لبنان قد دخل مرحلة تاريخية جديدة لا تشبه ما سبقها، مرحلة فقد فيها توازن الدولة من دون أن يولد بديل وطني جامع.
لم يعد الانقسام السياسي مجرّد تنافس على السلطة، بل تحوّل إلى صراع وجودي بين مشاريع متناقضة، بعضها داخلي وأكثرها مستورد.
بات الكيان اللبناني نفسه موضع اختبار، لا من حيث حدوده الجغرافية فقط، بل من حيث فلسفة قيامه ودوره ووظيفته في محيط مضطرب.
كانت الدولة اللبنانية في تلك المرحلة تعيش حالة تفكك بنيوي. المؤسسات موجودة شكلاً، لكن القرار غائب، والشرعية موزّعة بين سلطات أمر واقع. الجيش منقسم، الإدارة مشلولة، والاقتصاد يتحرك وفق منطق الحرب لا منطق الدولة. هذا التفكك لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات بدأت منذ أواخر الستينيات، حين عجز النظام السياسي عن استيعاب التحولات الاجتماعية والإقليمية المتسارعة.
في الداخل، لم تكن الانقسامات طائفية فحسب، بل سياسية ورؤيوية. كل مجموعة لبنانية تقريبًا كانت تحمل تصورًا مختلفًا للبنان: موقعه، هويته، علاقته بالعرب، وبالغرب، وبالصراع العربي–الإسرائيلي. ومع غياب مرجعية وطنية جامعة، تحوّلت هذه التصورات إلى خطوط تماس، ثم إلى جبهات مفتوحة، فصار السلاح لغة السياسة، وصارت السياسة غطاءً للسلاح.
أما العامل الخارجي، فقد دخل الثمانينيات وهو لاعب حاسم لا مجرد مؤثّر. سوريا، الولايات المتحدة، إسرائيل، ومن خلفهم الاتحاد السوفياتي وقوى إقليمية أخرى، وجدوا في لبنان ساحة مثالية لتصفية الحسابات، أو لضبط التوازنات، أو لاختبار النفوذ. لم يكن لبنان طرفًا في هذه المعادلة، بل موضوعًا لها، يُدار أحيانًا، ويُترك للفوضى أحيانًا أخرى، بحسب المصالح والظروف.
في هذا المناخ، فقد اللبنانيون الإحساس بالزمن السياسي الطبيعي. لم تعد الأحداث تُقاس بالسنوات أو الأشهر، بل بالمعارك والاغتيالات والاجتياحات والاتفاقات المؤقتة. الاستقرار لم يكن مفهومًا مطروحًا، بل هدنة عابرة بين جولة وأخرى. وحتى حين كان الهدوء يسود، كان هشًا، مشروطًا، وقابلًا للانفجار عند أول تبدّل في ميزان القوى.
الثمانينيات كشفت أيضًا هشاشة فكرة الاعتماد على الخارج كحل دائم. فكل تدخل خارجي كان يَعِد بالاستقرار، لكنه في الواقع كان يعيد إنتاج الأزمة بصيغة مختلفة.
لم يكن الخارج معنيًا ببناء دولة لبنانية قوية، بل بإدارة التناقضات بما يخدم مصالحه.
هنا بدأت تتكرّس معادلة خطيرة: كلما ضعف الداخل، تعاظم الخارج، وكلما تعاظم الخارج، تآكل الداخل أكثر.
من هذه الزاوية، لا يمكن فهم مسألة الاستقرار في لبنان من دون العودة إلى هذه اللحظة التأسيسية في الثمانينيات.
هي المرحلة التي تبيّن فيها أن غياب الحوار الداخلي، وانعدام القرار الوطني المستقل، يحوّلان أي مسار خارجي، مهما بدا عقلانيًا أو واقعيًا، إلى مسكّن مؤقت لا علاج فعلي.
وهذا الفصل يشكّل مدخلًا لفهم كيف ولماذا تعثّر الاستقرار، تمهيدًا للبحث في المسارات التي طُرحت لاحقًا، وما إذا كانت قادرة فعلًا على كسر هذه الحلقة المفرغة.