في ظل التصعيد المتواصل في الجنوب اللبناني، الذي لم يعد ساحة اشتباك فقط بين الفصائل الفلسطينية والقوات الإسرائيلية، بل بات أيضًا مرآةً لانقسام لبناني داخلي حول السيادة والقرار، تطرح الأزمة الجنوبية نفسها كعقبة حقيقية في وجه مسيرة الوفاق الوطني التي يحتاجها لبنان أكثر من أي وقت مضى.
من هنا، نرى أن المدخل العملي والوحيد للعودة إلى طريق الإنقاذ الوطني هو تشكيل حكومة تضامن وطني تجمع الممثلين الحقيقيين لمختلف الطوائف والقوى السياسية، على قاعدة التفاهم لا الغلبة، والوطن لا الفئوية.
أولاً: الجنوب اللبناني. الساحة التي تكشف هشاشة الوفاق
لم يكن الجنوب يومًا مجرد رقعة جغرافية منسية، بل هو بوابة الكيان اللبناني على القضية الفلسطينية، ومنطقة تماس دائم بين التوازن الداخلي اللبناني والتوترات الخارجية. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة – من تصاعد عمليات الكفاح المسلح الفلسطيني، إلى الردود الإسرائيلية الدامية، إلى هشاشة القرار اللبناني الرسمي – أن الجنوب تحوّل إلى رهينة صراعات لا يملك لبنان مفاتيحها.
ما يزيد من خطورة هذا الواقع هو الانقسام السياسي الحاد في مقاربة هذا الملف:
فريق يرى في المقاومة الفلسطينية امتدادًا لقضية عادلة ويغضّ النظر عن تجاوزها لسيادة الدولة.
وفريق آخر يحمّل هذا الوجود المسؤولية الكبرى عن تفكك الدولة واندلاع الحرب.
وهذا الانقسام، الذي يلبس لبوسًا طائفيًا أحيانًا، يُجهض كل محاولة حقيقية للوفاق الوطني، لأن أساس الوفاق هو الحد الأدنى من التفاهم حول مفهوم السيادة ومرجعية القرار الأمني والسياسي.
ثانيًا: لماذا حكومة تضامن وطني؟
الواقع اللبناني المأزوم لا يحتمل بعد اليوم حكومات محاصصة أو مراضاة شكلية. كما أن حكومة من لون سياسي واحد، أو تابعة لمحور دون آخر، لن تكون إلا وقودًا إضافيًا للنزاع.
حكومة التضامن الوطني ليست شعارًا، بل حاجة مصيرية. هي تلك الحكومة التي:
تضم كل القوى السياسية الممثَّلة فعليًا في الساحة،
تضع ملف الجنوب على الطاولة بندًا أولًا،
تتعاطى مع الفلسطينيين بصراحة لا بعداء ولا تبعية،
وتطالب المجتمع الدولي، لا بالشعارات، بل بمواقف ملزمة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام سيادة لبنان.
هذه الحكومة، وبهذه الروحية، يمكنها أن تفتح الباب أمام حل لبناني – لبناني أولاً، يسبق أي وساطة خارجية مشروطة.
ثالثًا: مسؤولية المسيحيين والقيادات الوطنية
كسياسي مسيحي، أعي أن الهواجس المسيحية ليست محصورة بالخطر الديمغرافي أو بالبعد الفلسطيني فقط، بل تتعداها إلى الخوف من ضياع الكيان بمفهومه التاريخي والميثاقي.
لكن هذا لا يعفينا من واجب المبادرة. فالمسيحيون لا يمكن أن يكونوا متفرجين على انهيار الدولة، بل شركاء في إعادة بنائها، شرط أن تكون الشراكة حقيقية ومتوازنة، وشرط أن تُترجم هذه النوايا السياسية بتأليف حكومة قادرة على اجتراح الحلول لا تبادل الاتهامات.
رابعًا: ماذا بعد؟
إذا استمرت الفوضى في الجنوب، فإنها ستنسحب تلقائيًا على كل لبنان. وإذا بقي الانقسام قائماً، فإن الحرب الأهلية ستتغذى من الجنوب كما من الداخل.
لذلك، فإنّ الحل ليس في انتظار المجهول، بل في اتخاذ مبادرة وطنية جريئة: تشكيل حكومة تضامن وطني، تضع الجنوب في صلب مشروع الدولة، وتعيد الاعتبار إلى فكرة الوطن الجامع، لا الوطن المنقسم إلى محميات وساحات.