مع الدخول الفعلي إلى عقد الثمانينيات، لم يكن لبنان ينتقل من مرحلة إلى أخرى بقدر ما كان يغوص أعمق في مسار الانهيار الشامل. الحرب لم تعد حدثًا طارئًا، بل أصبحت الإطار الناظم للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. في هذا المناخ، تآكلت فكرة الدولة بوصفها مرجعية جامعة، وحلّ مكانها منطق الجماعات، حيث بات الولاء للزعيم أو للتنظيم أو للطائفة يتقدّم على أي انتماء وطني جامع.
تراجع حضور الدولة لم يكن نتيجة هزيمة عسكرية بقدر ما كان نتيجة عجز سياسي مزمن. السلطة المركزية فقدت قدرتها على فرض القانون، لا بسبب غياب النصوص، بل بسبب غياب القوة الشرعية القادرة على تنفيذها. القرارات السيادية لم تعد تصدر من المؤسسات الدستورية، بل من غرف عمليات عسكرية أو مكاتب سياسية مرتبطة مباشرة بمحاور خارجية، ما حوّل الدولة إلى هيكل فارغ تُستخدم شرعيته عند الحاجة فقط.
في ظل هذا الفراغ، نشأت سلطات موازية أدارت مناطق كاملة من البلاد. لكل منطقة نظامها الأمني، مواردها، قوانينها غير المكتوبة، وحتى خطابها السياسي والإعلامي. هذا التفتت الجغرافي ترافق مع تفتت اقتصادي، حيث تعطّلت الدورة المالية الوطنية، وحلّت مكانها اقتصاديات الحرب: تهريب، جبايات، مساعدات خارجية، وتمويل سياسي مشروط. وهكذا لم يعد الاقتصاد وسيلة عيش، بل أداة صراع.
الجيش اللبناني، الذي يُفترض أن يكون عماد الوحدة الوطنية، وجد نفسه أسير هذا الانقسام. انقسامه لم يكن مجرد انشقاقات عسكرية، بل انعكاسًا لانقسام سياسي عميق. فقدان الإجماع على دوره ووظيفته جعله عاجزًا عن لعب دوره الطبيعي، فغاب كضامن للاستقرار، وحضر كعنصر متأثر بالصراع، لا قادر على حسمه أو احتوائه.
في المقابل، تغيّر موقع المواطن اللبناني في المعادلة. لم يعد فردًا محميًا بالقانون، بل أصبح جزءًا من جماعة تحميه بقدر ما يلتزم بخطابها وخياراتها. الخوف حلّ محل الثقة، والبقاء حلّ محل المشاركة. هذا التحول العميق في علاقة الفرد بالدولة والمجتمع أسّس لثقافة سياسية جديدة، تقوم على الشك، والتوجس، واعتبار السياسة شأنًا خطيرًا لا مجال للاختلاف السلمي فيه.
وسط هذا المشهد، تراجعت فكرة الاستقرار بوصفها هدفًا بحد ذاته. لم يعد السؤال كيف يستقر لبنان، بل كيف تُدار الفوضى فيه. وهنا بدأ الخارج يتعامل مع لبنان كملف أمني لا كدولة، وكأزمة قابلة للاحتواء لا كمشروع قابل للبناء. هذا التحول في النظرة الدولية انعكس مباشرة على طبيعة التدخلات، التي باتت تفضّل التوازن الهش على الحل الجذري.
حين تُفقد الدولة، لا يعود الاستقرار مسألة قرارات أو اتفاقات، بل مسألة إعادة تعريف للكيان نفسه. من هنا، يصبح فهم هذا التفكك شرطًا أساسيًا لفهم لماذا فشلت معظم محاولات التهدئة لاحقًا، ولماذا بقي لبنان عالقًا بين تسويات مؤقتة وأزمات متجددة، وهي الإشكالية التي ستتعمّق أكثر مع اتساع التدخلات الخارجية في الفصول اللاحقة.