الكلام على انتخابات الرئاسة التي جاءت بالشيخ بشير الجميل رئيسا للجمهورية لن يفرغ منه في وقت قريب. لان هذه الانتخابات كانت مثقلة بالمعاني والوعود وليس كل ما قيل فيها الى الان وحده كان الذي يجب ان يقال بل ان كل ما قيل على جودته ووفرته لم يملا زاويه صغيره مما كان يجب قوله. في الاساطير ان ام الاسكندر عندما انجبت طفلها ضرعت الى الله ان يجعله من اصحاب الحظوظ الكبيره ليكون في خدمته اصحاب العقول الكبيرة. فاذا الله يستجيب دعائها فيجعل من الطفل واحدا من اصحاب الحظوظ واصحاب العقول الكبيرة في ان. بعضهم يعتقد وقد يكون على حق ان بشير الجميل يقاسم الاسكندر حليتيه عقله وحظه. من هنا المعاني والوعود الفنية التي حملتها هذه الانتخابات. في يوم لاحق سيجيء من يتبسط في البرهنة على ان الشيخ بشير جليل رجل الميثاق وباعث نظام الحزبين ورئيس الانفراجات وصاحب الامر المطاع.
الرجل الميثاق
اما كيف يكون الشيخ بشير الجميل رجل الميثاق وكيف يمكن ان ينسب الميثاق الى رجل والميثاق في الاصل وليد جماعة فهذه واحدة من طرائف هذه الانتخابات النادرة. فالمواثيق والشرائع مثل الاتفاقات والمعاهدات يجتمع على وضعها قومان على الاقل وفي كل قوم جمهرة من اهل المعرفة والراي فيشبعون الشرائع والموافيق التي يتولون وضعها درسا وبحثا وتدقيقا كما ميثاق منظمة الامم المتحدة وشرعت هون حقوق الانسان. الا في حالات استثنائيه فقد وضعت هذه المواثيق والشرائع كما توضع الاناشيد الوطنية المارسياز في فرنسا وكلنا للوطن في لبنان على يد رجل فرد في ساعة الهام خاطفة. ففيما صدر عن الشيخ بشير الجميلي منذ خطابه يوم الوعد في ملعب جونيه فخطابه في عيد الكتائب الفائت في كنيسة مارلياس انطلياس فكلامه يوم مثل في برلمان الشعب فاطلالته الاخيره في تلفزيون لبنان وفي الكلمات التي نثر بمناسبه الانتخابات الرئاسية وبعدها تتراءى بذور ميثاق برح اللبنانيون يتحفزون لوضعه منذ انباخ ميثاق السنة 1943 وهم الى الان حائرون.
فلا يستبعد المراقبون ان ينبثق من عصاره كل هذا على يد الشيخ بشير الجميل ميثاق يكون هو الميثاق المنشود المطارد. كما انهم لا يستبعدون ان يتجلى هذا الميثاق في خطاب التسلل والتسليم وفي البيان الوزاري الاول.
باعث نظام الحزبين
ان انتخابات الرئاسه على النحو الذي جرت عليه وعلى ما اعطت من نتائج جعلت من النواب الذين حضروا للانتخاب جبهة ومن الذين تغيبوا تعطيلا للنصاب جبهة ثانية. ففي جبهة الحاضرين مسيحيون ومسلمون وفي جبهة المتغيبين مسلمون ومسيحيون. فالحاضرون يصلحون ان يكون حزبا او نواة حزب والمتغيبون كذلك. فلم يقل فخامه الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل في خطاب له يوم الثلاثاء 14 اب انه سيكون هناك حكم ومعارضة فيكون الحكم حكم الحزب الرابع وتكون المعارضة معارضة الحزب الخاسر. وان ذلك لا يحولون ان يظل الرئيس لجميل الرئيس كل لبنان ورئيس الوحدة الوطنية على ما اعلن غير مرت هون في خطاب المناسبات. اما وقد ارتسمت الطريق فعلى الذين ارتسمت الطريق على يد من يستمروا فيها حتى تكمل فيكون قد نشا الحزب الاول ويكون الحزب الثاني في طريق النشوء. وانه لفي الطريق اذا ما تطلعنا الى الاجتماعات التي تحصل والتي اهمها تلك التي تنعقد في بيت الرئيس صائب سلام من اجل تنظيم المواجهة الوطنية للواقع المستجد. ثم يكون قد عاد لبنان الى نظام الحزبين فيلتقي الحزبان الجديدان الناشئان الحزب القيسي والحزب اليمني ويلتقيان الحزب اليزبكي والحزب الجنبلاطي ويلتقيان حزب الكتلة الوطنية والحزب الدستوري هذه الاحزاب الستهون التي تاكلها الزمن. ويكون لبنان قد ادرك المرتبة الديمقراطيه العاليه التي ادركتها انجلترا على يد حزبيها حزب المحافظين وحزب العمال والولايات المتحده الامريكية على يد حزبيها الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي. وتكون قد سقطت بفعل هذا الانبعاث مخاوف الناس من تسلط الحزب الواحد على لبنان واللبنانيين. وتكون قد حلت تلقائيا مشكله تشغل عقول المشتغلين في السياسة التقليدية ان الوزارة المقبله تالف من اعضاء الحزب الرابع وتحكم باسمه وعلى الحزب الخاسر ان يشكل حكومه هانفلو وان ينتظر دوره.
رئيس الانفراجات
منذ سنه 1975 تتكافف الانسدادات في دروب اللبنانيين فما ان يبدو شعاع حتى تغلق في وجهه الكوى التي يتسرب منها النور الى ان كان ترشيح بشير لجميل وانتخابه فاذا التعقيدات يبدا انحلالها والانسدادات انفراجها فيبدا الفلسطينيون في مغادره لبنان الذي انهكه وجودهم وتبدا الجيوش الصديقة الامريكية والفرنسيه والايطاليه تتدفق على ارض لبنان لتساعد في ترحيل الفلسطينيين ولتسهم في تهدئة انسحاب الجيوش السورية واستعداد اسرائيل للجلاء اخذ بالظهور شيئا فشيئا. واما التعقيدات الداخلية التي نتج معظمها عن الانتخابات الرئاسيه وليس في الامر غرابة لان مثل هذه التعقيدات ترافق كل انتخاب في اي موطن كان فهي في طريق الانفكاك. ولا يستبعد ان يستجيب الفرقاء جميعا الى صوت الصداقه الناهد من المملكه العربية السعودية التي لم يعد على ارض لبنان بعد جلاء الفلسطينيين عنها الا من يسقي اليه باحترام ومحبة.
الامر المطاع
يبقى ان الشيخ بشير الجميل اثبت منذ ان تسلم القيادة انه امر مطاع. لان بشير الجميل يعرف الحق وباسمه يامر. وهو يعرف كيف يحمل المامورين على اطاعة امره. وفي اليوم الثاني من انتخابه وجه الشيخ بشير الجميل الى محاذبيه والى انصاره ان يكف عن اطلاق النار ابتهاجا ملوحا بتطبيق القانون. فاذا بعد اليوم الاول الذي اشتعل فيه الجبل تعبيرا عن البهجة هدوء كما في غياهب الكهوف. على ان البهجة في الجبل لم تنقص. ولكنها تبنت اسلوبا اخر للتعبير عن ذاتها. الردات فعل رديئة بيوت تحترق
ليس كل ما حصل من ردات فعل على الانتخابات الرئاسية كان حسنا بل ان بعض ما حصل كان رديئا وبعد هذا البعض بلغ اخر درجات الرداءة.
غير انا ردات الفعل هذه لانها عنيفة وفي منتهى الرداءات هون ينتظر ان تخضع لواحده من القواعد الكلية التي تقول كل امر اذا ضاقت تسع وهذا يعني ان لا انفراج الا بعد ضيق وان لا راحه من الازمة الا بعد اشتدادها. فان عيال ومنازل ومكاتب وممتلكات الرؤساء والوزراء والنواب التي اعتدي عليها ودمرت واحرقت فاصيب من جراء ذلك كامل الاسعد وعادل عصيران وعثمان الدنا ورائف سماره وعبد اللطيف الزين وفؤاد لحود وملكون ابلغتيان وفؤاد غصن وسالم عبد النور ومحمود عمار وجو حمود وصبحي ياغي وحسين منصور وانور الصباح وموريس فاضل وفؤاد الطحيني وسامي يونس هؤلاء العيال وهذه المنازل والمكاتب والممتلكات التي حسبت كما يحاسب العقلاء فاقتص منها وكان الاقتصاص ينزل بناس لهم ولها روحا تضرع الى الله بان يكش الشر عما تبقى منها وعن مثيلاتها وسيستجيب الله تلك التضرعات. ان المصابين انفسهم يجدون الاتساع في اعقاب ذلك الضيق وهو حسبهم. وان التجربة التي اخضع لها نفسه الدكتور البير مخيبر الذي رفض وهو المقيم بيننا حضور جلسه الانتخاب التي جرت في قطاعنا فلم يمس هو ولا مس شيء من ممتلكاته اعطت الدليل على انه ما زال في لبنان من يحترم حريه الانسان لم يكن ذاك الذي جعل باحترامها وهو هم بل كان ذاك الذي اتهم بعدم احترامها وهو نحن. هذه الانتقامات الدنيئه هولن تنتظر كي تنتهي ان ينتهي الدنيا في لبنان بل هي تنتظر مجيء شريف كبير لينهي دناء اتهون الدنيئين الحقيرين وها هو قد حضر.
ورؤساء يدعون الى العصيان
ومما لا يتسم بسمة صاحبه من الامور التي حصلت اعلان الرئيس فرنجية عدم الاعتراف بكل ما جرى وسيجري ابتداء من تاريخ 14 اب والى ان يفرجها الله. ولا يتسم بسمة الكبر ابدا اعلان الرئيس كرامي مقاطعة هذا العهد وعدم التعاون معه واعلان الشمال منطقة محررة عاصية على الحكم القائم.
فعندما يصل عنصر رؤساء السابقين الى هذه الدرجه من القساوه والتعسف يكون قد قرب اتساع الضيق لان الضيق يكون قد بلغ اقصى مداه الذي ليس بعده الى الانفراج. ولقد كان المتوقع من الرئيس فرنجية الذي له من اخلاقه وطباعه حافز ولا اقوى ان يركز عمله على جمع شمل المعارضين في حركة الوطنيه قد تصبح حزبا يقف بها في وجه الحركه التي نشات في الانتخابات الرئاسيه هنا. هكذا يكون الرئيس فرنجيه قد دفع الشر عن حياض لبنان ويكون قد اسهم فعليا في بنائه الجديد. وهو من اوكل اليه بناؤه في حين ومن عمل في هذا البناء ما مكنته منه الظروف التي ما زلنا نشكو منها الى يومنا الحاضر.