"لبنان والأمم المتحدة: إعادة تحديد دور اليونيفيل مدخلاً لاسترداد السيادة وضبط الاشتباك"
في أيار 1979، لم يكن لبنان خارج دائرة التصعيد، لا على حدوده الجنوبية ولا في خريطة الانقسامات الداخلية. فبعد مرور أكثر من عام على الاجتياح الإسرائيلي الواسع للجنوب في آذار 1978، والذي استتبع بصدور القرار 425 والانتشار الأولي لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل)، بدا واضحاً أن الالتباس لا يزال يحيط بدور هذه القوات، بين مهمة حفظ السلام وتطبيق الانسحاب الإسرائيلي وضبط التداخل بين الجيش الإسرائيلي والمليشيات الحليفة له، لا سيّما جيش لحد.
من هذا المنطلق، جاءت المذكرة التي رفعها وزير الخارجية اللبناني فؤاد بطرس إلى الأمم المتحدة، بتكليف من رئيس الجمهورية إلياس سركيس، لتطرح أسئلة جوهرية حول فعالية التفويض الممنوح لليونيفيل، ومدى استجابته لمقتضيات السيادة اللبنانية. فقد تبيّن أن الغموض في التفويض، وغياب التنسيق الفعّال مع السلطة اللبنانية، سمحا بفرض وقائع على الأرض تتناقض مع جوهر القرار 425، وأهمها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق من الجنوب، وتنامي دور ميليشيات مرتبطة بالعدو، ما أدّى إلى تفريغ القرار الدولي من محتواه.
المذكرة تطالب، بوضوح، بعقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن، وإعادة تحديد مهمة القوات الدولية، بما يحصّن دورها في تمكين الجيش اللبناني من العودة إلى الجنوب، وبما يمنع تحوّل مناطق انتشارها إلى مناطق عازلة لصالح قوى الأمر الواقع.
السياسي المسيحي الذي يعدّ هذه الدراسة يرى أنّ مبادرة الدولة في هذا التوقيت تشكّل محاولة لاستعادة المبادرة الوطنية، بعد مرحلة من التردّد والارتباك. لكنها أيضاً لا تخلو من المخاطر، خصوصاً إذا ما قُرئت في سياق التوازنات الدولية المتغيرة، والانكفاء الأمريكي النِسبي عن التفاصيل اللبنانية، وانشغال واشنطن باتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، ما قد يضعف تأثير لبنان داخل مجلس الأمن.
الخشية، بحسب هذا السياسي، أن يتحوّل طلب إعادة تعريف الدور الدولي إلى مناسبة لشرعنة تقطيع أوصال السيادة اللبنانية، ما لم تُرفق المبادرة بحشد داخلي صلب، وتوافق وطني على أولويات المرحلة المقبلة. ولعلّ هذا الحشد لا يتم إلا بإعادة بناء الثقة بين المكوّنات اللبنانية، وتفادي توظيف المبادرات الدبلوماسية في بازار المكاسب الفئوية.
ويختم السياسي دراسته بالتشديد على أنّ أي دور للقوى الدولية، لا بد أن يُصاغ ضمن نظرة شاملة تعترف بسيادة لبنان الكاملة، وتعيد إلى الدولة احتكار السلاح والقرار، على أن يتكامل هذا المسار مع إعادة فتح الحوار الوطني الداخلي، والاستعداد لمرحلة استحقاقات كبرى تبدأ بإعادة بناء المؤسسات.