لبنان يرفض أي تسوية تقضي بإبقاء الفلسطينيين في أرضه: من الوجود المؤقت إلى خطر التوطين المقنّع
منذ أن اندلعت الحرب اللبنانية عام 1975، بات الوجود الفلسطيني المسلح على الأراضي اللبنانية أحد أعقد أسباب الانقسام الوطني. ومع تصاعد وتيرة المبادرات العربية والدولية في أواخر عام 1977 وبداية 1978، أخذ يُطرح في الكواليس والمنتديات الدبلوماسية ما يشبه "تسوية كبرى" تضمن للفلسطينيين استقرارًا جغرافيًا آمنًا، ولو كان مؤقتًا، فوق الأراضي اللبنانية. هذه الأفكار، وإن لم تُعلن رسميًا، تنذر بخطر أكبر: التوطين المقنّع.
أولاً: الخلفية السياسية والأمنية
الوجود الفلسطيني في لبنان بدأ يأخذ منحى عسكريًا منذ اتفاق القاهرة عام 1969، الذي منح الفصائل الفلسطينية حرية التحرك في جنوب لبنان وبعض مناطق البقاع والشمال. وقد تطوّر هذا الوجود إلى ما يشبه "الدولة داخل الدولة"، بحيث باتت المخيمات الفلسطينية خارجة عن سيطرة الدولة اللبنانية، ومرتعًا لصراعات إقليمية تُستخدم فيها الأرض اللبنانية كساحة تصفية حسابات.
تفاقمت الأمور مع اندلاع الحرب، إذ أصبحت بيروت ومحيطها الجغرافي رهينة للسلاح الفلسطيني في عدة مناسبات، مما أجج الخوف لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، خصوصًا في الأوساط المسيحية، من مشروع توطيني ينسف خصوصية لبنان الديمغرافية والسياسية.
ثانيًا: التوطين كأمر واقع زاحف
إن أي كلام عن "استقرار للفلسطينيين في لبنان" أو عن "تسوية تُنهي النزاع بتمكينهم من البقاء المؤقت" هو في جوهره توطين مبطّن. فما يُسمّى بـ"البقاء المؤقت" غالبًا ما يتحول إلى بقاء دائم، خاصةً إذا تزامن مع استمرار غياب حلّ عادل للقضية الفلسطينية، ورفض إسرائيل لحق العودة.
ومن هذا المنطلق، فإن لبنان ليس وطنًا بديلًا، ولا يملك القدرة الديمغرافية أو السيادية لتحمّل ثقل هذا الملف. إن التوطين، إن حصل، سيُقضي على الكيان اللبناني بشكله الفريد، وسينسف الميثاق الوطني والصيغة التوافقية التي بُني عليها لبنان.
ثالثًا: السيادة فوق كل اعتبار
أي تسوية في المنطقة، عربية كانت أم دولية، يجب أن تنطلق من مبدأ أن السيادة اللبنانية ليست قابلة للتفاوض أو للتقاسم. لا يُمكن لأي طرف خارجي، ولا لأي جهة فلسطينية أو عربية أو دولية، أن تفرض على لبنان مصيرًا لا يختاره، ولا مستقبلًا لا يقبله.
لبنان بلد نهائي لجميع أبنائه، لا يُمكن أن يكون وطنًا بديلًا لأي شعب آخر، مهما بلغت مأساته. وعلى المجتمع الدولي أن يُفهم أن استمرار الإقامة الفلسطينية في لبنان هو استنزاف متواصل للبنية اللبنانية: أمنيًا، اقتصاديًا، وسياسيًا.
رابعًا: البدائل العادلة
الحل العادل لا يكون إلا بعودة الفلسطينيين إلى أرضهم، وليس بتوطينهم في أرض الآخرين. كل كلام عن "حل مؤقت" هو تضليل، وكل خطوة باتجاه الإبقاء على الفلسطينيين في لبنان هي مساس بجوهر الكيان اللبناني.
من هنا، فإن الموقف الوطني الصريح هو رفض قاطع لأي تسوية تنص، صراحة أو مواربة، على إبقاء الفلسطينيين في لبنان، لأن ذلك يقوّض لبنان كوطن نهائي، ويحوّله إلى ساحة صراع دائمة.
خامسًا: مسؤولية المسيحيين واللبنانيين عمومًا
إن الواجب الوطني، وخصوصًا لدى القيادات المسيحية التي طالما دفعت ثمنًا غاليًا دفاعًا عن الكيان اللبناني، يقتضي توحيد الصفوف ورفع الصوت عاليًا في وجه أي مشروع توطيني. فالصمت في هذه اللحظة الحاسمة هو مشاركة ضمنية في مؤامرة التوطين، ومَن يساير الصيَغ المرحلية سيكون شاهد زور على ضياع لبنان.