الى حاضرها ومستقبلها، والمتمتعة بحقوق مدنية واجتماعية وسياسية من شأنها ان تصبح حاضنة لنوعية راقية من المواطنين قابلة بالآخر المغاير وبحقه بالاختلاف.
وهذا بتقديري او ما يطلبه المسيحيون في المجتمعات العربية التي يعانون فيها منذ عقود من اسقاطات متنوعة واحكام مسبقة من جانب الاكثريات في مجتمعاتهم التي تريدهم ان يتبنوا عادات اجتماعية ومعتقدات سياسية، وفي بعض الاحيان دينية، مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.
بالتأكيد ان عملية تشكل الدول وفق الشكل الذي يستجيب لمعايير حقوق الانسان والمواطنة القائمة على المساواة بين جميع افراد الشعب ومجموعاته الاثنية والطائفية، يفترض ان تكون نابعة من داخل هذه الدول.
أول ما يثار اليوم هو المسألة الديموغرافية.
الحديث اليوم عن تراجع ادوار المسيحيين متصل اتصالا وثيقا بضعف الدولة أو اضعافها ومعها المواطنة والمساواة.
لكن الرد على تراجع الدولة والمواطنة لا يكون إلا في التمسك بالدولة وبتأكيد المواطنة، بديلا من اعادة اختراع العصبية الطائفية، ردا على العصبيات الأخرى.
الخوف من تراجع أدوار المسيحيين، والتفجع بأحوالهم يستعجل تحقيق ما يخافون منه.
لا مستقبل للمنطقة من دون العيش الواحد، وأن تراجع الحضور المسيحي من حيث العدد.
التحديات التي تواجه المسيحيين كتنامي الحركات التكفيرية الاسلامية والتي تسعى الى إلغاء الآخر المسيحي والاسلامي الذي لا يطابقها النظرة، وانزلاق بعض الفئات المسيحية الشرقية الى منطق انعزالي كمخرج وحيد لحمايتهم، كلها عوامل تدعو المسيحيين اليوم وأكثر من السابق إلى استعادة مواجهة هذه التحديات بترسيخ هويتهم كرسل حضارة.
وجود كنائسنا في هذه المنطقة من العالم يشير الى أصالة كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية في سياق التاريخ الانساني والجغرافية، ويشهد استمرارها، رغم الصعوبات على اختلافها والانقسامات التي عرفتها عبر مراحل التاريخ المعاقبة، على أمانتها للمسيح منذ يوم العنصرة.
أي انتكاس يصيب وجود المسيحيين، واي انحسار لدورهم، هما بمثابة شهادة مضادة لتجذر المسحية في منطقتنا منذ ايام الرسل وحتى اليوم".
يحمل المسيحيون في منطقتنا تراثا مسيحيا فريدا تكوّن بفعل خبرة تاريخية طويلة اتسمت بتفاعلنا كمؤمنين بالمسيح مع حضارات قديمة متنوعة انطبعت بها هوياتنا الكنسية كالآرامية (السريانية) والمصرية والهلينية والرومانية".
نحن مأزومون، نحن شعب ضائع مفتت. ظلمه التاريخ والقدر والغزوات والحروب. لا دولة له لا سلطة لا تحالفات لا مشروع. نحن كلنا كمسيحيين غير متفقين حتى على الحد الادنى من الثوابت مع روعة تنوع حضاراتنا والثقافات. ان انقسامنا المذهل طوائف ومذاهب واحزابا، ثم داخل طوائفنا من انانياتنا والفوضى، مأساوي كأننا غير مدركين لحجم المخاطر. لقد تطبعنا عبر قرون، وحين عصف عصر حقوق الانسان والقوميات خفنا، في عالم تهمه المصالح وليس المبادىء أليس مذهلا ان يسمينا بيان حكومي عراقي "الجالية المسيحية" بعد ألفي سنة من حضورنا في بلاد الرافدين.
علينا ان نكون واضحين. لسنا صليبيين ولا أحصنة طروادة لاحد. لا نقبل أصلا اي اتهام او تشكيك في انتمائنا، دون وجل دون خوف. جزء من هذا العالم الاسلامي والعربي والتركي والايراني والكردي. جزء من تنوع منطقة ضاجة. لكننا مع حقوق كل انسان، مع الحريات. لا يمكن ان نكون على الحياد مع قضية حق الفلسطيني بدولة، مع سلام عادل شامل، مع حق العودة للاجئين، لكن ايضا مع الحق الكردي بان يشعر بالامن والمساواة، مع حق المسيحيين في كل هذه البلاد، بان يعترف بهم ، بقومياتهم، بلغاتهم، بمؤسساتهم، بتمثيلهم، بأحزباهم".
موجة الاصوليات التكفيرية الالغائية المتخذة من النموذج الاسرائيلي راية، عبر نموذج إنشاء دول دينية على أنقاض الآخر، وعبر رفع فتاوى لا يقبلها لا عقل ولا منطق ولا دين هي أخطر ما يواجه المسيحي. ان هذا الارهاب الذي يغتال مطرانا، ويكفر جارا، ويهجر سكانا اصلييين هو آفة لا يمكن معالجتها فقط بالامن، بل بالفكر والاقتصاد والاعلام.
عدد المسيحيين على اختلاف طوائفهم في الشرق الاوسط هو سبعة عشر مليونا.
ان المسيحيين المشرقيين يعانون في مختلف مناطق وجودهم من الضغوط والتمييز، وتتفاقم الهجرة في صفوفهم.
لبنان منارة دفاع عن المسيحية المشرقية من منطلق الجسر والحوار والانفتاح.
لقد شهدت بما أعرف وليس اكثر مما أعرف
وشهدت حيثما أمكنت الشهادة بما تراءى لي انه الحقيقة وبغيرها لم أشهد
فيبقى لي أن أئتمنكم امنية يروقها أن تكون موضوع تأمل وتبصر وقد أردتها على علم بانها تخرج عن موضوع الشهادة.
نحن شعب يريد ان يعيش.
وحياة هذا الشعب حريته
فإذا استقامت لنا مقاييس الحرية استقام لنا كل شيء
فما من شك في اننا ولدنا نعيش أحرارًا من حرية نظفر بها هنيهة بعد هنيهة وجهدًا إثر جهد.
من حرية هي لنا ولكنها لا تجيء معنا من بطون امهاتنا
إذ المرء لا يخلق حرًا وإنما يصير ذلك أنه يجيء من العدم معدمًا فإن لا يربح لذاته يظل معدمًا ينقص إذا امكن النقصان ولا يزيد مهما توغل في السنين وعمر.
فعظمة هذا الإنسان ان يمتلك نفسه ويحترزها وان يتغلب على كل ما يحول بينه وبين الظفر بالحرية اجتماعية كانت أو سياسية تهدف أولاً وآخرًا إلى عتق ذاته حتى يستقل من كل إكراه أو شبه إكراه
طبيعيًا كان أو حكميًا
ولا يغربنّ عن بال أحد أن الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ليست في ان ياتمر غير امر هو ذلك تأليه للإنسان يجر حتمًا إلى تأليه الدولة وتأليه الجمهرة التي يتجسد منها الحاكم والويل من الآلهة الكاذبين.
وإنما الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ترتكز على استقلال إنسانه بحيث تصبح الطاعة في حدود الخير طريقًا إلى الحرية التي كتب علينا إدراكها فيبقى هكذا كل في مكانه
فلا الإنسان يستحيل إلهًا ولا الدولة تستحيل إلهًا