مجلة «الفصول» هي دورية لبنانية مستقلة، تنطلق من التزام وطني وأخلاقي راسخ، وتعبّر بوضوح وجرأة عن وجهة نظر اللبنانيين الأحرار، أولئك المؤمنين بلبنان وطنًا سيدًا حرًا مستقلًا، والرافضين لأي شكل من أشكال الوصاية أو التبعية. تمثل «الفصول» مساحة فكرية وإعلامية مفتوحة للدفاع عن السيادة والاستقلال والحرية، بوصفها ركائز الكيان اللبناني وجوهر رسالته التاريخية.
وتسعى المجلة إلى مقاربة الشأنين السياسي والثقافي من منظور وطني نقدي مسؤول، يضع المصلحة اللبنانية أولًا، ويؤمن بالتعددية الفكرية وحرية الرأي والتعبير، بعيدًا من الاصطفافات الضيقة والحسابات الفئوية. كما تحرص «الفصول» على أن تكون منبرًا للنقاش الحر، وصوتًا للضمير اللبناني الحي، وجسرًا بين الفكر والواقع، وبين الذاكرة الوطنية وتحديات الحاضر وآفاق المستقبل.
إن «الفصول» ليست مجرد مطبوعة دورية، بل مشروع فكري سيادي، يواكب التحولات، ويقرأ المتغيرات بوعي واستقلالية، ويؤكد أن حرية الكلمة تبقى خط الدفاع الأول عن حرية الوطن.
تواكب مجلة «الفصول» مسار الشرعية اللبنانية بكل مؤسساتها، وتسلط الضوء على ممارساتها ودورها في الحفاظ على الدولة والمجتمع. فهي تدافع عن النظام الدستوري وتتابع مسارات الاستحقاقات السياسية والقانونية، بما يضمن احترام حقوق المواطنين وتطبيق القوانين.
وترفض المجلة أي محاولة للتعرض للأمة اللبنانية أو الإساءة إلى قيمها الوطنية، معتبرة أن الهجمات على الكيان أو الشرعية تشكل تهديدًا للوحدة الوطنية والاستقرار العام.
وتعتبر «الفصول» نفسها وسيلة دفاع فكرية عن المبادئ السامية التي تجمع اللبنانيين، مثل الحرية والاستقلال والسيادة والمواطنة المتساوية، وتسعى إلى تعزيز هذه القيم عبر الكلمة والموقف والتحليل الدقيق.
ومن خلال هذه المهمة، تؤكد المجلة أن الالتزام بالشرعية الوطنية والدفاع عن الأمة لا يتناقضان مع النقد أو التحليل، بل يشكلان قاعدة لبناء وعي وطني جامع يضع المصلحة اللبنانية فوق أي اعتبار آخر، ويعزز الوحدة والصلابة الوطنية.
تخاطب مجلة «الفصول» اللبنانيين في الغربة، وتصل إلى أبعد النقاط في الانتشار حول العالم، لتبقيهم على اطلاع دائم بحقيقة الأوضاع في وطنهم الأم. فهي تمثل جسراً ثقافياً وسياسياً يربط المغترب بالوطن، بعيداً عن الأخبار المزيفة أو الانطباعات المشوّهة.
وتقدم المجلة تحليلات دقيقة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في لبنان، مع سرد موضوعي للتطورات اليومية، لتتيح للقرّاء في الخارج فهم السياق الكامل للأحداث وتأثيراتها على مستقبل الوطن.
ولا تقتصر مهمة «الفصول» على نقل الأخبار، بل تعمل على تعزيز وعي اللبناني المغترب بحقوقه الوطنية، وتذكيره بدوره في دعم الدولة والمؤسسات، وبأنّ المشاركة الفاعلة تبدأ بالمعرفة الدقيقة والاطلاع المستمر على الحقيقة.
ومن خلال هذه الرسالة، تؤكد المجلة مكانتها منبراً للبنانيين أينما كانوا، ووسيلة لإعادة ربطهم بالوطن، وحاضنة للكلمة الحرة والموقف الوطني المستقل، بعيداً عن أي تسييس خارجي أو محاولات تشويه الواقع.
تضيء مجلة «الفصول» على تاريخ لبنان الممتد عبر العصور، مستعرضة محطات مفصلية شكلت هوية المجتمع اللبناني وأطر الدولة والمجتمع المدني. وتربط المجلة بين الأحداث التاريخية وتداعياتها على الحاضر، لتبيّن كيف شكّلت هذه التحولات مسارات السيادة، والاستقلال، والحرية.
وتسلط المجلة الضوء على التحولات الكبرى في المجتمع اللبناني، من النسيج الطائفي إلى البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، مع تحليل كيفية تعامل اللبنانيين مع التحديات الداخلية والخارجية عبر مختلف الأزمنة.
وتقدّم «الفصول» قراءة نقدية وموثّقة، تعتمد على المصادر المعتبرة والبحوث الدقيقة، لتكشف عن أبعاد غير مرئية أحيانًا للأحداث، وتعيد تركيب سردية التاريخ بما يعكس تعقيد التجربة اللبنانية ويعمق فهم القارئ للواقع الراهن.
ومن خلال هذه الرؤية التاريخية والتحليلية، تعمل المجلة على ترسيخ الوعي الوطني، وتعزيز الانتماء للدولة والمؤسسات، وتقديم تجربة فريدة تربط بين المعرفة الثقافية والفكرية والسياسية، وتضع لبنان في سياقه التاريخي الحيّ والدائم التطور.
تتابع مجلة «الفصول» اليوميات اللبنانية بكل مندرجاتها وتفاصيلها، من الاستحقاقات السياسية الكبرى إلى التحولات اليومية التي تعكس نبض الشارع وهموم المواطنين. وتنظر إلى الحدث اليومي لا كخبر عابر، بل كمؤشر دالّ على مسار أعمق يطال بنية الدولة والمجتمع والقرار الوطني.
وترصد «الفصول» المشهد السياسي اللبناني بمقاربة شاملة، تضع الوقائع في سياقها التاريخي والدستوري والسيادي، بعيدًا من التهويل أو التبسيط. فكل موقف، وكل تصريح، وكل تطور، يُقرأ ضمن شبكة التوازنات الداخلية والتأثيرات الإقليمية، بما يتيح فهمًا أدق لما يجري خلف العناوين.
ولا تكتفي المجلة بتسجيل الوقائع، بل تسعى إلى تفكيك ديناميات العمل السياسي، وكشف التناقضات، وقراءة التحالفات والتقاطعات، مع التزام صارم بالدقة والمسؤولية المهنية. وهي بذلك تميّز بين المتابعة الخبرية السريعة والتحليل العميق الذي يضيء الخلفيات والنتائج المحتملة.
ومن خلال هذه المتابعة اليومية، تهدف «الفصول» إلى بناء أرشيف معرفي يوثّق مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان المعاصر، ويقدّم للقارئ مادة تحليلية تشكّل مرجعًا لفهم التحولات السياسية، وتثبيت الوعي الوطني في مواجهة الضبابية والتضليل.
مجلة «الفصول» تشكّل تجربة فريدة في المشهد الثقافي والإعلامي اللبناني، ليس فقط بوصفها دورية مستقلة، بل باعتبارها مشروعًا فكريًا متكاملًا أعاد الاعتبار للكلمة العميقة والتحليل الرصين في زمن السرعة والسطحية. فهي لا تكتفي بمواكبة الحدث، بل تسعى إلى تفكيكه وفهم جذوره وسياقاته، واضعةً القارئ أمام قراءة لبنانية مستقلة للوقائع والتحولات.
وتتميّز «الفصول» بفرادتها من حيث المضمون والأبعاد، إذ تجمع بين السياسة والفكر والثقافة والتاريخ في مقاربة واحدة متكاملة، تربط الراهن بالذاكرة، والحدث بالسياق، والموقف بالمسؤولية الوطنية. وتقدّم المجلة رؤية سيادية واضحة، لا تخضع لموازين القوى المتقلبة، ولا تساوم على ثوابت الحرية والاستقلال، ما يمنحها موقعًا خاصًا في المشهد الإعلامي اللبناني.
أما على مستوى الأهداف، فتسعى «الفصول» إلى بناء وعي وطني مستدام، وإلى إعادة صياغة النقاش العام على أسس معرفية لا انفعالية، من خلال استقطاب نخبة من الكتّاب والأدباء والمفكرين اللبنانيين أصحاب التجربة والاطلاع والرؤية النقدية. وتشكل كثافة الأقلام المشاركة، وتنوّع خلفياتها الفكرية، عنصر قوة نادر، يجعل من المجلة مساحة جامعة للفكر اللبناني الحر.
ومن حيث المواضيع المطروحة، تحتل «الفصول» موقعًا متقدمًا في تاريخ المكتبة اللبنانية، لما تقدّمه من ملفات نوعية، وقراءات غير مسبوقة، ونصوص توثيقية وتحليلية تشكّل مرجعًا للباحثين والمهتمين بالشأن اللبناني. وبذلك، لا تكون المجلة مجرد إصدار دوري، بل إضافة نوعية إلى الذاكرة الثقافية والوطنية، ومحطة مفصلية في مسار الصحافة الفكرية اللبنانية.
من استطاع أن يدعم مجلة الفصول بقلمه فعل، يكتب الحقيقة، ويوثق التاريخ، ويضيف إلى الوعي الوطني ما ينقله من المعرفة والخبرة، ليصبح صانعًا للرؤية لا مجرد قارئ.
ومن استطاع أن يدعمها بلسانه فعل، يتحدث عنها، ينشر فكرها، ويشرح رسالتها للآخرين، فيصبح صوتًا يردّد صدى المعرفة والحرية، ويربط اللبنانيين في الداخل والانتشار.
ومن استطاع أن يدعمها بماله فعل، يساهم في استمراريتها، ويضمن للمجلة القدرة على نشر العلم والثقافة، وخلق مساحة آمنة للفكر، وتقديم محتوى متنوع لكل الأجيال.
ومن استطاع أن يدعمها برأيه فعل، يشارك في إثراء المحتوى، يقدّم نقدًا بنّاءً، ويساهم في توجيه النقاشات الوطنية والفكرية، بما يجعل المجلة منصة عقلية متطورة ومتجددة.
ومن استطاع أن يدعمها بسهره فعل، يشارك في التحضير والتنظيم والعمل اليومي، يراقب التفاصيل ويضمن الجودة، ويكرّس وقته وطاقته من أجل رسالة تفوق الفرد وتمثل الوطن.
ومن استطاع أن يدعمها بقلبه فعل، يمنحها الإخلاص، ويزرع فيها روح الانتماء، ويجعل من كل عدد إنجازًا وطنيًا، منبعًا للفخر والوعي، لا مجرد صفحة تُقرأ وتمحى.
ومن استطاع أن يجمع بين كل هذه الأفعال، يصبح حاملًا للمجلة، وحامياً للهوية، وفاعلًا في صنع مستقبل الثقافة والوعي الوطني، مدركًا أن كل دعم صغير يضاف إلى الجهد الكبير للأمة.
ومن استطاع أن يدعمها بفعله اليوم، يساهم في توسيع دائرة المعارف اللبنانية، ويعيد ربط لبنان المقيم باللبنان المنتشر، ويحوّل المعرفة إلى فعل، والفكرة إلى واقع ملموس.
ومن استطاع أن يربط دعمه بالجيل الجديد، يكون قد زرع الوعي والانتماء، وجعل من المجلة مدرسة للأجيال القادمة، ومرشدًا لتقدير تاريخ الوطن وثقافته.
ومن استطاع أن يدعم مجلة الفصول بكل هذه الوسائل، يصبح جزءًا من الورشة الوطنية الحية، من الفصول إلى الورشة الكبرى، من الداخل إلى الخارج، مشاركًا في مسيرة لبنان الحرة، الحاضرة في قلب كل لبناني، وصوتها ممتد في مشارق الأرض ومغاربها.
غاية الفصول تثبيت فكرة لبنان
غاية محلة الفصول اللبنانية ان تنقل لبنان المقيم الى لبنان المنتشر في العالم
غايتها ان توضح قضية لبنان
ان تجلو وجه لبنان وتاريخه وتراثه
ان تحدد مكانه في نسيرة العالم الى افاقه
ان تبرز موجبات بقائه حرا
ان تنشئ دائرة معارف لبنانية
مجلة تصدر فصليا وباللغة العربية مع خلاصات بلغات الانتشار الفرنسية الانكليزية الاسبانية البرتغالية
الفصول اللبنانية هي عصارة أمة جهدت منذ فجر التاريخ في الاسهام بالحضارة الانسانية الشانلة
من استطاع ان يدعمها بقلمه فعل او بلسانه فعل او بماله فعل او برأيه فعل او بسهره فعل او بقلبه فعل
هي ورشة وطنية تبدأ من مشارق الأرض ولا تقف الا عند مغاربها
ليست غاية الفصول سرد الوقائع بقدر ما هي ترسيخ المعنى، فلبنان في جوهره فكرة سبقت الدولة، وهوية سبقت الحدود، ورسالة سبقت الصراعات. من هنا، تأتي هذه الفصول لتؤكد أن لبنان لم يكن يومًا صدفة جغرافية ولا نتاج تسوية عابرة، بل خيارًا تاريخيًا واعيًا للحرية والتعدد والانفتاح.
في كل فصل، يبرز لبنان كمساحة لقاء لا كأرض صراع، وكوطن صيغ ليكون جسرًا بين الشرق والغرب، لا ساحة لتصفية الحسابات. تثبيت فكرة لبنان يعني إعادة الاعتبار لدوره الحضاري، حيث تتلاقى الثقافات وتتجاور الأديان ضمن عقد وطني يقوم على الشراكة لا الغلبة.
تسعى الفصول إلى التأكيد على لبنان ككيان قائم على فلسفة العيش المشترك. هذه الفلسفة ليست شعارًا إنشائيًا، بل ركيزة وجودية تحمي المجتمع من الانقسام وتحفظ التنوع من التحول إلى تصادم.
كما تعمل الفصول على تثبيت فكرة السيادة كجزء لا يتجزأ من هوية لبنان. فالسيادة شرط لبقاء الفكرة نفسها. لبنان لا يستقيم إلا حرًا، ولا يكتمل إلا مستقلًا عن مشاريع الهيمنة والوصاية، أكانت داخلية أم خارجية.
وتذهب الفصول أبعد من اللحظة الراهنة لتربط فكرة لبنان بتاريخ طويل من النضال الثقافي والفكري. فلبنان كان دائمًا مساحة للكلمة الحرة، وللصحافة، وللجامعة، وللإبداع، وهذه العناصر ليست كماليات بل أعمدة في بناء الفكرة اللبنانية.
يبرز دور الإنسان اللبناني بوصفه حامل الفكرة وصانعها. فلبنان لا يُختزل بالمؤسسات وحدها، بل يتجسد في مواطنيه، في اغترابهم كما في إقامتهم، في قدرتهم على حمل الوطن معهم حيثما ذهبوا، وعلى العودة إليه كخيار لا كحنين فقط.
وتؤكد الفصول أن تثبيت فكرة لبنان يمر حتمًا عبر الدولة العادلة. دولة القانون والمؤسسات ليست نقيض الفكرة، بل تجسيدها العملي. فالدولة القوية وحدها تحمي التعدد، وتمنع تحويل الاختلاف إلى فتنة، والانتماء إلى عصبية.
كما تضيء الفصول على خطورة تفريغ لبنان من معناه عبر تطبيع الأزمات. فقبول الانهيار كأمر واقع هو أخطر ما يهدد الفكرة، لأن الأوطان لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل حين يفقد أبناؤها الإيمان بجدوى قيامها.
وتعيد الفصول الاعتبار لفكرة الرسالة اللبنانية، لا بوصفها خطابًا أخلاقيًا مجردًا، بل كمسؤولية تاريخية. فلبنان، بتجربته الفريدة، مدعو لأن يكون نموذجًا في محيطه، لا نسخة مشوهة عن صراعاته.
تشكل الفصول فعل مقاومة هادئة ضد النسيان والتشويه. تثبيت فكرة لبنان هو فعل وعي قبل أن يكون موقفًا سياسيًا، وهو التزام طويل النفس بأن يبقى هذا الوطن فكرة حيّة، قابلة للنهوض مهما اشتدت العواصف.
تسعى المجلة إلى إعادة تعريف قضية لبنان بوصفها قضية كيان وهوية قبل أن تكون صراع سلطات أو تنافس محاور. فهي تنطلق من أن جوهر المسألة اللبنانية يكمن في حماية فكرة الوطن الحرّ، التعددي، القادر على إدارة اختلافاته ضمن دولة واحدة.
وتعمل الفصول اللبنانية على توضيح أن ما يعيشه لبنان اليوم هو نتيجة تراكمات طويلة من الإخلال بالتوازنات الدستورية والسيادية، لا مجرد نتاج لحظة سياسية راهنة. بهذا المعنى، يصبح الفهم شرطًا أساسيًا لأي مقاربة إنقاذية.
كما تهدف المجلة إلى شرح تعقيدات الواقع اللبناني بلغة عقلانية، تُخاطب القارئ لا غرائزه. فهي ترفض الخطاب الشعبوي، وتستبدله بتحليل هادئ يضع الوقائع في سياقها، ويُظهر المسؤوليات من دون تحريض أو تبرير.
وتولي الفصول اللبنانية أهمية خاصة لتوضيح البعد السيادي في قضية لبنان، باعتباره عنصرًا جوهريًا لا يمكن فصله عن الاستقرار أو الإصلاح. فلا دولة بلا سيادة، ولا سيادة من دون قرار وطني حرّ.
وفي هذا الإطار، تسعى المجلة إلى تفكيك الروايات المتناقضة حول لبنان، وتقديم سردية وطنية جامعة، لا تلغي الاختلاف، لكنها تمنعه من التحول إلى انقسام وجودي يهدد الكيان.
كما تشرح الفصول اللبنانية أن قضية لبنان ليست داخلية فقط، بل هي أيضًا قضية تفاعل مع محيط مضطرب، ما يفرض على اللبنانيين وعيًا سياسيًا يحمي الوطن من التحول إلى ساحة صراعات الآخرين.
وتؤكد المجلة أن توضيح القضية اللبنانية هو مدخل لإعادة بناء الثقة بين اللبناني ودولته، وبين المقيمين والمنتشرين، إذ لا يمكن الدفاع عن وطن غير مفهوم، ولا النضال من أجل فكرة غير واضحة المعالم.
وتضع الفصول اللبنانية الإنسان اللبناني في صلب القضية، باعتباره المتضرر الأول من الانهيار، والفاعل الأساسي في أي مشروع نهوض. فالقضية ليست مجرد حدود أو مؤسسات، بل كرامة وحق في الحياة الحرة.
تأتي مجلة الفصول اللبنانية كمحاولة واعية لإعادة لبنان إلى نصّه الأصلي: وطن الرسالة، والدولة، والحرية. توضيح قضية لبنان هو فعل مقاومة فكرية في زمن الالتباس، وخطوة أولى نحو استعادة المعنى قبل استعادة الدولة.
تنشئ دائرة معارف لبنانية، لا بوصفها مشروعًا أكاديميًا جامدًا، بل كذاكرة وطنية حيّة تجمع المعرفة بالتجربة، والتاريخ بالسياق، والوقائع بالمعنى.
تنطلق المجلة من الحاجة إلى مرجع لبناني يعيد تنظيم المعرفة حول الوطن، بعيدًا عن التشويه أو التسييس أو الانتقائية. فلبنان، بتعقيده وغناه، يحتاج إلى سردية معرفية متماسكة تشرح ولا تبرّر، وتوثّق ولا تؤدلج.
وتعمل الفصول اللبنانية على جمع عناصر التاريخ اللبناني، من أحداث وشخصيات ومحطات مفصلية، ضمن قراءة تحليلية تُبرز الترابط بين الماضي والحاضر، وتمنح القارئ أدوات فهم لا مجرد معلومات.
كما تسعى المجلة إلى توثيق التراث اللبناني المادي واللامادي، من العمارة إلى العادات، ومن اللغة إلى الفنون الشعبية، باعتبارها مكوّنات أساسية في دائرة المعارف، لا تفاصيل ثانوية على هامش السرد الوطني.
وتولي الفصول اللبنانية اهتمامًا خاصًا بالفكر اللبناني، وبإسهامات مفكريه وأدبائه ورجال دولته وروّاد نهضته، لإعادة إدراجهم في الوعي العام ضمن سياقهم التاريخي والإنساني.
وفي هذا الإطار، تهدف المجلة إلى ربط المعرفة اللبنانية بالمنهج العلمي، عبر التحقق من المصادر، وتعدد المقاربات، وتقديم قراءات نقدية تبتعد عن الرواية الواحدة المغلقة.
كما تفتح الفصول اللبنانية دائرة المعارف على لبنان المنتشر، موثّقةً مسارات الهجرة، وأدوار الجاليات، وتأثيرها المتبادل مع الوطن الأم، بما يجعل الانتشار جزءًا لا يتجزأ من السرد اللبناني.
وتسعى المجلة إلى جعل هذه الدائرة المعرفية متاحة للأجيال الجديدة، بلغة واضحة وأسلوب جذاب، يحوّل المعرفة الوطنية من مادة محفوظة إلى تجربة فهم واكتشاف.
وتؤكد الفصول اللبنانية أن دائرة المعارف ليست مشروعًا منتهيًا، بل عملًا تراكميًا مفتوحًا على الإضافة والتصويب والتحديث، بما يعكس حيوية المجتمع اللبناني وتعدد روافده.
تهدف محلة الفصول اللبنانية إلى بناء دائرة معارف لبنانية تشكّل مرجعًا للذاكرة والهوية، وأداة وعي في زمن الالتباس، وجسرًا معرفيًا يصل اللبنانيين بعضهم ببعض، ويصون وطنهم من النسيان والتزوير.
مجلة تصدر فصليًا باللغة العربية، تُعنى بالشأن اللبناني في أبعاده الفكرية والتاريخية والثقافية، وتقدّم مقاربات تحليلية توثيقية تهدف إلى تعميق الفهم وتعزيز الوعي الوطني. تعتمد المجلة العربية لغةً أساسية، انطلاقًا من دورها كحامل للهوية والذاكرة والوجدان.
وانطلاقًا من رسالتها في التواصل مع لبنان المنتشر، تُرفق المجلة كل عدد بخلاصات مختارة بلغات الانتشار الأساسية: الفرنسية، والإنكليزية، والإسبانية، والبرتغالية، بما يتيح نقل الأفكار الجوهرية إلى القرّاء اللبنانيين في العالم، وإلى المهتمين بالقضية اللبنانية خارج الإطار اللغوي العربي.
بهذه الصيغة، تشكّل المجلة مساحة فكرية جامعة بين الداخل والانتشار، تجمع بين العمق العربي والانفتاح العالمي، وتؤدي دورًا معرفيًا يربط لبنان المقيم بلبنان المنتشر، ويُعيد تقديم الوطن بلغته الأم إلى لغات العالم.
تصدر المجلة بشكل فصلي، بما يتيح لها التمهّل في المعالجة والابتعاد عن إيقاع الاستعجال الإخباري، فتقدّم مادة فكرية وتحليلية تتسم بالعمق والاستمرارية، وتعكس رؤية هادئة للشأن اللبناني.
تعتمد المجلة اللغة العربية لغةً أساسية، انطلاقًا من كونها الحاضنة الطبيعية للهوية اللبنانية، والوعاء الذي صيغت فيه الذاكرة الوطنية، واللغة القادرة على التعبير الدقيق عن تعقيدات التاريخ والثقافة والفكر.
تُعنى المجلة بمقاربة الشأن اللبناني في أبعاده المتعددة، السياسية والفكرية والتاريخية والثقافية، من دون انغلاق أو تبسيط، واضعة القارئ أمام نصوص تفسيرية تُضيء ولا تُحرّض، وتشرح ولا تُشوّه.
وتولي المجلة أهمية خاصة للتوثيق والتحليل، معتبرة أن بناء الوعي الوطني يبدأ من المعرفة الدقيقة، وأن إعادة قراءة الوقائع شرط أساسي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
وانطلاقًا من إدراكها للدور المحوري للبنان المنتشر، تحرص المجلة على أن تكون همزة وصل بين الداخل والخارج، فتنقل نبض الوطن المقيم إلى أبنائه في الاغتراب، وتستعيد مساهماتهم ضمن السرد اللبناني العام.
ولهذا الغرض، تُرفق كل عدد بخلاصات مختارة باللغات الأساسية للانتشار اللبناني، وفي طليعتها الفرنسية والإنكليزية، بما يتيح إيصال الأفكار الجوهرية إلى جمهور أوسع خارج الإطار العربي.
كما تشمل هذه الخلاصات لغتي الإسبانية والبرتغالية، تقديرًا للوجود اللبناني التاريخي والفاعل في الأميركيتين، واعترافًا بدور هذه الجاليات في حفظ الهوية وتطويرها.
تعتمد المجلة في خلاصاتها نهجًا أمينًا للنص العربي، ينقل المعنى لا الحرف فقط، ويحافظ على روح الفكرة اللبنانية من دون إسقاطات أو تشويه ثقافي.
وبهذه البنية اللغوية المتعددة، تتحول المجلة إلى منصة حوار عابرة للحدود، تجمع اللبنانيين حول فكرة وطن واحد، مهما تباعدت الجغرافيا واختلفت اللغات.
تشكّل المجلة مشروعًا ثقافيًا فصليًا يزاوج بين الأصالة والانفتاح، ويجعل من اللغة العربية منطلقًا، ومن لغات العالم جسورًا، في خدمة لبنان، فكرًا وهويةً ومستقبلًا.
الفصول اللبنانية هي عصارة أمةٍ جهدت، منذ فجر التاريخ، في الإسهام في الحضارة الإنسانية الشاملة، وحملت عبر العصور رسالة ثقافية وفكرية تجاوزت حدود الجغرافيا الضيّقة.
تنطلق الفصول اللبنانية من هذا الإرث العميق، معتبرة أن لبنان ليس نتاج لحظة سياسية حديثة، بل امتداد تاريخي لحضارات تعاقبت وأسهمت في بناء الفكر الإنساني، من الحرف إلى التجارة، ومن الفكرة إلى المدينة.
وتسعى المجلة إلى استحضار هذا الدور التاريخي لا من باب التمجيد، بل من باب الفهم، لتبيان كيف تشكّل الوعي اللبناني عبر التفاعل الدائم مع العالم، لا عبر الانعزال عنه.
وتُبرز الفصول اللبنانية مساهمة اللبنانيين في صياغة القيم الإنسانية الكبرى، من الحرية والانفتاح، إلى الحوار والتعدد، معتبرة أن هذه القيم لم تكن شعارات طارئة، بل ممارسة تاريخية متجذّرة.
كما تعمل المجلة على ربط الماضي بالحاضر، فتُظهر كيف أن الإرث الحضاري لا يزال حاضرًا في الثقافة، واللغة، والفكر، وأساليب العيش، رغم التحولات القاسية التي عرفها لبنان.
وتولي الفصول اللبنانية اهتمامًا خاصًا بالبعد الإنساني في التجربة اللبنانية، حيث كان الإنسان، الفرد والجماعة، محور الحضارة وصانعها، لا مجرد متلقٍ لنتائجها.
وفي هذا السياق، تعيد المجلة قراءة مسار لبنان ضمن الحضارة الإنسانية الشاملة، بوصفه مساحة تلاقٍ وإبداع، لا مجرد ساحة عبور أو صراع.
كما تؤكد الفصول اللبنانية أن هذا الدور الحضاري يحمّل اللبنانيين مسؤولية معاصرة، تتمثل في الحفاظ على قيم الانفتاح والحرية والمعرفة، وتطويرها بما ينسجم مع تحديات العصر.
وتسعى المجلة إلى نقل هذه الرؤية إلى الأجيال الجديدة، في الداخل والانتشار، كي تدرك أن الانتماء إلى لبنان هو انتماء إلى تاريخ إنساني واسع، لا إلى هوية منغلقة أو معزولة.
وفي الخلاصة، تشكّل الفصول اللبنانية خلاصة مسار حضاري طويل، وذاكرة أمة أسهمت في الحضارة الإنسانية الشاملة، وتسعى اليوم إلى استعادة دورها عبر الكلمة والمعرفة والوعي.
هي ورشة وطنية تبدأ من مشارق الأرض، حيث يشرق الفجر على اللبنانيين في كل مكان، ولا تتوقف عند حدود وطنهم الجغرافي، بل تمتد إلى كل نقطة حمل فيها الإنسان اللبناني هويته ورسالة بلده.
تنطلق هذه الورشة من الوعي بأن الوطن لا يختزل بالحدود السياسية، بل بالانتماء والوعي والتجربة المشتركة، مهما تباعدت المسافات وغاب الجغرافيا.
تستند الورشة الوطنية إلى ثقافة العمل المشترك، حيث كل فكر، وكل فعل، وكل مبادرة تشكل لبنة في صرح الهوية الوطنية، لا فرق بين الداخل والانتشار، بين الجيل القديم والجديد.
وهي تدرك أن لبنان المقيم واللبناني المنتشر في العالم يشكلان معًا نسيجًا واحدًا، يتقوى بالتواصل، ويزدهر بالمعرفة، ويستمر بالوفاء بالرسالة.
وتتخطى الورشة أي تضييق للأنشطة أو الانخراط في صراعات ضيقة، لتكون مساحة تلاقٍ وفكر، تُعيد إنتاج التجربة اللبنانية في كل سياق، محليًا ودوليًا.
وتركّز الورشة على بناء الجسور، بين الجغرافيا والذاكرة، بين الحاضر والماضي، بين الثقافات واللغات، لتؤكد أن الوطن فكرة حية قبل أن يكون مجرد أرض.
كما تعمل الورشة على استثمار الطاقات اللبنانية في الداخل والخارج، عبر الثقافة والتعليم والفنون والمعرفة، لتعيد للبنان مكانته في العالم بوصفه مركز إشعاع فكري وإنساني.
وتؤكد أن أي إنجاز وطني ليس فرديًا، بل نتاج الجهد الجماعي لكل من حمل الوطن في قلبه، أو فكره، أو كلمته، أو عمله، أو سهره، أو ماله، مهما كانت المسافات شاسعة.
وهي بالتالي ورشة مستمرة، لا توقفها حدود ولا تعرقلها أزمات، لأن روح لبنان الحية موجودة في كل اللبنانيين، أينما حلّوا، ومع كل جيل جديد يسعى للحفاظ على الرسالة وإعادة إنتاجها.
هذه الورشة الوطنية هي فعل مستمر، تبدأ من مشارق الأرض، ولا تنتهي إلا عند مغاربها، لتجعل من لبنان مشروعًا عالميًا، من الداخل إلى الخارج، من الماضي إلى المستقبل، من الفكرة إلى الواقع.
الفصول اللبنانية: رؤية وطنية جامعة
الفصول اللبنانية هي عصارة أمة جهدت منذ فجر التاريخ في الإسهام في الحضارة الإنسانية الشاملة، وحملت عبر العصور رسالة ثقافية وفكرية تجاوزت حدود الجغرافيا الضيّقة. إنها خلاصة تجربة وطنية متراكمة، تجمع بين التاريخ والهوية والفكر، وتعيد تأكيد موقع لبنان الفريد في مسيرة الأمم.
غاية الفصول اللبنانية ليست مجرد سرد للوقائع، بل تثبيت فكرة لبنان ككيان وهوية ورسالة، وفهمه بوصفه وطنًا حيًّا ممتدًا بين الداخل والانتشار. فهي تضع اللبناني في الداخل والخارج أمام حقيقة أن الوطن ليس محصورًا بالأرض وحدها، بل يعيش أيضًا في ذاكرة أبنائه ووجدانهم حيثما حلوا.
تنطلق المجلة من إدراك أن لبنان المنتشر ليس هامشًا، بل امتداد طبيعي للكيان اللبناني، يحمل لغته وثقافته وتجربته، ويعيد صوغها في فضاءات عالمية متعددة. ومن هنا، تصبح الفصول اللبنانية همزة وصل بين لبنان المقيم ولبنان المنتشر، بين الداخل والخارج، وبين الجيل الأول من المغتربين والأجيال الجديدة.
وتسعى المجلة إلى توضيح القضية اللبنانية، بعيدًا عن التشويه أو الاختزال السياسي، معتبرة أن لبنان ليس مجرد أزمة ظرفية، بل مسار تاريخي مركب يقوم على حماية الحرية، والتعدد، والانفتاح، والمواطنة الفاعلة. فهي تعرض الوقائع في سياقها، وتضع المسؤوليات في إطارها، بعيدًا عن الخطاب الشعبوي أو المبسّط.
الفصول اللبنانية تجلو وجه لبنان، وتاريخ لبنان وتراثه، بعيدًا عن غبار الأزمات والحروب. فهي تعيد إحياء التاريخ اللبناني بوصفه امتدادًا حضاريًا غنيًا، وتوثق التراث المادي واللامادي، من العمارة إلى اللغة والفنون والعادات، بوصفها لبنات أساسية في تشكيل الهوية الوطنية. كما تبرز الإنسان اللبناني بوصفه محور الحضارة وصانعها، من الداخل والانتشار، حاملًا القيم الإنسانية منذ القدم.
كما تعمل الفصول اللبنانية على تحديد مكان لبنان في مسيرة العالم، وتوضيح دوره كفاعل ثقافي وإنساني، لا كضحية للظروف أو صراعات الآخرين. فهي تربط الماضي بالحاضر، وتعكس قدرة اللبنانيين في الداخل والخارج على التأثير في محيطهم، وتعزز وعيهم بموقع لبنان الإنساني والثقافي والسياسي بين الأمم.
وترتكز الفصول أيضًا على إبراز موجبات بقاء لبنان حرًّا، باعتبار الحرية شرط وجوده واستمراره. فهي تظهر أن الحرية ليست مجرد شعار، بل ممارسة حياتية تحمي التعدد، وتضمن استقلال القرار، وتحافظ على الكرامة الإنسانية، وتمنح اللبناني القدرة على الصمود والتجدد.
وتعمل الفصول اللبنانية على إنشاء دائرة معارف وطنية جامعة، تجمع المعرفة بالتاريخ، والفكر، والثقافة، واللغة، والتراث، والإسهامات اللبنانية في العالم، وتربطها بالواقع المعاصر. وهي تهدف إلى نقل هذه المعرفة إلى الأجيال الجديدة، لتصبح أدوات فهم ووعي، وتربط بين الداخل والانتشار، بين القديم والجديد، بين المعرفة والعمل.
ومن أجل تواصل فعال مع لبنان المنتشر، تصدر المجلة فصليًا باللغة العربية، وتقدّم خلاصات مختارة باللغات الأساسية للانتشار: الفرنسية، والإنكليزية، والإسبانية، والبرتغالية، بما يتيح نقل الأفكار الجوهرية إلى كل لبناني في العالم، وإلى المهتمين بالقضية اللبنانية خارج الإطار اللغوي العربي. هذا يربط بين الأصالة والانفتاح، بين اللغة الأم وجسور التواصل العالمي.
ومن أهم ما يميز الفصول اللبنانية أنها ورشة وطنية تبدأ من مشارق الأرض، حيث يشرق الفجر على اللبنانيين في كل مكان، ولا تتوقف إلا عند مغاربها، لتعيد إنتاج التجربة اللبنانية في كل سياق، محليًا ودوليًا. فهي تشمل كل اللبنانيين: من هدمها بقلمه فعل، أو بلسانه فعل، أو بماله فعل، أو برأيه فعل، أو بسهره فعل، أو بقلبه فعل، فكل واحد مسؤول عن الحفاظ عليها أو تهديدها.
تشكّل الفصول اللبنانية مشروعًا فكريًا ووطنيًا مستمرًا، يجمع بين الهوية والتاريخ، بين الحرية والمعرفة، بين الداخل والانتشار، وبين الماضي والحاضر، من أجل لبنان حيّ، قادر على الصمود، ومشارك في الحضارة الإنسانية، وفاعل في مسيرة العالم، ومستمر في بناء نفسه وآفاقه.
تبرز مجلّة موجبات بقاء لبنان حرًّا، لا كشعار سياسي ظرفي، بل كحقيقة وجودية مرتبطة بمعنى قيامه واستمراره. فالحرية في لبنان ليست ترفًا، بل شرط حياة.
تنطلق المجلة من أن لبنان وُلد حرًّا قبل أن يكون دولة مكتملة، وأن فكرة الحرية سبقت مؤسساته. من حرية المعتقد إلى حرية الكلمة، شكّلت هذه القيم جوهر التجربة اللبنانية ومصدر تميّزها في محيط مضطرب.
وتعمل الفصول اللبنانية على توضيح أن بقاء لبنان حرًّا هو الضمانة الوحيدة لصون تنوّعه. فالتعدد لا يعيش في مناخ القمع، ولا يزدهر إلا في ظل نظام يحمي الاختلاف ويمنعه من التحول إلى صراع.
كما تُبرز المجلة أن الحرية هي الأساس لأي دولة عادلة وقادرة. فلا سيادة بلا حرية قرار، ولا إصلاح بلا حرية محاسبة، ولا نهضة بلا فضاء مفتوح للفكر والنقد والمبادرة.
وتؤكد الفصول اللبنانية أن فقدان الحرية لا يؤدي فقط إلى الاستبداد، بل إلى تفريغ الوطن من طاقاته. فالهجرة، والانكفاء، واليأس هي النتائج الطبيعية حين يُقفل الأفق أمام الإنسان اللبناني.
وفي هذا السياق، تشرح المجلة أن موجبات الحرية ليست داخلية فحسب، بل مرتبطة بدور لبنان في العالم. فلبنان الحر هو لبنان القادر على التواصل، وعلى بناء علاقات متوازنة، وعلى الحفاظ على صدقيته الدولية.
كما تُعيد الفصول اللبنانية الاعتبار لدور الثقافة في حماية الحرية. فالفكر، والأدب، والإعلام، والجامعة كانت دائمًا خطوط الدفاع الأولى عن لبنان حين ضعفت السياسة أو انكسرت الدولة.
وتشدد المجلة على أن الحرية في لبنان مسؤولية بقدر ما هي حق. فهي تحتاج إلى وعي، وقانون، ومؤسسات، كي لا تتحول إلى فوضى أو ذريعة للاعتداء على الآخر.
وتربط الفصول اللبنانية بين الحرية والكرامة الإنسانية، معتبرة أن الدفاع عن حرية لبنان هو دفاع عن حق اللبناني في العيش بلا خوف، وفي التعبير بلا قيد، وفي الانتماء بلا إكراه.
بقاء لبنان حرًّا ليس خيارًا قابلًا للتفاوض، بل موجِبًا وطنيًا وأخلاقيًا وتاريخيًا. فالحرية ليست فصلًا في تاريخه، بل عنوانه الدائم، وبدونها يفقد لبنان معناه قبل أن يفقد وجوده.
تسهم الفصول في تحديد مكان لبنان في مسيرة العالم، لا بوصفه هامشًا على خرائط الأزمات، بل كفاعل ثقافي وتاريخي له دوره ورسالته. فهي تسعى إلى إخراج لبنان من زاوية الانكفاء إلى أفق المشاركة الواعية في حركة التاريخ الإنساني.
تنطلق المجلة من الإيمان بأن لبنان لم يكن يومًا معزولًا عن العالم، بل كان دائمًا في قلب تفاعلاته. موقعه الجغرافي جعله معبرًا، وتكوينه الثقافي جعله مساحة تلاقٍ بين الحضارات، وهذا الدور لا يزال قابلًا للتجدد رغم التحولات العاصفة.
وتعمل الفصول اللبنانية على إبراز إسهام لبنان في الفكر، واللغة، والصحافة، والجامعة، والهجرة الخلّاقة، باعتبارها عناصر أدخلته مبكرًا في الحداثة، وربطته بمسارات العالم الثقافية والاقتصادية.
كما تسعى المجلة إلى وضع التجربة اللبنانية ضمن سياق عالمي أوسع، فتقارن، وتحلّل، وتستخلص الدروس، بعيدًا عن عقدة التفوق أو دونية الانعزال. فلبنان يُفهَم أكثر حين يُقاس على تجارب الأمم لا حين يُختزل بخصوصيته فقط.
وتؤكد الفصول اللبنانية أن تحديد مكان لبنان في العالم يمرّ عبر إعادة تعريف هويته السياسية والثقافية. فالعالم لا يعترف بدورٍ غامض، بل بدور واضح يستند إلى قيم الحرية، والدولة، والانفتاح، والمسؤولية.
وفي هذا الإطار، تفتح المجلة نقاشًا حول علاقة لبنان بالتحولات الدولية الكبرى، من العولمة إلى صعود الهويات، ومن الأزمات الاقتصادية إلى التغيرات الثقافية، لتبيّن كيف يمكن للبنان أن يجد لنفسه موقعًا فاعلًا لا تابعًا.
كما تضيء الفصول على دور لبنان المنتشر في صياغة هذا الموقع العالمي. فالانتشار اللبناني ليس مجرد امتداد ديموغرافي، بل شبكة علاقات وخبرات قادرة على وصل الوطن بمراكز القرار والمعرفة في العالم.
وتسعى المجلة إلى نقل لبنان من صورة “القضية” إلى صورة “الشريك”، عبر تقديمه كنموذج قابل للتفاعل مع محيطه، لا كحالة استثنائية محكومة بالفشل. فالأمم تُحترم حين تُعرّف نفسها بثقة ووضوح.
وتطرح الفصول اللبنانية فكرة الآفاق بوصفها مشروعًا لا حلمًا. فمستقبل لبنان في العالم لا يُمنح، بل يُبنى عبر رؤية، وثقافة، وإرادة وطنية قادرة على تحويل الموقع الجغرافي والتنوّع إلى عناصر قوة.
الفصول اللبنانية تعيد وصل لبنان بمسيرة العالم، وتحديد مكانه فيها بوعي ومسؤولية، كي لا يبقى أسير ماضيه ولا ضحية حاضره، بل وطنًا مفتوحًا على آفاقه، ومشاركًا في صناعة غدٍ أوسع من حدوده.
تريد مجلة الفصول اللبنانية أن تجلو وجه لبنان الحقيقي، ذاك الذي تراكم عليه غبار الأزمات والحروب والتجاذبات، فحجب ملامحه الأصيلة. هي محاولة واعية لإزالة هذا الغبار، وإعادة تقديم لبنان كما هو في عمقه، لا كما صُوِّر في لحظات انهياره.
تنطلق المجلة من قناعة بأن تاريخ لبنان أوسع وأغنى من أن يُختصر بصراعاته الحديثة. فلبنان هو تراكب حضارات، وتعاقب ثقافات، ومسار طويل من التفاعل بين الإنسان والمكان، لا سلسلة أزمات فقط.
وتعمل الفصول اللبنانية على إعادة قراءة التاريخ اللبناني بعيدًا عن الانتقائية والتوظيف السياسي. فهي لا تمجّد الماضي ولا تنكره، بل تتعامل معه كذاكرة حيّة تُفهم لتُنير الحاضر، لا لتقيّده أو تُستعمل ضده.
كما تسعى المجلة إلى إبراز التراث اللبناني بوصفه ركيزة هوية، لا مجرد فولكلور. فاللغة، والعادات، والموسيقى، والعمارة، وأنماط العيش تشكّل نسيجًا ثقافيًا يعكس خصوصية لبنان وتنوّعه الخلّاق.
وتجلو الفصول وجه لبنان الإنساني، حيث القرى والمدن، الناس البسطاء، والحِرَف، والحكايات الصغيرة التي صنعت معنى الانتماء. فالوطن لا يُختصر بالمؤسسات، بل يُبنى بالذاكرة المشتركة والتجربة اليومية.
وفي هذا الإطار، تُعيد المجلة الاعتبار للدور الثقافي والفكري الذي لعبه لبنان في محيطه والعالم. من المطبعة إلى الصحافة، ومن الجامعة إلى المنبر الحر، كان لبنان مساحة للكلمة والفكرة، وهذا جزء لا يتجزأ من تراثه.
كما تفتح الفصول اللبنانية نافذة على لبنان المنتشر، باعتباره حاملًا لذاكرة الوطن خارج حدوده. فالهجرة لم تُلغِ الانتماء، بل نقلت التراث اللبناني إلى عواصم العالم، حيث أعيد إنتاجه وتطويره.
وتؤكد المجلة أن جلاء وجه لبنان لا يعني الهروب من واقعه، بل مواجهته بالمعرفة والوعي. ففهم الجذور التاريخية والثقافية للأزمة هو شرط لاستعادة الثقة بالذات الوطنية.
وتسعى الفصول اللبنانية إلى مخاطبة الأجيال الجديدة، التي لم تعرف من لبنان سوى صور الانهيار. فهي تقدم لها وطنًا ذا عمق ومعنى، لا مجرد خبر عاجل أو ذكرى منقوصة.
تأتي مجلة الفصول اللبنانية كمساحة تنويرية تهدف إلى جلاء وجه لبنان، وتاريخه، وتراثه، كي يستعيد اللبنانيون صورتهم عن وطنهم، لا كما أرادته الصراعات، بل كما صاغته القرون: وطنًا حيًّا، متجددًا، وجديرًا بالحياة.
غاية مجلة الفصول اللبنانية أن تشكّل جسرًا حيًّا بين لبنان المقيم ولبنان المنتشر في العالم، بحيث لا يبقى الوطن محصورًا في جغرافيته الضيّقة، بل ممتدًا في ذاكرة أبنائه ووجدانهم حيثما حلّوا. فلبنان لا يقيم فقط على أرضه، بل يعيش أيضًا في اغترابه.
تنطلق المجلة من إدراك عميق بأن الاغتراب اللبناني ليس هامشًا في تاريخ الوطن، بل أحد أعمدته الأساسية. فلبنان المنتشر هو امتداد طبيعي للبنان المقيم، يحمل لغته، ثقافته، وتجاربه، ويعيد صوغها في فضاءات عالمية متعددة.
تسعى الفصول اللبنانية إلى مخاطبة اللبناني في الخارج بوصفه شريكًا كاملًا في صياغة الفكرة اللبنانية، لا مجرد شاهد من بعيد. فهي تنقل نبض الداخل، همومه وأسئلته، نجاحاته وانكساراته، من دون تزييف أو مبالغة، ليبقى الارتباط حيًّا وفاعلًا.
وفي المقابل، تفتح المجلة نوافذ الداخل على تجارب الاغتراب، فتُعرّف لبنان المقيم على قصص النجاح، وعلى التحديات التي واجهها اللبنانيون في المنافي، وكيف أسهموا في بناء مجتمعاتهم الجديدة من دون أن يتخلوا عن هويتهم الأصلية.
تعمل الفصول اللبنانية على تثبيت فكرة أن الانتماء لا يُقاس بالمسافة، بل بالوعي والمسؤولية. فلبنان المنتشر ليس خارج الوطن، بل جزء من كيانه، وصوته في العالم، وطاقته القادرة على المساهمة في نهوضه متى توفرت الثقة والرؤية.
الفصول اللبنانية: رؤية وطنية جامعة
الفصول اللبنانية هي عصارة أمة جهدت منذ فجر التاريخ في الإسهام في الحضارة الإنسانية الشاملة، وحملت عبر العصور رسالة ثقافية وفكرية تجاوزت حدود الجغرافيا الضيّقة. إنها خلاصة تجربة وطنية متراكمة، تجمع بين التاريخ والهوية والفكر، وتعيد تأكيد موقع لبنان الفريد في مسيرة الأمم.
غاية الفصول اللبنانية ليست مجرد سرد للوقائع، بل تثبيت فكرة لبنان ككيان وهوية ورسالة، وفهمه بوصفه وطنًا حيًّا ممتدًا بين الداخل والانتشار. فهي تضع اللبناني في الداخل والخارج أمام حقيقة أن الوطن ليس محصورًا بالأرض وحدها، بل يعيش أيضًا في ذاكرة أبنائه ووجدانهم حيثما حلوا.
تنطلق المجلة من إدراك أن لبنان المنتشر ليس هامشًا، بل امتداد طبيعي للكيان اللبناني، يحمل لغته وثقافته وتجربته، ويعيد صوغها في فضاءات عالمية متعددة. ومن هنا، تصبح الفصول اللبنانية همزة وصل بين لبنان المقيم ولبنان المنتشر، بين الداخل والخارج، وبين الجيل الأول من المغتربين والأجيال الجديدة.
وتسعى المجلة إلى توضيح القضية اللبنانية، بعيدًا عن التشويه أو الاختزال السياسي، معتبرة أن لبنان ليس مجرد أزمة ظرفية، بل مسار تاريخي مركب يقوم على حماية الحرية، والتعدد، والانفتاح، والمواطنة الفاعلة. فهي تعرض الوقائع في سياقها، وتضع المسؤوليات في إطارها، بعيدًا عن الخطاب الشعبوي أو المبسّط.
الفصول اللبنانية تجلو وجه لبنان، وتاريخ لبنان وتراثه، بعيدًا عن غبار الأزمات والحروب. فهي تعيد إحياء التاريخ اللبناني بوصفه امتدادًا حضاريًا غنيًا، وتوثق التراث المادي واللامادي، من العمارة إلى اللغة والفنون والعادات، بوصفها لبنات أساسية في تشكيل الهوية الوطنية. كما تبرز الإنسان اللبناني بوصفه محور الحضارة وصانعها، من الداخل والانتشار، حاملًا القيم الإنسانية منذ القدم.
كما تعمل الفصول اللبنانية على تحديد مكان لبنان في مسيرة العالم، وتوضيح دوره كفاعل ثقافي وإنساني، لا كضحية للظروف أو صراعات الآخرين. فهي تربط الماضي بالحاضر، وتعكس قدرة اللبنانيين في الداخل والخارج على التأثير في محيطهم، وتعزز وعيهم بموقع لبنان الإنساني والثقافي والسياسي بين الأمم.
وترتكز الفصول أيضًا على إبراز موجبات بقاء لبنان حرًّا، باعتبار الحرية شرط وجوده واستمراره. فهي تظهر أن الحرية ليست مجرد شعار، بل ممارسة حياتية تحمي التعدد، وتضمن استقلال القرار، وتحافظ على الكرامة الإنسانية، وتمنح اللبناني القدرة على الصمود والتجدد.
وتعمل الفصول اللبنانية على إنشاء دائرة معارف وطنية جامعة، تجمع المعرفة بالتاريخ، والفكر، والثقافة، واللغة، والتراث، والإسهامات اللبنانية في العالم، وتربطها بالواقع المعاصر. وهي تهدف إلى نقل هذه المعرفة إلى الأجيال الجديدة، لتصبح أدوات فهم ووعي، وتربط بين الداخل والانتشار، بين القديم والجديد، بين المعرفة والعمل.
ولتواصل فعال مع لبنان المنتشر، تصدر المجلة فصليًا باللغة العربية، وتقدّم خلاصات مختارة باللغات الأساسية للانتشار: الفرنسية، والإنكليزية، والإسبانية، والبرتغالية، بما يتيح نقل الأفكار الجوهرية إلى كل لبناني في العالم، وإلى المهتمين بالقضية اللبنانية خارج الإطار اللغوي العربي. هذا يربط بين الأصالة والانفتاح، بين اللغة الأم وجسور التواصل العالمي.
ما يميز الفصول اللبنانية أيضًا أنها ورشة وطنية تبدأ من مشارق الأرض، حيث يشرق الفجر على اللبنانيين في كل مكان، ولا تتوقف إلا عند مغاربها، لتعيد إنتاج التجربة اللبنانية في كل سياق، محليًا ودوليًا. تشمل هذه الورشة كل اللبنانيين: من هدمها بقلمه فعل، أو بلسانه فعل، أو بماله فعل، أو برأيه فعل، أو بسهره فعل، أو بقلبه فعل، فكل واحد مسؤول عن الحفاظ عليها أو تهديدها.
تذكّر الفصول اللبنانية بأن هناك اثنان لا يقهران: الله ولبنان.
الله، قوة عليا تحفظ الكون وتمنح الإنسان الثقة في الحق والعدل، ولبنان، أرض الرسالة والحضارة، حيٌّ بأهله، صامدٌ بتاريخه، حاضرٌ في وجدان شعبه، وحاضرٌ في قلب كل لبناني أينما حلّ.
إن لبنان، كما الله، لا يُقهر بالإكراه، ولا يُدمّر بالظلم أو الغربة أو الأزمات. كل عمل لبناني صادق، وكل جهد للحفاظ على الهوية أو الحرية، هو مشاركة في هذه القوة، صدى لإيمان أن لبنان حاضر لا يُمحى، لا يُقهر، ولا يُنسى، ومسيرة الأمة مستمرة عبر الأجيال.
كما تهدف المجلة إلى إعادة وصل ما انقطع بين الأجيال الاغترابية الجديدة ولبنان الأم. فهي لا تكتفي باستدعاء الحنين، بل تقدم معرفة، تاريخًا، وتحليلًا يساعد أبناء الجيلين الثاني والثالث على فهم وطنهم خارج الصور النمطية والروايات المجتزأة.
وتؤكد الفصول اللبنانية أن الثقافة هي اللغة المشتركة الأقدر على جمع المقيمين والمنتشرين. فالأدب، والفكر، والتاريخ، والذاكرة الجماعية تشكل مساحة لقاء تتجاوز الانقسامات السياسية والاختلافات الظرفية.
ومن خلال هذا الدور، تتحول المجلة إلى مساحة حوار هادئ بين الداخل والخارج، تبتعد عن الخطاب التعبوي، وتقترب من العقل النقدي، إيمانًا بأن لبنان يحتاج اليوم إلى فهم ذاته بقدر حاجته إلى الدفاع عنها.
كما تحمل الفصول رسالة واضحة مفادها أن لبنان المنتشر ليس مجرد مصدر دعم مادي، بل شريك في الرؤية والمستقبل. فإعادة بناء الوطن تبدأ بإعادة بناء الثقة بين أبنائه أينما كانوا.
تسعى محلة الفصول اللبنانية إلى أن تجعل من الكلمة وطنًا مؤقتًا يجتمع فيه اللبنانيون، مقيمين ومنتشرين، على فكرة واحدة: أن لبنان، مهما تباعدت المسافات، يبقى واحدًا، حيًّا، وقابلًا للحياة.
بيان الهوية – مجلة «الفصول»
مجلة «الفصول» هي دورية لبنانية مستقلة، تنطلق من التزام وطني واضح بالدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله وحريته، وتعبّر عن وجدان اللبنانيين الأحرار المتمسكين بدولتهم، وحقهم في قرار وطني حر، بعيدًا من كل أشكال الاحتلال والوصاية والهيمنة.
تؤمن «الفصول» بأن القضية اللبنانية هي قضية دولة سيدة على أرضها، حرة في قرارها، قائمة على مؤسسات شرعية ودستور محترم، وترفض تحويل لبنان إلى ساحة صراعات أو ورقة في مشاريع غير لبنانية. ومن هذا المنطلق، تعبّر المجلة عن إرادة التحرر الكامل من كل أشكال الاحتلالات التي عرفها لبنان، وعن رفض دائم لإعادة إنتاج الوصايات بأشكال سياسية أو أمنية أو فكرية أو ثقافية.
تجمع «الفصول» نخبة من الكتّاب والأدباء والمفكرين اللبنانيين، أصحاب الثقافة الواسعة والفكر النيّر، المؤمنين بدور الكلمة في صناعة الوعي، وبمسؤولية المثقف في الدفاع عن الحقيقة، وحماية الذاكرة الوطنية، ومواجهة محاولات التزوير أو التطبيع مع الأمر الواقع. وتفتح صفحاتها للنقاش الحر، والاختلاف المسؤول، والقراءات النقدية العميقة، بعيدًا من الاصطفافات الضيقة والخطاب التحريضي.
تواكب المجلة مختلف التطورات السياسية والوطنية في لبنان، وترصد التحولات التي تعصف بالقضية اللبنانية، قراءةً وتحليلًا وتوثيقًا، واضعةً المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبار. ولا تكتفي «الفصول» بنقل الحدث، بل تسعى إلى فهم خلفياته، وتفكيك مساراته، واستشراف نتائجه على الدولة والمجتمع والهوية.
إن «الفصول» تعتبر أن الحرية ليست شعارًا ظرفيًا، بل معركة دائمة، وأن السيادة ليست نصًا دستوريًا فحسب، بل ممارسة يومية، وأن الثقافة ليست حيادية، بل فعل وعي ومقاومة. ومن هنا، تلتزم المجلة بأن تكون منبرًا للكلمة الحرة، وصوتًا للعقل اللبناني المستقل، ومساحة جامعة لكل من يؤمن بلبنان وطنًا نهائيًا، سيدًا، حرًا، مستقلًا.
«الفصول» ليست مجرد مجلة، بل مشروع فكري وثقافي سيادي، يواكب معركة الدولة اللبنانية، ويؤكد أن بناء الأوطان يبدأ ببناء الوعي، وأن الكلمة الصادقة تبقى حجر الأساس في حماية الحرية وصون الاستقلال.
«الفصول»: الكلمة الحرة في زمن الوصايات
تنطلق «الفصول» من إيمان عميق بأن الكلمة الحرة هي خط الدفاع الأول عن السيادة في زمن تتكاثر فيه أشكال الوصاية. فحين يُصادَر القرار السياسي، تصبح حرية التعبير فعل مقاومة لا خيارًا ثقافيًا.
تعمل المجلة على تحصين الرأي الحر من التخوين والضغط، وعلى إعادة الاعتبار للكلمة بوصفها موقفًا ومسؤولية.
وفي مواجهة الهيمنة، تثبت «الفصول» أن الحرية تبدأ من الجرأة على قول الحقيقة.
السيادة اللبنانية بين النص الدستوري والواقع المفروض
يكرّس الدستور اللبناني مبدأ السيادة الكاملة للدولة، لكن الواقع السياسي غالبًا ما يناقض هذا النص.
ترصد «الفصول» الهوة بين الشرعية الدستورية والممارسات التي فرضها ميزان القوى.
وتسائل كيف يمكن تحويل السيادة من شعار مكتوب إلى ممارسة فعلية.
من الاحتلال إلى الوصاية: كيف صودِر القرار اللبناني؟
مرّ لبنان بتجارب احتلال متعددة تركت آثارًا عميقة على دولته ومؤسساته.
ومع كل انسحاب عسكري، ظهرت أشكال جديدة من الوصاية السياسية والأمنية.
تسعى «الفصول» إلى تفكيك هذا المسار لفهم آليات مصادرة القرار الوطني.
تحرير الأرض أم تحرير الدولة؟ سؤال الدولة الناقصة
تحرير الأرض لا يكتمل من دون دولة قادرة على ممارسة سلطتها.
تناقش «الفصول» مفهوم الدولة الناقصة التي لم تستعد قرارها رغم تغيّر الوقائع.
وتطرح التحرير كمشروع سيادي متكامل لا كحدث ظرفي.
الذاكرة اللبنانية: معركة ضد النسيان والتزوير
الذاكرة الوطنية ساحة مواجهة أساسية في الصراع على الهوية.
تتصدى «الفصول» لمحاولات طمس التاريخ أو إعادة صياغته وفق مصالح آنية.
فحماية الذاكرة شرط لحماية الكيان.
الثقافة كفعل سيادي في مواجهة الهيمنة
الثقافة ليست حيادية في زمن السيطرة والاصطفاف.
ترى «الفصول» في حماية العقل اللبناني جزءًا لا يتجزأ من معركة السيادة.
وتجعل من الإنتاج الثقافي أداة وعي ومقاومة.
المثقف اللبناني: شاهد أم شريك في صناعة التاريخ؟
تسائل المجلة دور المثقف بين المراقبة والمشاركة.
فالصمت أمام القضايا المصيرية موقف بحد ذاته.
وتدعو «الفصول» إلى مثقف فاعل يتحمّل مسؤولية الكلمة.
لبنان بين التعددية الخلّاقة والانقسام القاتل
شكّلت التعددية عنصر غنى في التجربة اللبنانية.
لكن سوء إدارتها حوّلها أحيانًا إلى مصدر انقسام وصراع.
تبحث «الفصول» في سبل تحويل الاختلاف إلى قوة وطنية.
منابر الفكر الحر في تاريخ الصحافة اللبنانية
لعبت الصحافة دورًا محوريًا في الدفاع عن الحريات.
تستعيد «الفصول» تجارب منابر شكّلت ضمير الوطن.
وتربط الماضي بالحاضر في معركة الاستقلال الإعلامي.
الدولة أولًا: مقاربة فكرية لمفهوم السيادة
تضع «الفصول» الدولة في صلب أي مشروع وطني.
وتناقش السيادة بوصفها ممارسة مؤسساتية لا خطابًا سياسيًا.
فمن دون دولة، تبقى الحرية هشّة.
القضية اللبنانية: من مشروع وطن إلى ساحة صراع
تحوّل لبنان من وطن نهائي إلى ساحة صراعات إقليمية.
ترصد المجلة هذا التحوّل وأسبابه وتداعياته.
وتعيد طرح سؤال المشروع الوطني الجامع.
الاحتلالات المتعددة وأثرها على الهوية الوطنية
خلّفت الاحتلالات جروحًا عميقة في الوعي الجماعي.
تتناول «الفصول» أثرها على الهوية والانتماء.
وتبحث في سبل ترميم الثقة بالدولة.
هل انتهت الوصاية أم تغيّرت أشكالها؟
لم تعد الوصاية دائمًا عسكرية أو مباشرة.
تسلّط «الفصول» الضوء على أشكالها السياسية والاقتصادية.
وتحذّر من إعادة إنتاجها بأقنعة جديدة.
الكلمة في مواجهة السلاح: أي معادلة للبنان؟
تطرح المجلة إشكالية اختلال موازين القوة داخل الدولة.
وتناقش دور الكلمة في مواجهة منطق الغلبة.
فلبنان لا يُبنى إلا بالحوار والشرعية.
الحرية في لبنان: حق مكتسب أم معركة دائمة؟
لم تكن الحرية يومًا معطى نهائيًا في لبنان.
تتابع «الفصول» مسارها بين التقدم والتراجع.
وتؤكد أنها معركة مستمرة.
قراءة نقدية في محطات مفصلية من التاريخ اللبناني
تعيد المجلة قراءة محطات مفصلية بعيدًا من التقديس أو التخوين.
وتعتمد المنهج النقدي لفهم الأخطاء والنجاحات.
فالتاريخ مدرسة لا عبء.
المثقف والسياسي: حدود الدور ومسؤولية الموقف
تبحث «الفصول» في العلاقة الملتبسة بين الفكر والسلطة.
وتحذّر من تسييس الثقافة أو تطييفها.
وتدعو إلى استقلالية الموقف الفكري.
الإعلام اللبناني بين الاستقلال والارتهان
يواجه الإعلام تحديات التمويل والضغط السياسي.
ترصد المجلة واقع الارتهان وخطورته على الرأي العام.
وتدافع عن إعلام حر ومسؤول.
لبنان الرسالة: حقيقة أم شعار مستهلك؟
تسائل «الفصول» مفهوم لبنان الرسالة في الممارسة لا في الخطاب.
وتبحث في مدى انسجامه مع الواقع السياسي.
فالشعارات تفقد معناها بلا تطبيق.
الشباب اللبناني والهوية السيادية: أي وعي جديد؟
تولي المجلة أهمية خاصة لدور الشباب.
وتناقش علاقتهم بالهوية والسيادة في زمن الإحباط.
وترى في وعيهم أمل المستقبل.
الدولة المدنية كمدخل لإنهاء الأزمات المزمنة
تطرح «الفصول» الدولة المدنية كإطار جامع.
وتناقش إمكاناتها وتحدياتها في الواقع اللبناني.
بعيدًا من الشعارات الجوفاء.
من الطائف إلى اليوم: أين تعثّر بناء الدولة؟
تراجع المجلة مسار تطبيق اتفاق الطائف.
وتحدّد مكامن الخلل والتعطيل.
بحثًا عن تصحيح المسار.
السيادة الثقافية: كيف نحمي العقل اللبناني؟
الهيمنة تبدأ من الوعي قبل السياسة.
تدعو «الفصول» إلى حماية الثقافة من التبعية.
وترسيخ استقلالية الفكر.
الأقلام الحرة في مواجهة خطاب التخوين
تواجه الكلمة الحرة حملات تخوين ممنهجة.
تدافع المجلة عن حق الاختلاف.
وتعتبره جوهر الديمقراطية.
لبنان في قلب التحولات الإقليمية: قراءة لبنانية لا إملائية
تحلل «الفصول» التحولات الإقليمية من زاوية لبنانية.
وترفض إسقاط الأجندات الخارجية على الداخل.
فلبنان ليس ساحة بل وطن.
هل يمكن استعادة القرار الوطني؟
تطرح المجلة السؤال الأصعب بلا مواربة.
وتناقش الشروط السياسية والمؤسساتية لذلك.
بعيدًا من الوهم أو الاستسلام.
الفكر السياسي اللبناني: أزمة مشروع أم أزمة إرادة؟
تبحث «الفصول» في مأزق الفكر السياسي.
هل المشكلة في الرؤية أم في التطبيق؟
سؤال مفتوح للنقاش.
الصحافة السيادية: بين المسؤولية والجرأة
توازن المجلة بين الجرأة والمهنية.
وترى في الصحافة السيادية التزامًا أخلاقيًا.
«الفصول»: مشروع ثقافي لمواكبة معركة الدولة
تختصر «الفصول» رؤيتها كمشروع طويل النفس.
يجمع الفكر والسياسة والثقافة في خدمة الدولة.
ويؤكد أن معركة السيادة تبدأ بالكلمة وتستمر بها.
1. «الفصول»: الكلمة الحرة في زمن الوصايات
تؤمن «الفصول» بأن الكلمة الحرة هي أول أشكال المقاومة في وجه الوصاية المفروضة على الأوطان. فحين يُصادَر القرار، تصبح الكلمة ساحة الدفاع الأخيرة عن السيادة.
تسعى المجلة إلى حماية حرية الرأي من الترهيب والتخوين، وتثبيت حق اللبناني في التعبير عن قناعاته بلا خوف.
في زمن تتعدد فيه الوصايات، تبقى الكلمة الحرة فعل تحرر لا ترفًا ثقافيًا.
2. السيادة اللبنانية بين النص الدستوري والواقع المفروض
ينص الدستور اللبناني على سيادة كاملة للدولة، لكن الواقع غالبًا ما يناقض النص.
ترصد «الفصول» الفجوة بين الشرعية الدستورية والممارسات المفروضة بقوة الأمر الواقع.
وتطرح سؤالًا مركزيًا: كيف تتحول السيادة من نص إلى ممارسة فعلية؟
3. من الاحتلال إلى الوصاية: كيف صودِر القرار اللبناني؟
عرف لبنان أشكالًا متعددة من الاحتلال المباشر وغير المباشر.
ومع كل انسحاب عسكري، كانت تنشأ وصاية جديدة تصادر القرار السياسي.
تسعى «الفصول» إلى تفكيك هذا المسار لفهم كيف فُقدت السيادة تدريجيًا.
4. تحرير الأرض أم تحرير الدولة؟ سؤال الدولة الناقصة
تحرير الأرض لا يكتمل من دون دولة سيدة قادرة.
تطرح المجلة إشكالية الدولة التي لم تستعد قرارها رغم تغيّر الوقائع.
وتناقش مفهوم التحرير بوصفه مشروعًا سياسيًا لا حدثًا عسكريًا فقط.
5. الذاكرة اللبنانية: معركة ضد النسيان والتزوير
الذاكرة الوطنية ليست ترفًا بل ساحة صراع.
تواجه «الفصول» محاولات طمس الحقائق أو إعادة كتابة التاريخ وفق مصالح آنية.
فالوعي بالتاريخ شرط أساسي لحماية المستقبل.
6. الثقافة كفعل سيادي في مواجهة الهيمنة
الثقافة ليست محايدة في زمن الصراعات الكبرى.
تؤمن «الفصول» بأن حماية العقل اللبناني جزء من حماية السيادة.
ومن هنا، يصبح الإنتاج الثقافي مقاومة ناعمة للهيمنة.
7. المثقف اللبناني: شاهد أم شريك في صناعة التاريخ؟
هل يكتفي المثقف بدور المراقب؟
تدعو «الفصول» إلى دور فاعل للمثقف في توجيه الرأي العام.
فالصمت أحيانًا تواطؤ، والكلمة موقف.
8. لبنان بين التعددية الخلّاقة والانقسام القاتل
التعددية كانت عنصر قوة في التجربة اللبنانية.
لكن سوء إدارتها حوّلها إلى مصدر انقسام
«الفصول»: الكلمة الحرة في زمن الوصايات
السيادة اللبنانية بين النص الدستوري والواقع المفروض
من الاحتلال إلى الوصاية: كيف صودِر القرار اللبناني؟
تحرير الأرض أم تحرير الدولة؟ سؤال الدولة الناقصة
الذاكرة اللبنانية: معركة ضد النسيان والتزوير
الثقافة كفعل سيادي في مواجهة الهيمنة
المثقف اللبناني: شاهد أم شريك في صناعة التاريخ؟
لبنان بين التعددية الخلّاقة والانقسام القاتل
منابر الفكر الحر في تاريخ الصحافة اللبنانية
الدولة أولًا: مقاربة فكرية لمفهوم السيادة
القضية اللبنانية: من مشروع وطن إلى ساحة صراع
الاحتلالات المتعددة وأثرها على الهوية الوطنية
هل انتهت الوصاية أم تغيّرت أشكالها؟
الكلمة في مواجهة السلاح: أي معادلة للبنان؟
الحرية في لبنان: حق مكتسب أم معركة دائمة؟
قراءة نقدية في محطات مفصلية من التاريخ اللبناني
المثقف والسياسي: حدود الدور ومسؤولية الموقف
الإعلام اللبناني بين الاستقلال والارتهان
لبنان الرسالة: حقيقة أم شعار مستهلك؟
الشباب اللبناني والهوية السيادية: أي وعي جديد؟
الدولة المدنية كمدخل لإنهاء الأزمات المزمنة
من الطائف إلى اليوم: أين تعثّر بناء الدولة؟
السيادة الثقافية: كيف نحمي العقل اللبناني؟
الأقلام الحرة في مواجهة خطاب التخوين
لبنان في قلب التحولات الإقليمية: قراءة لبنانية لا إملائية
هل يمكن استعادة القرار الوطني؟
الفكر السياسي اللبناني: أزمة مشروع أم أزمة إرادة؟
الصحافة السيادية: بين المسؤولية والجرأة
استعادة مفهوم الوطن في زمن المحاور
«الفصول»: مشروع ثقافي لمواكبة معركة الدولة
تواكب مجلة «الفصول» لبنان في مختلف تطوراته السياسية والوطنية، وتحرص على رصد التحولات العميقة التي تعصف بالقضية اللبنانية، في لحظات الاستقرار كما في مراحل الأزمات والانعطافات المصيرية. وتنطلق المجلة من قراءة تحليلية هادئة للأحداث، لا تكتفي بنقل الوقائع، بل تسعى إلى تفكيك خلفياتها، وفهم مساراتها، واستشراف تداعياتها على الكيان والدولة والمجتمع.
وتلتزم «الفصول» متابعة الملفات الكبرى التي تمسّ السيادة والقرار الوطني، من الاستحقاقات الدستورية، إلى التوازنات السياسية، إلى التحديات الأمنية والاقتصادية، ضمن مقاربة مستقلة تضع المصلحة اللبنانية العليا فوق كل اعتبار. كما تعمل على توثيق المراحل المفصلية في تاريخ لبنان المعاصر، إيمانًا منها بأن الذاكرة الوطنية تشكّل ركيزة أساسية في مواجهة محاولات التزوير أو الإلغاء.
إن «الفصول» تعتبر أن مواكبة التحولات ليست فعل متابعة ظرفي، بل مسؤولية فكرية ووطنية دائمة، هدفها حماية القضية اللبنانية من التفكك، والدفاع عن مشروع الدولة السيدة الحرة المستقلة، عبر الكلمة الدقيقة، والتحليل الرصين، والموقف الواضح.
تجمع مجلة «الفصول» نخبة من الكتّاب والأدباء والمفكرين اللبنانيين، أصحاب الثقافة الواسعة والفكر النيّر والاطلاع العميق، ممّن آمنوا بدور الكلمة في صناعة الوعي، وبمسؤولية الفكر في حماية الهوية الوطنية وصون الحرية. وتشكل المجلة إطارًا جامعًا للأقلام الحرة التي ترى في المعرفة فعل مقاومة، وفي الثقافة مساحة سيادة، وفي النقد الواعي طريقًا إلى بناء الدولة.
وتسعى «الفصول» إلى خلق تفاعل حيّ بين الأدب والفكر والسياسة والتاريخ، عبر مقاربات معمّقة تعكس غنى التجربة اللبنانية وتعدديتها، وتستند إلى البحث والتحليل والقراءة الهادئة، بعيدًا من السطحية أو الخطاب الانفعالي. كما تفتح صفحاتها أمام الاجتهادات الفكرية الجريئة، والقراءات النقدية المسؤولة، والنصوص الإبداعية التي تعبّر عن وجدان لبنان وتطلعات أبنائه.
إن «الفصول» تؤمن بأن نهضة الأوطان تبدأ بنهضة العقل، وأن الكاتب والمفكر ليسا شهودًا على الزمن فحسب، بل شركاء في صياغته، ولذلك تعمل على ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز قيم الحرية والاستقلال، وتكريس الفكر المستقل كأحد أعمدة السيادة الوطنية.
تعبر مجلة «الفصول» عن إرادة لبنانية صلبة في التحرر الكامل من كل أشكال الاحتلال والوصاية التي كبلت الدولة اللبنانية وضربت سيادتها عبر مراحل مختلفة من تاريخها، وفي مقدّمها الاحتلالان الفلسطيني والسوري، وكل ما تفرّع عنهما من أنظمة هيمنة وتدخل ومصادرة للقرار الوطني الحر. وتنطلق المجلة من قناعة راسخة بأن لبنان لا يمكن أن يكون وطنًا نهائيًا لأبنائه إلا بدولة سيدة على أرضها، حرة في قرارها، ومحصّنة من أي نفوذ خارجي مفروض بالقوة أو الأمر الواقع.
وتؤمن «الفصول» بأن التحرير الحقيقي لا يقتصر على خروج الجيوش، بل يشمل تحرير الإرادة السياسية، واستعادة هيبة الدولة، وبسط سلطتها الحصرية على كامل أراضيها، وطيّ صفحة الوصايات بكل أشكالها، العسكرية والأمنية والسياسية والفكرية. ومن هذا المنطلق، تلتزم المجلة بالدفاع عن مشروع الدولة اللبنانية المستقلة، وحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم، بعيدًا من الإملاءات والمحاور والصراعات التي لا تخدم سوى مصالح غير لبنانية.
إن «الفصول» ترى في الحرية والسيادة والاستقلال مشروعًا دائمًا لا حدثًا عابرًا، ومسؤولية وطنية جماعية، وتعتبر أن حماية لبنان تبدأ بالكلمة الحرة، والذاكرة الصادقة، والموقف الواضح، في وجه محاولات طمس الحقيقة أو تبرير الاحتلال أو إعادة إنتاج الوصاية بأشكال جديدة.
نظام المتصرفيّة في جبل لبنان
بعد المذابح الطائفية التي حصلت في لبنان، تمّ في مؤتمر بيروت العام 1860 وضع نظام جديد للبنان عُرف بالنظام الأساسي لجبل لبنان أو بروتوكول 1861 أو نظام المتصرفية وقّع على هذا النظام مندوبون من الدول التالية: بريطانيا، فرنسا، روسيّا، النمسا، بروسيا، والدولة العثمانية التي رئست المؤتمر بمندوبها فؤاد باشا من أبرز ما جاء في نظام جبل لبنان الجديد أن يتولى إدارة الجبل متصرف مسيحي تعيّنه الدولة العثمانية وتوافق عليه بقيّة الدول، ويساعد المتصرّف مجلس إدارة مؤلف من اثني عشر عضوًا: 4 موارنة، 3 دروز، 2 روم أورثذكس، 1 مسلم سني، 1 مسلم شيعي، 1 روم كاثوليك وقسّم جبل لبنان الذي أصبحت مساحته 3500 كلومتر مربّع إلى سبعة أقضية هي الكورة وجبة بشري والزاوية والبترون، ثم بلاد جبيل وجبّة المنيطرة والفتوح وكسروان، وقضاءا لمتن مع ساحل النصارى ثم مناطق جنوبي طريق الشام حتى جزّين "الشوف" ثم جزين وإقليم التفاح كذ هذه الأقضية تقع على السفوح الغربية لسلسلة جبال لبنان، ما عدا القضاء السابع وهو زحلة الذي يقع على السفح الشرقي لجبل صنين أي على المقلب الثاني لمتصرفية جبل لبنان
الأرض والإسم والتواصل التاريخي والمرتكز الحضاري
للبنانيين تاريخ واحد، يسكنون فوق جغرافيا واحدة، يتفاعلون في مجتمع واحد
تاريخ لبنان جعل منه خلاصة الحضارات الشرقية وتمازجها مع الحضارات الغربية
التاريخ اللبناني هو تاريخ تلاقي الحضارات العالمية بأكملها، ظهرت بنتيجته الشخصية اللبنانية المنبثقة من الجميع والمستقلة عن الجميع والمكمّلة للجميع
لبنان الجديد الذي يجب أن نطمح لبنائه وإعلاء مداميكه هو قمّة نضوج الدول ومرتجى كل الكيانات الدولية الساعية نحو استقرار شعوبها وتعايشهم ووحدتهم.
لبنان الجديد هو خلاصة كل شيء وبداية شيء مشترك ومتكامل ومميّز
أما الجغرافيا اللبنانية فقد ظهرت نتيجة عاملين أساسيين:
أولاً : اندثار وانهيار ديكتاتوريات القوّة والظلم التي تحكّمت بالمجتمعات البشرية حتى الأمس القريب وقد كلف هذا الأمر اللبنانيين كثيرًا
ثانيًا : الحاجة لخلق بقعة ديمقراطية حرّة في الشرق الأوسط تلخّص مراحل هذه المنطقة وتثبت قدرة أيديولوجياتها على الاشتراك في رسم وتوطيد أطر السلام والتعايش فيما بينها وبالتالي بين الشعوب كافة
أما المجتمع اللبناني فقد تشكّل من خليط مجتمعات جسّدت هموم الإنسان الهارب من ظلمة الغابات ووحشة الصحاري وفساد الأنظمة، والساعي لبناء مدنية الكلمة وديمقراطية النظام، ولانبعاث الذات في حريتها وسلامها وإنسانيتها
هذا المجتمع اللبناني يستمدّ جذوره من أعمق أعماق التاريخ العالمي ويتكوّن من تراكم طبقات حضارية هي خلاصة اختبارات أجيال من اللبنانيين، سجّلت بدمائها تاريخ ظهور الحضارات وتواجهها فتضاربها ثم تمازجها
هنا تكمن خصوصية المجتمع اللبناني وميزته
فالمسيحية اللبنانية تبقى مسيحية ولكنّها ذات صبغة خاصة ووجه خاص، خبرتها الحضارية تغني الحضارة المسيحية العالمية وتساعدها على تخطي كافة الحواجز والتأكيد العملي على واقعية المسيحية وعظمتها وعالميتها. إن المسيحية اللبنانية هي قمة نمو المسيحية وسر حيويتها وعظمتها وعالميتها
وهكذا قل عن الإسلام اللبناني، والشيوعية اللبنانية والعلمانية اللبنانية والليبرالية اللبنانية وحتى الأصولية اللبنانية. تميّزت الأمة اللبنانية بتعددية مصادر حضارتها واختلاف أيديولوجيات أبنائها. هذه الحقيقة رغم أهميتها ومكامن غناها جُيِّرَت لترسيخ الإنقسام والشرذمة في الكيان اللبناني، مما أدّى إلى رسم لُبَيْنَنات متعددة داخل لبنان فأصبحت للتاريخ اللبناني صيغ مختلفة وتحديدات متناقضة ومصادر متضاربة، مع أن الحدث التاريخي حدث واحد لا ازدواجية فيه، وهكذا المجتمع اللبناني أضاع هويته وجذوره ومعنى وجوده وقيمة حضوره الدولي
لا يجوز أن نستغل ولادة الجمهورية اللبنانية على أنقاض السلطنة العثمانية نتيجة اتفاقية سايكس بيكو لندّعي بعدم أحقية وجود الكيان اللبناني كحقيقة قائمة بذاتها تتجسّد فيها روح الأمة اللبنانية
ولادة هذه الجمهورية البكر والتي احتفلت بيوبيلها المئوي لا تعني مطلقًا أن لبنان ما هوى سوى بدعة رسمها الاستعمار
كل دول العالم بكبيرها وصغيرها رسمت حدودها الجغرافية منذ زمن ليس ببعيد
تذوّق لبنان نكهة العيش المشترك منذ دخول الإسلام إلى أرضه حيث وجد جماعة مسيحية كبيرة تنتشر بتجذر وقوة
بدأ الحوار الإسلامي المسيحي في لبنان منذ تلك الحقبة، واختبر لبنان عبر تاريخه مختلف مراحل هذا الحوار الحضاري لهذا السبب يمتلك اليوم خبرة طويلة ومعرفة عميقة في هذا الحقل
الصراع المسيحي الإسلامي عبر التاريخ في لبنان كان صراعًا بين جماعة تلوذ في هذه الجبال الوعرة، وبين جيوش وسلطات غزاة
لم يكن بغالبيته صراعًا مسيحيًا إسلاميًا داخليًا ببعد عقائدي بل على العكس نجح اللبنانيون بمختلف طوائفهم في التغلب على المؤثرات الخارجية وبعد كل جولة تَدَخُّل من الخارج بشؤونهم، تمكنوا من الالتزام بالتعايش عبر ما كانوا يطرحونه في كل مرة من صيغة تعكس إرادة العيش المشترك
لبنان كان دومًا جسر عبور ولغة تخاطب، وسيبقى قلبًا حيًا بشطريه، المقيم والمغترب، المسيحي والمسلم، ينبض في الأرض، يحييها وستبقى عروقه الممتدة في كل أنحاء العالم روافد خير تزرع الدنيا سلامًا وأخوّة ونهضة
ثقافتنا اللبنانية رسالة سامية تبث شعاعها داخل المجتمعات العربية والعالمية كافة
هي انعكاس لوطن الحريات وحقوق الإنسان وهي ترجمة لدولة قوية سيدة حرة مستقلة بكيانها وبقراراتها
''تتمثل رسالة لبنان بأن يحضن العائلات الروحية ويؤمن لها المناخ المناسب كي تعيش حرة، متساوية، متعاونة، متفاعلة ر هي التعددية ميزة لبنان، في نجاحها أمثولة للأمم والشعوب والأديان، وخدمة للبشرية
من عمق هذه الرسالة نكتسب ثقافتنا الإنسانية وأهمية وجودنا في الزمن والمكان والواقع
صحيح أن الحرب اللبنانية وتداعياتها شوّهت هذه الصورة التي طبعت لبنان لقرون، لكن الحضارة لا تحدد بمرحلة ولا تعنونها بضع سنوات
الشعب اللبناني لا يزال بمجمله يعاني من تقسيم داخلي، لأن فكرة لبنان الوطن لم تنضج عنده بعد السبب في ذلك لا يعود إلى جوهر لبنان إنّما إلى ظواهر عديدة يتأثر بها الشعب اللبناني
المذهبية والطائفية تسبق المواطنية في الأولويات، بشكل عام، مع العلم أن المذهبية والطائفية هما من أركان الشخصية اللبنانية فلماذا لا يسيران معًا وبنفس الزخم مع المواطنية اللبنانية إن لم نقل لا يحتلان المرتبة الثانية بعدها؟
بناء الوطن، مشروعًا وكيانونة ومجتمعًا، يتم نسجه وإتمامه خلال فترة السلم ر لبنان دخل السلام الأهلي منذ عقدين، لكنه وحتى تاريخه لم يستثمر هذا السلام في بناء وطن عصري ومحصن
(بقلم: أنطوان فضّول)'> لفظة لبنان لم ترتبط بإتنية أو شعب أو حضارة فقط بل أيضًا وهنا الأساس ارتبطت بموقع جغرافي محدد ومعروف، له ميزاته وخصوصيته وله ارتباط وثيق مع محيطه الإقليمي
هذا الارتباط المزدوج التكوين تميز بالمتانة والثبات رغم كل التطورات التاريخية والتحولات الإتنية والاجتماعية
ارتبط لبنان بالجغرافيا في وقت كان الإنسان لا يزال قزمًا في التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة
منذ البدء وقبل أي بدء تأريخي، أعطى لبنان اسمه لرقعة جغرافية محددة وثابتة ومميزة رسالتها أن تكون قلب الكرة الأرضية النابض والموحد والمحيي
عوامل كثيرة تعطي لبنان خصوصيته الجغرافية وثوابته التاريخية وكينونته الفلسفية
من هذه العوامل الأرض والإسم والتواصل التاريخي والمرتكز الحضاري
للبنانيين تاريخ واحد، يسكنون فوق جغرافيا واحدة، يتفاعلون في مجتمع واحد
تاريخ لبنان جعل منه خلاصة الحضارات الشرقية وتمازجها مع الحضارات الغربية
التاريخ اللبناني هو تاريخ تلاقي الحضارات العالمية بأكملها، ظهرت بنتيجته الشخصية اللبنانية المنبثقة من الجميع والمستقلة عن الجميع والمكمّلة للجميع
لبنان الجديد الذي يجب أن نطمح لبنائه وإعلاء مداميكه هو قمّة نضوج الدول ومرتجى كل الكيانات الدولية الساعية نحو استقرار شعوبها وتعايشهم ووحدتهم
لبنان الجديد هو خلاصة كل شيء وبداية شيء مشترك ومتكامل ومميّز
أما الجغرافيا اللبنانية فقد ظهرت نتيجة عاملين أساسيين:
أولاً : اندثار وانهيار ديكتاتوريات القوّة والظلم التي تحكّمت بالمجتمعات البشرية حتى الأمس القريب وقد كلف هذا الأمر اللبنانيين كثيرًا
ثانيًا : الحاجة لخلق بقعة ديمقراطية حرّة في الشرق الأوسط تلخّص مراحل هذه المنطقة وتثبت قدرة أيديولوجياتها على الاشتراك في رسم وتوطيد أطر السلام والتعايش فيما بينها وبالتالي بين الشعوب كافة
أما المجتمع اللبناني فقد تشكّل من خليط مجتمعات جسّدت هموم الإنسان الهارب من ظلمة الغابات ووحشة الصحاري وفساد الأنظمة، والساعي لبناء مدنية الكلمة وديمقراطية النظام، ولانبعاث الذات في حريتها وسلامها وإنسانيتها
هذا المجتمع اللبناني يستمدّ جذوره من أعمق أعماق التاريخ العالمي ويتكوّن من تراكم طبقات حضارية هي خلاصة اختبارات أجيال من اللبنانيين، سجّلت بدمائها تاريخ ظهور الحضارات وتواجهها فتضاربها ثم تمازجها
هنا تكمن خصوصية المجتمع اللبناني وميزته
فالمسيحية اللبنانية تبقى مسيحية ولكنّها ذات صبغة خاصة ووجه خاص، خبرتها الحضارية تغني الحضارة المسيحية العالمية وتساعدها على تخطي كافة الحواجز والتأكيد العملي على واقعية المسيحية وعظمتها وعالميتها. إن المسيحية اللبنانية هي قمة نمو المسيحية وسر حيويتها وعظمتها وعالميتها
وهكذا قل عن الإسلام اللبناني، والشيوعية اللبنانية والعلمانية اللبنانية والليبرالية اللبنانية وحتى الأصولية اللبنانية. تميّزت الأمة اللبنانية بتعددية مصادر حضارتها واختلاف أيديولوجيات أبنائها.
هذه الحقيقة رغم أهميتها ومكامن غناها جُيِّرَت لترسيخ الإنقسام والشرذمة في الكيان اللبناني، مما أدّى إلى رسم لُبَيْنَنات متعددة داخل لبنان فأصبحت للتاريخ اللبناني صيغ مختلفة وتحديدات متناقضة ومصادر متضاربة، مع أن الحدث التاريخي حدث واحد لا ازدواجية فيه، وهكذا المجتمع اللبناني أضاع هويته وجذوره ومعنى وجوده وقيمة حضوره الدولي
لا يجوز أن نستغل ولادة الجمهورية اللبنانية على أنقاض السلطنة العثمانية نتيجة اتفاقية سايكس بيكو لندّعي بعدم أحقية وجود الكيان اللبناني كحقيقة قائمة بذاتها تتجسّد فيها روح الأمة اللبنانية
ولادة هذه الجمهورية البكر والتي احتفلت بيوبيلها المئوي لا تعني مطلقًا أن لبنان ما هوى سوى بدعة رسمها الاستعمار
كل دول العالم بكبيرها وصغيرها رسمت حدودها الجغرافية منذ زمن ليس ببعيد
تذوّق لبنان نكهة العيش المشترك منذ دخول الإسلام إلى أرضه حيث وجد جماعة مسيحية كبيرة تنتشر بتجذر وقوة
بدأ الحوار الإسلامي المسيحي في لبنان منذ تلك الحقبة، واختبر لبنان عبر تاريخه مختلف مراحل هذا الحوار الحضاري لهذا السبب يمتلك اليوم خبرة طويلة ومعرفة عميقة في هذا الحقل
الصراع المسيحي الإسلامي عبر التاريخ في لبنان كان صراعًا بين جماعة تلوذ في هذه الجبال الوعرة، وبين جيوش وسلطات غزاة
لم يكن بغالبيته صراعًا مسيحيًا إسلاميًا داخليًا ببعد عقائدي بل على العكس نجح اللبنانيون بمختلف طوائفهم في التغلب على المؤثرات الخارجية وبعد كل جولة تَدَخُّل من الخارج بشؤونهم، تمكنوا من الالتزام بالتعايش عبر ما كانوا يطرحونه في كل مرة من صيغة تعكس إرادة العيش المشترك
لبنان كان دومًا جسر عبور ولغة تخاطب، وسيبقى قلبًا حيًا بشطريه، المقيم والمغترب، المسيحي والمسلم، ينبض في الأرض، يحييها وستبقى عروقه الممتدة في كل أنحاء العالم روافد خير تزرع الدنيا سلامًا وأخوّة ونهضة
ثقافتنا اللبنانية رسالة سامية تبث شعاعها داخل المجتمعات العربية والعالمية كافة
هي انعكاس لوطن الحريات وحقوق الإنسان وهي ترجمة لدولة قوية سيدة حرة مستقلة بكيانها وبقراراتها
''تتمثل رسالة لبنان بأن يحضن العائلات الروحية ويؤمن لها المناخ المناسب كي تعيش حرة، متساوية، متعاونة، متفاعلة ر هي التعددية ميزة لبنان، في نجاحها أمثولة للأمم والشعوب والأديان، وخدمة للبشرية
من عمق هذه الرسالة نكتسب ثقافتنا الإنسانية وأهمية وجودنا في الزمن والمكان والواقع
صحيح أن الحرب اللبنانية وتداعياتها شوّهت هذه الصورة التي طبعت لبنان لقرون، لكن الحضارة لا تحدد بمرحلة ولا تعنونها بضع سنوات
الشعب اللبناني لا يزال بمجمله يعاني من تقسيم داخلي، لأن فكرة لبنان الوطن لم تنضج عنده بعد السبب في ذلك لا يعود إلى جوهر لبنان إنّما إلى ظواهر عديدة يتأثر بها الشعب اللبناني
المذهبية والطائفية تسبق المواطنية في الأولويات، بشكل عام، مع العلم أن المذهبية والطائفية هما من أركان الشخصية اللبنانية فلماذا لا يسيران معًا وبنفس الزخم مع المواطنية اللبنانية إن لم نقل لا يحتلان المرتبة الثانية بعدها؟
بناء الوطن، مشروعًا وكيانونة ومجتمعًا، يتم نسجه وإتمامه خلال فترة السلم ر لبنان دخل السلام الأهلي منذ عقدين، لكنه وحتى تاريخه لم يستثمر هذا السلام في بناء وطن عصري ومحصن
لبنان والعصر الحجري الوسيط
العصر الحجري الوسيط ميزوليتيك، من 110000 إلى 10000 قم يجسّد المرحلة الحضارية التي صار فيها الإنسان صيادًا ومزارعًا هو مثل إنسان العصر الحجري السابق يسعى لتجميع القوت لكنه كمزارع باشر بنمط حياتي جديد سيتطور لاحقًا في العصر الحجري الحديث وجدت بقايا هذا العصر في مجمل مناطق آسيا الغربية وفي الفترة الزمنية عينها سكان فلسطين بادروا شيئًا فشيئًا إلى اختبار البذور والزراعة وتخزين الحبوب وتدجين الحيوانات، بمن فيهم على الأرجح الكلاب هذه المحاولات البدائية أظهرت للإنسان إمكانية التوقف في مكان معين والثبات في أرضه فابتكر بناء مراكز سكنية بدائية صغيرة مؤلفة من بيوت أو أكواخ في وسطها عمود، وهي من طابق واحد تشبه الخيم أحيانًا بنوا الجدران والأرضية مدوها بالدلفان حرر هذا التطور الإنسان من حاجته إلى التنقل بحثًا عن القوت وبدأت تتشكل جماعات ثابتة، ما سمح لتفجّر إبداعي اتجه نحو التقدم المادي والروحي يعرف هذا العصر في العراق بالعصر الزرزي نسبة إلى الكهف زرزي حيث عثر فيه على أدوات تعود لهذا العصر وهي دقيقة وحجمها صغير
أما في لبنان وفلسطين فعرف هذا العصر بالدور النطوفي نسبة لوادي النطوف في فلسطين حيث عاش النطوفيون في الكهوف وفي قرى في مستوطنات مكشوفة واعتمدوا على الصيد وجمع القوت والحبوب البرية وعثر في هذه البقاع على أدوات عدة مستحدثة منها المناجل الصوانية إلا أن الإنسان النطوفي ما من دليل ملموس على قيامه بتدجين الحيوانات
إكتشفت الباحثة الإنكليزية دوروثي غارود في العام 1929 آثارًا تعود إلى الفترة لاثالثة من العصر الحجري، في مغارة شقبا في وادي النطوف في فلسطين في الجبال المحيطة بالقدس، فتحت الباب على اكتشاف أول المجتمعات الزراعية في التاريخ والتي دامت حتى الألف السادس ق. م
من فلسطين انتشرت هذه الحضارة إلى غور الأردن فسواحل المتوسط، بما فيها لبنان، وبلاد الشام وفي مطلع الألف العاشرة قبل الميلاد عثر على آثارها في العراق وفي حلوان في مصر
إنتشرت القرى النطوفية في كل هذه المساحة الجغرافية
دامت الفترة النطوفية بين عشرة إلى ثمانية آلاف سنة قم
هي الحضارة الثانية التي انتشرت في هذه البقاع من المشرق القديم
سكن الإنسان النطوفي في بيوت بدائية لكن متقنة الصنع، مغروسة في الأرض، أساساتها من الحجارة، سقوفها من الخشب، جدرانها من الطين، أشكالها دائرية وأرضيتها مرصوفة بالحجارة في وسطها موقد وبقربها مخازن للحبوب، ومنازل عائلية لم تكن معهودة من قبل
تمثل قرى الصيادين الأوائل الذين كسبوا قوتهم بالصيد وبالزراعة
في هذا الزمن هجر الإنسان النطوفي المغاور والكهوف وانتقل إلى السهول وضفاف الأنهار
أمام القرى وبين الأكواخ، صنع أدوات الزينة والأساور والخواتم من الصدف والعظم والأسنان مع زخارف
النطوفيون أول من بنى المقابر الكبيرة في جوار قراهم
جغرافية لبنان في العهد الهلنستي اليوناني السابق للعهد الروماني
يذكر المؤرخ اللاتيني كوينتوس كورتيوس من القرن الأول للميلاد في تاريخه أن الخشب المستخدم في صناعة الأطواف والأبراج كان يجلب من لبنان ثمة منطقة جبلية قريبة من مدينة صور ترتفع فوق الألف متر كانت مصدرًا لخشب أشجار الصنوبر والسنديان والسرو والشربين والعرعر والشوح والأرز تقع في القسم الجنوبي من السلسلة الشرقية أي جبل حرمون وكان المؤرخ كورتيوس قد وصف المقاومة التي أبداها الصوريون في مواجهة مهاجميهم فقال: "إن عربًا من لبنان هاجموا المقدونيين فقتلوا ثلاثين منهم وأسروا عددًا آخر من المرجح أن هؤلاء العرب هم من الأيطوريين شبه الرحل، قدموا من أيطوريا في الجنوب الشرقي من دمشق أي من منطقة حوران وجبال اللجى وتوسعوا في اتجاه السلسلة الشرقية من جبال لبنان وجعلوا مدينة خلقيس عاصمة لمملكتهم العربية الشبيهة بالمملكة النبطية في البتراء توسعت هذه المملكة حتى البقاع الذي أطلق عليه المؤرخ اليوناني بوليبيوس حوض مارسياس أو ماسياس وفق المؤرخ سترابون وتمدد سلطانهم ليشمل بعض الحصون الجبيلة في لبنان مثل سيناس أو صنين وبوراما أو برمانا وجيغارتا ورأس الشقعا قرب البترون كان الأيطوريون ينطلقون من هذه الحصون ليهاجموا مدن الساحل اللبناني بين صيدا والبترون يسلبون وينهبون ثم يعودون إلى قواعدهم ظافرين يذكر المؤرخ اليوناني بلوتارك (50 – 125 م) في كتابه حياة الإسكندر أن القائد المقدوني خلال حصاره لمدينة صور قام بحملة ضد العرب الذين كانوا يقيمون قرب الأنتيليبان أنتي ليبان وهي المنطقة الشمالية للبنان اليوم، ذكرها المؤرّخ والجغرافي اليوناني سترابو (58 قم – 21 م) في كتابه "الجغرافيا" ، وجعل حدودها نهر أسماه الحريو وهو النهر الكبير الجنوبي الفاصل بين حدود لبنان الشمالي وسوريا كان هذا النهر في زمن سترابون يفصل بين سالوقيا من جهة وفينيقيا وسوريا المجوّفة من جهة أخرى وسوريا المجوّفة تقع بحسب سترابون بين سلسلة جبال لبنان الموازية للسلسلة الأخرى المسماة أنتي ليبون أي أن هذا الإسم أطلق على سهل البقاع بعد فتوحات الإسكندر المقدوني وسها البقاع بالنسبة للمؤرخ بوليبيوس يُعرف بحوض مارسياس ويمتد بين جبال لبنان أي السلسلة الغربية وأنتي ليبان أي السلسلة الشرقية أما المؤرخ سترابون فذكر أن مقاطعة سهل مارسياسي أو ماسيساس تبدأ من مدينة اللاذقية وكانت تعرف بلاذقية لبنان بناها سالوقس الأول على العاصي تيمنًا باسم أمه، وفي هذا الموقع بالذات بنيت مدينة قادش القديمة وتعرف اليوم بتل النبي مدد جنوبي مدينة حمص من المرجح أنها سميت بلاذقية لبنان لتفرقتها عن اللاذقية الحالية الواقعة على ساحل البحر إن الحدود الجغرافية اللبنانية في العهد الهلنستي تمددت شمالاً حتى مشارف مدينة حمص شاملة السلسلتين الشرقية والغربية وهذه حقيقة تتواءم مع ما ورد في الكتاب المقدس – العهد القديم حول حدود جبل لبنان من الجنوب إلى الشمال من بعل حرمون إلى مدخل حماة وذلك في سفر القضاة 3:3
مدخل إلى تاريخ لبنان الحديث
يبدأ تاريخ لبنان الحديث من عام 1516 تاريخ بداية الفتح العثماني للبنان ويمتد حتى سنة 1915 تاريخ إنهاء امتيازات المتصرفية مع جمال باشا ليبدأ تاريخ لبنان المعاصر الممتد حتى يومنا هذا في بداية الفتح العثماني نتوقف عند حدثين بارزين يذكرهما التقليد التاريخي المكتوب والمتوارث، الحدث الأول هو معركة مرج دابق التي انتصر فيها العثمانيون والثاني هو لقاء الأمراء اللبنانيين بالسلطان سليم الأول العثماني أو السلطان الأحمر بعد هذه المحطة تبدأ مرحلة الإمارة المعنية في الشوف فتمتد من سنة 1516 حتى سنة 1697 – 1698 وتقسم إلى ثلاث مراحل الأولى تبدأ في القرن السادس عشر مع تولي الإمارة الأمير فخر الدين الأول وابنه قرقماز أبرز ما في هذه المرحلة استمرار الحرب بين الدروز ووالي دمشق أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تمتد طوال فترة إمارة الأمير فخر الدين الثاني من عام 1591 حتى عام 1633 والمرحلة الثالثة والأخيرة تمتد من عام 1633 حتى عام 1698 وقد شهدت صراعًا حزبيًا ضاريًا انتهت بها الإمارة المعنية وبدأت الأمارة الشهابية التي دامت من عام 1697 حتى 1841 هذا الانتقال كان نتيجة ما عرف بالميثاق الشهابي بين الأمير الشهابي والأعيان الدروز الذي حدد أصول تنظيم الحكم في الجبل
يقسم تاريخ الإمارة الشهابية إلى خمس مراحل
المرحلة الأولى هي مرحلة التحولات امتدت من عام 1697 حتى عام 1775 من أبرز محطاتها موقع الأمير الحرج بين الحكم والحاكم ، معركة عين داره والقضاء على الحزب اليمني عام 1711 ، ظهور حزبين جديدين هما الجنبلاطي واليزبكي
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الصراعات والفوضى في الإمارة امتدت بين عام 1775 و1804 تميّزت بانفجار الوضع في الجبل وبروز أحمد باشا الجذّار ونزعة الاستقلال في عكا وانتهاء أزمة الجبل بوفاة الجذّار عام 1804 أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة إصلاحات الأمير بشير الثاني وتمتد من عام 1804 حتى 1832 كالمحطة الأبرز في تلك الفترة إذ سجّلت وصول الحملة المصرية مع ابراهيم باشا إلى بلاد الشام وإلحاق الإمارة بالإمبراطورية المصرية عام 1821 تاريخ عامية أنطلياس تحررت العامة من هيمنة الأعيان وبدأوا يدخلون في هيئة منظمة ثم التحق الأعيان بهم في المرحلة الرابعة بدأت الهيمنة المصرية وامتدت من 1832 إلى 1840 وقد دعيت بالهيمنة لأن المصريين لم يحتلّوا الجبل عسكريًا أما المرحلة الخامسة فهي مرحلة الثورة اللبنانية التي انلعت عام 1840 يوم ثار سكان المتن والجبل ضد المصريين وإقالة بشير الثاني وتعيين بشير الثالث مكانه ثم انتهاء الإمارة الشهابية أما المرحلة السادسة فهي مرحلة بشير الثالث تلاها مرحلة تعيين عمر باشا النمساوي عام 1841 - 1842 لحكم جبل لبنان واعتراض اللبنانيين من موارنة ودروز كما الدول الكبرى عليه ثم بدأت فترة نظام القائمقاميتين من عام 1842 إلى 1860 وقد مرّ في مراحل ثلاث الأولى من عام 1842 حتى 1845 وقد شهدت تقاتلاً مسيحيًا درزيًا الثانية من عام 1845 حتى 1859 تميّزت بإصلاحات شكيب أفندي والأخيرة من عام 1859 حتى 1860 تاريخ اندلاع الثورة الكبرى
ثم بدأ عهد المتصرفيّة من عام 1861 حتى عام 1915 عرف لبنان فيه نظامًا فيدراليًا بين الطوائف إذ شارك كل الطوائف في نظامه وامتد هذا الحكم حتى تاريخ خسارة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى
صناعة خبز المرقوق في بشري، في الفيلم الوثائقي الفرنسي "Le Liban En Paix" عام 1962
يعتبر خبز المرقوق نوع من الخبز الرقيق المسطح الفطير الشائع في بلاد الشام والشرق الأوسط الاسم مشتق من الفعل العربي "رق": أي جعل شيئًا رقيقًا ويظهر في اللقطات صناعة خبز مرقوق في بلدة بشري، وهي إحدى البلدات الجبلية الكبرى في لبنان
عندما بنى الفينيقيون مدينتي طنجة (تانغي) في المغرب وملاغة(ملاحة) في إسبانيا (ترشيش)
في الصورة مدافن قديمة للفينيقيين اليوم في طنجة
يا جماعة إنّ أجدادنا الفينيقيين بنوا طنجة الواقعة في أقصى غرب المتوسط وأطلقوا عليها اسم تانغي Tengi، فكانوا يصطادون فيها سمك التونة والسردين لأنّ بحرها يقع بين المتوسط والأطلسي وكثير الأسماك ثم كانوا ينقلونه بحراً إلى مصانعهم في مدينة أخرى على الساحل الإسباني دعوها ملاحة (بالاسبانية ملاغا Malaga) حيث كانوا يملّحون الأسماك ويضيفون الزيت ويجمعونها في خوابٍ من الفخار ويختمونها بالتنك الذي اشتروه من انكلترا، ثم يصدرونها إلى مناطق أخرى في العالم القديم
وكان الفينيقيون قد استوطنوا الساحل الإسباني ودعوه ترشيش (وهناك قرية في لبنان بهذا الإسم اليوم)، وبنوا هناك مدينة قادش (قادس) قرب مصب نهر الوادي الكبير Guadalquivir في إسبانيا لأنّه سهل الملاحة يمكن للمراكب الفينيقية المليئة بالبضائع المخور فيه حتى مدينة إشبيلية والتجارة هناك
حتى اليوم تعتبر علب السردين من المغرب الأفضل عالمياً بنكهتها والزيت فيها
ملاحظة في اللهجة الصقلية يقولون زغرة ويقصدون زهرة وعادة يطلقون تسميةزغرة على زهر الليمون ولذلك ملاغة هي ملاحة ودعاها العرب ملقة في اسبانيا
في العام 1863 أصدر الصحفي والروائي الفرنسي Louis Enault كتاب "البحر المتوسط: جزره و سواحله". وعن مشاهداته في بيروت كتب:
"هناك عدد قليل من المدن في آسيا حيث للأوروبيين اهتمامات جدية واتصالات واسعة. اما في بيروت، فالجزء الذي يحدّ الميناء له نفس ملامح الصخب الذي في أسواق مدينة لندن عند الظهيرة.
وتابع: "تمتعت أسواق بيروت منذ زمن بعيد بجاذبية مميّزة اغوت الزائرين و المشترين ممن قصدوها : " كانت شوارع الاسواق مغطاة بقطع قماش كبيرة معلقة من سقف الى آخر، حيث يبدو أن جميع منتجات أوروبا وآسيا المرتبة في هذا السوق قد اجتمعت لاغواء المشترين. وهنا خان كبير بهندسة معمارية بسيطة كان بمثابة ثكنة للقوات التركية، ومسرح جميل حيث تُغنى الأوبرا الإيطالية مما يشهد على الذوق الموسيقي لهذه المدينة الصغيرة".
منازل وأسواق بيروت سنة 1839
في ذلك العام أصدر الرحالة والرائد المسرحي الفرنسي "ايزيدور جاستن سفرين تايلور" Isidore Justin Séverin, Baron Taylor كتاباً عن رحلاته
أسماه "سوريا , فلسطين, والأرض المقدسة". كتب مشاهدات كثيرة له في بيروت وعنها، منها هذا النص:
"المنازل والمتاجر والأسواق في بيروت مبنية عموما بشكل أفضل مما هي عليه في بقية مناطق الساحل, وجميع المنازل هنا تقريباً من الحجر وهي أعلى بشكل واضح من المدن الأخرى في الشرق. الشوارع ليست نظيفة كثيراً على الرغم من أنها مرصوفة وواسعة إلى حد ما ، ويرجع ذلك إلى ندرة المياه, والنساء تضطر للذهاب بعيدا لجلب المياه".
ناصيف بن عبد الله بن ناصيف بن جنبلاط، المعروف باليازجي. ولد في عام 1800م في بلدة كفر شيما بلبنان – وتوفي عام 1871م في بيروت. شاعر وأديب من كبار أعلام النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر. برز في ميادين الأدب واللغة، وتفرغ للتأليف والتعليم في مدارس بيروت.
في عام 1863 استقدم بطرس البستاني ناصيف اليازجي للتعليم في المدرسة الوطنية التي افتتحها في بيروت واشتغل معه بتصحيح الجزء الأول من كتاب (محيط المحيط)، ولما أنشئت المدرسة البطريكية كان الشيخ ناصيف من أساتذتها المبرزين، وكان يقوم بالتدريس في المدرستين المذكورتين معاً، وبعد مدة دعي إلى التدريس في الكلية الإنجيلية السورية (الجامعة الأمريكية فيما بعد)، فدرس فيها اللغة العربية وآدابها.
ترك ناصيف اليازجي إرثاً علميًا وأدبيًا غنيًا، من أبرز مؤلفاته: مجمع البحرين (مقامات) فصل الخطاب في قواعد اللغة العربية الجوهر الفرد في علم الصرف نار القرى في شرح جوف الفرا في النحو مختارات اللغة (مخطوط بخطه) العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب المتنبي، وقد هذبه وأكمله ابنه إبراهيم اليازجي كما نشر ثلاثة دواوين شعرية تحت العناوين: "النبذة الأولى" "نفحة الريحان" "ثالث القمرين". وقد خُصص له كتاب في أدبه وسيرته بعنوان الشيخ ناصيف اليازجي من تأليف عيسى ميخائيل سابا.
ظل الشيخ ناصيف اليازجي يدرس ويعلم ويؤلف حتى أصيب بمرض عضال عام 1869 فلزم داره، ثم أصيب بوفاة إبنه البكر حبيب فلم يعش بعده إلا أربعين يوماً فتوفي في 8 شباط 1871.
المدينة النصف ـ أوروبية سنة 1905
كتبت الرحالة والمندوبة السياسية البريطانية الشهيرة جيرترود بل في إحدى رسائلها:
"بيروت، 18 كانون الثاني 1905. أنا غارقة في ثرثرة الشرق! انها ممتعة جدا. فكرت اليوم، عندما كنت أتجول في الأسواق وأشتري مختلف الأشياء البسيطة، كم كان من دواعي سروري أن أكون في الشرق وأكون كجزء منه تقريبًا، وأن أعرف كل شيء كما أعرف سوريا الآن، وأن أكون قادرةً على معرفة ذلك من خلال لهجة الأشخاص من حيث أتوا، وتبادل التحية المناسبة أثناء مرور أحدهم. السوق هو دائمًا مثال للشرق، حتى في مدينة نصف أوروبية مثل بيروت. "
"التياترو الكبير" أسطورة مسارح بيروت، صنعت تاريخه الزاهي شخصيات وفرق فنية لبنانية وعربية وعالمية، ممن مروا على خشبته المخملية الراقية ليدونوا أسماءهم بأحرف مذهبة.
مسرح الإنفتاح الثقافي:
هو نفسه "المسرح الكبير" (Le grand théâtre) أو "الغران تياتر" باللهجة اللبنانية المحكية ذات اللكنة البيروتية الذي بني ليكون للعاصمة صرحاً مسرحياً بمواصفات عالمية بعدما كانت تفتقده من ذي قبل، إلا إذا إستثنينا مسرح "الكريستال" غربي ساحة "الشهداء"، الذي بني في بدايات عشرينات القرن الماضي على طراز المسارح الأوروبية، ليتحول "التياترو" مسرح الإختلاط المديني، مرسخاً الطبقة اللبنانية الأرستقراطية وإنفتاحها على حركة الثقافة والفن الطليعي التي كان المسرح في متنها.
"التيارو الكبير" صلة أعمق وأكثر إرتباطاً بذلك الرونق التاريخي الذي مضى، من خلال ما قدمه من أيقونات فنية خلدتها حفلات أم كلثوم وعبد الوهاب ويوسف بك وهبي وفايزة أحمد ونور الهدى وصصباح وفيروز وفرق المسرح العربية والغربية، التي كانت كافية لإشغال مساحته المتصدرة وربطها بذلك المزاج الأرستقراطي الفني المديني. . .
بيروت مدينة الجنائن والثمار والهواء النقي
في مطلع ثمانينيات القرن الخامس عشر الميلادي، وصف النبيل الفلمنكي فان غيستيل Joos van Ghistele بيروت بأنها "مدينة عامرة بالمنازل والناس تحيط بها المراعي والجنائن، خاصة أشجار الرمان والليمون والحامض والزيتون والتين واللوز. وهواء المدينة نقيّ لدرجة أن المرضى من تجار دمشق وحلب وطرابلس يقصدونها للمعافاة. . ".
نبذة مختصرة في مفهوم التراث وجوانبه
للتراث معاني مختلفة يتفرع عنها تعريفات مرفقة به. ويمكن تعريفه على أنه "أي شيء يرغب شخص ما في الحفاظ عليه أو جمعه". ويمكن وصف هذا المعنى كشيء يريد المرء الاحتفاظ به أو الحفاظ عليه إلى حد كبير.
ويحدد أكثر الباحثين العالميين خمسة جوانب موضوعية للتراث هي:
1. مرادف لأي أثر للبقاء المادي للماضي.
2. فكرة الذكريات الفردية والجماعية من منظور الجوانب غير المادية للماضي عندما يُنظر إليها من الحاضر.
3. كل إنتاجية ثقافية وفنية متراكمة.
4. البيئة الطبيعية.
5. نشاط تجاري رئيسي، مثل صناعة التراث.
هذا التوسع في مفهوم التراث يتضح أيضاً إذا قام المرء بتحليل الوثائق الدولية الرئيسية الموجودة التي أنتجتها منظمات عالمية مثل الإيكوموس واليونسكو لحماية التراث والحفاظ عليه حيث تتطرق إلى توسيع نطاق التراث من المعالم والمباني التاريخية إلى مجموعات من المباني والمراكز الحضرية والريفية التاريخية والحدائق التاريخية والتراث غير المادي بما في ذلك البيئات والعوامل الاجتماعية ونسيجها.
من المطبخ التقليدي البيروتي (14)
المقمورة
تلفظ باللهجة البيروتية "مأمورة"، وهي أكلة بيروتية قديمة تعتمد على الملفوف ذو الفوائد الغذائية العالية والغني بالألياف التي تساعد على الهضم وضد الأكسدة في الجسم. وقبل البدء بتحضير المقمورة يجدر الإشارة إلى أن المطبخ التراثي كان يتبع مواسم الخضار، ففي موسم الملفوف يؤكل الملفوف وغير ذلك، فلم تكن هناك مواد حافظة وتثليج لتسويق الزراعة بالخيم البلاستيكية حيث يمكن الحصول على نفس النوع طيلة أيام السنة مثل اليوم!
المقمورة سهلة التحضير وبسيطة في مكوناتها ولذيذة الطعم تناسب النباتيين.
المقادير:
بصلة واحدة؛ 5 أكواب ملفوف مفروم؛ كوب ونص رز؛ ملح؛ رشة صغيرة فلفل حلو؛ رشة صغيرة قرفة؛ رشة كبيرة كمون.
الطريقة:
يقلب البصل بقليل من الزيت أو الزبدة حتى يذبل ويأخذ لون زهر فاتح. يوضع الملفوف ويقلب مع رشة ملح والتوابل حتى يذبل. يضاف كوبان من الماء ونغطي الوعاء لمدة 10 دقائق مع المراقبة، فإذا لزم الأمر نضيف قليل من الماء.
نسقط الرز المغسول والمنقوع على الملفوف ونمزج المكونات ونغطي الطنجرة على نار هادئة مع المراقبة حتى ينضج الأرز. خلال عملية الطهي نحضر سلطة ملفوف، ويسكب الشخص الرز من جهة والسلطة من جهة ثانية في نفس الصحن ويملأ الملعقة رز وسلطة معاً، وصحتين.
عندما تبدو بيروت من البحر سنة 1898. . . الحب من أول نظرة! (الجزء الثاني).
ذكرت في مقدمة الجزء الأول ما دُوّن في تلك السنة أن بيروت تعد واحدة من أكثر المدن التجارية في آسيا الصغرى، وأهمها، بلا شك على ساحل سوريا، حيث يبلغ عدد سكانها ثمانين ألف نسمة. ترى المدينة وكأنها تنحني بإتجاه البحر، مع بيوتها العديدة وقبابها وشرفاتها و قناطرها وفيلاتها المتألقة ببياضها، أو اللامعة بألألوان المبهرة، والمتوّجة بأشجار الصنوبر العملاقة.
يضيف المصدر:
وعلى الرغم من أن شوارع بيروت ضيقة وقصيرة والإهتمام بها قليل، إلا أن المنازل غالباً ما تخبىء خلف جدرانها أكثر ما يمكن للخيال العربي أن يبدعه. . . توجد دهاليز ارضياتها من الواح رخام ملون، بتصميمات عجيبة، أما الجدران فهي مزينة بلوحات وزخارف وأحياناً مطعمة بأرابيسك؛ وهناك غرف مصممة بشكل نضر فيها مجالس، وهناك الأركيلة المصنوعة من الكريستال والمزينة بنقوش فضية في دلالة على ذوق رفيع و صناعة رائعة . ، كل مظهر الثروة، معززا بتفاصيل من الفخامة الشرقية، لم أكن لأجد مثله الا في مدينة دمشق الرائعة.
سهيلة بنت خليل بن عثمان سعادة، أمها مباركة بنت أحمد بدرشاني. ولدت في منطقة عين المريسة البيروتية سنة 1902 وتلقت علومها الأولى في مدرسة عين المريسة فدرست مبادئ اللغتين العربية والتركية وختمت فيها القرآن الكريم، ثم درست في مدرسة كنيسة اسكتلندا في بيروت لمدة خمسة سنوات ثم إلى مدرسة "البروسيا" (مكان بناية ستاركو اليوم) وتخرجت منها حاملة شهادتها النهائية بعد أن أتقنت جيداً اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية وفن الرسم وغيرها من العلوم.
في عام 1917 دخلت الكلية البروتستانتية السورية (الجامعة الأمريكية في بيروت فيما بعد) ودرست فيها الطب وعملت مع ممرضات المستسفى إلى أن نالت شهادتها عام 1920. وعينتها جمعية الصليب الأحمر الأميركية لعيادة المرضى في بيوتهم ومعاينتهم وتعليم أهليهم مبادئ التمريض المنزلي. وفي صيف عام 1926 انتسبت إلى مستشفى الملكة شارلوت Queen Charlotte maternity hospital في لندن حيث درست ومارست التوليد لمدة ستة أشهر وكانت التلميذة العربية الوحيدة فيه وتخرجت منه برتبة جيد جداً مما جعل إدارة الصحة العمومية في لندن أن تجيز لها ممارسة مهنة التوليد في جميع البلاد البريطانية والمستعمرات التابعة للتاج البريطاني في حينه.
عادت سهيلة إلى بيروت بعد سنة وافتتحت عيادة للتوليد ومعاينة النساء الحوامل، كما استمرت في إلقاء المحاضرات في نادي التعاون في بيروت إلى وفاتها سنة 1992 عن تسعين عاماً رحمها الله تعالى.
حكواتي بيروت بعيون أميركية!
في مطلع خمسينيات القرن التاسع عشر، قام موظف حكومي ورحّالة أميركي يدعى «جون روس براون» John Ross Browne برحلة إلى الشرق، ودوّن مشاهداته من خلال مقالات نُشرت في مجلة «هاربر»، ثم جمعها في كتاب أسماه «يوسف: أو رحلة الفرنجي» أبصر النور سنة 1853، ويوسف هو المرشد والمترجم الذي رافقه في رحلته تلك. وقد استوقفت الكاتب شخصية الراوي أو «الحكواتي» كما نسمّيه، فخصّص له الفصل الثاني والعشرين من كتابه بكثير من التفصيل، وقال أن إسمه «بن حسين»، كما قارن بين شخصيته وما ألّفه ممن تناول القصص الشعبي في بلاده.
من هذا الفصل قمت بترجمة النص التالي وعرضه نظراً لأهميته. يقول الكاتب:
«عندما لا يقرأ الناس إلّا قليلاً، فإنهم، إلى حدٍّ ما، يعوّضون هذا النقص بالتحدث والاستماع كثيراً. هذا هو الحال خاصة عند الشرقيين. وفي ظل التوزيع المحدود للصحف، وغياب كتب تواريخ الحروب والمقالات الفلسفية والإنسانية وكتب الرحلات، فالبديل هو رواة محترفون للقصص والروايات. وهذا يكون من خلال رجال دأبهم وعملهم هو التعامل مع التقاليد أو الخيال.
لا يوجد في الشرق كله شخصية أهم، أو شخص له هذا التأثير الكبير على الرأي العام مثل الراوي. إنه جريدة متنقلة وتاريخ حيّ ومقال يتنفس وكتاب شخصي للرحلات يشكّل مخزونه من المعرفة على مبادئ تصرفاته الذاتية. على هذا النحو ونظراً لكونه وكيلاً مسؤولاً، فإنه يكسب ثقة المجتمع ويتمتع بها ويستفيد منها إلى أقصى حد. فكلما كانت قصصه أكثر روعة، زادت الثقة بها؛ وكلما كان هجائه السياسي عنيفاً، زاد التحدث عنه؛ وكلما كانت نظرياته وأمثاله غير مفهومة، كانت فلسفته أعمق.
إنه دائماً شخصية مشهورة لا غنى عنه في كل تجمّع. يستمع إليه أعظم الباشاوات باهتمام عميق، فالأخلاق التي يشير إليها والحكايات التي يرويها تجد طريقها حتى إلى حرم الحريم المقدّس، وفي أعلى الدوائر وأدنى المستويات. يصدّق الجميع حكاياته بشغف: فالرجال الذين استمعوا لسنوات إلى نفس القصص ونفس النكات، يستمرون في الاستماع لسنوات أخرى بسعادة لا تنقص، ودائماً يصفقون في نفس المواقف ويضحكون على نفس التلميحات الذكية والطريفة».
أخت الرجال هي ـ كما يشير الاسم ـ المرأة القوية التي تتميز إما بالقوة البدنية والشجاعة، أو صاحبة المشورة والرأي، ولا ينبغي الخلط بينها وبين المرأة الكثيرة المشاكل والضجيج على حساب أنوثتها التي يطلق عليها البيارتة في هذه الحالة لقب "المفحشة".
وفي التراث الشعبي البيروتي أخبار كثيرة للأصناف الثلاثة. وبما أن الصنف الثالث لا يأبه له فسأذكر أشهر "أخوات الرجال" مما وصلني من ذاكرة الماضي البيروتي الجميل، وهن ثلاثة: سعود بنت أبو صالح طبارة، وخدرج عيتاني، وعليا بنت علي عبود.
أما سعود طبارة فهي بطلة المقاومة الشعبية في الدفاع عن بيروت ضد المعتدين سنة 1826م. ففي هذه السنة أغار القراصنة اليونان على ساحل بيروت بأحد عشر مركباً مدعومة بأربع قطع بحرية، ظهرت في 18 آذار (مارس) عند الساعة التاسعة مساءً. وفي الساعة الثالثة فجراً استولى هؤلاء على الميناء وتسلقوا السور وأمعنوا في السلب والنهب والقتل إلى أن تصدت لهم حامية المدينة والمتطوعين وأجبروهم على الانسحاب. وخلال هذه المعركة تجلت بطولة سعود طبارة زوجة قاسم القوتلي في مشاركتها للتصدي حتى أنها انتزعت سيف أحد القراصنة قبل أن يلود بالفرار، ولا يزال هذا السيف محفوظاً عند أحفادها من آل القوتلي إلى اليوم.
وعن "أخت الرجال" خديجة (خدرج) عيتاني فحدث ولا حرج. فقد كانت صاحبة المشورة والرأي والموقف الشجاع في بيروت ومحلة المصيطبة خاصة، والمؤقتة الرسمية في تحديد يوم "أربعة أيوب" التي اعتاد البيارتة الاحتفال بها بصنع المفتقة اللذيذة والخروج للتنزه على شاطىء الرملة البيضا وشوران. وهي جدّة الأخوين هاشم وخالد عيتاني صاحبا قصر البيكاديللي الشهير في شارع الحمراء. كانت امرأة فريدة من نوعها، سوّية الشخصية رغم المتناقضات في صفاتها، وهو السر الكبير والحقيقي في استواء شخصيتها. وكانت في حياتها صلبة مع الأقوياء، ليّنة مع الضعفاء، وكريمة مع المحتاجين.
أما "أخت الرجال" الثالثة فكانت صبية في مدرسة المعلمة أمينة الخوري المقدسي سنة 1932م. وفي أحد أيام ربيع تلك السنة خرجت التلميذة عليا بنت علي عبود في رحلة مع المدرسة إلى وادي نهر الكلب، وصودف وجود رحلة لطلاب الجامعة الأمريكية لصف المنتهين في الدائرة الإعدادية. في هذه الأثناء فوجىء الجميع بطفلة صغيرة تجرفها مياه النهر بقوة، فما كان من عليا إلا أن قفزت إلى الماء واحتضنت الفتاة والمياه تجرفهما معاً إلى أن غاص ورائهما بعض طلاب الجامعة وتمكنوا من سحب الفتاتين الى البر بعد جهد جهيد. وهنا صاحت المعلمة أمينة: "آه يا أخت الرجال يا عليا". ويقال بأن الحكومة منحت عليا عبود وساماً تقديراً لها، واتخذ البيارتة من قول المعلمة أمينة الخوري المقدسي مثلاً. .
عندما تبدو بيروت من البحر سنة 1898. . . الحب من أول نظرة!.
تعد بيروت واحدة من أكثر المدن التجارية في آسيا الصغرى، وأهمها، بلا شك على ساحل سوريا، حيث يبلغ عدد سكانها ثمانين ألف نسمة. ترى المدينة وكأنها تنحني بإتجاه البحر، مع بيوتها العديدة وقبابها وشرفاتها و قناطرها وفيلاتها المتألقة ببياضها، أو اللامعة بألألوان المبهرة، والمتوّجة بأشجار الصنوبر العملاقة، فتبدو وكأنها امرأة مغناج تذهب إلى الشاطئ لتظهر مفاتنها، وتتأمل موجات البحر اللازوردية.
من النظرة الأولى إلى المدينة، و بفضل الطرقات التي تتلاقى هنا، نرى كم ازدهرت حركة التجارة والصناعة في ظل تلاق كبير بين الأعراق المتنوعة. هنا تقابل الموارنة مع الدروز والمسلمين العرب الى جانب الأتراك واليونانيين والأرمن. كلهم يتواجدون هنا وينشطون في أعمالهم وكأن المدينة تحولّت الى بابل للغات والأزياء.
رحالة يصف سوق بيروتي قديم سنة 1838.
كتب الروائي الفرنسي ادوار بلونديل Edouard Blondel الذي عاش سنة ونيف في بيروت:
"هذا هو الحي الأكثر حيوية في المدينة، الذي يذكرك بالفانوس السحري حيث يتغير المشهد طوال الوقت. لا يمكن للمرء أن يجد وجهة نظر أفضل لدراسة الأنواع المادية والأزياء المتنوعة للبلاد.
الكهنة والدراويش والبدو من الصحراء والفلاحون من جبل لبنان والدروز والمصريون والنساء السود والعبيد على اختلاف أنواعهم، كلهم يأتون ويذهبون، يزدحمون ويتدافعون من كل اتجاه. . . المحلات التجارية الوحيدة ذات الأهمية هي متاجر تجار الحرير الذين يبيعون السلع المحلية. وبعد ملاحظة الأنوال البدائية التي يستخدمونها، يندهش المرء من القماش الجميل الذي ينتجونه.
في العصور السابقة، كان جميع السكان يرتدون ملابس حريرية؛ منذ الاحتلال المصري تغير كل شيء. ولأنهم مثقلون بالضرائب والرسوم، لم تعد لديهم الوسائل للانغماس في مثل هذا الترف.
إستغلال الغرب لشعوب الشرق (تجارة بيروت سنة 1899 كمثال)
أثناء تصفحي بعض الأعداد القديمة من جريدة لسان الحال البيروتية، لفت نظري ما كتبه خليل سركيس رئيس هيئة تحريرها في العدد رقم 3083 تاريخ 5 نيسان 1899 في مقالة طويلة انتقي منها ما يلي:
". . . لأن الوطني مهما بلغت ثروته التي يعود بها إلى وطنه بعد طول الاغتراب لا تعوض ما تأخذه أوربا منه (أي الوطن)، لانه من المعلوم أن كل ما تجمعه من الأموال وما تجنيه كدّاً باليمين وبعرق الجبين نوديه قيمة الملبس والرياش وغيرهما حتى صرنا نتناول من أوربا كل احتياجاتنا من النعل حتى الطربوش للملبس ومن الزيوت والأسماك حتى الخضر للطعام، ومن المسمار حتى الجسور للبناء، ومن المكنسة حتى المرآة لتنظيف المنزل وتدبيروه ومن الفحم حتى الغاز للاستنارة والطبخ والتدفئة ومن الأسرة حتى الطوابع والمكابس من أدوات الصناعة.
فإذا كنا نضطر إلى استبضاع كل ذلك من أوربا فمتى نرى نقوداً في صناديقنا. والمستغرب أن بعض هذه الأشياء بل كثيراً منها تأخذه أوربا بأبخس الأثمان فتعيده إلينا لنشتريه بالدرهم بأغلى الأثمان. فالصوف نبتاع الرطل منه مثلاً بثلاثة فرنكات فتعيده إلينا منسوجاً لنبتاع الأوقية منه بثلاثة ريالات، ويأخذون رطل الزيت بفرنكين ويعطوننا الأوقية منه بفرنكين. وما أقوله عن هذه الأصناف يشمل كثيراً من المواد التي يضيق بنا المقام عن تعدادها فتلك هي الأسباب التي تُرتجع بيروت القهقرى. .
وما زلنا على تلك الحال، وربما أسوأ. . . وما أشبه اليوم بالبارحة.
ورد في العديد من الصفحات أن هذه الصورة من وسط بيروت سنة 1890!!
التوثيق:
شارع اللنبي في منطقة أسواق بيروت سنة 1922. في هذه السنة كانت بيروت تشهد تحولاً. فقد كان الانتداب الفرنسي (الذي تأسس عام 1920) يعمل على إعادة تشكيل النسيج العمراني للمدينة، موسعاً الطرق العثمانية القديمة مع جادات مستقيمة جديدة بدلاً من الأزقة المتعرجة.
وكان شارع اللنبي جزءاً من هذا التحول، إذ صُمم لربط الميناء والأحياء المركزية بالمناطق الإدارية والتجارية الجديدة، عاكساً مبادئ العمارة الجميلة والمبادئ العمرانية الأوروبية التي فضلتها سلطات الانتداب. ورغم أن الطابع العمراني الكامل الذي نربطه بالشارع لم يكن قد اكتمل تماماً بحلول عام 1900، إلا أن تخطيط الشارع وتحديده كشريان حضري رئيسي كانا قد بدأ بالفعل.
بيروت بعيون الكونت فولني ـ الجزء الأول.
في سنة 1783 (وليس 1784 كما تذكر المصادر العربية على الانترنت) قام رحالة فرنسي هو قسطنطين فرانسواز فولني (الكونت فولني) Constantin François de Chassebœuf, comte de Volney المولود سنة 1757 برحلة إلى الشرق منطلقاً من مرفأ مرسيليا استمرت ثلاث سنوات ودون مشاهداته فيها في مخطوطة أسماها "رحلات خلال سوريا ومصر" أنهاها سنة 1788وطبعت في لندن سنة 1801.
قال فولني عن وصف بيروت:
" بيروت تقع على بقعة تبدأ عند سفح الجبل، داخلة في البحر على شكل قرن طوله فرسخان والزاوية الجوفاء التي يحدثها هذا القرن يصب فيها نهر بيروت، أو نهر "الصليب" الذي يفيض في فصل الشتاء وعلى هذا النهر جسر كبير خرب يصعب عبوره. وفي بيروت من السكان ستة آلاف نسمة.
ولمرفئها رصيف كما للمرافىء الأخرى في هذا الساحل، وقد تراكمت فيه الأنقاض والرمال. ويحيط بها سور بني بحجارة رملية رخوة تخترقها القنابل دون أن تحطمها مع أنه لا مناعة لسورها ولا لأبراجها القديمة. والتلال المشرفة عليها وافتقارها الى الماء يجعلانها تعجز عن رد المغيرين عليها.
ذكرت وصف المؤرخ الفرنسي فولني Constantin-François de Chasseboeuf, count de Volney لجغرافية بيروت ومرفأها سنة 1783.
وعن مشاهداته في أسواق بيروت في ذلك الوقت قال:
"ومما يجدر ذكره ذاك الظاهر لملامح وأحاديث السكان الدال على الورع والتقوى، فلا يُرى في الطريق والأسواق إلا أناس في أيديهم المسابح، ولا تسمع إلا ابتهالات مفخمة موجهة إلى الله تعالى، ويطرق أذنك على الدوام ذكر صفة من صفات الله التسع والتسعين (أسماء الله الحسنى). إذا استفز أحدهم الحيث قال: يا الله، أو الله أكبر، الله تعالى. وإذا باع أحدهم خبزاً فإنه لا ينادي بخبزه بل يقول: الله كريم، وإذا باع ماءً قال: الله جواد، وقس على ذلك سائر الأحوال". . .
المصدر:
سورية ولبنان وفلسطين في القرن الثامن عشر كما وصفها أحد مشاهير الغربيين" بقلم حبيب السيوفي ج2 ص 110 المطبعة المخلصية ـ لبنان.
بمناسبة موسم التزلج: من هو البيروتي الذي كان أول من لبس القطع الخاصة بالتزلج في لبنان؟ ومن هم رواد هذه الرياضة فيه؟
في سنة 1913 عاد أحد أبناء بيروت من سويسرا بعد أن أنهى دراسة التعدين في جامعاتها حاملاً معة قطعتين غريبتين من الخشب. كانت تلك القطعتان أول حذاء للتزلج يصل إلى لبنان، كان هذا المهندس البيروتي اسمه رامز غزاوي، وكان في نيته أن ينشر هذه الرياضة في لبنان، كما شاهدها في سويسرا. وبدأ فعلاً تمارينه في ضهور عاليه، ولكن إندلاع الحرب العالميّة الأولى أوقف إنطلاق هذه الرياضة إلى أن كانت سنة 1929، حين قدم بيروت فرنسيان، أحدهما مدير دائرة الآثار في المفوضيّة الفرنسيّة، فباشرا بالتمرين في منطقة ضهر البيدر، وإنضم إليهما بعض الفرنسيين.
وعمد حسن نجيب العيتاني إلى تأسيس (نادي السكي اللبناني) لتشجيع هذه الرياضة، فصور عدة أفلام، جرى عرضها في المدارس والأندية سنة 1942، مما نتج عنه نشوء فروع للتزلج في بعض النوادي.
وظهر من أبطال التزلج منير العيتاني، الذي تتلمذ على يديه عدة أبطال منهم: إبراهيم جعجع وجان سمن، وقد مثَّل الثلاثة لبنان في المباريات العالميّة. وفي عام 1947 سافرالمتزلجين اللبنانيين الى الخارج للتنافس في المسابقات الدولية للمرة الأولى.
في عام 1948، تنافس فريق لبناني تألف من: منير عيتاني وجان سمن وعبد الوهاب الرفاعي وابراهيم جعجع في "الالعاب الاولمبية الشتوية" في سانت موريتز 1948.
رحلة صاحب "سياحتنامه" سنة 1670
زار الرحالة التركي أوليا جلبي (Evliya Çelebi) لبنان مرتين: كانت الأولى سنة 1648 بهدف تحصيل الضرائب من الأمراء المعنيين ولم يزر خلالها بيروت، أما الثانية فكانت سنة 1670 وصل فيها إلى طرابلس الشام وبيروت وصيدا وغيرها. دون رحلاته في سفر من عشرة أجزاء بعنوان "سياحتنامه" ومما كتب عن مشاهداته في بيروت:
"بيروت مدينة ساحلية، تقع في مكان رملي يتوسط رأسين، أقيمت فيهما قلعتان انيقتان، أبوابهما حديدية، وفي كل منهما جامع وأبراج متينة، ينتشر نحو 200 مخزن أقمشة في رأس ميناء بيروت، و16 خان تستوعب الأمتعة والبضاعة، بالإضافة إلى دائرة للجمارك يبدو أنها كانت سبيلاً في السابق. وفيها أربعة حمامات و17 مدرسة دينية، و8 مدارس صبيان، وسبعة أسبلة، و300 دكان و40 قهوة وثمانية خانات للأقمشة. لكن أزقة المدينة ضيقة لا تستوعب كثرة أعداد المارين، وهي مرصوفة على جانبيها. وجميع أبنية المدينة حجرية ذات عقود، أبوابها ونوافذها من الخشب". [سياحتنامه، الجزء الخاص ببيروت؛ ترجمة الدكتور جنكيز أروغلو. ]
في مثل هذا اليوم 13 كانون الثاني (يناير) سنة 1910، جرى أول بث إذاعي تجريبي من قاعة المتروبوليتان للأوبرا في برودواي بمدينة نيويورك الأمريكية من خلال عرض نقل شارك فيه عدد من أشهر مغني الأوبرا في ذلك الوقت.
أما في لبنان فقد ابتدأ البث الإذاعي في عهد الإستعمار الفرنسي ، وبعد الإستعانة بتكنولوجيا الغرب انطلقت “إذاعة الشرق ” عام 1938 التي تحوّلت بعد الإستقلال إلى “إذاعة لبنان” وكانت الإذاعة العربية الثانية بعد الإذاعة المصريّة.
وكان الدكتور فيليب حتي كتب في مجلة الهلال سنة 1925 مقالاً وصف فيه الراديو بأنه "جهاز صغير بحجم الصندوق، في مقدمته بضعة مفاتيح بسيطة تعالجها، فتنقل إلى مسامعك عن طريق تموجات الأثير ومن مسافة مئات أو آلاف الأمتار، نغمات خاصة وألحاناً شجية وخطباً ومواعظ".
هذه الآلة السحرية لم تدخل بيروت إلا سنة 1928. فتحت عنوان "غنت في أوروبا فأطربت في بيروت" كتبت "لسان الحال" في 23 أيار سنة 1928 تخبرنا أن شركة نجار اخوان، صاحبة المحلات التجارية في بيروت، استحضرت آلة راديو ركزتها في بيت أحد أعضاء الشركة السيد سعيد نجار في محلة رأس بيروت قرب الجامعة الأميركية. وأنها دعت إلى الاحتفال بتدشين دخول الراديو إلى بيروت نخبة من أفاضل البلد ورجال الصحافة، لسماع الحفلات الغنائية والخطابية التي أقيمت قبل ذلك بأسبوع في مسارح موسكو ومدريد والندن وباريس وبرلين والآستانة، وشنفت آلة الراديو آذان المدعوين ساعتين انصرفوا بعدها شاكرين معجبين.
ومن الطريف أن اقتناء أجهزة الراديو قديما كان يخضع لتصريح ولدفع رسم سنوي.
رحلة برتراندون دو لا بروكيه -الجزء الأول.
في سنة 1432م، قدم سائح فرنسي (وجاسوس لدوق بيرغندي) يدعى برتراندون دو لا بروكيه Bertrandon de la Broquière إلى بيروت عند عودته من فلسطين برحلة حج. وكانت رحلته هذه ذات قيمة كبيرة من الناحيتين التاريخية والجغرافية لما اشتملت عليه من وصف للمدن والموانىء التي مر بها. كما أنها ألقت الضوء على حياة البيروتيين من خلال أوضاعهم الاجتماعية وتقاليدهم الدينية في تلك الفترة من القرن الخامس عشر.
كتب دو لا بروكيه في مذكراته التي دونها في كتاب فيما بعد:
". . . واصلنا السفر إلى بيروت ومررنا في طريقنا إليها بصور. . . وكانت مدينة بيروت فيما مضى أعظم شأناً، لكن مينائها صالح للتجارة ومياهه عميقة، والسفن الوافدة إليه تأمن من الخطر. ويشاهد على بعض أطرافه بقايا قلعة حصينة كانت قائمة فيما مضى، أما الآن فهي خرائب".
في مثل يوم أول من أمس 10 كانون الثاني سنة 1940
عاصفة هوجاء تقتلع الأشجار في منطقة رأس بيروت!
ورد هذا الخبر في ذلك الوقت كالتالي:
هبت أول أمس زوبعة شديدة على شواطئ المدينة فأحدثت خسائر في نحو 50 منزلاً في محلة رأس بيروت وطغت المياه على الطرقات العامة على الشواطئ في محلتي ميناء الحسن* والكورنيش، كما أن القوارب الشراعية التي كانت في طريقها غلى البلدان المجاورة عادت أدراجها. واقتلعت العاصفة عدداً كبيراً من الأشجار في محلة رأس بيروت. [جريدة الدفاع، 12 كانون الثاني 1940].
ملاحظة:
*ميناء الحسن" كانت تكتب هكذا في السجلات والمنشورات القديمة وليس كما اليوم "ميناء الحصن".
في سنة 1170م، زار بيروت رحالة ألماني يدعى ديودوريتش خلال رحلته إلى فلسطين، وكان مطران مدينة فرتنبرغ بين سنة 1160-1170م. وهو يعتبر أول كاتب أوروبي عني بوصف الأماكن المقدسة في بلاد الشام وصفاً شاملاً دقيقاً في القرون الوسطى.
توقف ديودوريتش في بيروت وكتب عنها:
". . . ميناؤها جميل أتقنته يد الصانع الماهر، ويحيط بالمدينة كالهلال. يقوم في كل من طرفيه برج تسحب بينهما سلسلة تحمي السفن الموجودة في الميناء في الليل. "
وكنت قد تناولت في منشورات سابقة عن تاريخ هذه السلسة والأبراج وباب السلسلة على سور بيروت، ومما جاء فيها:
في أيام مولد يسوع المسيح قام الامبراطور الروماني أوغسطس قيصر بترميم المرفأ وبنى له سدين على هيئة هلال على طرف كل واحد برج وربطهما بسلسلة حديدية للحماية. وفي مطلع القرن الثالث عشر تمت إعادة تنشيط الصليبيين للمرفأ وحمايته على طريقة أوغسطس قيصر مع بناء قلعتين على جانبي أطرافه. وفي سنة 1387م جدد الأمير بيدمر المملوكي نائب الشام سور بيروت على جانب البحر جعل أوله من عند الحارة التي على البحر واصلاً تحت البرج الصغير العتيق المعروف ببيرج البعلبكية، وجعل بين هذا السور وبين البرج المذكور باباً، وركب عليه سلسلة تمنع المراكب الصغار من الدخول والخروج، فسمي باب السلسلة.
من منا لا يتذكر الكانون النحاسي الحنون الجميل؟
وصفته بالحنون لأنه كان يجمع العائلة في ليالي الشتاء الباردة، وينشر الدفء في أرجاء الغرفة، ويصغي صامتاً لحكايات الأم والجدّة، ويرسل أريج أطيب العطر عندما كان أحدنا يلقي في جمراته المتوهجة قشرة ثمرة ليمون أو بعض بخور اللبان الأصلي المميز.
وفي بيروت، وكعادة البيارتة في معظم شؤونهم، كان الكانون أيضاً مدعاة للفخر والتباهي! فكلما كان الكانون وصحنه النحاسي أكبر كلما كانت صاحبته "وجيهة" أكثر، خاصة إذا كان عملاً فنياً غني بالنقوش الجميلة. وكثيراً ما كنا نسمع السيدات يتفاخرن قائلات: "وئي أنا جبتو من أحسن محلّ بسوق النحاسين بطرابلس"، فترد الأخرى: "قطيعة، أنا وصيت عليه توصاية من سوق الحميدية بالشام"، وتضحك الثالثة قائلة: "هلأ هيدا بتسميه كانون؟ إي أنجأ يكون منقل"!
هذا التباهي لم يكن يتوقف عند قيمة الكانون وحجمه، ولكن أيضاً كان للفحم نصيب. وكانت العادة أن يموّن الزوج كمية من الفحم على التتخيتة أو في مكان آخر، فقد سمعت في صغري جارتنا أم بشير تقول لأم شفيق: "يي عليكي، شو 50 كيلو. . . أنا أبو بشير جاب لي كيس فحم أكتر من 100 كيلو".
ولا يكتمل جمال الكانون وفخامته إلا إذا كان معه ملقط نحاسي مميز، ومجمرة صغيرة تتناسب مع رونقه وخاصة إذا كان بجانبه الترابيزة المزخرفة وفناجين القهوة الجميلة.
أما "المنقل" فكان صديق الكستنا المشوية. وكما هو معروف فحبّة الكستنا يجب أن تشق قبل أن تطمر بالرماد الساخن أو توضع على الجمر. هذه العملية لم ترق لجوز خالتي رحمه الله، فوضع كمية كبيرة من الكستنا على جمرات المنقل دون أن يشقها في غرفة الجلوس بمنزله في باب ادريس، وفي اليوم التالي ذهبت أمي لكي تساعد أختها في تنظيف البيت وتغيير "قمصان" المقاعد التي احترقت نتيجة الانفجارات الكستنائية العشوائية التي سقطت ملتهبة في كل أنحاء الغرفة.
واليوم صار الحنون ديكور لا يجد من يغذيه بالجمر ولا من يواسيه، وتخلى معظم الناس عن حكاياتهم وذاكرتهم وتراثهم.
الأسقف الهولندي Wilbrand of Oldenburg زار مدينة بيروت سنة 1212، ودون في مذكراته وصف قصرها الشهير الذي بناه Foulqus de Guines الذي كان حاكم بيروت الصليبي من سنة 1110 إلى سنة 1117م.
تابع أولدنبرغ في وصف القصر:
" وكانت جدران الغرف مزدانة بقطع الرخام المنقوش على هيئة تأخذ بالأبصار، وقد دهنت قبتها بالصباغ الأزرق على هيئة السماء. وفي وسط الغرفة بركة من الرخام الملون المصقول، ينفذ إلى داخلها نسيم عليل من نوافذها المتعددة فيرطب حرارتها. "
بيروت 1930
تنوعت بيروت بطوائفها وعائلتها القادمة من شتى البلاد وهبطت فيها لأنها مدينة فريدة من نوعها ، ناسها كرام وأصولها عريقة . عرفت بيروت عائلات كثر مثل عائلة ارناؤوط التي تعود جذروها الى البانيا وكانوا من الإشراف وذوي النعمة لها باع طويل بالسياسة وتبوؤا مناصب عليا في دول البلقان ومعروفون بشدة تحملهم. . نزلوا طرابلس وبعدها بيروت قبيل الحرب العالمية الأولى وسكنوا فيها ، وكان جل أفرادها حرفيون وأتقنوا فن الحلاقة وعرفوا بها وذاع صيتهم في بيروت .
في سنة 1930 افتتح الجد الاول بهجت ارناؤوط والد المرحوم عبد الوهاب
( ابو سمير) الذي عمل في مهنة الحلاقة أيضا وفتح صالون الذي يقع بالقرب من كنيسة مارمخايل المزرعة والذي تحول الى محل لتأجير البسكلاتات فيما بعد لرواج هذه المهنة.
اما بهجت ارناؤوط فقد استأجر دكاناً تحت مبنى التياترو الكبير وسط البلد وكان يعتمد على العسكر الأجنبي والبحارة وكان يبيع الأمشاط والأحزمة الجلدية والسكاكين وموسى الحلاقة . وكان معروف بحزمه ومواقفه المناهضة للاستعمار الفرنسي. وافتتح أيضاً أديب ارناؤوط بشارع فوش قديما ًصالون حلاقة.
في سنة 1212م، زار الأسقف الهولندي Wilbrand of Oldenburg مدينة بيروت، وتوقف مذهولاً عند قصر بني في عهد حاكم بيروت الصليبي Foulqus de Guines (وهو نفس المكان الذي بنى فيه الأمير فخر الدين المعني الثاني في نهاية القرن السادس عشر قصره الذي كان يقع شرقي ساحة الشهداء المعروفة في وسط بيروت، والتي كانت تعرف قديماً بـ "بستان فخر الدين"، وهو أول لقب أطلق على هذه الساحة. وكان بستان فخر الدين وقصره في ذلك الوقت من أجمل وأبدع ما يمكن وصفه، فقد كان البستان مشحوناً بالأشجار والزهور وأقفاص الطيور والوحوش من كل الأنواع، وكان القصر تحفة معمارية من أجمل ما صممه وأنشأه المهندسون الإيطاليون الذين اصطحبهم معه الأمير حين عودته من التوسكانة. )
بالعودة إلى قصر بيروت الصليبي كتب أولدنبرج في مذكراته:
". . . وكانت هذه الاستحكامات قد استوجبت أشغالاً طويلة، لا سيما وأن نقوشها الداخلية بلغت النهاية في الحسن والإتقان. . . إنها كانت مرصوفة بالفسيفساء التي تمثل مياهاً تتموج مع نسيم الريح، فيتعجب الماشي كيف لا تغوص رجله في الرمال التي في قعر المياه. " (وهو ما يذكرنا بقصة بلقيس ملكة سبأ اليمنية مع نبي الله سليمان عليه السلام).
يُذكر أن القصر بقي قائماً حتى نهاية القرن التاسع عشر ويظهر في بعض الصور من تلك الحقبة.
كان هذا السوق يحمل الرقم 68 منطقة 12 – المجيدية ويمتد من الشمال الى الجنوب بمحاذاة شارع البطريرك الحويك، أي عند منطقة البيال اليوم شمالاً (مينة القمح قديماً) وصولاً إلى شارع ويغان في منطقة باب ادريس.
بوشر بإنشائه سنة 1894 مكان بساتين متاخمة لحائط السور، وسمي السوق الجميل لجماله وترتيبه وواجهات دكاكينه البراقة الجميلة. كان عرضة 10 أذرع ويحتوي على 72 حانوتاً وصار موضع إقبال الناس من لبنان وسوريا وغيرها. اشتملت محلات السوق على بيع الأدوات الكهربائية والهواتف كان من أشهرها محل مصطفى العريس، ومحل قيصر ديمتري دباس وكذلك على التحف والفنون والأشغال الحريرية مثل محل ندره ومتري طرزي الذي كان من أوائل المحلات التي انتقلت الى السوق الجميل من سوق البازركان.
وكان يباع في السوق الفونوغرافات والأسطوانات الموسيقية العربية والغربية في مخزن شكري عودة وإخوانه، وماكينات الخياطة من ماركة "سنجر" الأمريكية و"نومن" الألمانية وكانت تباع بالتقسيط لمن يرغب.
وأقيمت في هذا السوق أيضاً معارض ومشاغل للخياطة ربما كان أشهرها مشغل السيدة برجيس للأزياء النسائية. وعرض فيه منتجات من معدن الألومنيوم الذي تعرف عليه البيارتة في هذا السوق سنة 1911 من خلال محل قيصر ديمتري دباس ومخزن السيوفي.
وكان في هذا السوق أوتيل جميل هو لوكاندة "كاسمن "ومكاتب عديدة لشركات عالمية مثل شركة "لافكتوريا دو برلين" للتأمين التي اتخذت لها مكتب في هذا السوق سنة 1902 وكان تعاملها المصرفي مع البنك السلطاني العثماني وبنك فرعون وشيحا.
هذا تعريف مختصر لهذا السوق. تابع الصفحة للاطلاع على المزيد من التفصيل في بوستات قادمة.
سوق الجميل حوالي 1910.
سوق الفرنج
كان هذا السوق يقع في محلة باب إدريس من منطقة المرفأ ويصل بين سوق الجميل وشارع ويغان ويحمل رقم 97 ـ منطقة 12. أقيم بالدرجة الأولى لتأمين حاجات الأجانب الذين يسكنون بقربه من جهة البحر، وكانت تباع فيه الزهور والفاكهة والخضار.
من ناسه ومحلاته كان أشهرهم محمد الحلبي وأخوه صاحبي محل "الحلبي" للخضار والفاكهة التي كان يعرض بعضها في غير أوانها. يذكر أن الحلبي هذا باع محله بنصف مليون ليرة لبنانية (حوالي مئتي ألف دولار أمريكي) قبل أسابيع قليلة من اندلاع الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975. وكان بقربه محل "كريدية" للحلويات العربية ويواجهه محل "سميراميس" للحلويات وخاصة الإفرنجية منها. ومن محلات الزهور أشتهر تاجر زهور من عائلة إدريس (أول من استورد زهرة الغاردينيا) والشعار وآخر من آل عزّام، وكذلك أصحاب محلات المصري وبريمافيرا.
وكان في هذا السوق محل بن يونس الشهير وملحمة شاتيلا الباريسية، ودكان صغير لم أهتد إلى إسم صاحبه كان يبيع مناقيش يوفرها له فرن معتوق. وكان سعر المنقوشة بزعتر عشرين قرشاً وسعر المنقوشة بجبنة ثلاثين قرشاً (ربما يعتبر أول محل لبيع المناقيش في بيروت).
قال شاعر شعبي بيروتي:
رزق الله ع كبوش التوت
شو كانت حلوي بيروت
كنا نلعب بالليرات
وبالدهب والياقوت
كان أغلب من دوّن مشاهداته من الرحالة الأجانب القدماء هم من الحجاج الذين كانوا في طريقهم إلى الديار المقدسة في فلسطين مروراً ببيروت، وألفوا في ذلك كتب كثيرة تعتبر من أمهات كتب الرحلات.
ولكن البعض منهم كان يسافر بغرض التجسس وإرسال التقارير إلى حكومته في أوروبا، أذكر على سبيل المثال الفرنسي برتراندون دو لا بروكيه Bertrandon de la Broquière الذي كان جاسوساً لدوق بيرغندي duc de Bourgogne ودوّن مشاهداته في كتابه: Le Voyage d'Outre-Mer.
ومنذ القرن السابع عشر، ازداد اهتمام الحكومات الأوروبية بمحاولات اكتشاف الشرق على أيدي الرحّالة، بالتزامن مع حركة الاستشراق. وطُلب من الرحالة (في القرن التالي) "التحول من الرحلة ـ السياحة إلى الرحلة السجلّ، وطولب الرحالة بملاحظة ومراقبة كل ما يهمّ الدوائر التجارية والسياسية؛ من أحوال وأوضاع البلاد الشرقية. فامتلأت الرحلات بالإحصائيات والمصوّرات والخرائط ولوائح أسعار السلع وكميات البضاعة المصدّرة أو التي يمكن إنتاجها". . . فـ "غدت الرحلات أشبه بالتقارير".
من أشهر هؤلاء الجواسيس نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين البريطانية Gertrude Bell، ورغم ولائها لبريطانيا والتجسس لصالح حكومتها كان لها أعمال محمودة ونشاط في البلاد العربية التي رحلت إليها. ولكن كنهاية كل جاسوس، تنكرت لها حكومتها فيما بعد ونبذتها، فماتت في بغداد فقيرة منسيّة سنة 1926.
يد رأس السنة يعتبر واحداً من أقدم الأعياد وأكثرها إنتشاراً وشهرة.
الغريب في الأمر، أن قصة هذا اليوم بدأت في حقبة لم تكن السنة الشمسيّة قد عرفت بعد، وتتمثّل الدورة الزمنيّة التي كانت معروفة آنذاك في الزمن المحصور بين البذور وجني المحاصيل.
لذلك اقترن رأس السنة لدى الحضارات القديمة بالتغيرات التي تطرأ على الفصول والطقس، لما لتلك التقلبات من تأثير على مزاج الإنسان.
•البابليون أول المحتفلين به:
يرجع أول مهرجان عرفه التاريخ إحتفالاً برأس السنة إلى مدينة بابل، حيث احتفل البابليون بعيد رأس السنة في الإعتدال الربيعي، أي أواخر شهر آذار، إذ تبدأ احتفالاتهم مع بدء الربيع وتستمر أحد عشر يوماً.
يستهل البابليون إحتفالاتهم بالشعائر الدينيّة الطقسيّة، عندما يستيقظ الكاهن قبل الفجر بساعتين، فيغتسل في مياه الفرات المقدسة، ويرفع ترنيمة إلى "ماردوك" إله الزراعة الأكبر، متوسّلاً إليه أن يكون الموسم الجديد ذا عطاء وفير.
وكانوا يستهلكون الطعام والخمر والأشربة الثقيلة بكثرة، ليس من أجل المتعة فقط، بل لسبب أكثر أهمية، يتمثّل بأن تكون كعربون تقدير للإله "ماردوك" الذي أنعم عليهم في حصاد العام المنصرم.
وفي اليوم السادس من الإحتفال تعرض مسرحية المهرج المتنكر تقدمة إلى آلهة الخصب، وتتبع بعرض ضخم ترافقه الموسيقى والرقص وبعض التقاليد التي تبدأ عند المعبد وتنتهي في ضواحي بابل ضمن بناء خاص يدعى "دار السنة الجديدة".
•الرومان حددوا 1 كانون الثاني بداية العام الجديد:
الرومان كانوا يحتفلون في الخامس والعشرين من آذار، "أو يوم بداية الربيع" بعيد رأس السنة الجديدة.
إلا أن الأباطرة ورجال الدولة كانوا يحاولون باستمرار التلاعب بطول الأشهر والسنين لكي يطيلوا فترة حكمهم المخصّصة لهم. ولم يعد تأريخ التقويم يتزامن مع المقاييس الفلكية بحلول العام 153 ق. م. لذا رأى المجلس الروماني الأعلى ضرورة تحديد العديد من المناسبات والأعياد العامة. فأعلن الأول من كانون الثاني بداية للعام الجديد.
****
•الفراعنة
من أقدم التقاليد التي ظهرت مع الإحتفال بعيد رأس السنة لدى الفراعنة صناعة الكعك والفطائر، والتي انتقلت بدورها من عيد رأس السنة لتلازم مختلف الأعياد. وكانت الفطائر مع بداية ظهورها في الأعياد تزيّن بالنقوش والطلاسم والتعاويذ الدينيّة.
طريقة احتفال المصريين به كانت تبدأ بخروجهم إلى الحدائق والمتنزهات والحقول، يستمتعون بالورود والرياحين، تاركين وراءهم متاعب حياة العام وهمومه في أيام السنة، والأيام الخمسة المنسية من العام، ومن الحياة. وتستمر احتفالاتهم بالعيد خلال تلك الأيام الخمسة التي أسقطوها من التاريخ خارج بيوتهم. وكانوا في اليوم الأول يزورون المقابر، حاملين معهم سلال الرحمة (طلعة القرافة) كتعبير عن إحياء ذكرى موتاهم كلما انقضى عام، ورمز لعقيدة الخلود التي آمن بها المصريون القدماء.
ثم يقضون بقية الأيام في الإحتفال بالعيد بإقامة حفلات الرقص والموسيقى ومختلف الألعاب والمباريات والسباقات ووسائل الترفيه والتسلية العديدة.
كما شهد عيد رأس السنة لأول مرة عرض الزهور، "كرنفال الزهور"، الذي ابتدعته كليوباترا ليكون أحد مظاهر العيد عندما تصادف الإحتفال بعيد جلوسها على العرش مع عيد رأس السنة. وعندما دخل الفُرس مصر احتفلوا مع المصريين بعيد رأس السنة وأطلقوا عليه اسم "عيد النيروز" أو "النوروز"، ومعناه باللغة الفارسية "اليوم الجديد".
****
•الكنيسة تحوّله عيداً دينيّاً
استمر الأباطرة بإقامة إحتفالات رأس السنة الجديدة حتى بعد اعتناقهم الديانة المسيحيّة، دون أن يتخلوا عن طقوسهم الوثنية، لذلك حضّت الكنيسة الكاثوليكيّة الناشئة على القضاء على كلّ المناسبات الوثنيّة، وأدانت تلك الطقوس وحرمت المسيحيين من المشاركة فيها.
وعندما زاد نفوذها وكثر مؤيدوها، أخذت الكنيسة تؤسس تدريجاً مهرجاناتها الخاصة بها، لكي تتفوّق وتتفاخر بها على نظائرها الوثنيين وتسلبهم بريقهم
****
مع تلاحق السنوات، اتضح أن التواريخ المختلفة المعتمدة لرأس السنة، تخلق مشكلات في ما يتعلق بمواعيد المناسبات؛ فقد كانت تقع أحداث بغير مواسمها، كما كان يصعب تحديد تواريخ مناسبات أخرى كعيد الفصح، إضافة إلى أخطاء مرتبطة بحسابات السنوات الكبيسة.
وبناءً عليه، طرح البابا غريغوري الثالث عشر، تقويماً معدلاً عام 1582، أطلق عليه التقويم الغريغوري أو الميلادي، واقترح من خلاله إعادة اعتماد الأول من كانون الثاني كبداية للعام الجديد.
وقد قبلت بعض الدول التقويم بصيغته الجديدة، كإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، في حين تلككت بعض الدول البروتستانتية والأرثوذكسية في قبوله؛ كبريطانيا ومستعمراتها الأمريكية، التي لم تستخدم التقويم الغريغوري حتى عام 1752، وقبله كانت تحتفل بالسنة الجديدة في 25 آذار.
كانت بيروت في خمسينيات وستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي أكثر من مجرد عاصمة لبنانية؛ كانت حلماً متلألئاً على شواطئ المتوسط، ومنارة للحياة والفن والجمال في المنطقة العربية بأسرها. كانت “باريس الشرق” كما أحب أن يسميها العالم، حيث امتزجت الأصالة العربية بالرقي الأوروبي، وتلاقت الحضارات في مشهد فريد لم يتكرر.
•الأجواء: ليلة من العمر
-الاستعدادات
كانت الاستعدادات لليلة رأس السنة تبدأ قبل أشهر. الفنادق والملاهي كانت تتنافس في تقديم أفخم العروض وأرقى الخدمات. الديكورات كانت تُستورد من أوروبا، والزهور الطازجة تُجلب من هولندا، والطعام والشراب كانا من أجود الأنواع العالمية.
-ليلة السحر
في تلك الليلة المباركة، كانت بيروت تتحول إلى مدينة من الأضواء والألوان. الشوارع تعج بالسيارات الفاخرة، والناس بملابسهم الرسمية الأنيقة يتجهون إلى أماكن احتفالهم المحجوزة. الأضواء تتلألأ من كل مكان، والموسيقى تنساب من كل زاوية. في منتصف الليل، عندما تدق ساعة الاحتفال، كانت الألعاب النارية تنطلق في سماء بيروت من مختلف المناطق، في مشهد مهيب يخطف الأنفاس.
-الرقص والغناء
كانت القاعات تمتلئ بالراقصين الذين يتحركون على أنغام الموسيقى الحية. البعض يفضّل الرقص الكلاسيكي الرسمي، والبعض الآخر يستسلم لإيقاعات الموسيقى العربية والتويست والروك أند رول. الجميع يغنون ويهتفون ويحتفلون بقدوم العام الجديد بحماس منقطع النظير.
-الطعام والشراب
كانت المآدب الفاخرة تُقدّم طوال الليل. من الكافيار والكركند إلى المازة اللبنانية الأصيلة؛ كل شيء كان متوفراً بأفخم أنواعه. الشيفات العالميون كانوا يتنافسون في تقديم أطباق فنية تسرّ العين قبل أن تُبهج الذوق.
•العروض الفنية سحر لا يُقاوم
كانت بيروت تستضيف كبار نجوم الغناء العربي في ليلة رأس السنة. كلهم غنّوا على مسارح بيروت وملاهيها الليلية، تاركين بصماتهم الخالدة في ذاكرة المدينة.
لم تكن بيروت تكتفي بالفن العربي، بل كانت تستقطب أيضاً نجوماً عالميين من كل أنحاء العالم. فرانك سيناترا، شارل أزنافور، داليدا، إنريكو ماسياس، وكثيرون غيرهم أنعشوا ليالي بيروت بفنهم الراقي.
كذلك، كانت الفرق الاستعراضية من باريس وميلانو ولندن تأتي خصيصاً إلى بيروت لتقديم عروضها في ليلة رأس السنة. راقصات الباليه والكورس لاين والأكروبات كانوا يقدمون عروضاً مبهرة تضاهي ما يُقدّم في أرقى مسارح أوروبا.
كما كانت بيروت تجلب أفضل الموسيقيين في العالم. فرق كاملة كانت تُستأجر لأشهر فقط للعزف في مختلف الفنادق والملاهي الليلية في موسم رأس السنة، لا سيما فرق الجاز الأمريكية والأوركسترات السيمفونية الأوروبية.
•بيروت محجة السياح في رأس السنة
كان السياح العرب يتدفقون على بيروت بالآلاف، خاصة في موسم رأس السنة. بالنسبة لهم، كانت بيروت نافذة على الحرية والانفتاح، حيث يمكنهم الاستمتاع بما لا يمكنهم الاستمتاع به في بلدانهم. كانوا يحجزون الفنادق والطاولات في المطاعم والملاهي قبل شهور، وكانوا ينفقون ببذخ، مما جعل بيروت مركزاً اقتصادياً مزدهراً.
أما السياح الأوروبيون، فقد كانوا يأتون لاكتشاف هذه المدينة الفريدة التي تجمع بين سحر الشرق وراحة الغرب. كانوا يجدون في بيروت كل ما اعتادوا عليه من رفاهية ورقي، مع نكهة شرقية ساحرة لا تُقاوم.
كذلك، كان الأمريكيون أيضاً من رواد بيروت، خاصة رجال الأعمال والدبلوماسيين والصحفيين. كانت بيروت بالنسبة لهم المدينة العربية الوحيدة التي تشبه المدن الأمريكية في انفتاحها وحيويتها، مع طابع خاص فريد.
كانت ليالي رأس السنة في بيروت أكثر من مجرد احتفالات؛ كانت تجسيداً لروح مدينة استطاعت أن تجمع بين الأصالة والحداثة، بين الشرق والغرب، في مزيج فريد جعل منها منارة للحضارة والفن في المنطقة. تلك الليالي المتلألئة، بموسيقاها وأضوائها وحيويتها، تبقى شاهدة على حقبة ذهبية عاشتها بيروت، وذكرى حية في قلوب من عاشوها ومن سمع عنها.
•الفنادق الأسطورية-قصور الضيافة والفخامة
-فندق “سان جورج”-أيقونة الرقي اللبناني
على كورنيش بيروت، كان فندق “سان جورج” يقف شامخاً كرمز للضيافة اللبنانية الأصيلة. افتُتح عام 1932، وأصبح ملتقى رؤساء الدول والفنانين والمشاهير من كل أنحاء العالم. كانت حفلات رأس السنة فيه تُحجز قبل ستة أشهر على الأقل، حيث كان يستضيف أشهر الفرق الموسيقية وعروض الباليه والرقص الاستعراضي. مسبحه الشهير المطل على البحر كان يتحول في ليلة الاحتفال إلى خشبة مسرح مضاءة بآلاف المصابيح الملونة.
-فندق “فينيسيا”-البندقية على شواطئ بيروت
بهندسته المعمارية الإيطالية الفريدة، كان فندق “فينيسيا” يأخذ ضيوفه في رحلة إلى البندقية دون مغادرة بيروت. كانت احتفالاته تتميز بالطابع الأوروبي الراقي، مع عشاء فاخر من المطبخ الإيطالي والفرنسي، يتبعه عرض موسيقي كلاسيكي ثم موسيقى الجاز الحية التي تستمر حتى ساعات الفجر الأولى.
-سلسلة الفنادق
كذلك، كان كل فندق من الفنادق الأسطورية في بيروت، كان له شخصيته الخاصة وجمهوره المميز. “لو فيندوم” بفخامته الباريسية، “ألكازار” بأجوائه الملكية، “إكسلسيور” بحداثته العصرية، “مارتينيز” بلمساته الإسبانية، “رودين” بأناقته الكلاسيكية، “كادمس” بعراقته الفينيقية، “الكارلتون” برقيه البريطاني، “بالم بيتش” بأجوائه الاستوائية، “بارلا” و”سيغال” و”ريجينا” و”بيريت”؛ كل واحد منها كان عالماً قائماً بذاته، يقدم تجربة فريدة لا تُنسى.
•الملاهي الليلية حيث لا ينام الليل
كانت منطقة “الزيتونة” بمثابة القلب النابض للحياة الليلية في بيروت. شوارعها الضيقة المرصوفة بالحجارة كانت تعج بالحياة من غروب الشمس حتى شروقها. هنا، كان يمكنك أن تسمع موسيقى من كل نوع تنساب من الأبواب المفتوحة للملاهي والنوادي الليلية.
-“الكيت كات” أسطورة الكاباريه اللبناني
كان ملهى “الكيت كات” أشهر الملاهي الليلية في بيروت، مستوحى من النوادي الشهيرة في باريس وبرلين. كان يقدم عروض الكاباريه الفاخرة مع راقصات محترفات يأتين من أوروبا، وفرق موسيقية حية تعزف موسيقى الجاز والسوينغ. كانت طاولاته تُحجز قبل شهور، وكان لباس السهرة إلزامياً للدخول.
-“منصور” عرين الطرب الأصيل
في المقابل، كان ملهى “منصور” يقدم الطرب العربي الأصيل في أرقى صوره. هنا كانت تُسمع أصوات كبار المطربين اللبنانيين والعرب، وكان الجمهور يتفاعل مع الموسيقى بحماس منقطع النظير، في جو من الألفة والأصالة العربية.
-“Les Caves Du Roi”: (الكهوف الملكية)
بديكوره الفريد الذي يحاكي الكهوف الملكية القديمة، كان هذا الملهى يقدم تجربة سريالية مميزة. أضواؤه الخافتة وموسيقاه الرومانسية جعلته المكان المفضل للأزواج والعشاق الذين يبحثون عن أجواء حميمية راقية.
•عين المريسة والسهر على وقع الأمواج
كانت منطقة “عين المريسة” تقدمان نوعاً مختلفاً من السهر، حيث تمتزج الموسيقى بصوت الأمواج، وتتلألأ الأضواء على صفحة المياه. الملاهي هنا كانت تتميز بإطلالاتها البحرية الخلابة، حيث يمكن للسهارى أن يراقبوا القمر وهو ينعكس على صفحة البحر بينما يرقصون على أنغام الموسيقى الحية.
“Epi-Club” بديكوره العصري الجريء، “Tabou” بأجوائه البوهيمية المحرّرة، “Gardinia” بحدائقه المعلقة المزينة بالورود، “Red” بجرأته وألوانه النارية، “Ball Room” بقاعته الفسيحة المصممة خصيصاً للرقص، “Peacock” المزين بريش الطاووس الملون، “Rotiss” بمشاويه الفاخرة وموسيقاه الحية، “Blue Up” بإطلالته من الطابق العلوي؛ كل منها كان يقدم تجربة فريدة ولا تُنسى.
كانت ليالي رأس السنة في بيروت أكثر من مجرد احتفالات بقدوم عام جديد؛ كانت احتفاءً بالحياة نفسها، بالفن، بالجمال، وبروح التعايش والانفتاح التي ميزت المدينة. في تلك الليالي المتلألئة، كانت بيروت تثبت للعالم أنها فعلاً “باريس الشرق”، ليس فقط بفخامة فنادقها وملاهيها، بل بروحها الفريدة التي جمعت بين الأصالة العربية والحداثة الأوروبية في مزيج لم يتكرر.
ليلى مراد.
لا أنسى هذا اليوم ما حييت، كنت في الحادية عشرة من عمري وأخي في التاسعة. كنا نلعب في حديقة عمي حين وافتني صديقة من جيراننا وكانت تكبرني بعدة سنوات. أسرت في أذني: ما رأيك في الذهاب إلى السينما؟"
كانت هذه الكلمات مفتاح لعالم وردي جميل، لحلم صعب التصديق، ملون بالسحر والجمال. ترددت للحظات لأن هذا الأمر كان محرماً عند أمي، ولكن صديقتي أقنعتني بقولها: "الأهل كلهم مشغولون بعقد قران عمكم، ولن يلاحظ أحد غيابكما".
بمنتهى السرعة استقلينا الترامواي نحن الثلاثة حتى آخر الخط (الحرش) حيث كانت سينما سلوى تعرض فيلم "الحياة الحب" لليلى مراد ويحيى شاهين. لا تسأل عن سعادتنا ونحن نأخذ مقاعدنا كالكبار. وبفرح غامر شاهدنا ليلى مراد بإطلالتها الأنيقة تغني بصوتها الرخيم أغنيات عاطفية تنقلنا معها إلى دنيا سحرية.
انتهى عرض الفيلم وعدنا أدراجنا يتملكنا شعور من الفرح والخوف والاستعداد للقصاص. وفي بيت عمي كان الحفل قد انتهى وكل عاد إلى منزله وهو أمر لم يكن في الحسبان. رجونا صديقتنا أن ترافقنا لعل أمي تسامحنا أو تخفف من عقابها لنا، ولكن حدث ما توقعناه وأكلنا نصيب وافر من شد الأذن ونظرات الغضب والحرمان من الخرجية لمدة أسبوع.
موقف من مخزون الذاكرة لا أنساه أبداً.
الدكتور محمد خالد.
هو طبيب لبناني من الرواد في العمل الاجتماعي والخيري في لبنان، وقد أسّس منذ الخمسينيات مؤسسة اجتماعية باسمه تخدم الفئات الضعيفة دون تركيز على الربح المادي، بل على خدمة الإنسان الكريم والإنقاذ الصحي والاجتماعي.
ولد سنة 1895 في منطقة البسطة التحتا، والده الشيخ محمد توفيق خالد مفتي الجمهورية اللبنانية في الفترة بين 1932- 1951. تلقى علومه الأولى في المدرسة الأهلية ثم التحق بمدرسة والده المدرسة الخالدية إلى ان التحق بالكلية الإسلامية بإدارة مؤسسها الشيخ احمد عباس الأزهري. ثم التحق بالجامعة اليسوعية في بيروت سنة 1912 وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى اضطر إلى الالتحاق بالجيش العثماني برتبة ضابط طبيب وفي سنة 1918 عاد لمتابعة دراسته في الجامعة اليسوعية والجامعة الاميركية في بيروت وقد نال شهادة الطب في سنة 1919.
بدأ عمله الطبي الاجتماعي في مستشفى ربيز في بيروت، وفي سنة 1923 افتتح مستشفى خاص به في محلة البسطا التحتا الذي اقفل في عام 1975 بسبب الأحداث الأمنية في لبنان وتميز بعمله الخيري الإنساني، فكان يقوم بالعمليات الجراحية والمعاينات مجانا. وإيماناً منه أن المبادرة الفردية لا تكفي، أنشأ اول مستشفى إسلامي في بيروت في محلة النويري بالتعاون مع عدد من الأطباء منهم الدكتور سليم إدريس إلى أن انتقلت لاحقاً إلى منطقة راس النبع كما ساهم في إنشاء معهد التمريض المقاصدي بالتعاون مع الدكتور مصطفى الخالدي .
في14 آب1959، أبصرت مؤسسة الخدمات الاجتماعية النور في منطقة الأوزاعي بأهداف أهمها دعم الأسر المحتاجة والأيتام و تقديم خدمات طبية وصحية تشمل التأهيل والعلاج الفيزيائي، والرعاية للأطفال المصابين بإعاقات جسدية مثل الشلل الدماغي وتوفير خدمات تربوية وتعليمية وبرامج تدريبية وتطوير مهني ضمن بنى مؤسساتها إضافةً إلى نشرالقيم الإنسانية والأخلاقية، وتعزيز التكافل الاجتماعي عبر أنشطة متنوعة.
الرحلة الأولى: بقلم وتقدمة الكابتن الطيار سامي جعفر.
هذا المبنى التراثي الجميل الذي ترونه في الصورة هو ملك آل قدورة و كان أحد ابناءه زميل لي في مدرسة الفرير college de lassalle
يقع بجانب المطعم الإيطالي في عين المريسة و كنت أعرف صاحبه الايطالي و زوجته قبل أن يبيعا المطعم و السفر إلى بلده ايطاليا، فاشترى المطعم السيد سامي غضبان ابن عين المرسة وقام بتجديده .
كان الخواجة الفونس يجلس دوماًِعلى كرسيه أول طاولة محايدة في المطعم وبجانبه راديو عريض ماركة محترمة ومنه يسمع راديو إذاعة روما وكل الإذاعات الإيطالية على الموجة القصيرة.
في عالم الطيران لدينا نوعان من الراديو : موجة طويلة نستعملها للتواصل مع برج المراقبه حدود ٣٠ كلم بعدها ننتقل الى ال approach control
من ٣٠ الى ٥٥ كلم و بعدها area control من ٥٥ كلم و ما فوق .
هناك في عالم الطيران جهاز إخر يسمى HF , high frequency
هذه الموجة تمكنك مع التواصل مع الأخرين و هم على بعد الاف الكيلومترات. كيف: عند الضغط على زرالميكروفون تنطلق الإشارة مباشرة الى الفضاء الأعلى و تضرب الغلاف الخارجي و يدعى
ال inospher and tropopaus ثم ينعكس الى الأرض من الجهة الثانية .
تكلمت مرة و انا على أرض مطار بيروت على موجة ال HF , high frequency مع محطة في البرازيل لمعومات الطقس في ذاك البلد التي تبعد عني مسافة ٩٥٠٠ كلم
بالعودة إلى ذكريات عين المريسة فقد كان صيادو السمك في حاكورة الصيادين في المنطقة من آل الديك يحبون الخواجة جورج ، و كانوا يبيعونه أفضل ما رزقهم الله من كرم البحر، وبالمقابل وكان الخواجة الفونس كريم وودود مع الصيادين الى أبعد الحدود، وكان يحبهم و يبادلونه وداً بود . أسماك من أفخر الأنواع: اللقز والفريدي والصرغوص والكركند كعرائس بحر نائمة على الثلج والعين تشتهي قبل الفم. أما رواد المطعم الإيطالي فكانوا يقصودنه لتناول ثمار البحر الممتازة و الأطباق الإيطالية المميزة .
كان سكني في عين المريسة بالقرب من فندق قدموس و جارنا كان المختار محمود الحوت ساكن في الطابق الرابع المطل على البحر الجميل خلف مطعم ماكدونالد حاليآ، و كان جارنا النائب قباني الذي ترك بيته لصهره زياد البابا، و كان والدهم طيار معنا في شركة طيران الشرق الأوسط. ثم انتقل السيد قباني مشترياِ شقة في بناية مطلة على صخرة الروشة الجميلة في الطابق العاشر من ملاكها الشباب من آل البحري ، كما كان جارنا في عين المريسة جبران حنا يعمل جارسوناً لزبائن المطعم الإيطالي هناك، و كان سعيداِ لسعة رزقه هناك. . الله يرزق الجميع .
هذا غيض من فيض و تراني انسى نفسي عندما المح أي خبر او حتى صورة عن معشوقتي عين المريسة .
العدد الصفر
في لبنان، ليست الجغرافيا تضاريس صامتة، بل ذاكرة حيّة تمشي بيننا. الجبل ليس حجارةً مكدّسةً نحو السماء، بل كتفٌ عتيق نحتمي به حين تضيق الأيام، ومرآةُ صبرٍ تعكس في وجوهنا معنى الثبات. كل قمةٍ فيه صلاةٌ مرتفعة، وكل وادٍ جرحٌ قديمٌ تعلّم أن يزهر.
والبحر هناك، على مرمى النظر من الجبل، لا يكتفي بأن يكون أفقًا أزرق، بل يصير دعوةً مفتوحةً إلى الرحيل والعودة. موجه رسالة، وريحه حنين، ومرافئه ذاكرةُ أقدامٍ سافرت كثيرًا ولم تنسَ الطريق. بين صخرٍ يعلّمنا التمسّك، وماءٍ يعلّمنا الانطلاق، تكوّنت روحٌ تعرف كيف تجمع النقيضين في قلبٍ واحد.
في سهل البقاع، حين تميل الشمس على الحقول، نشعر أن الأرض أمٌّ سخية، وأن القمح صلاةُ صبرٍ طويلة. هناك يمتدّ النفس اللبناني على اتساعٍ نادر، كأنه يستريح من انحدارات الجبل، ويستعيد طمأنينة التراب. وفي الأرز، حين يعانق الضباب الأغصان، يصير الزمن أبطأ، وتغدو القرون أوراقًا خضراء لا تسقط.
ليست المسافة في لبنان بعدد الكيلومترات، بل بعدد التحوّلات. من الساحل إلى القمة رحلةُ مزاجٍ كامل، من رطوبة البحر إلى برودة الثلج، من ضجيج المرافئ إلى همس الغابات. وكل انتقالٍ فيه يوقظ فينا معنىً آخر للانتماء، كأن البلاد مدرسةُ شعورٍ مفتوحة.
لهذا، حين نقول إننا أبناء هذه الجغرافيا، لا نعني أننا نقطنها فحسب، بل نعني أنها تسكننا. فينا شيءٌ من صلابة الصخور، وشيءٌ من ملح الموج، وشيءٌ من ذهب الحقول. نحملها كما نحمل أسماءنا، ونمشي بها في العالم كما يمشي الأفق مع المسافر.
لبنان ليس خريطةً تُطوى، بل قلبٌ إذا اتّسع للجبل والبحر معًا، اتّسع للحياة كلّها.
تشكل الجغرافية اللبنانية نموذجًا فريدًا في المشرق العربي من حيث تداخل البنية التضاريسية والمناخية والهيدرولوجية في مساحة محدودة لا تتجاوز 10452 كيلومترًا مربعًا. فعلى هذا الحيز الضيق تتعاقب وحدات طبيعية متباينة تباينًا حادًا، من ساحل ضيق متوسطي الطابع، إلى سلسلتين جبليتين متوازيتين، يفصل بينهما سهل داخلي هو سهل البقاع، ما يجعل لبنان إقليمًا انتقاليًا بين المناخ البحري الرطب والمناخ القاري شبه الجاف.
يمتد الساحل اللبناني بطول يقارب 225 كيلومترًا بمحاذاة البحر المتوسط، ويتسم بضيق مساحته وبتقطع خطه نتيجة الرؤوس الصخرية والخلجان الصغيرة. وقد أسهم هذا الساحل تاريخيًا في قيام مرافئ طبيعية شكلت نقاط اتصال مع الحوض المتوسطي. غير أن ضيق السهل الساحلي حال دون نشوء زراعة واسعة، فبقي النشاط البشري فيه قائمًا على التجارة والخدمات والوظائف المرفئية، فيما تمركزت الكثافة السكانية الكبرى في المدن الساحلية بسبب سهولة الاتصال واعتدال المناخ.
وراء الساحل ترتفع سلسلة جبال لبنان الغربية بامتداد موازٍ للبحر، وتشكل العمود الفقري للبلاد. يتجاوز ارتفاعها في بعض قممها ثلاثة آلاف متر، ما يجعلها من أعلى المرتفعات في شرق المتوسط. هذه السلسلة ذات بنية كلسية في معظمها، وقد تعرضت عبر العصور الجيولوجية لعمليات طي ورفع وانكسار نتجت عنها تضاريس حادة، وأخاديد عميقة، ووديان متعرجة. الطبيعة الكلسية أسهمت في نشوء ظواهر كارستية متعددة كالمغاور والينابيع والأنهار الجوفية، ما جعل الجبل خزانًا مائيًا أساسيًا يغذي الساحل والبقاع.
إلى الشرق من هذه السلسلة يمتد سهل البقاع، وهو أخدود انهدامي يقع ضمن النظام التكتوني المعروف بالانهدام السوري الإفريقي. يشكل البقاع منطقة انتقال بين الطابع البحري الرطب غربًا والطابع القاري الأكثر جفافًا شرقًا. تربته الرسوبية الخصبة، وامتداده الطولي من الشمال إلى الجنوب، جعلاه المجال الزراعي الأوسع في لبنان، حيث تنتشر زراعات الحبوب والخضار والأشجار المثمرة. كما يشكل ممرًا طبيعيًا للحركة البشرية والتجارية بين الداخل السوري والساحل اللبناني.
تلي البقاع شرقًا سلسلة جبال لبنان الشرقية، التي تفصل لبنان عن الداخل السوري. وهي أعلى ميلاً إلى الطابع القاري، وأقل غطاءً نباتيًا في بعض أقسامها، وتتأثر بمناخ أكثر جفافًا. وتمثل هذه السلسلة حاجزًا مناخيًا يحد من تسرب الكتل الهوائية الرطبة إلى الداخل، كما تسهم في تكوين ظل مطري واضح في المناطق الشرقية.
مناخ لبنان متوسطي في جوهره، يتميز بصيف حار جاف وشتاء معتدل ممطر على الساحل وبارد مثلج في المرتفعات. غير أن التدرج الارتفاعي السريع يؤدي إلى تنوع مناخي ملحوظ ضمن مسافات قصيرة، فتختلف درجات الحرارة وكميات الأمطار بين الساحل والجبل والبقاع اختلافًا كبيرًا. هذا التنوع انعكس على الغطاء النباتي، فظهرت نطاقات بيئية متعاقبة من نباتات ساحلية، إلى غابات صنوبر وسنديان، وصولاً إلى الأرز والشوح في المرتفعات العليا.
تعد الموارد المائية من العناصر المحورية في الجغرافية اللبنانية. فالأمطار الشتوية، والثلوج المتراكمة على الجبال، تشكل المصدر الرئيس لتغذية الأنهار والينابيع. ويبرز نهر الليطاني كأطول نهر داخلي، إضافة إلى أنهار قصيرة تنحدر سريعًا من الجبال إلى البحر بسبب الانحدار الحاد. غير أن الطابع الموسمي للأمطار، وغياب إدارة متكاملة للموارد، يفرضان تحديات متزايدة في ظل التغير المناخي والنمو السكاني.
التوزع السكاني في لبنان يعكس هذه البنية الطبيعية. فالساحل والجبل الغربي يستقطبان النسبة الأكبر من السكان بسبب اعتدال المناخ وتوافر فرص العمل والخدمات، فيما يبقى البقاع أقل كثافة نسبيًا رغم أهميته الزراعية. وقد أسهمت التضاريس الجبلية تاريخيًا في نشوء تجمعات سكانية متفرقة، عززت نوعًا من الاستقلال المحلي، وأثرت في البنية الاجتماعية والسياسية.
من الناحية البيئية، يواجه لبنان تحديات حادة ناجمة عن الضغط العمراني على الساحل، وتراجع الغابات، وتدهور التربة في بعض المناطق الجبلية، إضافة إلى تلوث المياه والهواء. الطبيعة الهشة للتضاريس الكلسية تجعلها عرضة للانجراف والانهيارات عند سوء الاستخدام. كما أن التمدد العمراني غير المنظم يهدد التوازن الدقيق بين الإنسان وبيئته.
إن الجغرافية اللبنانية، بما تحمله من تنوع حاد ضمن مساحة محدودة، لم تكن مجرد خلفية طبيعية صامتة، بل شكلت عبر التاريخ إطارًا محددًا للحركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فهي التي فرضت أنماط معيشة معينة، وحددت مسارات الاتصال، وخلقت تباينات إقليمية داخل البلد نفسه. ومن هنا، فإن أي دراسة للتنمية أو للتخطيط المستقبلي في لبنان لا يمكن أن تنجح ما لم تنطلق من فهم عميق لهذه البنية الجغرافية المركبة، التي تجمع في آن واحد بين الهشاشة والغنى، وبين الضيق المكاني والتنوع البيئي الكبير.
في لبنان، الجغرافيا ذاكرة حيّة تمشي بين الناس. الجبل كتفٌ عتيق نحتمي به حين تضيق الأيام، ومرآةُ صبرٍ تعكس في الوجوه معنى الثبات. كل قمةٍ صلاةٌ مرتفعة، وكل وادٍ جرحٌ قديم تعلّم أن يزهر، فتغدو الصخور حكاياتٍ متجذّرة في أعماق الروح.
والبحر، على مرمى النظر من الجبل، أفقٌ أزرق يتحوّل دعوةً مفتوحة إلى الرحيل والعودة. موجُه رسالة، وريحه حنين، ومرافئه ذاكرةُ أقدامٍ سافرت كثيرًا وعادت تحمل الضوء في عيونها. بين صخرٍ يعلّم التمسّك، وماءٍ يعلّم الانطلاق، تكوّنت روحٌ تعرف كيف تجمع التناقض في قلبٍ واحد.
في سهل البقاع، حين تميل الشمس على الحقول، تمتدّ الأرض أمًّا سخية، ويغدو القمح صلاةَ صبرٍ طويلة. هناك يتّسع النفس اللبناني على مداه، فيستريح من انحدارات الجبل ويستعيد طمأنينة التراب. وفي الأرز، حين يعانق الضباب الأغصان، يبطؤ الزمن، وتتحوّل القرون أوراقًا خضراء تنبض بالحياة.
المسافة في لبنان تحسب بعدد التحوّلات في الشعور. من الساحل إلى القمة رحلةُ مزاجٍ كامل، من رطوبة البحر إلى برودة الثلج، من ضجيج المرافئ إلى همس الغابات. كل انتقالٍ يوقظ معنى جديدًا للانتماء، وكأن البلاد مدرسةُ إحساسٍ مفتوحة على السماء.
نحن أبناء هذه الجغرافيا التي تسكننا كما نسكنها. فينا صلابة الصخور، وملح الموج، وذهب الحقول. نحملها في أسمائنا وخطواتنا، ونمشي بها في العالم كما يمشي الأفق مع المسافر.
لبنان قلبٌ يتّسع للجبل والبحر معًا، وحين يتّسع لهما يحتضن الحياة كلّها.
القضية اللبنانية وظاهرة الأقليات في الشرق. ظاهرة الأقليات أمر دهري في الشرق الأوسط لم تنشأ أغلبية إطلاقًا من أي نوع كان منذ آدم حتى اليوم. استطاعت أن تسهر أو تمتص أو تذوب أو تزيل الأقليات المتواجدة في هذه المنطقة. بقيت هذه الأقليات تعاند بشكل غريب كل محاولة لتذويبها أو محوها من الوجود. أما السبب فقد يكون الصحراء التي تفصل وتشتت ولا تجمع وتلملم، وقد يكون مركز الشرق الأوسط في وسط العالم كله بحيث جميع الإثنيات والأجناس واللسان والأمم والعقائد والنظرات انصبت عليه عبر التاريخ وتنصب عليه اليوم من الشرق والغرب والشمال والجنوب.
مصر تحتوي على أقليات دينية وعرقية. في الصحراء العربية توجد أقليات قبلية وقبل الإسلام وجدت أقليات دينية، وحتى بعد الإسلام بقيت أقليات مذهبية في جسم الإسلام ذاته. في تركيا اليوم توجد أقليات دينية وثقافية وإثنية، والشيء ذاته يقال عن العراق وإيران. أما في بلدان المشرق الواقعة غير بالصحراء السورية، فتوجد أقليات سياسية ودينية وتراثية وثقافية وإثنية، وظهرت هذه الأقليات نجدها أيضًا في بلدان البلقان وشرق أوروبا، مع الفرق الحاسم أن المركزية الوسطية في الشرق الأوسط عالمية بينما في تلك البلدان أوروبية فقط.
لم يتمكن في التاريخ كله غاز أو فاتح من خارج المنطقة، ولا حكم أو حركة من داخلها، أن يتغلب على ظاهرة الأقليات، لا في المنطقة ككل، ولا في داخل أي بلد من بلدانها. بقيت هذه الأقليات صامدة، معاندة، متشبسة، محافظة على قيامها وتراثها في وجه كل فاتح وكل حاكم وكل عهد. غلبت على أمرها نعم، كُبتت نعم، كهُرت نعم، لكنها رفضت أن تنقرض.
شرق الأوسط اليوم مجموعة رواسب تاريخية لكيانات فعلت في وقتها وخفت فعلها مع الزمن، لكنها لم تفنِ الإمبراطوريات الفارسية، البابلية، الآشورية، الحثية، الفينيقية وغيرها في مطلع التاريخ، ثم الرومان والبيزنطيون والمسلمون العرب والمسلمون الأتراك، وأخيرًا النفوذ الفرنسي والإنجليزي بعد الحرب العالمية الأولى. كل هذه القوى جابها ظاهرة الأقليات في الشرق الأوسط. فإما تركتها وشأنها دون أن تصارعها، أو حين صارعتها لم تتمكن من حذفها من الوجود.
نجد أنفسنا أمام شيء باقٍ لا يزول، عبث إخفائه أو تغطيته، عبث إشارُ النظر عنه، عبث تصورنا أنه غير موجود، عبث قولنا المتمني ليته لم يوجد، أو تخيلنا أنه لم يوجد. يشبهنا جبهاً يصدمنا صَدماً، عبث محاولة القضاء عليه، وشهادة التاريخ كله تبرهن عن عبث هذه المحاولة.
الحكمة إذا تقضي بالتكيف معه، لا بتكييفه هو مع إرادتنا أو هوَانَنا أو تمنياتنا، مهما عاندناه بالظن أو بالهرب أو بالتصور أو بالتصميم أو بالفعل، فسيعاندنا هو أشد وأكثر. لكل أقلية، أياً كان صنفها، شأن وأهمية، غير أن الأقليات الدينية لها شأنها الخاص وأهميتها، وتتميز نوعاً وكيفاً وقطعا عن أي شأن وأي أهمية لأي أقلية أخرى. لماذا؟ لأن الله ذاته في أمرها هو المسألة، الله ليس المسألة في أمر الأقليات السياسية أو الثقافية أو الإثنية.
مرتبة هذا الصنف من الأقليات تختلف اختلافاً جوهرياً قاطعاً عن مرتبة الأقليات الدينية. الملحد أو المشكك بالطبع يندرج الأقليات الدينية في باب الأقليات الثقافية، لكنه مهما كَبُر في أمر الحادي أو تشكيكه، فالتساؤل المتحير المتعجب المقلق التالي لابد أن يبقى بطبيعة الحال وارداً في زاوية من زوايا ذهنه: "ما رأيك يا صاح، إذا كان الله بالفعل موجوداً؟" مجرد إمكانية ورود هذا التساؤل يدخل الشك في الحاد الملحد وتشكيك المشكك، ويجعل من الأقليات الدينية صنفاً يختلف أصلاً ونوعاً وكياناً عن جميع أصناف الأقليات الأخرى.
الشرق الأوسط لا ينفرد ولا يتميز بالعلم أو الفن أو الفلسفة أو الصناعة أو الأدب، أو بالنظم السياسية أو بالاختراعات والاكتشافات، ولذلك لا يتجه إليه العالم بشأن أي من هذه الصناعات. صناعة الشرق الأوسط الأولى، إن لم تكن الوحيدة، هي الدين. يتجه إليه العالم اليوم بترولياً واستراتيجياً بالطبع، لكن الفضل في أمر موقعه الاستراتيجي الفريد، وأمر ثروته البترولية الهائلة، لا يعود إلى أهله بل إلى الطبيعة وخالقها. ثم إن بتروله، على خطورته القسوة اليوم، شأن عابر، وحتى إن كان أمراً غير عابر، فهو لا يقدم ولا يؤخر شيئاً في أن الشرق الأوسط إنسانياً وكيانياً وتاريخياً وحضارياً هو مهد الديانات العالمية، وبالتالي التمييزاته الأساسية كلها تمييزات دينية.
ما هي؟ أضع شتائمه على الأقل. في لبنان، بعد الشتائم الجنسية المعروفة، هي بالطبع شتائم الدين: "مُثَبَّت"، "الدين كان مُتَخِمنا"، "كان الدين كابوس علينا"، "كان الدين طلع ديننا"، "كأننا سئمنا منه لدرجة الثورة عليه، لدرجة طلب التحرر منه". ثم ليس صدفة شيوع الشتائم الجنسية والدينية في أن الجنس يرتبط بالله وبالدين ارتباطاً كيانياً، متى فيزيقياً وثيقاً. ليس هنا مجال الخوض فيه، يكشف عنه الكتاب المقدس واللاهوت الأصيل وتعليم الكنيسة وتأمل الآباء كشفاً تاماً. ولم يخترع فرويد البارود حين شدد على الجنس، لكن الحاديّة الطبيعية الحلولية، الوجه الواحدية وتمرده المتاصل على قيم التراث الروحية حجباً عن عقله، إن لم أقل عن عالم أحلامه، علاقة الجنس الأصلية بالله.
ولذا عهر الجنس طبيعياً حادياً واحداً، وتعاهر معه كل من ذهب مذهبه وغاص في أحلامه. نخلص من هذا كله إلى القول إن مشكلة الشرق الأوسط الأولى والأخيرة ليست مشكلة التخلف، ولا مشكلة الإنماء الاقتصادي والمجتمع، ولا مشكلة العدالة المجتمعية، ولا مشكلة التوحيد السياسي، ولا مشكلة علاقة بلدانَه بالقوى العالمية المتطاحنة بعضها مع بعض، بالنسبة إليه، على أهمية هذه المشاكل كلها، وعلى الإلحاحية مجابهتها وحلها.
بل مشكلة الأقليات فيه. أعني: كيف نكيف أنفسنا على أبديّة هذا الظاهرة؟ كيف تتغلب الأغلبية على الدخول في تجربة قهر الأقليات ووضعها في منزل ثانوية محتقرة؟ كيف تقتنع الأغلبية أخيراً، أي تكثُرية كانت، بعد خبرة 6000 سنة ببطلان هذه التجربة وعدم جدواها؟ وكيف تنصف الأقليات وتحترم، وتعطى حتى حقها الشعور بأنها حرة محترمة؟ هذه هي معضلة الشرق الأوسط الأولى والأخيرة والأساسية، وكل معضلة أخرى، على أهميتها، تذبل أمامها.
وإذا كان هذا القول يطلق على العموم على يد أغلبية بالنسبة لأي أقلية، فهو يطلق على وجه التخصيص على الأغليات والأقليات الدينية، وذلك لثلاثة أسباب بالنسبة للشرق الأوسط:
كون الأديان السائدة في هذه المنطقة وفي كثير من بقاع العالم اليوم تبعث كلها فيه، وأشد التميّزات الفاعلة في الشرق الأوسط هي التمييزات الدينية.
كون العالم اليوم يشدد أكثر من أي يوم آخر على حقوق الأقليات وحمايتها، بما في ذلك، وعلى الأخص، الأقليات الدينية، نظراً لأن الشأن فيها يعود إلى حرية فكر وضمير، وهي أقصى حريات.
كون الأمر في الأقليات الدينية هو أن الله فيها هو المسألة.
تشكل الجغرافيا اللبنانيه نموذجا فريدا في المشرق العربي من حيث تداخل البنيه التضاريسيه والمناخيه والهيدرولوجيه في مساحه محدوده لا تتجاوز 10452 كيلومترا مربعا. فعلى هذا الحيز الضيق تتعاقب وحدات طبيعيه متباينه تباينا حادا، من ساحل ضيق متوسطي الطابع، الى سلسلتين جبليتين متوازيتين، يفصل بينهما سهل داخلي هو سهل البقاع، ما يجعل لبنان اقليما انتقاليا بين المناخ البحري الرطب والمناخ القاري شبه الجاف.
يمتد الساحل اللبناني بطول يقارب 225 كيلومترا بمحاذاة البحر المتوسط، ويتسم بضيق مساحته وبتقطع خطه نتيجة الرؤوس الصخريه والخلجان الصغيره. وقد اسهم هذا الساحل تاريخيا في قيام مرافئ طبيعيه شكلت نقاط اتصال مع الحوض المتوسطي. غير ان ضيق السهل الساحلي حال دون نشوء زراعه واسعه، فبقي النشاط البشري فيه قائما على التجاره والخدمات والوظائف المرفئيه، فيما تمركزت الكثافه السكانيه الكبرى في المدن الساحليه بسبب سهوله الاتصال واعتدال المناخ.
وراء الساحل ترتفع سلسله جبال لبنان الغربيه بامتداد مواز للبحر، وتشكل العمود الفقري للبلاد. يتجاوز ارتفاعها في بعض قممها ثلاثة الاف متر، ما يجعلها من اعلى المرتفعات في شرق المتوسط. هذه السلسله ذات بنية كلسيه في معظمها، وقد تعرضت عبر العصور الجيولوجيه لعمليات طي ورفع وانكسار نتجت عنها تضاريس حاده، واخاديد عميقه، ووديان متعرجه. الطبيعه الكلسيه اسهمت في نشوء ظواهر كارستيه متعدده كالمغاور والينابيع والانهار الجوفيه، ما جعل الجبل خزانا مائيا اساسيا يغذي الساحل والبقاع.
الى الشرق من هذه السلسله يمتد سهل البقاع، وهو اخدود انهدامي يقع ضمن النظام التكتوني المعروف بالانهدام السوري الافريقي. يشكل البقاع منطقه انتقال بين الطابع البحري الرطب غربا والطابع القاري الاكثر جفافا شرقا. تربته الرسوبيه الخصبه، وامتداده الطولي من الشمال الى الجنوب، جعلاه المجال الزراعي الاوسع في لبنان، حيث تنتشر زراعات الحبوب والخضار والاشجار المثمره. كما يشكل ممرا طبيعيا للحركه البشريه والتجاريه بين الداخل السوري والساحل اللبناني.
تلي البقاع شرقا سلسله جبال لبنان الشرقيه، التي تفصل لبنان عن الداخل السوري. وهي اعلى ميلا الى الطابع القاري، اقل غطاء نباتيا في بعض اقسامها، وتتاثر بمناخ اكثر جفافا. وتمثل هذه السلسله حاجزا مناخيا يحد من تسرب الكتل الهوائيه الرطبه الى الداخل، كما تسهم في تكوين ظل مطري واضح في المناطق الشرقيه.
مناخ لبنان متوسطي في جوهره، يتميز بصيف حار جاف وشتاء معتدل ممطر على الساحل وبارد مثلج في المرتفعات. غير ان التدرج الارتفاعي السريع يؤدي الى تنوع مناخي ملحوظ ضمن مسافات قصيره، فتختلف درجات الحراره وكميات الامطار بين الساحل والجبل والبقاع اختلافا كبيرا. هذا التنوع انعكس على الغطاء النباتي، فظهرت نطاقات بيئيه متعاقبه من نباتات ساحليه، الى غابات صنوبر وسنديان، وصولا الى الارز والشوح في المرتفعات العليا.
تعد الموارد المائيه من العناصر المحوريه في الجغرافيا اللبنانيه. فالامطار الشتويه، والثلوج المتراكمة على الجبال، تشكل المصدر الرئيس لتغذيه الانهار والينابيع. ويبرز نهر الليطاني كاطول نهر داخلي، اضافة الى انهار قصيره تنحدر سريعا من الجبال الى البحر بسبب الانحدار الحاد. غير ان الطابع الموسمي للامطار، وغياب ادارة متكامله للموارد، يفرضان تحديات متزايده في ظل التغير المناخي والنمو السكاني.
التوزع السكاني في لبنان يعكس هذه البنيه الطبيعيه. فالساحل والجبل الغربي يستقطبان النسبه الاكبر من السكان بسبب اعتدال المناخ وتوافر فرص العمل والخدمات، فيما يبقى البقاع اقل كثافه نسبيا رغم اهميته الزراعيه. وقد اسهمت التضاريس الجبليه تاريخيا في نشوء تجمعات سكانيه متفرقه، عززت نوعا من الاستقلال المحلي، واثرت في البنيه الاجتماعيه والسياسيه.
من الناحيه البيئيه، يواجه لبنان تحديات حاده ناجمه عن الضغط العمراني على الساحل، وتراجع الغابات، وتدهور التربه في بعض المناطق الجبليه، اضافة الى تلوث المياه والهواء. الطبيعه الهشه للتضاريس الكلسيه تجعلها عرضة للانجراف والانهيارات عند سوء الاستخدام. كما ان التمدد العمراني غير المنظم يهدد التوازن الدقيق بين الانسان وبيئته.
ان الجغرافيا اللبنانيه، بما تحمله من تنوع حاد ضمن مساحه محدوده، لم تكن مجرد خلفيه طبيعيه صامته، بل شكلت عبر التاريخ اطارا محددا للحركه الاقتصاديه والاجتماعيه والسياسيه. فهي التي فرضت انماطا معيشه معينه، وحددت مسارات الاتصال، وخلقت تباينات اقليميه داخل البلد نفسه. ومن هنا، فان اي دراسه للتنميه او للتخطيط المستقبلي في لبنان لا يمكن ان تنجح ما لم تنطلق من فهم عميق لهذه البنيه الجغرافيه المركبه، التي تجمع في آن واحد بين الهشاشه والغنى، وبين الضيق المكاني والتنوع البيئي الكبير.
الشخصية اللبنانية
حين نتحدث عن الشخصيه اللبنانيه المميزه، لا نتحدث عن صفه عابره ولا عن انطباع ادبي جميل، بل عن مسيره طويله من التفاعل العميق بين الانسان والارض، بين الجبل والبحر، بين العزله والانفتاح. فالمجتمعات لا تولد مكتمله، ولا تتشكل صدفة، بل تصوغها عوامل كبرى في مقدمها البيئه الجغرافيه، تلك التي تمنح الانسان اطاره الاول، وتفرض عليه شروط العيش، وتدفعه دفعا الى ان يكون على نحو معين دون سواه.
في لبنان، لا يمكن فصل الانسان عن تضاريس بلاده. هنا جبل شاهق يرتفع الى اكثر من ثلاثة الاف متر، يقف صامدا في وجه الرياح، ويعلم ساكنيه معنى الثبات، ومعنى التمسك بالحريه، ومعنى الاعتماد على الذات. وهنا بحر مفتوح على المتوسط، لا يعرف الانغلاق، يطل على القارات، ويفتح الافق امام المخيله والجرأه والمغامره. من هذا التلاقي العجيب بين العلو والانفتاح ولدت شخصيه لا تشبه سواها، شخصيه تجمع بين صلابه الجبل وحركه البحر، بين النزوع الى الاستقلال والقدره على التواصل.
ليست الزراعه الواسعه هي التي صنعت المجتمع اللبناني كما صنعت مجتمعات اخرى قامت على ضفاف الانهار الكبرى، بل الضروره هي التي دفعته الى البحر. اذ لم تكن الارض الجبليه كافيه لتأمين كل حاجاته، فكان لا بد من التوجه نحو الافق الازرق، نحو التجاره، نحو السفن التي حملت خشب الارز والبضائع والابجديه، وعادت محمله بالافكار والثقافات. هكذا صار البحر امتدادا طبيعيا للجبل، وصار السفر جزءا من تكوين هذا الانسان.
وعلى امتداد الاف السنين، تعاقبت الحقب وتبدلت الظروف، بين زمن مدن بحريه مستقله مزدهره بنشاطها التجاري والثقافي، وزمن ريفي زراعي غلبت عليه الحياه القاريه، غير ان الخيط الناظم لم ينقطع. ظل في اعماق هذه الجماعه شيء ثابت، شيء يشبه صخر الجبال، وشيء يشبه حركه الامواج، يتجدد ولا يزول.
من هنا يمكن فهم تلك السمات التي نلمحها في الشخصيه اللبنانيه: حب الحريه، روح المبادره، الميل الى الانتشار، القدره على التاقلم في اقصى اصقاع الارض دون فقدان الذاكره الاولى. فلبناني يعيش في اميركا او استراليا او افريقيا لا يحمل معه جواز سفر فحسب، بل يحمل في داخله جبلا وبحرا، يحمل تراثا متراكما منذ الالف الرابع قبل الميلاد، ويحمله بطريقته الخاصه في وجنانه وعقله.
لقد قيل ان السياسه بنت التاريخ، وان التاريخ ابن الجغرافيا، والجغرافيا لا تتغير. واذا كان هذا القول صحيحا، فان فهم الشخصيه اللبنانيه لا يكون الا بالعوده الى تلك الجغرافيا التي ما زالت على حالها: جبل يطل على بحر، وبحر يعانق جبلا. في هذا التوازن الدقيق سر الاستمرار، وسر القلق ايضا، وسر الطموح الدائم الى الافضل.
في زمن العولمه، حيث تتداخل الهويات وتتبدل الانتماءات، يظن البعض ان الخصوصيات الى زوال. غير ان التجربه اللبنانيه تقول غير ذلك. فما دام الجبل قائما، وما دام البحر مفتوحا، وما دام التاريخ محفورا في الذاكره، تبقى الشخصيه اللبنانيه قابله للتجدد، لا للذوبان. تتاثر، نعم، لكنها لا تفقد نواتها الصلبه.
ان لبنان ليس مجرد مساحه على الخريطه، بل تجربه انسانيه في العيش بين التناقضات، في الجمع بين الانغلاق الواقي والانفتاح الخلاق، في تحويل الضيق الى فرصه، والقلق الى طاقه، والتحدي الى ابداع. ومن هنا، فان الحديث عن الشخصيه اللبنانيه ليس استذكارا للماضي فقط، بل هو دعوه الى وعي الحاضر وصياغه المستقبل.
فلنحفظ هذا السر الذي اودعته الجغرافيا فينا، ولنصنه بالعمل والمعرفه والانفتاح المسؤول. عندها فقط يبقى الجبل مصدر حريه، ويبقى البحر درب تواصل، ويبقى الانسان اللبناني صانعا لتاريخه، لا اسيرا له.
سؤال جوهري رافق مسيرة هذا الوطن عبر آلاف السنين: ما الذي كوّن الشخصيه اللبنانيه المميزه؟ هل هي محض صدفه تاريخيه؟ ام نتاج صراعات سياسيه متعاقبه؟ ام ان وراءها عاملا اعمق واكثر ثباتا، هو الجغرافيا نفسها؟
لقد قيل ان السياسه بنت التاريخ، وان التاريخ ابن الجغرافيا، والجغرافيا لا تتغير. ومن هنا ننطلق لنفهم كيف اسهمت البيئه الجغرافيه اللبنانيه، بما تحمله من جبل شاهق وبحر مفتوح، في صياغة انسان مختلف في طباعه وسلوكه وخياراته.
المحور الاول: الجغرافيا كقوه مؤسسه للشخصيه
ان الاسباب العامه التي حركت المجتمعات البشريه عبر العصور تتلخص في ثلاثه عناصر:
البيئه الجغرافيه، الطبائع الاثنيه، ومقتضيات الصراع من اجل الوجود.
غير ان البيئه الجغرافيه تبقى العامل الاول، لانها الاطار الذي يولد فيه الانسان ويتحرك ضمنه.
في لبنان، لا نتحدث عن ارض عاديه، بل عن جبل يرتفع فوق 3000 متر، ينفتح في الوقت نفسه على البحر المتوسط، احد اهم الممرات البحريه في التاريخ. هذا اللقاء بين العلو والانفتاح خلق شخصيه مزدوجه:
روح استقلال صلبه مصدرها الجبل.
روح مغامره وانفتاح مصدرها البحر.
الجبل ينمي في الانسان روح الاعتماد على الذات والتمسك بالحريه.
والبحر يدفعه الى السفر، الى التبادل، الى اكتشاف الاخر.
المحور الثاني: لبنان بين الزراعه والتجاره
اذا نظرنا الى حضارات مثل مصر والعراق، نجد ان الانهار الكبرى كالنيل ودجله والفرات شكلت مجتمعات زراعيه مستقره، تقوم على وفرة الانتاج الزراعي.
اما في لبنان، فطبيعة الارض الجبليه لم تكن تكفي لسد الحاجات الغذائيه. ومن هنا نشأت الضروره التاريخيه:
التجاره البحريه بدل الزراعه الواسعه.
وهكذا برز الكنعانيون والفينيقيون رواد البحر المتوسط، فحملوا خشب الارز والصناعات اللبنانيه الى اسبانيا والمغرب والبرتغال، ونقلوا معهم الحرف والافكار والابجديه. في المقابل، نشطت طرق بريه امتدت حتى الهند والصين، مثبتة ان هذا الشعب لم يكن منغلقا يوما بل كان جسرا بين القارات.
المحور الثالث: حقبتان في التاريخ اللبناني
يمكن تقسيم التطور التاريخي للبنان الى مرحلتين اساسيتين:
الحقبه البحريه الفينيقيه
من الالف الرابع قبل الميلاد حتى الفتح العربي الاسلامي، حيث قامت الحياه على استقلال المدن ونشاطها البحري والتجاري والثقافي.
الحقبه القاريه الريفيه
من الفتح العربي حتى اوائل القرن العشرين، حيث غلب الطابع الزراعي الريفي، مع بقاء جذوه النشاط التجاري البحري تعود في فترات معينه.
غير ان القاسم المشترك بين الحقبتين كان دائما:
روح الاستقلال، والقدره على التكيف، والاستمرار رغم التحولات.
المحور الرابع: سمات الشخصيه اللبنانيه عبر العصور
من هذا التفاعل بين الجبل والبحر، بين الانغلاق النسبي والانفتاح الواسع، تبلورت سمات واضحه:
حب الحريه الفرديه
الميل الى الهجره والمغامره
القدره على التاقلم في البيئات المختلفه
النزوع الى المبادره الفرديه
التمسك بالهويه رغم الانتشار
ولعل الانتشار اللبناني في العالم خير دليل على هذه التركيبه الفريده: لبناني يعيش في اميركا او استراليا او افريقيا، يتاقلم مع مجتمعه الجديد، لكنه يحتفظ بخيط وجداني يربطه بارض الجبل والبحر.
المحور الخامس: سؤال الهويه اليوم
في زمن العولمه، حيث تختلط الثقافات وتتبدل الانتماءات، يعود السؤال بقوه:
هل ما زالت الشخصيه اللبنانيه قائمه؟
الجواب لا يكمن في الشعارات، بل في فهم جذورها. ما دامت الجغرافيا على حالها، وما دام التاريخ متراكما في الذاكره الجماعيه، تبقى الشخصيه اللبنانيه قابله للتجدد، لا للذوبان.
ان الشخصيه اللبنانيه ليست اسطوره، وليست ادعاء ثقافيا، بل هي حصيله تفاعل طويل بين جبل صلب وبحر مفتوح، بين تحديات العيش وضرورات الانفتاح.
لبنان لم يكن يوما مجرد مساحه جغرافيه، بل كان فكره، ورساله، وتجربه تاريخيه في العيش بين الخصوصيه والانفتاح.
فلنحافظ على هذه المعادله الدقيقه:
جبل يحمي، وبحر يفتح، وانسان يصنع التاريخ.
الشخصيه اللبنانيه المميزه
ان الاسباب العامه التي حركت مجتمعات البشريه واثرت في تكوينها وتطورها عبر العصور وفي تكييف شخصياتها المختلفه وتمييز كل واحده منها عن الاخرى تتلخص بالعناصر التاليه البيئه الجغرافيه والطبائع الاثنيه ومقتضيات الصراع من اجل الوجود ولكن البيئه الجغرافيه المكونه من المناخ وطبيعه الارض والموقع الجغرافي معا هي العامل الاول في هذا المجال
لقد اسهمت البيئه الجغرافيه اللبنانيه ولا تزال تسهم في تكوين الشخصيه الجماعيه واستمرارها بالنسبه لسكان لبنان وطبائعهم المميزه كما ان البيئه الجغرافيه في معظم بلدان العالم قامت وتقوم بلا انقطاع بدور مماثل في تلك البلدان
يقول المؤرخ الفرنسي سينيو بوس ان الامه الفرنسيه تاثرت بطبيعه ارض البلد الذي تكونت فيه والتي حددت نوع معيشه السكان كما تاثرت بموقع البلد الجغرافي الذي اقر علاقات شعبه بالشعوب الاخرى في العالم
ان النصوص المصريه القديمه والاشوريه البابليه والثوراتيه واليونانيه تثبت ان الخصائص الجسمانيه والطباعه النفسيه لكل شعب من شعوب الشرق الادنى في الماضي القديم بما فيها سكان البلد اللبناني تشبه في معظمها خصائص كل شعب من الشعوب التي تعيش اليوم في ذات بلدان هذه المنطقه لذلك قيل ان السياسه هي بنت التاريخ والتاريخ ابن الجغرافيا والجغرافيا لا تتغير
يقول العالم الفرنسي بلان هول ان جبل لبنان هو اعلى جبل في بلدان الشرق الادنى اذ يتجاوز علوه 3000 متر كما هو الاكثر حظوه بالثروات المائيه وينعم علاوه على هذا باتصال مباشر بالبحر المتوسط اذ تعلو صفوفه المعره خلجان الشاطئ ومرافئه وهذا الطابع المزدوج الذي يجعل من لبنان الجبل العالي صرحا للاستقلال ومن لبنان الجبل البحري انفتاحا على التاثيرات الخارجيه يفسر لنا كون لبنان دعامه لبناء سياسي من اقوى التكوينات السياسيه في الشرق الادنى ومن اكثرها اصاله
على هذا الاساس ان الشخصيه اللبنانيه المميزه قد كونتها البيئه الجغرافيه اللبنانيه المؤلفه من جبل شاهق مفتوح على البحر المتوسط فجبل لبنان ككل جبال العالم ينشط عند سكانه روح الاستقلال والحريه الفرديه والبحر وخصوصا عندما يكون ممرا عالميا كالبحر المتوسط ينشط عند الشعوب التي تعيش على شواطئه النزوع الى الاسفار والمغامرات والاتصال بالبلدان الغربيه والتبادل البضائع والافكار معها
ففي مصر والعراق حيث الانهار الكبرى النيل والفرات ودجله تروي اراضي خصبه وشاسعه الارجاء تتركز اسس المجتمع والاقتصاد والحضاره على النشاط الزراعي ولما كانت اراضي البلد اللبناني لا تكفيه لسد حاجاته الغذائيه من المنتجات الزراعيه فقد عوض عن ذلك بالتجاره البحريه مع العالم الخارجي لذلك نرى ان احدا من شعوب جميع بلدان الشرق الادنى خلال تاريخها المديد لم يحترف مهنه البحر فلقد ظلت هذه المهنه في هذا القوس من العالم من اختصاص واحتكار البلد اللبناني الكنعانيين والفينيقيين في التاريخ القديم
وقد اقتسم اللبنانيون والصوريون الاقدمون العلاقات التجاريه مع الخارج فاحتفظ الفينيقيون بالنشاط التجاري البحري الذي امتد الى بلدان البحر المتوسط كافه حتى اسبانيا والمغرب والبرتغال واختص الاراميون السوريون بالنشاط التجاري البري الذي امتد حتى الهند والصين كما اثبتت ذلك الاكتشافات الاثريه في اسيا الشرقيه التي ابرزت كتابات اراميه قديمه
ان التطور التاريخي الطويل للبلد اللبناني الذي يبدا في الالف الرابع قبل الميلاد يقسم الى شطرين او حقبتين يمتد كل منهما الى فترات عده طويله او قصيره فالقسم الاول يشمل الحقبه البحريه او الفينيقيه التي تمتد من الالف الرابع حتى الفتح العربي الاسلامي حيث كانت الحياه الاجتماعيه والاقتصاديه والسياسيه في البلد اللبناني قائمه على استقلال المدن الفينيقيه وعلى نشاطها التجاري البحري والثقافي باستثناء بعض الفترات حيث كان يتوقف النشاط البحري مؤقتا لاسباب سياسيه وامنيه
اما القسم الثاني فيشمل الحقبه القاريه والاسلاميه التي تمتد من الفتح العربي الاسلامي حتى اوائل القرن العشرين حيث قامت حياه البلد اللبناني الاقتصاديه بصوره رئيسه على النشاط الزراعي الريفي باستثناء بعض الفترات حيث كان يعود النشاط التجاري البحري الى حين
بعد جولتي في الامريكتين وفي افريقيا ان احلاما كثيره تبخرت واوهاما قد سقط عنها الغشاء وصار بمقدورنا ان نعلن ان ليس صحيحا ان اللبناني الذي غادر لبنان في حين من الاحيان واستقر في اي مكان كان ثم ولد له بنون في مطارح استقراره ليس صحيحا انه وولده ما زال لبنانيين كما اللبنانيون الذين بقوا مقيمين سواء سواء وليس صحيحا ان حنين هذا اللبناني مهما باعت به الدهور والامكنه ما زال للوطن الاول فكثيرون الذين طرحوا علينا السؤال في اثناء جولتنا الاخيره اذا فقدنا جنسيتنا الامريكيه لنستعيد جنسيتنا اللبنانيه نعرف نحن ماذا نخسر فهل تستطيع انت ان تقول لنا ماذا نربح وليس صحيحا ان اللبناني الذي يعيش اليوم في بلادي الانتشار لم يتاقلم بعد باقليمها فان بشرته ولسانه وقوامه وبالتالي ما في حنايا روحه وتلافيف عقله قد ادركتها الاقلمه بحيث ان هذا اللبناني العائش اليوم في كندا او استراليا او في كاليفورنيا هو غير اخيه اللبناني العائش في المعاملتين فكيف بالعائش في اهدن وبشري وتنورين والعاقوره والباروك
غير ان الحلم الذي لم يكن حلما فلم يتبخر والوهم الذي لم يكن وهما فلم يسقط هو ان للبنان هذا المتناقل الينا على اكتاف 6000 سنه لم يزل واحدا بحجمه وبرنه صوته وبتثبت ابنائه في البقاء وواحدا في تصاعده المضطرد الى مستقبل افضل فلبنان هذا الذي يحمله اللبنانيون المنتشرون حيثما كان انتشارهم كما سيحملون رؤوسهم على اكتافهم وحبهم في قلوبهم انه اليوم في محنه وجميعه متطوعون لانقاذه من هنا يعرف لبنان من هو ويعرف اللبنانيون لبنان هذا الذي نحمله جميعا في قلوبنا ويحمله كل واحد منا على طريقته في وجنانه لبنان هذا يجب ان يعرف ليحب حبا وصيلا فيحبه العالم معنا ومن اجل ان يعرف كانت مجله الفصول التي ستظل تذكر بتاريخ لبنان المتمادي في القدم فتنشر صفحاته المطويه ليعرف وستظل تتولى نشر تراثه ليثبت كما هو اصيل في الحضاره الانسانيه وكم قدم لاستمراريتها من تقديمات
وستظل الفصول تعمل حتى يظهر الخيط الابيض من الخيط الاسود فيعرف ولا اللبنانيين الموالين للبنان وولاء الموالين لغيره وستظل تسعى الى ان يتاكد ان الاشياء اللبنانيه الطالعه لن تبقى في دروبهم فخاخ ولن تعود فتعترض مسيرتهم الى السعاده والبقاء الشريف حوادث كما التي حدثت في السنوات الغابره وستظل في الطليعه التي تقود حركه التفتيش عن صيغه تخمد انفاس الحرب المشتعله فتطلع لبنان من عالم الاقتتال الى التالق في الوجود فيكون وجوده ايه
غير ان مجله فصول يجب ان تبقى حره عزيزه سيده ليبقى لبنان حرا عزيزا سيدا قد دامت الفصول تقوم على جنود المحاربين لبنانيين على ضمائرهم وقلوبهم على عقولهم وتخيلاتهم وتطلعاتهم ما دامت تقوم على فلس الارمله الذي يسمع رنينه ويمنع عن افواه البنين ليلقم الى الفصول مع الدعاء بالعافيه وما دام القائمون بها احياء وليؤلاء الاحياء احياء حيثما كان في العالم يتعاطفون معهم تعاطفا حميما وما دام ايمان جميع اللبنانيين هو ان يحيوا من اجل ان يحيا لبنان بل ان يموتوا من اجل ان يحيا فلن يموت لبنان لحظه واحده قبل ان نموت جميعا
اما وان الذي كان سرا قد عرف اما وان اعداءنا عرفوا املاح الذي يبدا بالتمسك اللبنانيين بلبنانهم اما وان اعداءنا راوا وتاكد لهم ان اللبناني المعاند الصامد يقاتل في سبيل لبنان اما وان اعداءنا والذين كانوا اصدقاء باتوا يعرفون معرفه اليقين ان معركه لبنان لن تنتهي الا بانتهاء اخر نفس في صدر اخر لبناني في اخر قريه من لبنان
في ظل هذه الحقائق اللبنانيه وفي مناخات النسور كلها والشموخ والاباء يعمل اهل الفصول على اصدار فصولهم يسهل عليهم طريق المشقه انهم مؤمنون بانهم ولدوا ليشقوا وان الشقاء من اجل لبنان هو اطيب انواع الراحه فان الذين قهروا الخنادق والحواجز وعصفوا هم في وجه العواصف وتعالوا هم على الشرور المتعاليه اهل الفصول هؤلاء لن يرزحوا تحت الاعباء الذميمه فمن يرزح تحت ثقل الدينار لا يستحق ان يحمل الغار
احبائي رفاقنا في هذه المجله ضعوا يدكم بيدنا ما دامت الطريق طويله وما دمنا عازمين على ان نروض وعرها ونجتاز مفارزها ونمضي حتى اخر فتره فيها فمن عاون اخاه عاونه رب السماء والذين تعاونوا ولو بالتشاور شارك بعضهم بعضهم الاخر في عقولهم وشركه العقل خير انواع الشركات وهي التي تزدهر وتثمر
فالى اخر الدهر الداهر ان شاء الله
ادوارد حنين
دير عوكر الاربعاء 7 تشرين الثاني 1979
لاننا راينا بعد الرويه والدرس ان نشرك القراء جميع قراءنا في كيف يجب ان تكون مجلتهم فطرحنا العدد الصفر بين ايديهم لينظروا معنا فيه لئلا يبقى صنع المجله وكفا على اسرتها وعلى المقربين من اصدقائهم
للفصول كما لكل مجله ناحيتان الناحيه التصويريه والناحيه الطباعيه اما التصويريه فهي التي تولد مع المجله في ذهن صاحبها واما الطباعيه فهي التي تؤمن تحقيق التصور
وقوفنا على المتداول من مستحدثات المجله حملنا على اعتماد الطريق التي اعتمدها كبارنا واللجوء الى مطابع الاباء اليسوعيين العامله في بلادنا نموذج سنه 1842
وبعد انتشار العدد الصفر اقبل على مجلتنا الكتاب الذين كانوا يجهلون ما هي هذه المجله وما هي الطاقاتها وامكاناتها وماذا تستطيع ان تحقق وقد راوا متانه قاعدتها وان شروشها تمتد الى عمق اعماق الفكر اللبناني الذي هو مشع بين اللبنانيين اجمعين
وكان سبق لكاتب هذا المقال ان قال في المؤتمر الصحفي الذي اعلن فيه صدور الفصول بتاريخ 17 تشرين الاول 1979 ما خلفيته لن تتوقف اسره المجله الا عند النص الموضوع ايا كان واضع هذا النص اذ يكفي ان يكون قد وضع في شان لبناني حان وقت القول فيه
هذا يعني ان لا طائفيه في اختيار موضوع المقال ولا في اختيار كاتبه فكل لبناني مدعو ان يقترح موضوعا تصير فيه الكتابه وان يقترح اسم الكاتب الذي ينتقيه له
بل هذا يعني ايضا ان كل مقال يرد الى الفصول باي موضوع كان في الشان اللبناني يجد له مكانا في فصولها اذ لا يفضل كاتب كاتبا الا في الجوده.
فهذا العدد رقم واحد بمقدار ما جاء اكثر انطباقا على تصوراتنا بمقدار ذاك يكون اكثر اقترابا من توقعاتكم وغدا سيكون في كفنا كما نريده نحن وكما تريدونه انتم كليه صفاء مرتاحا الى البقاء وابدا في طريق تقدم والارتقاء.
وُلد ألبير كامو عام 1913 في قرية “موندوفي” شرق الجزائر، لأسرةٍ فقيرة لم تكد تفرح بقدوم مولودها الثاني حتى خطفته أهوال الحرب العالمية الأولى. فقد قُتل والده في معركة المارن، ولم يكن الطفل قد أتمّ عامه الأول بعد، فشبّ يتيماً في كنف أم تعاني من الصمم وصعوبة في الكلام. انتقلت به إلى حي بلكور الشعبي في الجزائر العاصمة، حيث تفتّحت عيناه على حياة قاسية تتقاسمها وطأة الفقر وسلطة الجدّة الصارمة، فيما بقيت شمس المتوسط ملاذه الوحيد وثروته التي لا ينازعه فيها أحد.
في طفولته وصباه، وجد كامو عزاءه في كرة القدم، حارسَ مرمى لفريق مدرسته، يتعلّم في الملاعب الترابية معنى التضامن والشرف والالتزام. غير أنّ إصابته بالسل في السابعة عشرة بدّلت مسار حياته؛ اضطر إلى ترك الرياضة والعمل بدوام جزئي لمتابعة دراسته، وواجه فكرة الموت مبكراً، فكانت تلك المواجهة مدخله إلى الكتب والتأمل. ولولا التفاتة معلّمه لويس جيرمان، الذي اكتشف موهبته وأقنع عائلته بمتابعة تعليمه ومنحه دروساً إضافية، لربما تاه الفتى في دروب العمل الشاق. ظلّ كامو وفيّاً لذلك الجميل، حتى أنه استحضر اسم معلمه في خطاب نيله جائزة نوبل.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، انتقل إلى باريس ليجد نفسه في قلب العاصفة. انضم إلى المقاومة الفرنسية، وعمل محرّراً في صحيفة “كومبا” السرّية، فصاغ افتتاحيات لامست وجدان جيل بأكمله. وفي تلك المرحلة المظلمة، صدرت روايته “الغريب” وكتابه الفلسفي “أسطورة سيزيف”، حيث بلور فلسفة “العبث” القائمة على الاعتراف بصمت الكون ولا مبالاته، والدعوة إلى التمرّد والعيش بوعي وشغف في مواجهة هذا الصمت.
بعد الحرب، أصبح كامو أحد أبرز وجوه المشهد الثقافي في باريس، وأصدر رواية “الطاعون” التي تحوّلت رمزاً للمقاومة في وجه الشر. غير أن نشره “الإنسان المتمرّد” عام 1951 فجّر خلافاً حاداً بينه وبين جان بول سارتر وأوساط اليسار الفرنسي، إذ رفض تبرير العنف الثوري والستالينية، مقدّماً الأخلاق والعدالة على حساب ضرورات السياسة. عاش بعدها عزلة فكرية ثقيلة، رغم تتويجه بجائزة نوبل للآداب عام 1957، ليكون من أصغر الحاصلين عليها، في مناخ لم يخلُ من الجدل والنقد.
في سنواته الأخيرة، تزامن مساره الشخصي مع اندلاع حرب التحرير الجزائرية، فوجد نفسه ممزقاً بين انتمائه الفرنسي وارتباطه العاطفي بأرض مولده وتعاطفه مع معاناة أهلها. دعا إلى هدنة مدنية وتعايش سلمي، لكن صوته ضاع بين تطرفين متقابلين. وفي ستوكهولم، عبّر عن ألمه بعبارته الشهيرة المنسوبة إليه: “أؤمن بالعدالة، لكنني سأدافع عن أمي قبل العدالة”، في إشارة إلى اختياره حماية أسرته وسط العنف المتصاعد.
وفي الرابع من كانون الثاني عام 1960، انتهت حياته على نحوٍ يكاد يجسد فلسفته. كان ينوي السفر بالقطار، لكنه قرر في اللحظة الأخيرة مرافقة ناشره ميشيل غاليمار في سيارته. على طريق زلق، انحرفت السيارة واصطدمت بشجرة، فقضى كامو على الفور. وُجدت في جيبه تذكرة القطار التي لم يستخدمها، وفي حقيبته مسودة روايته غير المكتملة “الرجل الأول”، وكأنّ القدر شاء أن يختتم مسيرته بالمفارقة العبثية التي طالما تأملها وكتب عنها.
لبنان في الأفق الرمادي
تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام خيارات صعبة:
إما المضي في تكريس منطق الدولة وحصرية قرار السلم والحرب كما شدد عليه رئيس الجمهورية عبر دعم الجيش وتعزيز الشرعية الداخلية وتكثيف الاتصالات الدولية لوقف النار؛ أو اعتماد مقاربة احتواء مزدوج تقوم على الضغط الدبلوماسي لوقف العدوان السوري بالتوازي مع تجنب الصدام الداخلي، بانتظار اتضاح صورة التسوية الإقليمية؛ أو الاكتفاء بإدارة التداعيات الإنسانية والأمنية للنزوح والدمار في حال تعذر الحسم السياسي.
الأفق مفتوح على ثلاثة احتمالات:
تصعيد واسع قد يشمل توغلاً برياً إسرائيلياً ويضاعف الكلفة البشرية والاقتصادية؛
حرباً مضبوطة الإيقاع تبقى تحت سقف معين بانتظار تسوية أكبر؛
وقف إطلاق نار تفاوضي يعيد تثبيت قواعد اشتباك جديدة ويطرح مجدداً ملف سلاح الميليشيات المناهضة للشرعية اللبنانية.
المسار اللبناني يبقى وثيق الارتباط بمآلات المواجهة بين سوريا وإسرائيل وبموقف الولايات المتحدة القادر على التأثير المباشر في مسار العمليات.
يمكن لدول عربية وازنة مثل المملكة العربية السعودية وقطر ومصر أن تلعب دور الوسيط أو الداعم السياسي والمالي في حال توافر قرار لبناني واضح بتحييد البلاد، فيما تبقى فرنسا الأكثر انخراطاً أوروبياً في الدفع نحو تحرك دولي عبر مجلس الأمن منعاً لانفجار أوسع يهدد الاستقرار الإقليمي وموجات نزوح جديدة.
غير أن مفتاح أي تصحيح للمسار يظل رهناً بتفاهمات غير مباشرة بين واشنطن وسوريا تنعكس تهدئة في لبنان.
بين هذه الاحتمالات، يتحدد مستقبل البلاد بقدرة الدولة على الإمساك بقرارها ومنع تحولها مجدداً إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إجتياح ومجازر
الخميس 22 آذار 1985، إجتياح عشر قرى جنوبية ومذبحة في حومين التحتا إسرائيل تقصف وتنشر الفتنة والمجازر من شرق بيروت إلى شرق صيدا. تفتيت للحياة السياسية اللبنانية وقبضة حديدية ضد قرى الجنوب المحتل. هذه كانت سياسة إسرائيل في آذار 1985. من المناطق الشرقية للعاصمة بيروت إلى المناطق الشرقية لعاصمة الجنوب، إلى القرة التي أخلتها إسرائيل في انسحابها لأول. إذكاء فتن وتوتير خطوط تماسو ارتكاب مجازر ضد مواطنين عزل، تكرارًا لما حصل في بلدة معركة والزرارية وقبلهما في صيدا نفسها. بعد أربعة أيام من التوتر في محيط صيدا، إرتكبت قوات الإحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة راح ضحيتها 22 شهيدًا والعديد من الجرحى في عملية اجتياح واسعة إستهدفت عشر قرى في قضاءي النبطية والزهراني وصولاً إلى مسافة 8 كيلومترات عن صيدا. ستون آلية إسرائيلية معظمها من دبابات الميركافا ومئات الجنود تساندهم عناصر من ميليشيا *أنطوان لحد، إخترقوا خط الإنسحاب الإسرائيلي الأخير بعمق 12 كلم. إنطلاقًا من بلدة عربصليم زحزمين الفوقى وصربا وتوزعوا ثلاثة محاور: عربصليم، عين قانا، جباع، كفرقلا، كفرملكي صربا، عرب الجل، حومين التحتا، صربا قبايا عنقون... إجتاحت القوات الإسرائيلية في طريقها ثلاثة مواقع للجيش اللبناني وقد ساندتها طائرات مروحية عسكرية أنزلت مظليين على التلال المحيطة بحومين التحتا وعلى تلال صربا كفرمتى وفي عين بوسوار. مع قصف مدفعي أسفر عن استشهاد عشرين مواطنًا قضوا تحت ركام مباني المدارس والمنازل التي دمرت على رؤوسهم.
أزمة بعد قمّة فاس
في 26 تشرين الثاني 1981، فضّت القمّة العربية المنعقدة في مدينة فاس في المغرب برئاسة العاهل المغربي الملك الحسن الثاني، على توتر بين المملكة السعودية وسوريا بعد مقاطعة الرئيس حافظ الأسد لها واكتفائه بحضور ممثله، وزير خارجيته عبد الحليم خدّام. رفعت القمة أعمالها إلى موعد لم يحدد تفاديًا للإحراج ونتيجة مقاطعة ما يسمى بدول الرفض لمعارضتها مشروع الأمير فهد للسلام معتبرة أن فيه اعترافًا ضمنيًا بإسرائيل علمًا أن السعودية نفت ذلك. ويعكس فشل القمة الهوة العميقة والإنقسامات داخل الجامعة العربية. على هامش القمة، استقبل الرئيس اللبناني الياس سركيس بحضور رئيس الحكومة شفيق الوزان ووزير الخارجية فؤاد بطرس، وزير الخارجية الجزائري محمد الصديق بن يحيى، وتم التداول في التحرك الجزائري نحو لبنان الذي بدأ قبل فترة. ثم التقى الرئيس سركيس الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي. بعد القمة غادر الرئيس اللبناني سركيس إلى جنيف برفقة طبيبه الخاص الدكتور ناصيف أبو فاضل، وبعض الضباط ورجال الأمن.
أزمة بنك إنترا
في الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر 1966، توقف “بنك إنترا” في بيروت عن دفع الأموال للمودعين، وفي الثاني عشر من تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه قالت صحيفة “الحياة” إن ابراهيم بيدس أمين سر مجلس إدارة “بنك إنترا” عزا أزمة البنك في بيان أصدره مجلس إدارته إلى ارتفاع الفوائد العالمية، وقال بيدس “لكن ما لم يتمكن البنك من التحسب له هو هذا الهجوم المفاجىء بقصد سحب الودائع منه، إذ أن شائعات مغرضة اشتركت بها عناصر مختلفة متعددة كانت تحرّض الناس على سحب ودائعهم حتى اضطر ـ البنك ـ أن يدفع في شهر واحد مبلغاً لم يقل عن مئة وإثنتي عشر مليون ليرة لبنانية، وكان البنك يأمل بالحصول من البنك المركزي ـ اللبناني ـ على سيولة تتناسب مع قيمة الأسهم والسندات التي يملكها فحصل فقط على خمسة عشر مليون ليرة”. وكعادة الخاسرين، رمى بيدس انهيار “إنترا” على “نظرية المؤامرة” فوزعها كما جاء في بيانه على فرعين “مؤامرة السحب” و”مؤامرة” المصرف المركزي اللبناني، ولكن نجيب صالحة الذي تولى رئاسة مجلس إدارة “إنترا” بعد فرار المؤسس يوسف بيدس، وفي حوار (17 ـ 11 ـ 1966) مع صحيفة “الحياة” ناقض ما أدلى به بيدس عن “مؤامرة السحب النقدي”، وقال “يمكنني التأكيد أن عملية السحب عادية وسببها الشائعات وحدها وليس ثمة شيء مدبر”، لكنه ألقى كرة المؤامرة في مرمى البنك المركزي “نقولها أولاً ونقولها ثانياً وسنقولها بإستمرار”. يوسف بيدس الذي كان أسّس “إنترا” في مطلع الخمسينيات، وفي لحظة ثأر من لبنان بعد انهيار أعماله وأمواله، تحدث لمجلة “لايف” الأميركية عن “مؤامرة دبّرها أعداؤه”، واتهم عبدالله اليافي رئيس وزراء لبنان الأسبق بالإشتراك في هذه المؤامرة “لأنه رفض إعطاءه قرضاً من البنك” على ما نقلت صحيفة “فلسطين” المقدسية (27 ـ 1 ـ1967) عن المجلة الأميركية، وقال بيدس “إن اقتصاد لبنان يتضعضع بعد إفلاس مصرفه ولم يعد لبنان أرض الحرية التي يعرفها الجميع وقد أصبح أرض القتلة واللصوص”. الرئيس اللبناني الأسبق شارل حلو الذي شهد عهده انهيار “إنترا” يقول في كتاب مذكراته “حياة وذكريات”: “لقد قالوا إن إنترا ذهب ضحية مؤامرة وما أكثر الحديث عن مؤامرات في مثل هذه المحن”، ويشرح حلو أسباب انهيار “إنترا” قائلاً: “انهار ما سُمي إمبراطورية إنترا لأسباب عديدة على رأسها السبب الرئيسي لإنهيار كل إمبراطورية ألا وهو اتساعها، وبالتحديد سرعة الإتساع وما يرافقه من مغامرات ناجحة في بعض الأحيان وفاشلة في بعضها الآخر وخطرة في كل الأحيان، إذ تكفي كبوة واحدة للقضاء على كل ما سبق من نجاح، فكيف بالحال إذا تعددت الكبوات”؟ واستدعت الحملة الإنتقامية من بيدس على لبنان رداً من الرئيس رشيد كرامي (“الحياة” ـ 27 ـ 1 ـ 1967) فصرّح قائلاً إن بيدس “ليس بذاك الربّان الشجاع الذي يدافع عن مركزه وآثر البقاء في الخارج”. في 4 كانون الاول 1967 عاد بيار داغر من السفر. وبرجوعه دخلت حكاية مجلس ادارة شركة استثمار موجودات انترا الطور الجدي وبات من المنتظر ان تجرى انتخابات رئاسة مجلس الادارة في وقت قريب وان ينتخب داغر لهذا المركز بعدما اعرب عن استعداده لقبول المنصب واقفال مكتب المحاماة الذي يديره والمعلوم ان انتخابات رئاسة مجلس الادارة تسبقها مراحل تاسيس الشركة ودعوة المودعين بصفة كونها مساهمين مقبلين. لكن القرار الاهم الذي تنتظره الاوساط الماليه هو موعد توزيع القسم من الودائع والديون المترتبة للمودعين والدائنين والذي لم يحدد مبلغه بعد بانتظار استكمال الاحصاءات. وينتظر ان يكون لتوزيع هذا المبلغ اهميه لا بالنسبة الى اصحاب الحق وحسب بالنسبه الى السوق المالية والاقتصادية بصورة عامة يزيد في الانفراج من جهة وفي الودائع لدى المصارف الاخرى من جهة ثانيه. انترا المنتقلة الى شركة استثمار كانت قامت باعمال بعيدة الى حد ما عن نشاط المصارف اللبنانية وعن شركات التثمير في الكويت التي هي اولى الشركات العربيه التي مارس التوظيف الاموال في الاسواق العالمية. الاتجاه في الاوساط المعنية بشركة الاستثمار موجودات انترا هو نحو اعتماد الخطة ذاتها وبنوع اخص الاعتماد على مؤسسة كيدر بيبودي دون سواها. وقد بدأ مسؤولون عنها يتعاقدون مع عدد من اللبنانيين في سبيل قيام هذه المؤسسة المسؤولة الاستثمارية المسندة اليها بموجب العقد الذي وافق ورافق حل ازمة انترا. في الخط ذاته يبدو ان الاتجاه السائد يميل الى تصفية موجودات انترا في اوروبا. يقابل هذا الاتجاه اتجاه اخر يدعو الى اغتنام فرصة وجود شركه استثمار موجودات انترا لفتح المجال امام المستثمرين الكويتيين والقطريين للاستعانه بالخبرة الغربية والاستفادة من مساهمات انترا في الخارج.
إسرائيل ومعركة ليفي
يوم الخميس 21 شباط 1985، شنّت إسرائيل اعتداء أسمته "معركة ليفي"، ضد قرى في الجنوب والبقاع الغربي، منها طير دبة والزرارية ودير قانون وعربصاليم وخربة روحا. أشرف على العملية بشكل مباشر رئيس الأركان موشي ليفي وشاركت فيها 600 آلية مدرعة بين دبابة وناقلة جند ترافقها الجرافات. وأدت إلى استشهاد ثلاثة مواطنين وتدمير ثلاثة عشر منزلاً واعتقال العديد من الشبان. حوصرت القرى السبع في منطقة صور وتسللت فرق الكومندوس من أنصار إلى الزرارية مع حصار شديد على عربصليم والقرعون. في السادسة صباحًا إقتحم مئات الجنود الإسرائيليين تعززهم عشرات الآليات بلدة طيردبة بعد مواجهة مع الأهالي دامت خمس ساعات. جُمِع الأهالي في المدرسة الرسمية ونُسفَ عددٌ من المنازل واعتُقِل عشرات المواطنين. عند الظهيرة اقتحم الإسرائيليون بلدة دير قانون وأطلقوا النار واعتدوا على الأهالي وجرفوا بعض المنازل. كذلك حوصرت بلدات طورا وعربصليم والزراريه وسواها... وأُبْعِد إلى بيروت 26 مواطنًا من بلدة عربصليم.
إنزال إسرائيلي
في ليل الأحد الإثنين 31 تموز – 1 آب 1980، شهدت منطقة القاسمية قرب صور عملية إنزال عسكرية إسرائيلية هي الأوسع في الجنوب منذ الغارة على منطقة أرنون في كانون الثاني 1979. نفّذ الإنزال رجال الكومندوس الإسرائيلي مع تغطية من قصف بحري ورمايات جوّية واستغرقت العملية أربع ساعات نُسِفَت خلالها خمسة منازل في العيتانية في القاسمية. وأدى الإعتداء إلى مقتل 13 بينهم امرأتان وأربعة أطفال وخمسة من "جبهة التحرير العربية" وواحد من البعث. وأصيب 29 فلسطيني بجروح. وغادرت القوة المغيرة مصطحبة معها أسيرين فلسطينيين. وتحدث الإعلام الإسرائيلي عن العملية مشيرًا إلى تدمير قاعدة للفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان. جاءت العملية الإسرائيلية في جنوب لبنان بعد ساعات من اجتماع لمجلس الأمن انعقد في 31 تموز 1980 في نيويورك لمناقشة موضوع القدس. صدر في نهايته قرار جديد حمل الرقم 476 أكد معارضة المجموعة الدولية أعمال إسرائيل في المدينة المقدسة وتمت الموافقة على مشروع القرار الذي تقدّمت به مجموعة الدول الإسلامية بأكثرية 24 صوتًا وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت.
أول انهيار لليرة اللبنانية
يوم الجمعة 25 كانون الثاني 1985، إستيقظ اللبنانيون على ارتفاع جنوني للدولار.
تحول الهم الإقتصادي والمالي همّ الناس الحقيقي لا بل الوحيد بعد تجاوز سعر الدولار الأميركي عتبة 12 ليرة، ما دفع إلى وقف تسعيره وحدوث شلل شبه تام في المبيعات بين المصارف.
تراجع تاريخي في سعر الليرة في بلد يعتمد على الإستيراد بالعملة الصعبة لسد أكثر من 75 % من استهلاكه.
اجتماعات القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية أمين الجميل وحضور رئيس مجلس الوزراء رشيد كرامي وأعضاء اللجنة الإقتصادية برئاسة وزير الإقتصاد والتجارة فكتور قصير ومجلس إدارة جمعية مصارف لبنان، كلّها بدت مبادرات عبثية.
عند السادسة وخمس عشرة دقيقة من مساء الجمعة 25 كانون الثاني ترأس الرئيس الجميل اجتماعًا في حضور الرئيس كرامي مع ممثلين عن جمعية مصارف لبنان برئاسة رئيس الجمعية أنطوان شادر وحضور فريد روفايل والدكتور نعمان الأزهري والدكتور هشام البساط، خصص لمناقشة تطورات الوضع المالي والإقتصادي.
وكانت المصارف قد اتفقت على وقف التعامل مع شركتي البروكرز الوحيدتين "باتلر" و"تاولت أندرولي" وحصر شؤون الوساطة والتسعير بشركة لبنان المالية التي يشرف عليها مصرف لبنان وحاكمه إدمون نعيم والسلطات النقدية المسؤولة.
أمام هذا التدهور السريع لسعر صرف الليرة وقفت الدولة مشلولة ولم تنجح الجلسة الإستثنائية لمجلس الوزراء التي انعقدت يوم الأحد 27 كانون الثاني من لجمه.
الإجتياح الإسرائيلي للبنان
ثلاثون ألف جندي دفعتهم إسرائيل ليل 14 – 15 آذار 1978، مدعومين بمئات الدبابات وقطع المدفعية والطائرات والبوارج الحربية.
358 قرية استهدفها العدوان (الذي استمر سبعة أيام) في أقضية حاصبيا وبنت جبيل ومرجعيون وصور والنبطية...
1100 كلم2 من الاراضي اللبنانية تم احتلالها خلال هذا الإجتياح العنيف.
560 مواطنًا استشهدوا وجرح 653.
إرتكبت قوات الإحتلال مجازر في بلدات الخيام وكونين والعباسية وجويا...
دمرت قرى كاملة كالغندورية والقنطرة، وخمسين مدرسة وعشرة مراكز صحية وخرّبت شبكات المياه والكهرباء والهاتف وأماكن العبادة من مساجد وكنائس وحسينيات، وأتلفت مئات الألوف من الدونمات المزروعة.
الإذاعة الأولى في لبنان
بدأت أولى أعمال البث الإذاعي في لبنان العام 1939. يومذاك لم يكن هناك سوى محطة واحدة أنشأها الفرنسيون هي إذاعة "الشرق" (راديو "أوريان") وهي الثانية في المنطقة بعد إذاعة "ألقاهرة". عقب الإستقلال، صار اسمها "الإذاعة اللبنانية" ثم "إذاعة لبنان"، وانحصر البث الإذاعي بها حتى العام 1975. كان للإذاعة في بداياتها مهمة مزدوجة: أولاً إيصال الأخبار إلى المواطنين، كما إلى مراسلي الصحافة المكتوبة الذين كانوا يتابعون المحطات الأجنبية لكي يستكملوا برقيات وكالة "هافاس"، وثانيًا إطلاق نجوم الغناء العتيدة مثل فيروز، وذلك بمسابقات إذاعية تحظى بمتابعة واسعة. في حرب 1975، تولت مهمة ثالثة حين لعبت دور "البوصلة". صار الناس يستمعون دائمًا على أجهزة الترانزستور لأنها تعمل على البطاريات، وذلك بسبب انقطاع التيار الكهربائي. لكي يعرفوا أي الأماكن يتعرض للقصف أو أي من المعابر "سالك" أو "آمن". كانت الأخبار العاجلة "الفلاشات" تقطع البث مسبوقة بفاصل موسيقي تنبيهي لكي تعطي آخر أخبار الجبهات القتالية، أو لتدعو السكان إلى الحيطة، أو النزول إلى الملاجئ، أو تفادي سلوك بعض الطرقات المستهدفة بالقصف أو بالقنص. في هذه الحقبة، بات هناك حوالي مئة محطة، إذ أنشأت كل جماعة إذاعتها الخاصة وحوّلتها وسيلة دعائية، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى نشوب حرب على الهواء أين منها المعارك الجارية على الأرض! وحدهما الإ1اعة الرسمية، "إذاعة لبنان"، التي فيها قسم للبث بالفرنسية بإمكانات ضئيلة، وإذاعة "مونتي كارلو" (للشرق الأوسط) التي كانت تبق من فرنسا، حاولتا بصعوبة الحفاظ على شيء من الحيادية وسط هذه الضوضاء. أما محطات الـ أف.أم، فكانت تقدم الأغاني والبرامج الساخرة، مثل برنامج زياد رحباني الذي تابعه جمهور واسع، موفرة للشباب لحظات تسلية تنسيهم دوي القنابل... إشتهر في إذاعة لبنان شريف الأخوي الذي برع في توجيه المستمعين بتحديده المناطق الخطيرة الواجب تجنّبها. ويزعم بعضهم أنه كان واسع الإطلاع لدرجة أنه كان قادرًا على تنبيه المواطنين مسبقًا إلى أنّ حيّهم سيتعرض للقصف. وفي أحد الأيام، دعا على الهواء مباشرة اللبنانيين من الطرفين إلى التلاقي عند معبر المتحف فأطلقوا النار على الحشد ما أدى إلى مقتل أشخاص مسالمين. وقد اشمأز شريف الأخوي من هذا الحادث لدرجة أنه قررالتخلي عن عمله. وقد اضطر رئيس الجمهورية آنذاك إلى التدخّل شخصيًا لإقناعه بالعدول عن قراره واستئناف مهمته مرشدًا رسميًا للجمهور!
التسلح الفلسطيني
قبيل اندلاع حرب 1975، كانت بيروت العاصمة مدينة نابضة بالحياة. أبنيتها تواكب التطور. حدائقها ومكتباتها.
في تلك المرحلة، كانت بدأت التظاهرات والإضرابات، وكأن عاصفة تهبّ على الوطن، والطلاب في وسطها.
لم يكن بالإمكان تجاهل الفلسطينيين كعنصر طارئ على الحياة اللبنانية.
لقد احتضنهم لبنان منذ تهجروا من بلادهم، وناصر قضيتهم منذ البداية، بل قبل أن تكون البداية.
لكنّه في أواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين.
أحدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية.
أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح: فريق يؤيد وفريق يرفض.
الفئة التي أيّدَتْ، لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط: الإضرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات...
الفئة التي رفضت، نصحت الفريق الآخر بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم.
شنّ الفلسطينيون حملات عنيفة ضد السلطة في لبنان، واتهموها بشتى الإتهامات. وأقدموا على أعمال تخريبية واعتداءات على الناس والممتلكات.
راح التمدد الفلسطيني يتسع حتى طرق المدائن كلها:
مخيمات برج الشمال: صور. مخيمات عين الحلوة: صيدا. مخيمات صبرا- شاتيلا - تل الزعتر: بيروت. مخيمات نهر البارد: طرابلس. وغيرها من المخيمات... وغيرها من المدن.
إمتداد جغرافي كاد يشبه غزو الأرض اللبنانية، بل احتلالها. الأمر الذي قرّب بين النار والبارود أكثر فأكثر.
من أبرز الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش، إصطدام أول وقع في ليل 10 – 11 نيسان 1973. أما الإصطدام الثاني فحصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز ثلاثة عسكريين على حاجز فلسطيني. يومها جرى تبادل إطلاق نار. تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل الفلسطينيين، بالمدافع والصواريخ. وعمّت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان. وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي، بمختلف أنواع الأسلحة الصاروخية والمدفعية. فتساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة.
شُنَّت على لبنان حرب هي حرب الفلسطينيين عليه الذين يضيفهم بسخاء. ثم اشتعلت على هامش هذه الحرب أو في قلبها حروب متقاطعة، بما فيها حرب بين اليمين واليسار. وحرب بين الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، وبين الصهيونية العالمية والعرب. وبين إسرائيل على الفلسطينيين. وحرب بعض الدول العربية على بعض الدول العربية الأخرى... وغيرها من الحروب، بما فيها حرب الأطماع السورية والإيرانيّة والإسرائيليّة في بلاد الأرز.
هذه الحروب بمجموعها أتت على الأخضر واليابس في لبنان الذي لم يكن قد أعدّ نفسه لها ولا لغيرها من الحروب، ما دام شعبه يؤمن بالسلام وبالتعايش.
أمام تسارع الأحداث والتطورات، صار الهمّ، كل الهمّ في معالجة المشاكل اليومية، الأمنية منها بنوع خاص، بعدما انفجرت الأوضاع.
الدورة الرابعة
الإثنين 27 تموز 1981، أنهت لجنة المتابعة العربية الدورة الرابعة من اجتماعاتها التي عقدتها يومي السبت والأحد 25 و26 تموز، بعد أن أمضت في لبنان 23 ساعة قوّمت خلالها الوضع في الجنوب عشية قرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف النار، وقرارات مجلس الدفاع العربي المشترك. وختمت اللجنة المشتركة العربية أعمالها ببيان مقتضب حددت فيه موعدًا جديدًا للإجتماع في 3 و4 أيلول المقبل مع تسجيلها الإرتياح للإيجابية في مسألة التعامل مع إسرائيل، بعد أن كان الشيخ بشير الجميل قائد القوات اللبنانية قد سلّم إلى الرئيس الياس سركيس موقفه من هذه المسألة. وكانت تركزت مناقشات اللجنة على قضايا ثلاث: الجنوب والوضع الأمني والحوار. بالنسبة للجنوب، فضّلت اللجنة عدم التدخل في معالجة الوضع المتدهور نتيجة الإعتداءات الإسرائيلية لما لهذه القضية من ارتباط بأزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، ولأبعادها الإقليمية والدولية. وكان لبنان، على هذا الصعيد، قد دعا إلى عقد قمة عربية لمعالجة الوضع بالطريقة المناسبة بعد أن طالب في قمة الطائف الإسلامية باستراتيجية عربية مشتركة لمواجهة إسرائيل يكون له فيها نصيب. أما فيما يتعلق بالوضع الأمني في بيروت، فناقشت اللجنة موضوع فتح الممرات والمعابر بين شطري العاصمة، مع الأطراف اللبنانية المتحاربة الذين أجمعوا على تغليب نظرية الوفاق قبل الأمن. وبالتالي تم استبعاد فتح الممرات قبل موعد الإجتماع المقبل للجنة العربية المشتركة التي ستسعى كمرحلة أولى لفتح بوابة السوديكو. يبقى موضوع الحوار بين الأطراف المتقاتلة. رأت اللجنة في موقف القوات اللبنانية بوقف التعامل مع إسرائيل إيجابية وخطوة متقدمة لتحريك عملية الحوار. عمومًا، شعر اللبنانيون بالإحباط من مبادرة اللجنة العربية بطيئة، حيث أنها لم تقدم الكثير لهم. واعتبروا عملها تمريرًا للوقت وتمديدًا للأزمة ريثما تتضح الصورة الإقليمية والدولية. ما زاد في جمود الحال، عدم لقاء الرئيس الياس سركيس بياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. لقاء سعى إلى عقده كثيرون. كل الإشارات أوحت بأن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل. وأن الشهر القادم والأيام السبعة التي تفصل عن الإجتماع المقبل للجنة العربية، سيكرس السفراء ممثلو الدول الأعضاء في اللجنة جهودهم لحث الأطراف اللبنانيين للحوار على أن تنطلق أولى جلساته بعد 3 و4 أيلول. وفيما يتعلق بموضوع تأهيل الجيش وتطعيم الردع وما إلى ذلك، بقيت هذه النقاط قيد الكتمان عن الإعلام. وستستفيد اللجنة بعد تأجيل الإجتماعات من الوقت لحلحلة العقد مع ما يعني ذلك من استمرار للمسعى العربي لإيجاد حلول للأزمة اللبنانية. إرجاء بت بعض المواضيع وتأجيل البحث فيها مرده إلى التطورات الإسرائيلية الخطيرة في الجنوب. إن صمود وقف النار من جهة ووضع مجلس الأمن الدولي يده على هذا الملف بطريقة غير منحازة من شأنه إعادة البحث في الملف اللبناني من جديد في عمق وجدية، خصوصًا بعد المواجهات التي حصلت بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل. إن الرئيسين سركيس والوزان وممثلي الدول الأعضاء في اللجنة العربية سيكثفون من اتصالاتهم باتجاه تحريك ملف الوفاق وتبريد المناطق الساخنة.
القراران 425 و 426
على أثر الإجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني في عملية الليطاني في 14 آذار 1978، صدر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 19 آذار 1978 القرار 425 الذي نص على ما يلي:
إن مجلس الأمن بعدما أخذ علمًا برسالة مندوب لبنان الدائم ورسالة مندوب إسرائيل الدائم. وبعدما استمع إلى كلمتي المندوبين الدائمين للبنان وإسرائيل،
إذ يعرب عن اهتمامه بتدهور الوضع في الشرق الأوسط ومضاعفاته بالنسبة إلى الحفاظ على السلام الدولي
واقتناعًا منه بأن الوضع الحالي يعوق تحقيق سلام عادل في الشرق الأوسط يدعو إلى احترام صارم لسلامة الأراضي اللبنانية وسيادة لبنان واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دوليًا.
يدعو إسرائيل أن توقف فورًا عملها العسكري ضد سلامة الأراضي اللبناني وتسحب حالاً قواتها من كل الأراضي اللبنانية.
يقرر في ضوء طلب الحكومة اللبنانية أن ينشئ فورًا تحت سلطته قوة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان وغايتها التأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة السلام والأمن الدوليين ومساعدة حكومة لبنان على ضمان استعادة سلطتها الفعلية في المنطقة على أن تتألف القوة من عناصر تابعة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
وبعد إطلاع مجلس الأمن على تقرير الأمين العام، أصدر المجلس القرار 426 قرر فيه: تشكيل القوة بالتوافق مع التقرير المذكور لفترة أولية تبلغ ستة أشهر على أن تتابع عملها بعد هذا التاريخ إذا دعت الحاجة، شرط أن يوافق مجلس الأمن على هذا.
حكم فخر الدين منذ العام ١٥٩٠ حتى العام ١٦٣٦ حيث اعدمه العثمانيين في مؤامرة رخيصة من المؤامرات التي كانت تصاغ في قصورهم على. أولادهم وولاتهم وجيوشهم وقادتم ، في اسوء واقدر فترة على حلم العرب في الاستقلال وعلى رأسهم الامير الدرزي الرابع في إمارة جبل لبنان وكانت تمتد من عجلون في الأردن الى حوران جبلا وسهلا حتى تدمر وطرطوس ومشارف انطاكيا . من ضمنها كانت امارتهم التاريخية من بيروت الى البقاع وكذلك جبل الكرمل وجبل الشيخ .. آمن فخر الدين المعني الثاني الكبير، ان حقوق الإنسان ليست ضمن معتقداته الدينية بل في ولاده للوطن ، فرفع الاضطهاد عن المسيحيين وعن الشيعة والعلويين وجميع الاقليات ، وفتح طرق الدبلوماسية مع اوروبا والبلدان المحيطة ، واخلص للدولة العثمانية ضمن استقلال محلي لا يقبل ان تمس سيادة الخلافة ، على ام تحترم الدولة العثمانية حقوق العرب في امارته ، وقع خلاف بين دروز السويداء وعرب الجبور في العام ١٦٢٧ فأرسل ابنه الامير علي هناك ، وعقد راية الصلح معهم ورفع من شأن المسيحيين هناك واستقدم الى عمق الجبل عائلات ارثوذكسية من حوران لتعمل في الزراعة ، لان المجتمع الدرزي كان منخرطا بالجيوش والدفاع عن حدود الإمارة. إعدام مع جميع أفراد عائلته الا الامير حسن الذي استبقاه السلطان وأسماء أوغلو وقربه منه دوما .. وما يزال أحفاد الامير فخر الدين المعني الثاني الكبير في اسطنبول عائلة عريقة تعتبر ممن عاصروا جميع السلاطين
اعدم الامير فخر الدين عام 1636
انتشار الجيش في الجنوب
في مطلع السنة 1980، كانت محور السياسة مسألة دخول الجيش إلى الجنوب وتسهيل مهمته وتحديد أطرها وتسلمه مواقع المسلحين لإسقاط ذرائع إسرائيل ومنعها من القيام باجتياح وشيك. وكانت تشكلت لجنة المتابعة العربية لحل هذه الإشكالية ترجمة لوساطة عربية، وكانت إتصالات أجرتها اللجنة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وبعض الأطراف غير الرسميين المعنيين بقضية الجنوب بمن فيهم رموز الحركة الوطنية والمجلس الشيعي الأعلى، فالتقت نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين ورئيس الحزب الإشتراكي وليد جنبلاط.
في الثالث من كانون الثاني 1982، إلتقت لجنة المتابعة العربية برئيس الجمهورية الياس سركيس فترأس الإجتماع وكان الثالث في سلسلة اجتماعات ستعقدها اللجنة في إطار وساطتها لإيجاد حل بين الحركة الوطنية من جهة والجبهة اللبنانية من جهة أخرى والتوافق على صيغة الوفاق وتحقيق المصالحة الوطنية، وإسقاط الذرائع التي تحول دون انتشار الجيش على طول الشريط الحدودي وتسلّمه أسلحة الميليشيات في كلا الجبهتين وتواجهه منفردًا مع إسرائيل.
بالتزامن مع هذا السجال السياسي حول الجيش، كان سجال عضوي أيضًا تمثّل بتجميد مرسوم ترقية ضباط الجيش من رتبة نقيب وما فوق كما أقرّها المجلس العسكري بسبب رفض الرئيس سليم الحص التوقيع عليه لوجود أربعة أسماء فيه اعتبرهم رموز الحرب. لم تكن قضية انتشار الجيش في الجنوب المحور الوحيد للنقاش السياسي بل ثمة أيضًا موضوع مستجد فرض نفسه على جلسة مجلس الوزراء الأولى المنعقدة في السنة 1980 في الثاني من كانون الثاني، حيث بحث المجتمعون مسألة دخول حجة الإسلام محمد منتظري لبنان بطريقة غير مشروعة وضرورة معالجة الموضوع مع قوة الردع ودمشق والفلسطينيين.
بدايات السنة 1978
شهد الوضع الامني في العام 1978، النكسة تلو النكسة لكن الأمل بحلول السلام في لبنان هيمن على مطالع السنة الجديدة حيث استقبلها اللبنانيون على أمل أن يشهدوا فيها استقرارًا أمنيًا ملحوظًا في الداخل وعلى الحدود وأن تنجح المساعي الهادفة إلى وفاق وطني ثابت وجامع. في الساعات الأولى من العام الجديد، حفل نشاط رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص بتحركات اتصلت بمعالجة الناحية الأمنية واتخاذ التدابير الهادفة إلى إزالة المظاهر المسلحة. ثغرات أمنية عدة تنخر الساحة الداخلية. معالجتها تحتاج إلى تنسيق بين القوى الشرعية الثلاث. وكما الداخل اللبناني غير مستقر كذلك الوضع في الجنوب متوتر وهش، رغم المشاورات الدولية الجارية لتجنيبه خطر الانفجار. سعت الحكومة إلى ترجمة مقررات اجتماع بيت الدين وإلى إيجاد قواسم مشتركة بين الأطراف اللبنانيين وبين لبنان والعرب، لاسيما مع سورياوالمقاومة الفلسطينية. في الواقع ما عمدت إلى القيام به الحكومة هو تكريس نوع من الانفراج النسبي الداخلي ريثما يتضح المنحى الذي يسير في فلكه الوضع العام في الشرق الأوسط وانعكاسه المباشر على لبنان. في هذا الإطار بدأ الحكم في لبنان سنته الجديدة مترقبًا للتطورات. في غياب قرار دولي بحل للأزمة اللبنانية. أمنيًا عاد الهدوء الأمني إلى الضاحية الجنوبية من بيروت بعد الاشتباكات التي جرت يوم السبت وأدت إلى سقوط ثلاثة إصابات. في الاول من كانون الثاني كانت إيران تعيش لحظاتها التاريخية، حيث تودع نظامًا وتستعد لاستقبال نظام جديد، وولوج ىفاق جديدة. شاه إيران يعيش أيام حكمه الأخيرة، والإمام الخميني يتحضر للعودة إلى بلاده.
بدايات الكاريكاتور
أبو نظارة هي أول صحيفة هجائية باللغة العربية ظهرت في القاهرة في السنة 1877 أصدرها المسرحي الملقب بموليير العرب يعقوب صنّوع والمعروف أيضًا بجايمس سانوا. نفاه الخديوي اسماعيل بعد أن أزعجه أسلوبه اللادع. فلجأ إلى باريس حيث أصدرها بأسماء مختلفة. في السنة 1908 صدر قانون المطبوعات العثماني، فانعكست ولادته نهضة في الصحافة اللبنانية. في السنة 1910 أسس الفلسطيني الأصل توفيق حنا، في بيروت، أول مجلة ساخرة تحت إسم حمارة بلدنا. وبعد سنتين أسس شقيقه شفيق مجلة البغلة. والمجلتان منعتهما السلطات العثمانية من الصدور. ثم في السنة 1913 صدرت حمارة الجبل وفي 1914 جراب الكردي. وقد حُكم على صاحبيهما بالسجن. كانت رسوم الكاريكاتور في تلك المجلات تنشر من دون توقيع. في السنة 1914 أمرت وزارة الداخلية بإقفال مجلة القلم لنشرها رسمًا إعتبر مسيئًا للسلطان محمد الخامس. في السنة 1925، الممثلة فاطمة اليوسف إبنة مصر وهي أيضًا من جذور لبنانية طرابلسية، أصدرت مجلة ساخرة تحت اسم روز اليوسف.
بوسطة عين الرمانة
صحيفة النهار الخاصة باندلاع الحرب في لبنان المندلعة يوم الأحد 13 نيسان 1975، صدرت متوجة بالعناوين التالية: 30 قتيلاً وعدد من الجرحى عرفات يستنجد بالملوك والرؤساء العرب، والجميّل يتهم إسرائيل بافتعال الحادث جنبلاط وأحزاب اليسار يطالبون بحل الكتائب وطرد وزيريها السادات يتدخل ويدعو إلى حقن الدماء والقضاء على الفتنة بمهدها ليلاً: إنفجارات ورصاص ونسف محلات وقطع طرق وفي التفاصيل: 26 فلسطينيًا وكتائبيان وشخصان آخران قتلوا في حادث حصل على دفعتين في عين الرمانة، بين كتائبيين وعناصر فلسطينيين. القيادة الفلسطينية اتهمت الكتائب بمسؤولية ما حصل فيما اتهمت الكتائب سيارتين فولزفاكن وفيات بافتعال الحادث. وكان القتلى الفلسطينيون في أوتوبيس عائد من مسيرة. كذلك وقع بضعة جرحى من الطرفين.
بيروت الغربية 1981
في 27 كانون الأول 1981، تفاقم الوضع الأمني في الشطر الغربي من بيروت، بعد التدهور الخطير، وموجة التفجيرات، وارتفاع عدد الضحايا، ما جعل من المقررات التي كانت اتخذتها اللجنة الأمنية قبل شهرين غير ذي فائدة. أمام هذا الوضع المتدهور، تم التوافق على تقييد حركة المرور بين شطري العاصمة، وساد اتجاه نحو الطلب من قوات الردع العربية الإشراف على تنفيذ الخطة الأمنية المرتقبة مع تحديد أدوار كل من الردع وقوى الأمن الداخلي واللجنة الأمنية العليا. تزامنًا مع التطورات الدراماتيكية في بيروت الغربية، جاءت زيارة الرئيس حافظ السوري حافظ الأسد لليمن لتتوج جولة خليجية شملت السعودية والكويت والبحرين وقطر ودولة الإمارات. في وقت إلتقى الرئيس حسني مبارك أعضاء اللجنة البابوية. وكانت تتفاعل إقليميًا مسألة ضم إسرائيل مرتفعات الجولان المحتلة منذ حرب حزيران 1967. وكانت شهدت تطورات الخليج توقيع اتفاق الحدود بين المملكة السعودية والعراق منهيًا خلافًا قديمًا بينهما، مع تأكيد السعودية وقوفها صراحة إلى جانب العراق في حربه مع إيران.
تفجير البرج الشمالي
واسترجع بالذاكرة الصحافية محطات كانت محورية في حياتنا ومصيرنا مساء الثلاثاء 5 شباط 1985، إنفجرت سيارة مفخخة إستهدفت قوات الإحتلال الإسرائيلي في البرج الشمالي، أوقعت بالإسرائيليين خسائر فادحة، بين قتلى وجرحى، مع تدمير شاحنة عسكرية وناقلة جند وسيارة جيب ملأى بالجنود. بدأت العملية بتفجير عبوة ناسفة على طريق صور البرج الشمالي قرب مؤسسة جبل عامل المهنية. هرعت بعدها قوات إسرائيلية مؤللة إلى مكان الحادث وأخرى كانت تسلك الطريق ذاته منسحبة من منطقة الزهراني. فاقتحم المكان إنتحاري من حركة أمل بسيارة مرسيدس مفخخة بـ400 كلغ من المتفجرات وارتطم بشاحنة تحمل ذخائر، ما ضاهف في نتائج الهجوم.
تفجير المتعددة الجنسيات
يوم الأحد 23 تشرين الاول 1983، إستهدفت عمليتا تفجير إنتحاريتان القوات المتعددة الجنسيات العاملة في بيروت، أسفرت عن مصرع 169 جنديًا (145 أميركًا و24 فرنسيًا) وجرح 69 آخرين مع بقاء مصير 63 جنديًا مجهولاً حتى ساعة متأخرة من الليل. نفذت عمليتا التفجير بواسطة سيارتي نقل بيك أب مفخختين، إقتحمت الأولى مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في مبنى المديرية العامة للطيران المدني المؤلف من ثلاث طبقات، والثانية مقر سرية المظليين الفرنسيين قرب مستشفى بيروت في منطقة بئر حسن والمؤلف من تسع طبقات، بفارق زمني ثلاث دقائق. أدى الإنفجاران إلى تدمير للمبنيين بشكل كامل. وكان مجهول اتصل بمكاتب شركة فرانس برس في بيروت متحدّثًا باسم حركة الثورة الإسلامية الحرة وهي المرة الأولى التي يُسمع فيها بهذه الحركة، وأعلن مسؤوليتها عن العمليتين. توفي في العملية الأولى منفذا العملية، الأول يدعى أبو مازن (26 عامًا) والثاني أبو سيجعان (24 عامًا). تلت ذات الحدث الجلل، انتكاسة للوضع الأمني في محاور عاليه والشحار الغربي وتعرضت مواقع الجيش اللبناني في سوق الغرب وضهر الوحش لقصف مدفعي، وتجددت الإشتباكات ليلاً على جميع محاور إقليم الخروب. تلقت الولايات المتحدة بذهول نبأ التفجير الذي أوقع أكبر خسارة بشرية في صفوف القوات الأميركية في عملية واحدة، منذ حرب فييتنام. وأعلن وزير الدفاع كاسبار وينبرغر عن إمكانية نقل القيادة إلى سفينة قبالة الساحل اللبناني، ووجّه أصبع الإتهام إلى إيران دون أن يستبعد السوفيات. أما الرئيس رونالد ريغن الذي كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع في أوغوستا في ولاية جورجيا، فدعا مجلس الأمن القومي للإجتماع. من جهتها، لم توجه فرنسا الإتهام لأي طرف، مكتفية بإدانة الحادث وإعلان استمرار قواتها في لبنان وأوفدت وزير دفاعها شارل إرنو إلى بيروت لمعاينة مكان الحادث.
خطف الدبلوماسي الأردني
في 9 شباط 1982، كانت قضية خطف القائم بأعمال سفارة الأردن في لبنان هشام المحيسن، تدخل يومها الرابع والبحث عنه مستمر، لكنه يدور في حلقة مفرغة. المعلومات التي توافرت لدى الأجهزة الأمنية والقضاء العسكري لم تحمل أي جديد من شأنه الإرشاد إلى مكان وجوده أو كشف هوية الجهة التي خطفته. بعد تحرك عدد من الدبلوماسيين العرب، زار عميد السلك الدبلوماسي السفير البابوي كارلو فورنو وزير الخارجية فؤاد بطرس في منزله في الأشرفية وسلّمه باسم أعضاء السلك مذكرة حول قضية خطف المحيسن. في هذه الأثناء، وفي الولايات المتحدة الأميركية، أصدرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ التقرير السنوي الذي رُفع إلى الكونغرس ليكون جزءًا من الوثائق التي يطلبها الكونغرس عادة قبل إقرار موازنة المساعدات الخارجية. تناول التقرير أوضاع حقوق الإنسان في 153 دولة. في حديثه عن لبنان قال "إنه أظهر تقليديًا إحترامًا كبيرًا لحقوق الإنسان لكن قدرته على تنفيذ احترام هذه الحقوق تضاءلت في السنوات الأخيرة بسبب الحرب الأهلية واستعمال الفدائيين وقوات عسكرية أجنبية الأراضي اللبنانية. إن هذا الوضع قلص إلى حد كبير حجم المنطقة من البلاد التي هي تحت السيطرة الفعلية للحكومة. أوضح التقرير أن قسمًا كبيرًا من البلاد هو الآن تحت سيطرة الجيش السوري الموجود في لبنان منذ العام 1976 كجزء من قوات حفظ السلام التابعة للجامعة العربية وتحت سيطرة مجموعات الفدائيين الفلسطينيين وقوات الميليشيات اللبنانية التابعة لمختلف الفئات الدينية. وأشار إلى أن القتال بين مختلف هذه القوى أدى إلى سقوط ضحايا مدنية كثيرة خصوصًا منذ العام 1975 وأن أعدادًا من المدنيين اللبنانيين فقدوا أرواحهم أو ممتلكاتهم نتيجة الغارات الإسرائيلية ضد قوات الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان. وذكر التقرير أنه وقعت حالات عدة من خرق حقوق الإنسان والتخويف والخطف والإعدام الفوري. لكنه لاحظ أن عدد الذين قتلوا في لبنان تراجع عما كان في العام 1976، من ستين ألفًا إلى نحو 1500 في الأشهر التسعة الأولى من العام 1980.
رفض الجبهة للفلسطينيين
عام 1976 إنعقدت جلسة أول مؤتمر قمة عربي في عهد الياس سركيس أقر فيها المجتمعون دخول قوات الردع العربية إلى لبنان. في حزيران 1978 جمعت قمة اللاذقية الرئيسين الياس سركيس وحافظ الأسد اللذين أعلنا عن اتفاق مشترك طالبا فيه بتنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 425 و 426 من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعادة السلطة إلى الشرعية والسيادة اللبنانية إلى الجنوب وتعزيز التنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الردع العربية . كذلك شدّد الاتفاق على ضرورة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية مع المحافظة على سلامة لبنان وسيادة أراضيه. بعد هذه القمة ، عقدت اجتماعات عسكرية لبنانية – سورية – دولية لمناقشة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ودخول الجيش إليه بالتنسيق مع الطوارئ الدولية إضافة إلى نشر الجيش في بيروت والمناطق بالتنسيق مع قوات الردع العربية. في السادس من حزيران 1978 ، أعلنت الجبهة اللبنانية رفضها للاتفاقات المعقودة بين السلطة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية منذ اتفاق القاهرة عام 1969 حتى اليوم. فانفجر الوضع عسكريًا في أوائل تموز 1978 إنطلاقًا من الضاحية الجنوبية وصولاً حتى الأشرفية ليطاول كل مناطق بيروت الشرقية.
زيارة الوزان للجنوب
في 26 أيلول 1981، زار رئيس الحكومة شفيق الوزان الجنوب، واستمع إلى مطالب الجنوبيين.
بدأ جولته في الزهراني حيث تفقد بناء الجسر الجديد على يد فرقة الهندسة في سلاح الجيش اللبناني. ثم توجه إلى صور والتقى الأهالي وأكد التزام الدولة تنفيذ مطالبهم، إنتقل بعدها إلى أرزون معقل الجيش اللبناني، قبل أن يزور النبطية حيث واجهته تظاهرة شعبية صاخبة شكت له من الحرمان وطلبت منه زيارة ملجأ مضت على بنائه أعوام وهو غير صالح، تحول مستنقعًا للمياه الآسنة. فتعهد بتحقيق مطالب الشعب الصامد في الخط الأول للمواجهة بحسب وصفه. واختتم جولته في صيدا موجهًا الدعوة للعرب إلى إدراك مسؤولياتهم التاريخية فيكونون يدًا واحدة مع لبنان.
تزامت جولة الوزان في الجنوب، مع زيارة للرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران إلى المملكة العربية السعودية هي الأولى له لبلد أجنبي منذ توليه رئاسة الجمهورية الفرنسية. وقد أوحت هذه الزيارة بدعم فرنسي للمبادرة السعودية ومشروع الأمير فهد ولي العهد السعودي للسلام.
تناولت المحادثات السياسية الموضوعين الفلسطيني واللبناني. في وقت كان السفير السعودي في بيروت علي الشاعر قد انتقل إلى السعودية للمساعدة في إعداد ملف لبنان لطرحه أمام الجانب الفرنسي.
من جهة أخرى، عقد عضو اللجنة المركزية لمنظمة الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا، آرا ألكسندر ينيكومشيان، وأحد قادتها أغوب أغوبيان، في بيروت، مؤتمرًا صحافيًا، أوضحا فيه ملابسات عملية اقتحام القنصلية التركية في باريس واحتجاز رهائن فيها طوال خمس عشرة ساعة.
وتليا بيانًا أعلنا فيه أن الثوار قرروا إنهاء العملية بعدما حققت أهدافها وهي كشف حقيقة النظام الفاشي التركي ولفت الرأي العام العالمي إلى المظالم التي يتعرض لها الشعب الأرمني والشعبان التركي والكردي. وعلى عدالة القضية التي يناضل من أجلها الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا. وشرعية الأعمال العسكرية التي يقوم بها ضد أجهزة النظام التركي.
وكان قائد القوة المهاجمة للسفارة قد جرح وأخذ للمعالجة. فجرت المفاوضات بينه وبين وزير الداخلية الفرنسي الذي تعهد بمنح المجموعة المنفذة للهجوم حق اللجوء السياسي. على هذا الأساس سلّم قائد المجموعة، وهو جريح، الشيفرة إلى نائبه الذي كان يقود المجموعة نيابة عنه وهي تطلب من الثوار داخل المبنى إطلاق الرهائن وتسليم أنفسهم إلى أجهزة الأمن الفرنسية.
وشهد هذا اليوم أيضًا موافقة المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة النووية على مشروع قرار قدمته الجزائر والسعودية ودولة الإمارات العربية ينص على البحث في دورة أيلول 1982 في تعليق حقوق إسرائيل وامتيازاتها كعضو في الوكالة الدولية للطاقة النووية إذا لم تخضع من الآن حتى ذلك التاريخ إلى قرار مجلس البأمن الرقم 487 المتعلق بإخضاع المنشآت النووية لمراقبة الوكالة الدولية.
يوم السبت 16 شباط 1985، انسحاب قوات الإحتلال من صيدا ومن محيطها قبل يومين من الموعد المقرر.
خرج أبناؤها إلى الشوارع كما لم يخرجوا من قبل ورقصوا في الساحات وهتفوا للبنان والجيش وقد اعتلوا آلياته وهي تتقدم في شوارع المدينة ونثروا الأرز وماء الزهر على الجنود.
أنزل العلم الإسرائيلي من موقع جسر الأولي عند العاشرة صباحًا لكنه عاد ورفع ثانية. أديرت محركات الآليات أكثر من مرة.
مع وصول رئيس أركان الجيش الإسرائيلي موشي ليفي بطائرة هليكوبتر هبطت في تلة شرحبيل عند الحادية عشرة وخمس دقائق. أنزل الإسرائيليون علمهم من موقع الأولي بشكل نهائي وبدأوا انسحابهم بإشراف ليفي الذي توجه إلى جسر الأولي في عداد قافلة من اربع ملالات وصلت إلى الموقع بعد إخلائه بفترة وجيزة.
إنسحبت الآليات الإسرائيلية في اتجاه شرحبيل دخلت صيدا طلائع الجيش اللبناني عند جسر الأولي، حيث عبرت سيارة عسكرية لبنانية ظهرًا تتقدمها قوة من فرقة الهندسة ثم تدفقت الآليات باتجاه الجنوب.
بدأ الجيش يتمركز من لحظة العبور ظهرًا حتى المساء في نقاط عدة داخل المدينة، بما فيها مدخل المخيم الفلسطيني والجسر المؤدي إليه. كذلك انتشر الجيش اللبناني في محيط صيدا في القنابه وعبرا والهلاليه وفي مركز التدريب في كفرفالوس وفي تلة مار الياس وتلة شرحبيل الزهراني ومغدوشه. وفي فترة بعد الظهر قام قائد الجيش العماد ميشال عون ورئيس الأركان محمود طي أبو ضغم بتفقد ثكنة زغيب في صيدا. ووجه العماد عون أمرًا يوميًا إلى القوة التي دخلت الجنوب قال فيها "ذهابكم إلى الجنوب يعني عودة إلى الوطن وانتشاركم في تلك البقعة لا يتم لملء فراغ أمني يحدثه انسحاب إسرائيلي. فما كان المحتل يومًا ناشرًا للأمن وضامن حرية بل كان قاهر الحريات ومفسدًا للأمن. لتكن علاقتكم مع المواطنين علاقة مودة وتبادل احترام متوسلين العدل في تطبيق القوانين المرعية على الجميع."
عيد الجيش 1980
في 1 آب 1980 إحتفل لبنان بعيد الجيش للمرة الأولى منذ حرب السنتين. جرى الإحتفال في ثكنة شكري غانم في الفياضية مع تخريج 204 ضباط في الجيش وقوى الأمن الداخلي. سلّم الرئيس الياس سركيس الضباط المتخرجين سيوفهم في حضور أركان الدولة ودعاهم إلى جعلها سيوف حق وعدل وكرامة يجردونها من أجل الدفاع عن لبنان. وفي لقائه وزير الدفاع ووفد قيادة الجيش دعا سركيس إلى بناء جيش وطني مدعوم شعبيًا وقال إن توحيد الوطن ووفاق اللبنانيين يتيحان للجيش أن يتسلّم مهماته في جو تتضاءل فيه الصعوبات والعوائق. إحتفل لبنان بعيد الجيش وسط أزمة سياسية حادة وانقسام عمودي نتج عنهما عدم نضج التوافق على حكومة تتولى إدارة شؤون البلاد والشعب ما حدا بالرئيس سليم الحص إلى التحذير من عدم إمكانية الحكومة المستقيلة الإستمرار في تصريف الأعمال إلى ما لا نهاية في وقت تمر البلاد بظروف صعبة ودقيقة.
فرنجية في المستشفى
عشية اندلاع الحرب، يوم السبت 12 نيسان 1975، دخل رئيس الجمهورية سليمان فرنجية عند الثامنة صباحًا، إلى الجامعة الأميركية لإجراء عملية جراحية لاستئصال المرارة. إستغرقت الجراحة ثمانين دقيقة. خرج بعدها الرئيس واعيًا وشكر الطبيب الذي أجرى الجراحة الدكتور سامي عبيد والأطباء الأخصائيين والممرضات الذين عاونوه، بقوله "شكرًا لكم ... ألله يقويكم" على الأثر صدر بيان طبي أولي أكد فيه مستشفى الجامعة نجاح الجراحة وأن الرئيس يتمتع بصحة جيدة. ثم عند المساء صدر بيان آخر: "يتمتع فخامة رئيس الجمهورية الأستاذ سليمان فرنجية بحالة صحية ممتازة بعد الجراحة التي أجريت له صباح اليوم وتظهر كل المؤشرا تالطبية أنه يستعيد نشاطه بصورة طبيعية. وطوال النهار، منذ الصباح الباكر، حتى المساء، غص مستشفى الجامعة بوفود الزائرين من أركان الدولة والنواب والدبلوماسيين ورجال الدين وممثلي الأحزاب والهيئات والنقابات والوفود الشعبية. وكانت هناك بالطبع "فرنسا" الزغرتاوية التي استقبلت إعلان نجاح الجراحة بزلغوطة أشاعت الإرتياح في نفوس المحتشدين. وبين مئات السلال من الزهر التي وصلت إلى المستشفى، ثلاث من الرئيس أنور السادات والملك الحسن الثاني والسيد ياسر عرفات الذي انتدب أبو الزعيم وأبو حسن لزيارة المستشفى.
كرة القدم الأولى
في 30 تشرين الثاني 1980، إحتشد 10 آلاف لبناني في ملعب برج حمود لمشاهدة مباراة لكرة القدم، هي الأولى من نوعها منذ العام 1975، بين فريق من المنطقة الغربية هو الأنصار وآخر من الشرقية هو الإستقلال.
خرقت هذه المباراة الجدار النفسي والحواجز بين اللبنانيين وقد جرى التحضير لها لأشهر عدّة.
تجرّأ وقدم إلى المنطقة الشرقية مئات من الشباب اللبنانيين المقيمين في الغربية وملأوا ثلث مقاعد المتفرجين في الملعب الشرقي.
مباراة كسرت جليدًا عمره خمس سنوات وقرّبت بين مواطنين باعدت بينهم الحرب المدمرة.
هذا في الرياضة، أما الموضوع الأبرز في السياسة فكان تمديدان: الأول تمديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب والتي ينتهي انتدابها في 19 كانون الأول. والثاني لقوة الردع العربية والتي ينتهي انتدابها في 27 كانون الثاني.
لبنان في الستينيات
شهد لبنان في الستينيات تنظيم القطاع المصرفي والشأن الإجتماعي. تأسس المصرف المركزي في السنة 1964، وصندوق الضمان الإجتماعي وصدرت قوانين ترعى العمل المصرفي وأخرى تضبط أوضاع المصارف سيما وأن أزمة بنك إنترا في خريف السنة 1966 هزّت القطاع المصرفي. بفضل هذه الخطوات تجاوز لبنان آثار أكبر أزمة تاريخية واجهها خلال تاريخه. ثم جاءت حرب حزيران 1967 بين مصر وسوريا والأردن وإسرائيل، بعد أزمة بنك إنترا مباشرة. فقد العرب سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة. إلا أن القطاع الإقتصادي في لبنان استعاد حيويته وبدأت بيروت تستقطب عبر التوظيفات المباشرة ومكاتب التمثيل الأجنبية غالبية المصارف العالمية المعروفة منها عدد من المصارف اليابانية ومصرف إسباني واحد. إستمرت هذه الطفرة الإقتصادية والمالية حتى العام 1974. ولم تتأثر بالصدامات العديدة بين القوى الفلسطينية المسلحة والجيش اللبناني. وتخطت تداعيات حادثة تدمير الأسطول الجوي المدني التي قام بها كومندوس إسرائيلي على مطار بيروت الدولي ليلة رأس السنة 1968. في السنة 1968، بدا واضحًا نمو الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان، إذ زاره مليونان وأربعمئة ألف سائح. رقم قياسي في العالم العربي، ساهم في تمتين سعر صرف العملة الوطنية. إستمرت الليرة اللبنانية في تحسنها قياسًا إلى الدولار حتى بلغت 2،22 ليرة لبنانية للدولار في نهاية العام 1974، في حين كانت تبلغ 3،7 ليرات للدولار تاريخ تحرير العملة اللبنانية من الإرتباط بالفرنك الفرنسي وبالليرة الشورية قبل ربع قرن من ذاك التاريخ.
لبنان والقرارات الدوليّة
في الثانية من فجر الجمعة 18 نيسان 1980، أغار الكومندوس الإسرائيلي على مركز تابع للجبهة الشعبية للقيادة العامة في بلدة الصرفند في جنوب صيدا ووقع اشتباك دام ساعتين. في وقت أعلنت قيادة القوات الدولية في الجنوب أن الميليشيات الحدودية قتلت جنديين إيرلنديين وجرحت رفيقًا لهما، بعد خطفهم مع مرافقين دوليين ومراسل وكالة أنباء أميركية ومصورها فيما كانوا متجهين إلى مركز المراقبة الدولية في مارون الراس. بذلك يكون عدد قتلى القوات الدولية قد ارتفع إلى 41 قتيلاً منذ دخولها جنوب لبنان قبل عامين. وقع الكمين المسلح على طريق بنت جبيل – مارون الراس. أثار نبأ مقتل الجنديين الإيرلنديين على أيدي ميليشيات سعد حداد غضبًا في الأمم المتحدة وبدّل المعطيات التي كانت سائدة قبل الحادث وازداد التوتر في مجلس الأمن خصوصًا إثر الإعتداء الإسرائيلي على الصرفند. فطالبت المجموعة العربية في الامم المتحدة بضم هذا الإعتداء على الشكوى اللبنانية من أعمال إسرائيل في الجنوب. عقد مجلس الأمن جلسة وفي أذهان أعضائه مصير القوات الدولية وفي أصدائه تداعيات ما وصفه دبلوماسيون في الأمم المتحدة باغتيال العسكريين الإيرلنديين. وشهدت الجلسة إصرارًا من ممثلي الدول التي لها قوات عاملة في الجنوب على ضرورة صدور قرار فوري عن المجلس حول الحادث. ورفع الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور كورت فالدهايم تقريرين الأول يتعلق باستمرار تدهور الوضع في الجنوب والثاني يعرض لظروف مقتل الجنديين الإيرلنديين. وتقدم مندوب تونس بمشروع قرار طالبًا من مجلس الأمن الموافقة عليه يذكّر المشروع بالقرارات السابقة ذات لاأرقام 425 و426 و427 و434 و440 و450 و459، كذلك بشروط عمل القوات الدولية الواردة في تقرير الأمين العام في 19 آذار 1978 والمؤكدة في القرار 426 لناحية تمكين القوات الدولية من العمل كوحدة عسكرية فعالة وضرورة تمتعها بحرية التحرك والدفاع عن النفس والإتصال والتسهيلات الأخرى لتنفيذ مهمتها. ويدين مشروع القرار التدخل العسكري الإسرائيلي داعيًا إلى الإنسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية ووقف أعمالها العدائية المباشرة وغير المباشرة ويدين خرق اتفاق الهدنة والهجمات على القوات الدولية والمراقبين الدوليين وعرقلة أعمالهم في منطقة عمليات الأمم المتحدة. ويستنكر الخسائر في الأرواح وسقوط الجرحى في صفوف القوات الدولية والقصف المتعمد للمستشفى الميداني التابع لها.
لبنان والقمم العربية
في عهد الرئيس الياس سركيس ، إنعقد عدد من مؤتمرات القمة العربية :المؤتمر الأول استضافته الرياض يوم السبت 16 تشرين الأول 1976 بدعوة من المملكة العربية السعودية وامتدّ طوال ثلاثة أيام . أقرّ بيانه الختامي تأليف قوة الردع العربية لوقف الحرب اللبنانية الفلسطينية المستعرة منذ سنتين وفرض تطبيق اتفاق القاهرة على منظمة التحرير الفلسطينية. أما المؤتمر الثاني فاستقبلته القاهرة بعد عشرة أيام من المؤتمر الأول ، حضرته عشر دول عربية وهو تكملة للمؤتمر الأول . أما الثالث فعقد في بغداد في تشرين الثاني 1978 بُعيد مؤتمر كامب دايفيد وتوقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية. إستمر المؤتمر خمسة أيام وبرز فيه الانشقاق العربي والخلاف بين مصر ودول التصدّي والصمود التي تشمل سوريا ، العراق، ليبيا ، الجزائر واليمن الجنوبي. أما المؤتمر الرابع فانعقد في تونس في 20 تشرين الثاني 1979 بطلب من لبنان ودام يومين بحث قضية الجنوب اللبناني والوجود الفلسطيني المسلّح.
لجنة المتابعة العربية
في 27 تشرين الأول 1981، إنعقد اجتماع لممثلي الدول الأعضاء في لجنة المتابعة العربية في القصر الجمهوري، لحل مشكلة خطوط التماس وتنفيذ القرارات المتعلقة بفتح الممرات بين شطري العاصمة ومراقبة الشواطئ والمرافئ وذلك قبل اجتماع الوزراء في السابع من تشرين الثاني المقبل. ومن اقتراحات اللجنة:
1 – سحب وحدات الجيش اللبناني المتمركزة على قسم من خط التماس الشرقي وإحلال وحدات أخرى من الجيش نفسه مكانها وتوسيع انتشار هذه الوحدات كي يشمل كل خط التماس الشرقي وتوزيع وحدات من قوى الأمن الداخلي على بعض الحواجز للتعاطي مع المواطنين بمؤازرة وحدات الجيش عند الطلب.
2 – سحب جيش التحرير الفلسطيني عن خط التماس الغربي وإحلال وحدات سورية مكانه وتوزيع وحدات من قوى الأمن الداخلي على الحواجز للتعاطي مع المواطنين بمؤازرة الوحدات السورية.
3 – وضع الوحدات اللبنانية، الجيش وقوى الأمن والوحدات السورية في أمرة وزير الداخلية شفيق الوزان وبقيادة العميد سامي الخطيب قائد الردع.
في وقت أصرت الحركة الوطنية وحركة أمل ودمشق على أولوية تنفيذ قرارات لجنة المتابعة، بُحث في تشكيل لجنة مراقبة غرار المراقبين الدولييين في الجنوب.
وقبيل اجتماع لجنة المتابعة، عادت التفجيرات للظهور مجددًا بعد اكفاء استمر أسبوعين. وقد انتقلت هذه الموجة إلى الضاحية الشرقية من بيروت حيث انفجرت سيارة ملغومة في منطقة سن الفيل أوقعت عشرين جريحًا وأضرارًا جسيمة وأشعلت حرائق.
مجزرة بلدة معركة
الإثنين 4 آذار 1985، إسرائيل تنسف معركة فوق أبنائها. بعد أقل من 24 ساعة على قرار الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ المرحلة الثانية من الإنسحاب، وقعت مجزرة إستهدفت بلدة معركة. سقط بنتيجتها 15 شهيدًا ضحية. بينهم نائب الرئيس التنفيذي لحركة أمل في الجنوب وقائد عمليات جنوبي الليطاني محمد سعد وخليل جرادي مسؤول حركة أمل في البلدة. مجزرة أثارت موجة عارمة من النقمة في الجنوب. في الليل، رد رجال المقاومة الوطنية بأربع عشرة عملية ضد مواقع الإحتلال. وتحولت المجزرة الإسرائيلية محور تحرك سياسي في الأمم المتحدة بعد أن قرر لبنان إضافتها إلى الشكوى التي تقدم بها مندوب لبنان إلى مجلس الأمن السفير رشيد فاخوري. وطلب نبيه بري من فاخوري الإتصال بالأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي الموجود في نيويورك وزوده بالمعلومات ذات الصلة بالمجزرة الإسرائيلية. وكان مجلس الوزراء خصص جلسة إستثنائية لبحث الوضع في الجنوب واستدعى الرئيسان أمين الجميل ورشيد كرامي سفراء الدول الكبرى لهذه الغاية. نتجت المجزرة الإسرائيلية عن تفجير عبوة ناسفة بالطريقة اللاسلكية، تسببت بانهيار القسم الغربي من مبنى الحسينية المؤلف من طبقتين فوق رؤوس المئات من الأطفال والنساء والشيوخ الذين كانوا يتسلمون مساعدات غذائية توزعها هيئة الإغاثة العليا وكان يعقد في الطبقة الثانية من المبنى إجتماع بين محمد سعد وخليل جرادي ومسؤولين من هيئة الإغاثة.
في مكتبة جامعة الروح القدس – الكسليك، مخطوطات قديمة عن اللاهوت والاسلام، والفلسفة، والأدب، باللغة السريانية والكرشونية والآرامية اي اللغات القديمة. من المخطوطات الاسلامية: دلائل الخيرات وهي مخطوطة مزدانة برسومات ملونة، وهناك شوارق الأنوار، وهناك مخطوطتان واحدة مرسومة عن الكعبة في مكة، والثانية عن تابوت النبي محمد ومرافقيه الاثنين ابو بكر الصديق وعثمان، وهما مبهرتان وملونتان، ويعود تاريخ هاتين المخطوطتين الى السنة 1870 اي انهما قديمتان جداً، وفي المكتبة أيضًا كتب نادرة جداً، من ضمنها اول طبعة من كتاب القانون في الطب لابن سينا الذي طُبع في روما في العام 1563، ويوجد من هذا الكتاب أربع نسخ فقط في العالم، وهناك كتب قديمة وأهمها مزامير داوود النبي والملك التي طُبعت في دير قزحيا الذي يُعتبر اول كتاب طُبع في الشرق الأوسط في العام 1610 باللغة السريانية والكرشونية، وفي المكتبة أيضًا مجموعات خاصة لشخصيات من لبنان، منها مكتبة وأرشيف موريس الجميل والمكتبة الخاصة لكمال صليبي، والمكتبة الخاصة لجوزف اوغوريان.
معاهدة كمب دايفيد
في بداية تموز 1980، أعلن وزير خارجية فرنسا، جان فرنسوا، من واشنطن، عن مبادرة تتعلق بالشرق الأوسط، ستتخذها قريبًا دول السوق المشتركة. طلبت المراجع الرسمية اللبنانية الحصول على معلومات وافية عن المبادرة الأوروبية. وكان وزير الخارجية اللبناني فؤاد بطرس قد عاد من لندن ولديه انطباعًا بأن بريطانيا تنصح بتأخير المبادرة الأوروبية إلى ما بعد الإنتخابات الأميركية. في وقت كانت الولايات المتحدة تشدد على بقاء معاهدة كمب دايفيد، معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، حجرَ الزاوية لأية تسوية شرق أوسطية شاملة. ولبنان لم يكن ليغرّد خارج السرب العربي، ولن يتبنى أي قرار لا ينسجم مع الموقف العربي الجامع والقائم على بند رئيس قوامه انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة في العام 1967، مع موافقة إسرائيل على إقامة كيان فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، في مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل، واعتراف متبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
هدنة آب 1981
في 27 آب 1981، نجحت مساعي سفير المملكة السعودية في لبنان، الفريق علي الشاعر، في تثبيت هدنة إعلامية بعد اتصالات واسعة أجراها مع الجبهة اللبنانية. مبادرة كان من المتوقع أن تنعكس إيجابًا على الوضع الأمني والسياسي، يتبعها لقاء بين ممثلي كل الدول الأعضاء في لجنة المتابعة مع الشيخ بشير الجميّل قائد القوات اللبنانية. لقاء حضر في مناقشات جرت سابقًا خلال اجتماع الممثلين برئاسة الرئيس سركيس وحضور رئيس الحكومة شفيق الوزان. حينها اقترح الرئيس سركيس الإجتماع وزكّاه السفير السعودي ولم يمانع فيه ممثل سوريا العقيد محمد غانم. شرط موافقة القيادة السورية عليه بعد اتصالات تجريها معها السلطة اللبنانية. وكان الدافع من هذا الإقتراح تهيئة مناخات ملائمة لاجتماع اللجنة على مستوى الوزراء في الثاني والرابع من أيلول المقبل حين يزور وزير خارجية السعودية والكويت، الأمير سعود الفيصل والشيخ صباح الأحمد دمشق ويلتقيان الرئيس السوري حافظ الأسد في محاولة لوضع حد للواقع اللبناني المتدهور.
لبنان ونبوخذنصّر الثاني
(605 – 562 ق.م.) إتخذ الملك الكلداني نبوخذنصّر الثاني، قاعدة له، مدينة "ربلة" شمالي غربي منطقة الهرمل، عند نهر العاصي الشمالي. في وادي بريسا، أقام نصبين على واجهتين صخريتين متقابلتين تشرفان على الممر الذي يعبر الوادي من الهرمل باتجاه سهلة مرجحين وجباب الحمر. في النصب الأول يبدو الملك الكلداني واقفًا أمام شجرة كبيرة. في الثاني يبدو وهو يصدّ أسدًا يهاجمه. وفي كلا النصبين كتابة بالخط المسماري تشير إلى مآثر الملك الكلداني وإلى حملته العسكرية التي وصلت إلى لبنان. يقول النص المسماري: "من البحر الأعلى إلى البحر الأدنى... هذا ما أوكله لي مردوخ... لقد جعلت مدينة بابل مميزة بين الأقطار ومساكن الناس. كملك حكيم دائمًا رفعت اسمها ممجدًا بين المدن المقدسة... مع معابد الربّين نابو ومردوخ..." في ذلم الزمن، كان لبنان، جبل الأرز، غابة مردوخ العنية، العابقة بالروائح العطرية، ذات الشجر العالي الذي أراده نابو ومردوخ زينة مناسبة لبيت ملك السماء والأرض، كان مُبتلى بعدو غريب متسلّط عليه ينهب خيراته ويشرّد بنيه فيهربون إلى مناطق عدة. بالإتكال على سيدي نابو ومردوخ، نظّمت (جيشي) في (حملة) إلى لبنان. جعلت هذا البلد هانئًا واستأصلت أعداءه في كل مكان. أعدت المهجّرين إلى بيوتهم. وهذا ما لم يفعله أي ملك من قبل. شققت مسالك في الجبال الوعرة وفتّتت الصخور ففتحت ممرات خلالها، وأنشأت طريقًا مستقيمًا لنقل أخشاب الأرز، التي حملها النهر معه إلى سيدي مردوخ. جذوع الأرز الطويلة المتينة ذات اللون الداكن والجمال الرائع، إنتاج لبنان الوفير، غدت محمولة في النهر كالأقصاب. وقد اختزنت الأخشاب في بابل". وعملت على أن يعيش سكان لبنان معًا بأمان وألا يزعجهم أحد. ولكي يعتبر كل طامع في أرضهم فلا تحدّثه نفسه بالإعتداء عليهم، فإنني قد أقمت هناك نصبًا لي. ليشهد أنني الملك الذي لا يزول ملكه.
لبنان في نص الملك أشور ناصربال الثاني
(883 – 859 ق.م.) إفتتح الملك الأشوري أشور ناصر بال الثاني مرحلة جديدة من الفتح الأشوري للغرب وصولاً حتى شاطئ البحر المتوسط. لقد افتتح موجة جديدة من حملات عسكرية لم تنته إلا بسقوط نينوى في السنة 612 ق.م. إجتاز الملك أشور ناصربال الثاني الفرات واحتل كركميش ثم اتجه نحو لبنان القديم بهدف السيطرة على شواطئ البحر المتوسط. أرّخ حملته هذه، في نقش على بلاط معبد نينورتا في كلخ نقرأ فيه: "ملوك جميع البلدان المجاورة أتوا إليّ قبّلوا قدميّ، وأخذت منهم رهائن، وساروا معي في الطليعة (أمامي) في اتجاه لبنان... ثم استوليت على كل جبل لبنان ووصلت إلى بحر أمورو العظيم وغسلت سلاحي في البحر العميق". ثم ذكر الضرائب التي فرضها على مدن الساحل: "صور وصيدون وجبيل ومحالاتا وميزا وكيزا وبلاد أمورو وجزيرة أرواد، الذين دفعوا (الجزية) ذهبًا وفضة وقصديرًا ونحاسًا وثيابًا مزركشة ومصبوغة وقرودًا صغيرة وكبيرة وأبنوسًا وصناديق خشب وعاجًا من أنياب عجول البحر..." في نص آخر يذكر أشور ناصر بال الثاني مجيئه إلى لبنان وحصوله على خشب الأرز والشربين: "إلى جبل لبنان ذهبت، وألواحًا من الأرز والشربين... قطعت".
إسم لبنان في النصوص الحثية
نص الملك شبيليوليوما 1385 – 1346 ق.م.
على عهد الملك شبيليوليوما إسترجعت الدولة الحثية قوتها بعد فترة من الضعف.
سيطر هذا الملك على منطقة واسعة بعد احتلاله مملكة الميتانيين في شمالي سوريا، باسطًا سلطته على منطقة العاصي وأمراء حلب.
صارت مدينة كركميش على الفرات عاصمة للدولة الأقوى في غربي آسيا.
عقد الملك الحثي معاهدات مع الأمراء المحليين تعهد بمساعدتهم وحمايتهم في مواجهة فراعنة مصر. من تلك المعاهدات واحدة مع أمير ميتاني واسمه كورتيوازا يرد فيها اسم لبنان بصيغة "نِبلاني" كحدود غربية لهذه الإمارة:
"أخضعت كل تلك البلاد في سنة واحدة وضممتها لأرض حتي من هذه الجهة جعلت من جبل نبلاني (لبنان) حدًا والفرات من الجهة الأخرى."
نص الملك مورسولي 1345 – 1315 ق.م.
خلف الملك مورسولي الثاني والده الملك الحثي شبيليليوما في السنة 1345 ق.م.
تذكر إحدى النصوص المنسوبة إلى زمنه:
بعد أن جلست على عرش والدي أخضعت في خلال عشر سنين كل البلاد العدوة التي كانت تحيط بي وألحقت بأعدائي الهزيمة.
من المعاهدات التي أبرمها مع الملوك الذين احتل مملكاتهم، نذكر معاهدة الملك مورسولي مع الملك الأموري دوبي – تشوب 1339 – 1306 ق.م. وفي متن المعاهدة يستحضر جميع الآلهة كشهود على صدقيته ومن بينهم الإلهة جبل لبلانا (جبل لبنان):
الإله شمس... السماء... الإله عاصفة السماء إيا... عشتار... الإله المحارب أرزيا... سيدة لمدا... جبل لبلانا (لبنان)... جبل سريانا... أنو... أنتو... أبانتو... إيليل... ننليل... الجبال... الأنهار ... السهول ... البحر الكبير.... الأرض والسماء... الرياح والغيوم ليكونوا شهودًا على هذه المعاهدة.
لبنان في ملحمة جلجامش
أجمع المؤرخون على اعتبار ملحمة جلجامش الوثيقة التاريخية الأقدم التي ورد فيها اسم لبنان. إن الشعوب السومرية التي استوطنت المنطقة الممتدة بين جبال زغروس شرقًا والبحر المتوسط غربًا وبلاد الأناضول شمالاً حتى شبه الجزيرة العربية ومصر جنوبًا، هم أول من ذكر اسم لبنان في كتاباتهم المسمارية في ملحممة جلجامش، في نهاية الألف الرابع ق.م. مكتوبًا بالخط المسماري المقطعي على ألواح من الأجر المشوي.
في جبل لبنان، كان على جلجامش وصديقه مجابهة المارد "خمبايا" أو "هواوا" حارس الغابة، ذاك المقاتل القوي الذي لا ينام، ولا يُصدّ له هجوم، ولا يستطيع الصمود بوجهه أحدٌ في موطنه.
لبنان بحسب الملحمة هو الجبل الممتد "من جبل بعل حرمون إلى مدخل حماة، الناظر إلى دمشق، المطل على بحر أمورو العظيم، وقد نقش ملوك أشور وبابل لوحاتهم على صخور شاطئه عند مصب نهر الكلب.
التاريخ يحفظ كيف استنزف كبار حكام الشرق القديم غابات الأرز فيه.
وردت زيارة جلجامش وصديقه أنكيدو إلى بلاد الأرز في اللوح الرابع من الملحمة. وفي اللوح الخامس، نشهد مصرع حارس الغابة خمبايا على يد البطلين جلجامش وأنكيدو.
بعد موت المارد خمبايا، دخل جلجامشو أنكيدو الغابة، مقر الآلهة أنوناكي السري وقطعا من الأرز الثمين ونقلاه عبر مجري الفرات إلى مدينتهم أوروك.
إنجاز عظيم خلّدهما في سفر الآلهة والأبطال.
هذه الملحمة هي أقدم ملحمة بطولية في التاريخ. تبلورت على مراحل. وجدت أحدث نصوصها في مكتبة الملك الأشوري أشوربانيبال 668 – 626 ق.م.، في مدينة نينوى، مدوّنة بالخط المسماري على اثني عشر لوحًا من الأجر المشوي.
تروي الملحمة أعمال جلجامش البطولية في سبيل تخليد ذكره بعد الممات. وقد قدم من الشرق برفقة صديقه البطل أنكيدو، ووصلا إلى غابة الأرز في جبل لبنان لينقلا خشب الأرز الثمين إلى مدينة أوروك.
بعد سفر عشرين ساعة مضاعفة، تبلّغ جلجامش وأنكيدو بقليل من الزاد وبعد ثلاثين ساعة مضاعفة توقفا ليمضيا الليل ثم انطلقا سائرين خمسين ساعة مضاعفة أثناء النهار (وقطعا مدى سفر) شهر ونصف الشهر في ثلاثة أيام إنهم سيصلون إلى جبل لبنان.
ونجح البطلان في اجتياز مدخل الغابة (في جبل لبنان)، ووصلا إلى داخلها،
فأبصر الجبال الخضر، وذهلا من منظر غابة الأرز وسحر جمالها...
ولما بدأ جلجامش بقطع أشجار الأرز بفأسه،
سمع "خمبايا" الضجيج، فغضب وهاج وزمجر صائحًا:
من القادم المتطفّل الذي كدّر صفو الغابة،
وأشجارها النامية في جبلي؟
من الذي قطع الأرز؟
لبنان في نص الملك الأشوري شلمنصّر الثالث
(858 – 824 ق.م.) عُرف عهد الملك أشور ناصر بال بنزعة توسعية إستمرت بعد وفاته على يد خلفه الملك شلمنصّر الثالث الذي واجه حلفًا عسكريًا ترأسه ملك دمشق بن هدد الآرامي وضمّ اثني عشر ملكًا بينهم الملك الإسرائيلي أحاب وملك عربي اسمه جنديبو وملوك عرقة وإرواد وحماه وعمون وسواهم. تواجه الجيشان في قرقر عند العاصي في السنة 855 ق.م. وادّعى الملك الأشوري النصر في المعركة. وكان ملوك صور وصيدا وجبيل قد تحصّنوا بالقرب من مدينة البترون وبنوا ثلاثة حصون في "كيزا" وميزا" و"ماحالاتا" التي أطلق عليها الإغريق اسم طرابلس أي المدن الثلاث. هاجم شلمنصر الثالث في السنة 842 ق.م. ملك دمشق الآرامي حزائيل الذي تحصّن في جبل سنير المواجه لجبل لبنان. ويروي الملك الأشوري تفاصيل عن حملته العسكرية تلك: "في السنة الثامنة عشرة لملكي، عبرت الفرات للمرة السادسة عشرة. إعتمد حزائيل (ملك) دمشق على كثرة جيشه واستدعى فرقه بأعداد كبيرة، واتخذ جبل سنير المواجه لجبل لبنان حصنًا له. حاربته فانتصرت عليه... وقد هدمت مدنًا لا عدّ لها وأحرقتها بالنار... ثم تقدّمت نحو بعلي راسي (رأس بعل) الجبل المشرف على البحر. هناك أقمت نصبًا ملكيًا لشخصي..." من المرجح أن الملك شلمنصر الثالث قد نحت نصبًا أول له عند رأس الناقورة مقابل مملكة صور، قبل أن يتابه زحفه شمالاً ويصل إلى موقع نهر الكلب حيث نقش نصبه الثاني إذ يتابع في سرده تفاصيل الحملة العسكرية فيقول: "وعند رجوعي، صعدت إلى جبل لبنان، ونقشت صورتي إلى جانب صورة تغلت فلأصّر الملك". ويرد اسم لبنان بين أسماء البلاد التي احتلها وسيطر عليها في حملته والممتدة بين البحرين الأعلى ةالأدني أي بين جلة والبحر المتوسط: "شلمنصّر... التنين الكبير، ملك آشور، فاتح البحرين الأعلى والأدنى وبلاد حتّي ولوهوتي وأدري، ولبنان..."
مدينة صور في نبوءة حزقيال
دُمرت نينوى على يد الكلدانيين والميديين في السنة 612 ق.م. إنتقلت السيادة على سوريا ولبنان القديم وفلسطين من الأشوريين إلى الكلدانيين. إحتدم الصراع مجددًا بين بلاد ما بين النهرين وبلاد مصر الفرعونية. في السنة 605 ق.م.، إنتصر الملك الكلداني تبوخذنصر الثاني (605 – 562 ق.م.) على الفرعون المصري نخاو الثاني في معركة كركميش على الفرات. أكمل زحفه جنوبًا واحتل سوريا وفلسطين وسبى اليهود إلى بابل في السنة 586 ق.م. إعترفت المدن الفينيقية بالأمر الواقع فاحتفظت باستقلالها مقابل دفع الجزية، باستثناء صور التي تمرّدت على البابليين. وكان النبي حزقيال قد تنبّأ بحملة الملك الكلداني على صور في عهد ملكها إيتوبعل الثاني، فذكر في حزقيال 26: 2 – 10 "هأنذا أجلب على صور نبوخذنصر ملك بابل، ملك الملوك، من الشمال، بخيل وبمركبات وبفرسان وجمع وشعب كثير، فيقتل بناتك في الحقل بالسيف ويبني عليك معاقل، ويبني عليك برجًا ويقيم عليك مترسة... ولكثرة خيله يغطّيك غبارها، من صوت الفرسان والعجلات والمركبات تتزلزل أسوارك عند دخوله أبوابك كما تدخل مدينة مثغورة". صدقت نبوءة حزقيال في صور البرية أما صور البحرية فقاومت الحصار ثلاث عشرة سنة، بدءً بالسنة 585 ق.م.، ثم وقعت مع الغزاة اتفاقية سلام في السنة 572 ق.م.
لبنان في نص الملك أشوربانيبال
(668 – 626 ق.م.) خلف الملك أشوربانيبال والده الملك أسرحدون على عرش الإمبراطورية الأشورية فبلغت في عهده أوج عظمتها. سار على خط أسلافه في التوسع العسكري والإجتياحات. إحتل مصر العليا ودمّر عاصمتها طيبة (663 ق.م.) بعد سيطرته على السامرة وبابل ومدن أخرى. في طريق عودته من مصر، قدّم له الطاعة ملكا إرواد وصيدون. أما صور فتمردت عليه. حاصرها لسنوات أربع، إنتهت بتسوية سلمية قضت بأن تدفع صور ضرائب جمّة وأن يصطحب الملك أشوربانيبال معه ابنة ملك صور، ويضمها إلى حريم العاهل الأشوري. وفي المقابل تحتفظ المدينة باستقلالها الداخلي وتستمر بنشاطها التجاري البحرير وتمتنع عن التحالف مع مصر. يذكر أشوربانيبال في أحد سجلاته أن استعمل شجر غابات لبنان في بناء معبد الإلهة "سين في حرّان". "الأرز العالي الذي ينمو في لبنان، والشربين الذي خلقه أدد في سيرار..." بعد وفاة أشوربانيبال دخلت الإمبراطورية الأشورية مرحلة احتضار سمحت للكلدان والفرس أن ينقضّوا عليها ويدمروها في السنة 612 ق.م.
وادي بريسا وموقع نهر الكلب ونبوخذنصر
إلى نصبي وادي بريسا، ثمة نصبان آخران في وادي بريسا خلّفهما نبوخذنصّر الثاني وراءه منقوشان على واجهة صخرية قريبة من نبع ماء في وادي السبع غربي أكروم. في النصب الأول يبدو الملك الكلداني وهو يطعن أسدًا، وفي الثاني يظهر واقفًا يصلي أمام صور رمزية تمثّل الآلهة. كذلك عند محلة نهر الكلب في كسروان، لوحة عند الضفة اليمنى من النهر مشابهة لنقش وادي بريسا، خلّد فيها نبوخذ نصر الثاني عبوره فوق النهر.
جيروم دنديني يصف البطريرك الماروني
أوفد البابا اقليميس الثامن (1592 – 1605) أستاذ الفلسفة في مدينة بيروج الزائر الإيطالي جيروم دنديني (1554 – 1634) إلى لبنان. يصف جيروم دنديني لقاءه بالبطريرك الماروني: توجهنا بصحبة البطريرك إلى قاعة كبرى هيأوا لنا فيها العشاء. فرأينا كمية كبيرة من اللحم وأنواعًا من الفاكهة والمربى والعسل وأباريق ملأى بالخمر. فأكلنا بشهية كبرى. وكان البطريرك والأساقفة والكهنة الذين جالسونا، يطلبون بإلحاح لنستفيض في الأكل والشرب. ولكنهم كانوا كثيري التقشف في المأكل والمشرب. كان البعض منهم يشرب الماء. وما هيأوا الوليمة، إلا إكرامًا لنا، ولإظهار روح الضيافة لأنّ حياتهم تتصف بالبساطة التامة. وغالبًا ما يصومون بطريقة قشفة للغاية. يشتغلون كثيرًا، ويقومون ليلاً لصلاة الفرض الإلهي، وهم للملأ أمثلة صالحة في الإنضباط الكامل.
لبنان في كتب الرحالة
ترتبط الرحلات القديمة إلى لبنان أو الساحل الفينيقي، لدى مسيحيي الغرب، بحجّهم الأرض المقدسة، ذهابًا أم إيابًا أو الأمرين معًا. إنه طريقهم المحتومة وممرهم الطبيعي، نظرًا للإمتداد الجغرافي من جهة، ولكون لبنان وبعض مدنه الساحلية وردت أسماؤها في الكتاب المقدّس المسيحي منذ عهد سليمان الحكيم وحبرام ملك صور والأنبياء ، فضلاً عن زيارة السيد المسيح وبولس الرسول لها من جهة ثانية. لم نعثر، خلال الحقبة التي نؤرّخها هنا على حاجّ تسلق الجبال وزار منطقة الأرز أو المواقع الأثرية في المرتفعات، باستثناء واحد فقط مرّ في بعلبك مرورًا عابرًا، لأن مقصدهم هو الأرض المقدسة. بعد أن منح الإمبراطور قسطنطين الكبير، بمرسوم ميلانو سنة 313، الحرية للكنيسة، وتصالح العرش والمذبح، ورُفع الإضطهاد عن أعناق المسيحيين، أخذت طلائع الحجّاج تتدافع نحو الشرق للتبرّك بمهد المسيح وقبره. حوالي السنة 320، كتب المؤرخ الكنسي أوسابيوس القيصري إن المؤمنين الآتين من كل مكان كانوا يتجمعون للصلاة في جبل الزيتون وعلى الجلجلة وفي مغارة الميلاد، ويعتمد بعضهم في نهر الأردن حيث اعتمد السيد المسيح. والسنة 326م.، حجّت القديسة هيانة، أم قسطنطين، القدس بحثًا عن الخشبة التي صُلب عليها المسيح وشيّدت مكانها كنيسة القيامة وكنائس أخرى في غير أماكن من الأرض المقدسة. وأشار القديس إيرونيموس (جيروم) في أواخر القرن الرابع إلى أن الحجّاج كانوا يأتون من الهند والحبشة وغاليا وبريطانيا وإيبيريا وإيرلندا؛ إكليروس وعلمانيون، رجال ونساء، أفراد وجماعات، أرستقراطيون ومن عامة الشعب. منهم من أمضى شهورًا، بل سنوات، ومنهم من ضقى نحبه في الطريق. ولكن الذين دوّنوا رحلاتهم قليلون. (من كتاب: لبنان في كتابات الرحّالة للأب اغناطيوس زيادة)
لبنانيون في التايتانيك
(باللهجه العاميه) 15 نيسان 1912، أضخم سفينه عبرت المحيط صوب أميركا. قبطانا إسمو إدوارد سميث. عا متنا 2223 مسافر. من بينن إم من جنوب لبنان إسما حنه يوسف ومعا ولادا التنين جورج وعمرو سبع سنين وماريا عمرا تسع سنين. اصطدمت التايتانيك بتلات جبال جليد ورا بعضن. فاتت الماي من المقدمه وبلشت تفرق. ساعتين و40 دقيقا. أمر القبطان النسوان والأطفال يركبوا قوارب النجاة. خلّص من الركاب 705 أشخاص وغرق 1500 من بين الأحياء حنه وولادا. ركبوا مع الناجين عا مركب مطاطي. بهالوقت زوجا ناطرا بأميركا. لما أمر القبطان الكل يبقوا بالطبقا السفلى، ما قبلت هالأم اللبنانيه هيك قرار. حملت ولادا التنين وركضت عالسطح، هونيك أمرا أحد البحاره بالقفز عا زورق من زوارق النجاة مع ولادا... وهيك صار. قفزت حنه وكانت آخر شخص انسمحلو يغادر السفينه. مع طلوع الضو وصلت سفينة "كارباتيا" وأنقذت الزوارق واحتضنت الناجين وقدّمتلن الشوكولا والمرطبات. وبنيويورك قدّمتلن الأكل والملابس.
الجانب العالي امير الامراء الكرام كبير الكبرى الفخام صاحب العز والاحترام السلطان دلفين المختص بمزيد عنايه الملك العلام ادام الله تعالى بقاه امين بعد تقبيل الاديال الشريفه والانامل اللطيفه هو ان ينهي العبد بين ايادي مولاه ان في 22 يوم خلت من شهر كانون الاول الذي هو من شهور سنه 1700 وسبعه ربانيه اندرج بالوفاه الى رحمه مولاه عبدكم والدنا حصن ابن الخازن الذي كنتم انعمتم عليه في قنصليه بيروت بيبقى لكم بعد هطول العمر مدى الايام والسنين امين فبعد الدعاء الى مقامكم الشريف خالد الله تعالى بقاكم فنترجى من مراحمكم العميمه بان لا تشيلون من خاطركم الشريف وتلاحظون نحن يا عبدكم ولده في تثبيت ثاني في اسم على قنصليه بيروت كما كانت على عبدكم والدنا المرجو ان لا تمنعوا احسانكم وانعامكم الغزيره عنا حتى انضل ناشرين بيرقكم واسمكم على رؤوس الاشهاد في بلاد الشرق جبل لبنان لاننا دائما ملتجين الى باب سعادتكم ومستظلين تحت كنفكم الحصين نحن وطايفتنا الموارنه لاننا عبيد باب سعادتكم على البعد والقرب ودائما لا تخرجون من خاطركم السعيد باقي ودمتم في امان الله وحفظه على الدوام والدعاء من عبدكم.
نوفل ابن حصن الخازن
قنصل بيروت
محتوى الوثيقه رقم واحد
رساله من نوفل الخازن يطلب فيها تثبيته قنصلا لفرنسا في بيروت خلفا لوالده حصن مقدمه اسندت الحكومه الفرنسيه قنصليه بيروت لاول مره الى ابي نوفل نادر الخازن بمساعده البطريرك يوحنا الصفراوي فاصله وذلك بموجب مرسوم اصدره ملك فرنسا لويس الرابع عشر في اول كانون الثاني سنه 1662 وحدد ايضا بهذا المرسوم ان يخلف ابا نوفل بهذا المنصب بعد وفاته ابنه مدى الحياه وهكذا تعاقب على هذا المنصب طوال 100 سنه اربعه من المشايخ الخازنيين هم ابو نوفل نادر ابو قانصو فياض وحصن ابن ابي قنصو ونوفل ابن حصن بعد وفاه الشيخ حصن في شهر كانون الاول سنه 1707 ارسل ابنه نوفل يطلب من الملك الفرنسي تثبيته قنصلا فرنسيا في بيروت بحسب مقتضيات مرسوم الملك الفرنسي فاصله مذكرا ان لا يمنع هذا الاحسان عنه حتى يظل ناشرا البيرق الفرنسي في بلاد الشرق وانه دائم الالتجاء وطائفه الموارنه الى كنف الدوله الفرنسيه استجاب الملك الفرنسي لمطلب الشيخ نوفل فعينه قنصلا على بيروت سنه 1808 ومنحه حق نشر علم فرنسا على باب قصره وان يتمتع بجميع انعامات قناصل فرنسا ويقيم نائب قنصل يفوض اليه بعض اختصاصاته شرط ان يكون فرنسيا ويكون هو المسؤول عنه بنفسه. توفي الشيخ نوفل سنه 1753 دون عقب ليطالب بهذا المرسوم 1662 المحصور والمتعاقب بعصب الشيخ ابي نوفل فكان ان انتقلت القنصليه لاحقا الى اسره ال السعد في عين تراز.
غرق الباخرة اللبنانية
في صباح 2 نيسان 1980، تلقت محطة أوجيرو في الحدث، خبرًا من نيقوسيا مفاده أن الباخرة اللبنانية ذويس التابعة لشركة زاروبي للنقل البحري، على متنها 11 بحارًا، وهي تنقل الأجبان واللحوم، تعاني متاعب على بعد مئتي كلم، قبالة الشاطئ القبرصي، بسبب تسرب كميات غزيرة من المياه إلى غرفة المحركات وأن أقرب باخرة إليها هي السفينة "طارق" السورية، التي طلب منها أحد موانئ قبرص التوجه إلى مكان الباخرة اللبنانية لنجدتها وقطرها إلى أقرب مرفأ. بعد ذلك، انقطعت الإتصالات حتى الواحدة ظهرًا، حين عادت أوجيرو وتلقت إشعارًا بأن السفينة "طارق" تعمل على إنقاذ "ذويس".
إلا أن سوء الطقس وحركة الموج العاتية حالا دون ذلك. وفي المساء، تلقت أوجيرو خبرًا، استغاثة جديدة من الباخرة ذويس وتحذيرًا من احتمال الغرق بسبب استمرار تسرب المياه إلى غرفة المحركات.
بعد تلك الإتصالات تفاقمت الأزمة وبدأت المأساة.
نقلت وكالة رويسر من نيقوسيا أنباء مصدرها سفينة أسوجية حضرت إلى مكان الحادث، مفادها أن بحارين غرقا وأربعة آخرين اعتبروا مفقودين.
وأعلن ناطق باسم سلاح الجو الملكي في قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص أن السفينة الأسوجية سكانتيك أنقذت ثلاثة بحارة وأنها شاهدت بحارين آخرين في قارب للإنقاذ وأن جثتين على سطح الماء.
في ساعة متقدمة من الليل أعلنت محطة أوجيرو أن الباخرة اللبنانية بدأت تغرق وأن الباخرة الأسوجية غادرت وأن زورق الإنقاذ الذي يحمل سبعة بحارة ما زال مجهول المصير.
بابنيانوس وأولبيانوس
عند كتابتهم للتاريخ الرومان، نادرًا ما يتوقف المؤرخون عند سيرتي بابنيانوس وأولبيانوس، رغم أن الحضارة الإنسانية برمتها مدينة لفكرهما وتشريعاتهما وآرائهما الفقهية. بابنيانوس وأولبيانوس علمان عالميان جمعهما أصلهما اللبناني ووحّدهما استشهادهما من أجل حرية الرأي والحق والخير. قُتل الأولُ بأمر من الإمبراطور كركلا والثاني على يد الجند. لكن الموت لم يغيب ذكرهما، فمؤلفاتهما التي اعتمدتها مدرسة بيروت وسائر المدارس الرومانية في تلك الأزمة خلّدت ذكرهما وحفظت مآثرهما، فتربت على مبادئهما الأجيال من طلاب التشريع والقانون في الإمبراطورية الرومانية. إلى أن جاء عهد جوستنيان فدوّن مآثرهما في الحق والحقوق والتشريع. إميل بابنيانوس ودوميسيوس أولبيانوس جمعا بشخصيهما صفة المشترع ورجل الدولة. فالمشترع بعلمه تسند إليه أرفع المراكز ويرف إلى أعلى المراتب. ورجل الدولة يعتصم بالحق والعدل والصدق ويتفانى في خدمة دولته والشعب. أما ولادة بابينيانوس ففي بيروت، دون شك، رغم أن أصل والده اللبناني لم يلق إجماعًا بين المؤرخين. في حين يرى البعض أن ولادته كانت في مصر وكان يشغل منصب كبير أحبار معبد الشمس، جاء شارل قرم وفايز الخوري وسواهما ليتمسكا بأصله البيروتي ويحددا تاريخ مولده في السنة 142 إستنادًا إلى اكتشافات ووثائق أثرية درسها الأب جيلابر في السنة 1906 وكتابة أخرى عثر عليها في مدينة زيلليهوسن في بتافيا تؤكد أصل عائلة بابنيانوس سنتيا البيروتي وولادة إميل بابنيانوس في بيروت. أما بابنيانوس فتدرجّ في الوظيفة العامة من مدع عام في عهد القيصر ماركوس أورلوس ، إلى مستشار لمحافظ ديوان الإمبراطورية، إلى أمين سر الأوامر الإمبراطورية، قبل أن يُعَيَّنَ محافظ الديوان الإمبراطوري وهي الوظيفة الأكبر، ممسكًا بيديه قيادة جيوش إيطاليا وروما ونيابة الإمبراطور في آن. وقد أعطي أن يترأس مجلس الإمبراطور في غيابه وأن يفصل في الدعاوى التي تستأنف إلى الإمبراطور من غير تقيُّد بالأصول وأن يستأثر ببعض صلاحيات قضاة البريتور. أما سلطته فامتدت إلى كل أطراف الإمبراطورية. كانت ثقة الإمبراطور سبتيم سيفر به تامة وكان يستشيره حتى في المسائل العائلية الخاصة. وعندما بدأ النفور يستحكم بولديه كركلا وجيتا، حاول أن يعيد نسج الروابط الأخوية بينهما برعاية مستشاره المخلص رجل العلم والدولة والحق بابنيانوس. وقبل وفاته، طلب منهما التمسك بالتضامن والوحدة. وأوصى بابنيانوس برعايتهما. لكن كركلا ثار على وصية والده، فأمر الجند بقتله وهو بين يدي أمه جوليا دمنة، ثم قضى على نحو من عشرين ألف من أنصار أخيه. ودافع عن فعلته أمام مجلس الشيوخ مدعيًا أنّ ثمة محاولة اغتيال أراد أن يستدركها. وعندما رفض بابنيانوس تبرير جريمته أمام مجلس الشيوخ، أمر بقطع رأسه دون رحمة. فكان أن استشهد بابنيانوس استشهاد العظماء في التاريخ.
أما أولبيانوس فصوري من لبنان القديم، ولد في صور كما يذكر في مؤلفاته. ما يدحض أي شك أو تخمين أو اجتهاد. إستدعاه بابينيانوس وعينه مستشارًا. وفي عهد سبتيم سيفر وكركلا رفّع إلى وظيفة حافظ للأختام وأمين سر المراسيم الإمبراطورية. لكن هاليغابال أبعده عن الوظائف العامة لفترة ثم أعاده بطلب من جوليا مازه جدّته، فعينه بادية، معاونًا لمحافظي الديوان الإمبراطوري فلافيانوس وكريستوس، قبل أن يحل محلهما في محافظة الديوان ويصير كبير النفوذ في عهد الإمبراطور اسكندر سيفر الذي كان يدعوه أبًا ومستشارًا. كثرت المؤامرات والفتن في عهد اسكندر سيفر، كما في العهود الإمبراطورية التي سبقته أو لحقت به. ونشطت محاولات اغتصاب العرش. لكنّ الأخطر كان في ذاك العصيان الذي قام به الحرس الإمبراطوري في روما في السنة 228، والذي تحوّل حربًا أهلية بين الحرس والشعب. وقف أولبيانوس إلى جانب الشعب ودعم حقوقهم فغدر به الحرس وقتلوه وعجز الإمبراطور عن إنقاذه. لكنه عاد وانتقم له من قاتله بعد حين. بموته فقد الشعب الروماني عضدًا ومدافعًا عن حقوقه، فكان شهيد المبادئ والرحمة والحق. إن الأهم في شخصية بابينيانوس وأولبيانوس أنهما مشترعان. بفضل هذا الدور وتلك الرسالة بلغت شهرتهما أقاصي الأرض وخلدهما التاريخ وسمت بهما الحضارة. في الكتابة، اشتهر بابنيانوس بأسلوبه الدقيق وبعمق أفكاره ووضوح عباراته، وقد وضع موسوعته "الأسئلة" المؤلفة من سبعة وثلاثين جزءًا، أتبعها بموسوعة "الأجوبة" المؤلفة من تسعة عشر كتابًا. في السنة 426، كتب تيودوس الثاني وفالنتنيان الثالث كتابهما المشترك "قانون الأسناد"، حددا فيه لائحة المتشرعين الذين يمكن الإستناد إلى آرائهم في القضاء والفقه، ومما أورداه أنه عند اختلاف الآراء بين المتشرعين يرجح رأي بابنيانوس. أما أولبيانوس فيعتبر من تلامذة بابنيانوس. صحيح أنّه لم يجاره في سعة الإطلاع والعلم ومتانة الفقه. كما أنه لم يتمتع بمثل شخصيته القوية. إلا أنّه ألف كتبًا أكثر مما ألّفه أستاذه. عدا كتبه عن الإجتهاد ومؤلفاته الستة في المخاصمات، وكتب التعليم في الدساتير، ألف شرحًا يقع في واحد وثمانين كتابًا للائحة الدائمة، أتبعه بشرح آخر يقع في واحد وخمسين كتابًا للحق المدني، بسّط فيه القواعد العامة لمجموع الحق الروماني. إن أولبيانوس هو من علّم أن أول مبادئ الشريعة أن يعيش الإنسان عيشة شريفة موافقة للأخلاق وأن لا يسيء للآخرين وأن يعطي كل ذي حق حقه. هو من صنف الحقوق فقال بوجود الحق الطبيعي والحق العام والحق المدني. فالحق الطبيعي بالنسبة له مثالي كامل العدالة تخضع له المجتمعات الأولى وقد عدلته الشرائع البشرية عبر الزمن. أما الحق العام فيحتكم إليه البشر سواء كان موافقًا للحق الطبيعي أم غير موافق له. وأما الحق المدني فيطبق على شعب دون سائر الشعوب. بذلك يكون أولبيانوس أول من وضع التحديد المميز بين الحق العام والخاص. بقيت مؤلفات أولبيانوس قرونًا طويلة تُدَرَّسُ في جامعات الحقوق، واعتمدها علماءُ الشرائع الذين كلّفهم جوستنيانوس في القرن السادس جمعَ القوانين الرومانية وتوحيدها استنادًا إلى مؤلفات بابنيانوس وأولبيانوس، التي كانت تدرس قبل جوستنيانوس وبقيت تدرس في عهده وبعد عهده. هذه المؤلفات هي الليبيرالي إيد سوبينيون لأولبيانوس، وأجوبة بابنيانوس، في دستور الأومينيم وهو المقدمة الثانية للديجست، قاموس الآراء الحقوقية، الموضوع في عهد جوستنيانوس. نعلم أن مدة الدراسة في مدارس بيروت وغيرها كانت تستغرق أربع سنوات قبل أن يجعلها تنظيم جوستنيانوس خمسًا. وكان طلاب السنة الثالثة يلقبون بالبابنيانيستي نسبة إلى بابنيانوس. أما ثلث الديجست فمأخوذ من مؤلفات أولبيانوس ومؤلفات جوستنيانوس أوردت له في 2442 فقرة كما أوردت لبابنيانوس 591 فقرة.
مختصر تاريخ لبنان في عشرة فصول
الفصل الأول. لبنان في عصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى الفينيقيين.
يتمتع لبنان بتاريخ عريق يمتد إلى أقدم العصور، حيث كانت أرضه مسرحًا للتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة منذ فجر البشرية.
منذ أن استوطنه الإنسان الأول، لعبت طبيعته الجغرافية المتنوعة، من جباله الشاهقة إلى سهوله الخصبة وسواحله البحرية، دورًا في تطور المجتمعات التي نشأت عليه.
تركت تلك العصور بصماتها في الكهوف والمغارات والمستوطنات التي ما زالت شاهدة على حضارات قديمة سبقت ظهور الفينيقيين، الذين وضعوا الأسس الأولى لهوية لبنان التاريخية.
عصور ما قبل التاريخ. ؟الإنسان الأول في لبنان.
تشير الاكتشافات الأثرية إلى أن لبنان كان مأهولًا منذ العصر الحجري القديم (500,000 – 10,000 ق.
م)، حيث عثر على أدوات حجرية بدائية في مناطق مثل نهر الكلب وأنطلياس، ما يدل على أن الإنسان الأول استوطن هذه المناطق منذ أقدم العصور.
عاش السكان الأوائل في الكهوف، مثل مغارة جعيتا ومغارة الكسارات، حيث اعتمدوا على الصيد وجمع الثمار.
مع الانتقال إلى العصر الحجري الحديث (حوالي 10,000 – 4,500 ق.
م)، بدأت التجمعات البشرية في الاستقرار، وظهرت الزراعة وتربية المواشي، ما أدى إلى نشوء القرى الأولى.
كشفت الحفريات في مناطق مثل جبيل وعمشيت عن مستوطنات قديمة، حيث استخدم الإنسان الطين لصناعة الأواني، وبدأ ببناء البيوت الأولى.
الانتقال إلى العصر البرونزي وبدايات المدن.
مع حلول العصر البرونزي (حوالي 3,000 – 1,200 ق م)، شهد لبنان تحولات كبيرة، إذ بدأت المدن الأولى بالظهور، وازداد الاعتماد على التجارة مع بلاد الرافدين ومصر.
ازدهرت مدينة جبيل (بيبلوس) كمركز تجاري وثقافي رئيسي، حيث كانت تصدّر خشب الأرز إلى مصر القديمة، الذي استخدمه الفراعنة في بناء السفن والمعابد.
في هذه الفترة، بدأت الممالك الأولى تتشكل على الساحل اللبناني، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط، مما جعلها نقطة وصل بين الحضارات الكبرى في المنطقة.
أصبحت جبيل مركزًا دينيًا وثقافيًا، حيث عبد سكانها الإله بعل، وطوروا مهاراتهم في الملاحة وصناعة السفن.
الفينيقيون. ؟انطلاق الحضارة البحرية.
مع نهاية العصر البرونزي وبداية العصر الحديدي (حوالي 1,200 ق م)، برز الفينيقيون كقوة بحرية وتجارية رائدة في المنطقة.
تميز الفينيقيون بقدراتهم الملاحية الفائقة، فأنشؤوا مستعمرات على طول البحر الأبيض المتوسط، من قبرص إلى قرطاج في شمال إفريقيا، وحتى سواحل إسبانيا.
كانت مدنهم الرئيسية، مثل صور وصيدا وجبيل، مراكز تجارية مزدهرة، حيث تخصصوا في تصدير الأخشاب، وصناعة الأصباغ الأرجوانية، والزجاج، والفخار.
يعود لهم الفضل في تطوير الأبجدية الفينيقية، التي أصبحت الأساس للعديد من أنظمة الكتابة الحديثة.
قبل أن يظهر الفينيقيون كقوة تجارية كبرى، كان لبنان قد مر بمراحل طويلة من التطور، من مستوطنات ما قبل التاريخ إلى ممالك العصر البرونزي.
أسهمت طبيعة لبنان الجبلية وسواحله البحرية في تشكيل شخصية سكانه، الذين استغلوا موقعهم الاستراتيجي ليكونوا جسور تواصل بين الحضارات القديمة، ممهدين الطريق لازدهار الحضارة الفينيقية، التي وضعت الأسس لهوية لبنان الثقافية والتجارية عبر العصور.
الفصل الثاني. ؟الفينيقيون – أسياد البحر وبناة الحضارة.
مع نهاية العصر البرونزي وبداية العصر الحديدي، برز الفينيقيون كأحد أعظم الشعوب التجارية والملاحية في العصور القديمة، حيث أسسوا شبكة تجارية واسعة، ونقلوا ثقافتهم عبر البحر الأبيض المتوسط، وكان لهم تأثير عميق على تاريخ المنطقة والعالم.
شكّلت المدن الفينيقية الساحلية مراكز اقتصادية وثقافية مزدهرة، وابتكروا الأبجدية التي أصبحت أساسًا لأنظمة الكتابة الحديثة.
في هذا الفصل، نستعرض صعود الفينيقيين، ازدهارهم، إنجازاتهم، وتفاعلهم مع القوى الكبرى التي حكمت المنطقة.
المدن الفينيقية. ؟مراكز القوة والنفوذ.
تألفت فينيقيا من عدة مدن ساحلية مستقلة، لكل منها حكومتها ونظامها الإداري الخاص، لكنها تشاركت في اللغة، والثقافة، والعادات التجارية.
جبيل (بيبلوس). ؟تعد واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وكانت مركزًا رئيسيًا لتجارة الأخشاب، حيث زودت مصر بخشب الأرز، الذي استخدمه الفراعنة في بناء المعابد والسفن.
كما لعبت دورًا في تطوير الأبجدية الفينيقية، والتي انتشرت لاحقًا في جميع أنحاء العالم القديم.
صيدا. ؟اشتهرت بصناعة الزجاج والعاج، وكانت واحدة من أغنى وأقوى المدن الفينيقية. شكلت مركزًا مهمًا للتجارة والتبادل الثقافي مع الإغريق والمصريين.
صور. ؟أقوى المدن الفينيقية وأكثرها نفوذًا، تميزت ببناء أسطول بحري قوي، وأصبحت مركزًا للأنشطة التجارية والاستعمارية الفينيقية، حيث أسست مدينة قرطاج في شمال إفريقيا، التي تحولت لاحقًا إلى قوة عظمى.
الفينيقيون والتجارة البحرية. ؟شبكات عالمية.
كان الفينيقيون أول من أنشأ شبكة تجارية عالمية تربط بين الشرق والغرب.
أبحرت سفنهم عبر البحر المتوسط، وجلبت المعادن، والفضة، والقصدير من إسبانيا، واشتهروا بصناعة الأصباغ الأرجوانية الثمينة، التي كانت رمزًا للملوك والنبلاء.
أنشأ الفينيقيون مستعمرات تجارية في مختلف أنحاء البحر المتوسط، مثل قرطاج، ومالطا، وقادس في إسبانيا، مما ساعد على نشر ثقافتهم ومهاراتهم في الملاحة، والتجارة، والفنون.
الأبجدية الفينيقية. ؟إرث حضاري خالد.
يُعد أعظم إنجاز للفينيقيين هو اختراع الأبجدية الفينيقية، التي تكونت من 22 حرفًا، واعتمدت على الرموز الصوتية بدلًا من الرموز التصويرية المستخدمة في الكتابات القديمة مثل الهيروغليفية.
انتقلت الأبجدية إلى الإغريق، ثم إلى الرومان، وأصبحت أساسًا للغات الأوروبية الحديثة، مما جعلها واحدة من أهم إسهامات الفينيقيين في الحضارة الإنسانية.
الفينيقيون تحت حكم الإمبراطوريات الكبرى.
رغم استقلالية مدنهم، لم يكن الفينيقيون في مأمن من الطموحات الإمبريالية للقوى العظمى في ذلك الوقت.
الغزو الآشوري. ؟في القرن التاسع قبل الميلاد، خضعت المدن الفينيقية للسيطرة الآشورية، حيث فرضت عليها الضرائب وأجبرتها على دعم الحملات العسكرية.
الحكم البابلي. ؟في القرن السادس قبل الميلاد، سقطت صور بيد نبوخذ نصر البابلي بعد حصار دام 13 عامًا، ما أدى إلى فقدان الفينيقيين لاستقلالهم السياسي.
الإمبراطورية الفارسية. ؟خضع الفينيقيون للفرس، لكنهم احتفظوا بمكانتهم كملاحين رئيسيين للإمبراطورية الفارسية، حيث استخدمت سفنهم في الحملات العسكرية ضد الإغريق.
الإسكندر الأكبر. ؟في عام 332 ق.
م، شن الإسكندر المقدوني حملة ضد صور، ونجح في السيطرة عليها بعد حصار دام سبعة أشهر، مما أنهى استقلال المدن الفينيقية، وأصبحت جزءًا من العالم الهلنستي.
تأثير الفينيقيين على الحضارات الأخرى.
لم يقتصر تأثير الفينيقيين على التجارة واللغة، بل امتد إلى الفنون، والهندسة، والملاحة.
فقد نشروا معرفتهم بالسفن المتطورة، وتقنيات البناء، والتجارة الدولية، وساهموا في تعزيز التبادل الثقافي بين الحضارات القديمة.
مثّل الفينيقيون ذروة الإبداع التجاري والثقافي في العصور القديمة، فكانوا بناة حضارة بحرية عالمية، تركت بصمة دائمة في التاريخ الإنساني.
ورغم سقوطهم تحت سيطرة الإمبراطوريات الكبرى، إلا أن إرثهم استمر عبر الأبجدية الفينيقية، وإنجازاتهم التجارية، والمستعمرات التي أسسوها، مما جعلهم أحد أكثر الشعوب تأثيرًا في تاريخ الشرق الأوسط والعالم.
الفصل الثالث. ؟لبنان في العصر الهلنستي والروماني – من التأثير اليوناني إلى الازدهار الروماني.
بعد سقوط المدن الفينيقية تحت حكم الإسكندر الأكبر عام 332 ق م، دخل لبنان مرحلة جديدة من تاريخه، حيث أصبح جزءًا من العالم الهلنستي، متأثرًا بالثقافة الإغريقية التي حملها الإسكندر وجنرالاته من بعده.
مع سيطرة الرومان على المنطقة لاحقًا، ازدهرت مدن لبنان تحت حكمهم، وأصبحت مراكز حضارية وتجارية مزدهرة.
في هذا الفصل، نستعرض تأثير الحضارتين اليونانية والرومانية على لبنان، والتغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدها، والإنجازات التي حققها في هذه الفترة.
لبنان في العصر الهلنستي (332 – 64 ق م). ؟مزيج من الفينيقية والإغريقية.
بعد وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 ق.
م، انقسمت إمبراطوريته بين قادته، وكان لبنان جزءًا من الصراع بين السلوقيين في سوريا والبطالمة في مصر.
التأثير الإغريقي. ؟خلال الحكم السلوقي، انتشرت الثقافة اليونانية في مدن لبنان، حيث تم إنشاء معابد ومسارح ومدارس على الطراز الإغريقي، وبدأ السكان يتبنون اللغة والعادات اليونانية.
مع ذلك، احتفظت المدن الفينيقية بهويتها التجارية والبحرية القوية، ما جعلها تلعب دورًا في التجارة بين الشرق والغرب.
الاستقلال النسبي للمدن الفينيقية. ؟رغم خضوع لبنان للسلوقيين، إلا أن مدنه مثل صور وصيدا وجبيل تمتعت باستقلال نسبي، وواصلت ازدهارها الاقتصادي، مما جعلها مراكز تجارية حيوية في البحر المتوسط.
التوترات والصراعات. ؟شهدت هذه الفترة صراعات بين السلوقيين والبطالمة، كما واجهت المدن الفينيقية اضطرابات داخلية بسبب التنافس بين القوى المحلية وتأثير القوى الخارجية.
الانتقال إلى الحكم الروماني. ؟من الفوضى إلى الاستقرار.
في عام 64 قم، تمكن القائد الروماني بومبيوس من السيطرة على بلاد الشام، وأصبحت المدن الفينيقية واللبنانية جزءًا من الإمبراطورية الرومانية، ما أدى إلى حقبة جديدة من الاستقرار والازدهار الاقتصادي والثقافي.
الدمج في النظام الروماني. ؟أصبحت المدن الفينيقية جزءًا من مقاطعة سوريا الرومانية، وحصلت بعض المدن مثل صور وبعلبك على مكانة متميزة داخل الإمبراطورية.
الطابع الروماني للبنان. ؟شهدت هذه الفترة تشييد معابد ضخمة، وشبكات طرق، ومبانٍ عامة، ما جعل لبنان أحد المراكز الحضرية الهامة في الشرق الروماني.
عصر الازدهار الروماني (64 ق م – 395 م)
تحت الحكم الروماني، شهد لبنان نموًا اقتصاديًا وحضاريًا كبيرًا، حيث أصبحت مدنه من أهم المراكز التجارية والدينية في المنطقة.
بعلبك. ؟مدينة المعابد الرومانية الكبرى.
كانت بعلبك، المعروفة باسم "هليوبوليس" (مدينة الشمس)، واحدة من أبرز المدن الرومانية في الشرق، حيث شيّد فيها الرومان معابد ضخمة لعبادة جوبيتر، وباخوس، وفينوس.
لا تزال أطلال هذه المعابد شاهدة على عظمة الهندسة الرومانية في لبنان.
صور وصيدا. ؟موانئ تجارية كبرى.
حافظت صور وصيدا على أهميتهما كمراكز تجارية، واستمرتا في تصدير الأرجوان والزجاج إلى مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، ما عزز ازدهارهما الاقتصادي.
جبيل. ؟مركز ثقافي وديني.
ظلت جبيل مركزًا ثقافيًا مهمًا، حيث استمرت في لعب دورها في نشر الأبجدية والتبادل الثقافي بين الشرق والغرب.
التأثير الروماني على المجتمع والثقافة.
الهندسة والبنية التحتية. ؟أنشأ الرومان في لبنان طرقًا وجسورًا وحمامات عامة، مما ساعد في تعزيز التواصل والتجارة بين المدن.
اللغة والثقافة. ؟رغم استمرار استخدام الفينيقية في بعض المناطق، أصبحت اللاتينية واليونانية اللغتين الرسميتين، مما أثر على الثقافة المحلية.
الديانة. ؟في البداية، تبنى السكان المعتقدات الرومانية، لكن مع انتشار المسيحية لاحقًا، بدأ لبنان يشهد تحولًا دينيًا كبيرًا.
التحولات الدينية. ؟بداية انتشار المسيحية.
مع نهاية العصر الروماني، بدأت المسيحية تنتشر في لبنان، حيث اعتنق العديد من السكان الديانة الجديدة، وظهرت أولى الجماعات المسيحية في المدن الكبرى.
لعب لبنان دورًا مهمًا في تطور المسيحية في المنطقة، خاصة مع ازدياد أعداد الأديرة والكنائس.
شهد لبنان في العصر الهلنستي والروماني تحولات كبرى، حيث انتقل من التأثير اليوناني إلى السيطرة الرومانية، مما أدى إلى ازدهاره اقتصاديًا وثقافيًا.
شكلت هذه الحقبة أساسًا مهمًا للتحولات المستقبلية، خاصة مع انتشار المسيحية، التي ستلعب دورًا رئيسيًا في تاريخ لبنان في الفصول القادمة.
الفصل الرابع. ؟لبنان في العصر البيزنطي وصعود المسيحية (395 – 636 م).
مع انقسام الإمبراطورية الرومانية عام 395 م إلى قسمين، شرقي وغربي، أصبح لبنان جزءًا من الإمبراطورية البيزنطية التي ورثت النفوذ الروماني في الشرق.
شهدت هذه المرحلة تطورًا دينيًا كبيرًا مع انتشار المسيحية وتأسيس الأديرة، لكن البلاد عانت أيضًا من الصراعات المذهبية والاضطرابات السياسية التي مهّدت لاحقًا للتحولات الكبرى مع الفتح الإسلامي.
التحول إلى الحكم البيزنطي (395 م). ؟استمرار النفوذ الروماني.
بعد وفاة الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، انقسمت الإمبراطورية بين ابنيه، فخضع لبنان لحكم الإمبراطورية البيزنطية التي اتخذت من القسطنطينية عاصمة لها.
الإدارة البيزنطية. ؟حافظ البيزنطيون على النظام الإداري الروماني، واستمر لبنان كجزء من ولاية "فينيقيا اللبنانية"، وكان يحكمه مسؤولون يعينهم الإمبراطور.
تعزيز التحصينات. ؟بسبب التهديدات الخارجية، أنشأ البيزنطيون العديد من الحصون والقلاع، خاصة في المناطق الجبلية، لحماية المدن من الغزوات الفارسية والقبائل العربية.
انتشار المسيحية وتحول لبنان إلى مركز ديني.
كانت المسيحية قد بدأت بالانتشار في لبنان منذ القرن الأول الميلادي، لكنها ترسّخت أكثر خلال العهد البيزنطي وأصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية.
دور لبنان في انتشار المسيحية.
أصبح جبل لبنان ملاذًا للرهبان المسيحيين الذين أسسوا الأديرة والتجمعات الرهبانية.
برزت صيدا وصور وجبيل كمراكز دينية، حيث بُنيت كنائس ضخمة، وكان لأساقفتها دور في المجامع الكنسية الكبرى.
شهدت بعلبك تحوّل معابدها الوثنية إلى كنائس، ما يعكس التغير الديني العميق في المنطقة.
ظهور الطوائف المسيحية.
المونوفيزية مقابل الخلقيدونية. ؟اندلعت صراعات مذهبية بين المسيحيين الذين تبنوا العقيدة المونوفيزية (التي تنص على طبيعة واحدة للمسيح) والمسيحيين الذين تبنوا العقيدة الخلقيدونية (التي تؤمن بالطبيعتين الإلهية والبشرية للمسيح).
دعم الأباطرة البيزنطيون المذهب الخلقيدوني، مما أدى إلى اضطهاد المونوفيزيين، ودفع العديد منهم إلى اللجوء إلى جبال لبنان، حيث أسسوا مجتمعات رهبانية شكلت نواة المارونية لاحقًا.
التهديدات الفارسية والغزوات الخارجية.
مع ضعف الإمبراطورية البيزنطية، واجه لبنان تهديدات من الفرس الساسانيين، الذين غزوا المنطقة عدة مرات خلال القرنين السادس والسابع الميلاديين.
الغزو الفارسي (602 – 628 م).
سيطر الفرس على أجزاء من لبنان، ودمروا العديد من المدن والكنائس.
تمكّن الإمبراطور البيزنطي هرقل من استعادة المنطقة بعد حملة عسكرية ناجحة ضد الفرس عام 628 م.
التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للبنان.
رغم الاضطرابات السياسية، استمر لبنان كمركز تجاري وزراعي مهم.
الزراعة. ؟اشتهر الجبل اللبناني بزراعة الزيتون والكروم، بينما استمرت السهول الساحلية في إنتاج الحبوب والفواكه.
التجارة. ؟ظلت الموانئ الفينيقية نشطة، حيث حافظ التجار اللبنانيون على دورهم في التبادل التجاري بين الشرق والغرب.
التصنيع. ؟ازدهرت صناعة الحرير في جبل لبنان، حيث بدأ الرهبان بزراعته، ما ساعد في تعزيز مكانة لبنان الاقتصادية لاحقًا.
لبنان عشية الفتح الإسلامي.
مع بداية القرن السابع الميلادي، كانت الإمبراطورية البيزنطية منهكة بسبب الحروب مع الفرس والصراعات الداخلية، مما جعلها عاجزة عن مواجهة المد الإسلامي الذي بدأ مع ظهور الإسلام في الجزيرة العربية.
شهد لبنان في العهد البيزنطي تحولات كبيرة، من انتشار المسيحية وترسيخ الهوية الدينية، إلى الصراعات المذهبية والتحديات العسكرية التي واجهتها الإمبراطورية البيزنطية.
مع اقتراب الفتح الإسلامي، كانت البلاد على مشارف مرحلة جديدة ستغير مسار تاريخها، حيث سيؤدي دخول العرب المسلمين إلى تبدلات سياسية وثقافية كبرى، ستتناولها الفصول القادمة.
الفصل الخامس. ؟الفتح الإسلامي وتأسيس الدولة الأموية في لبنان (636 – 750 م).
شهد لبنان خلال القرن السابع الميلادي تحولًا جذريًا في تكوينه السياسي والديني، حيث كان الفتح الإسلامي بداية لمرحلة جديدة من التأثيرات الثقافية والسياسية التي استمرت لقرون.
في هذا الفصل، نستعرض وصول الإسلام إلى لبنان، والتأثيرات السياسية والاجتماعية التي صاحبت الفتح، بالإضافة إلى تأثير حكم الدولة الأموية على لبنان.
الفتح الإسلامي. ؟من معركة اليرموك إلى بداية السيطرة الإسلامية (636 م).
بعد ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، بدأ المسلمون في توسيع حدود دولتهم بسرعة، وواجهوا في طريقهم الإمبراطورية البيزنطية التي كانت تسيطر على لبنان.
معركة اليرموك (636 م). ؟كانت معركة اليرموك حاسمة في تاريخ الفتح الإسلامي، حيث تمكن المسلمون بقيادة خالد بن الوليد من هزيمة الجيش البيزنطي، مما مهد الطريق لفتح بلاد الشام.
الفتح المباشر للبنان. ؟بعد معركة اليرموك، توجه المسلمون إلى بلاد الشام، وبدأت المدن اللبنانية مثل بيروت، وصيدا، وطرابلس في الخضوع للسلطة الإسلامية.
ساهمت الجبال اللبنانية في مقاومة بعض المناطق لفترة أطول، إلا أن الفتح كان سريعًا وشاملًا.
التعامل مع السكان المحليين. ؟من خلال المعاهدات والاتفاقيات، تمكن المسلمون من بسط نفوذهم على السكان المحليين، الذين اعتنق البعض منهم الإسلام، بينما احتفظ البعض الآخر بمعتقداتهم المسيحية، خاصة الطوائف المونوفيزية التي سادت في الجبال.
التأثيرات السياسية والاجتماعية في لبنان بعد الفتح.
بعد الفتح، أصبح لبنان جزءًا من الدولة الإسلامية، ودخل في إطار الخلافة الإسلامية التي كانت تتمركز في دمشق في البداية.
الانتقال من الحكم البيزنطي إلى الحكم الإسلامي. ؟تمتع لبنان في البداية بحكم ذاتي نسبي تحت الخلافة الأمويّة، حيث أصبح الإداريون المسلمون يسيطرون على المدن الكبرى، مثل بيروت وصيدا، في حين بقيت المناطق الجبلية تحت سيطرة الزعامات المحلية التي حافظت على هويتها المستقلة إلى حد كبير.
التنوع الديني والقبائل العربية. ؟رغم أن المسلمين كانوا يشكلون غالبية السكان، إلا أن لبنان استمر في الاحتفاظ بتنوعه الديني، مع وجود عدد كبير من المسيحيين الذين كان لهم دور هام في إدارة الحياة اليومية والتجارة، بالإضافة إلى العديد من القبائل العربية التي استقرت في المناطق المختلفة.
الدولة الأموية. ؟ازدهار لبنان كمركز تجاري وثقافي (661 – 750 م).
تحت حكم الدولة الأموية، التي أسسها معاوية بن أبي سفيان، شهد لبنان تطورًا اقتصاديًا وثقافيًا، بفضل موقعه الاستراتيجي بين الشرق والغرب.
بيروت كعاصمة ثقافية وتجارية. ؟في عهد الدولة الأموية، أصبحت بيروت من أهم المدن التجارية في الشام، وذلك بسبب موقعها على البحر المتوسط.
تطورت فيها موانئ تجارية مزدهرة، وكانت تعتبر مركزًا للتجارة بين بلاد الشام والعالم الغربي.
الاهتمام بالبنية التحتية. ؟اهتم الأمويون بتطوير البنية التحتية في لبنان، حيث تم تحسين الطرق وتوسيع المدن وبناء القلاع والحصون لحماية الأراضي من أي تهديدات خارجية.
التأثير الثقافي. ؟كانت المدن الكبرى مثل بيروت وصيدا مركزًا للعلماء والشعراء والفلاسفة، حيث نشأت ثقافة إسلامية جديدة تأثرت بالثقافة اليونانية والرومانية، كما شهدت تطورًا في الفقه والحديث.
الفتنة الكبرى والصراعات الداخلية.
مع تزايد نفوذ الدولة الأموية، بدأ الخلاف حول الخلافة الإسلامية، والذي أدى إلى الفتنة الكبرى (656 – 661 م) بين مؤيدي علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.
في هذه المرحلة، انعكست هذه الصراعات على لبنان، حيث كانت بعض المناطق تأيّد عليًا (خاصة في الجبال)، بينما كانت المناطق الساحلية مثل بيروت وصيدا تؤيد معاوية.
التأثير على لبنان. ؟الصراعات السياسية في تلك الفترة ساعدت في إحداث تحولات داخلية في لبنان، حيث شهدت بعض المناطق صراعات بين القبائل المختلفة، ما أدى إلى تباين في الولاءات السياسية والدينية بين المدن والسكان المحليين.
بداية انهيار الدولة الأموية.
مع بداية القرن الثامن الميلادي، شهدت الدولة الأموية سلسلة من الاضطرابات السياسية التي أدت إلى انهيارها في عام 750 م.
بعد ذلك، خلفتها الدولة العباسية، التي نقلت مركز الخلافة إلى بغداد.
التغيرات التي طرأت على لبنان. ؟على الرغم من أن لبنان استمر في التمتع بالاستقلال النسبي في بعض المناطق الجبلية، إلا أن صعود العباسيين أدى إلى تغييرات في الإدارة السياسية، مما أثر على الحياة اليومية للمواطنين اللبنانيين.
شهد لبنان في العصر الأموي تحولًا كبيرًا، حيث أصبحت المنطقة جزءًا أساسيًا من الدولة الإسلامية التي أسسها الأمويون. تأثير الفتح الإسلامي على لبنان كان عميقًا، إذ أثر على النواحي السياسية، الاجتماعية، والثقافية، وفتح الأبواب لمرحلة جديدة من التعددية الدينية والثقافية.
في الوقت نفسه، كانت هذه الفترة بداية لبروز لبنان كمركز تجاري وثقافي في الشرق الأوسط، ما ساهم في تشكيل هويته المستقبلية التي ستستمر في التطور عبر العصور القادمة.
الفصل السادس. ؟لبنان في العهد العباسي والصراعات الإقليمية (750 – 1250 م).
مع سقوط الدولة الأموية في عام 750 م على يد العباسيين، دخل لبنان مرحلة جديدة من التاريخ السياسي والديني.
كانت هذه الفترة مليئة بالتغيرات الكبيرة على مستوى السلطة السياسية، حيث تغيرت موازين القوى في المنطقة بعد ظهور الدولة العباسية.
تأثر لبنان في هذه الحقبة بالعديد من العوامل الداخلية والخارجية التي شكلت مجرى تطوراته، سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي.
التحول إلى حكم الدولة العباسية (750 م).
بعد الانتصار العباسي على الأمويين في معركة الزاب عام 750 م، أصبحت الخلافة العباسية هي القوة السياسية المركزية في العالم الإسلامي، وتم نقل عاصمة الخلافة إلى بغداد.
بالنسبة للبنان، فإن انتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين حمل معه مجموعة من التغييرات.
تأثير العباسيين على لبنان.
حافظ لبنان على موقعه الاستراتيجي كحلقة وصل بين الشرق والغرب، وهو ما جعله مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا، إذ ازدهرت التجارة البحرية عبر موانئه.
استمر السكان اللبنانيون في التفاعل مع العباسيين، خاصة في المدن الساحلية مثل بيروت وطرابلس، بينما بقيت الجبال اللبنانية على تماسكها السياسي والديني، وكان سكانها المارونيون أكثر استقلالًا.
مع انتقال الخلافة إلى بغداد، بدأت بعض المناطق في لبنان تُحكم مباشرة من قبل الولاة العباسيين، بينما كانت بعض المناطق الجبلية قد تمتع بحكم ذاتي، بسبب صعوبة السيطرة عليها من قبل سلطات الخلافة المركزية.
الصراعات الداخلية والاضطرابات السياسية.
واجهت الخلافة العباسية تحديات عديدة، سواء من الداخل أو الخارج، وقد انعكس ذلك على لبنان الذي شهد صراعات داخلية، وتدخلات من قبل قوى خارجية، خاصة في فترات الضعف العباسي.
ثورات العباسيين في لبنان.
تأثرت بعض مناطق لبنان بالصراعات العائلية التي نشأت داخل الدولة العباسية، حيث كانت الثورات العلوية والمطالبة بالحكم من قبل فروع مختلفة من عائلة النبي محمد مصدرًا للتوترات في المنطقة.
في الجبال، واصل الموارنة تحدي الهيمنة العباسية، واحتفظوا بهويتهم الدينية والسياسية المستقلة.
الفتن والتقسيمات الإدارية.
تعرّض لبنان لعدة فتن بين الفئات المختلفة، سواء على خلفية دينية (المسلمون السنة مقابل الشيعة) أو سياسية (الموالي للعباسيين مقابل المعارضين).
استغل القادة المحليون في لبنان هذه الاضطرابات للإبقاء على قوة محلية تحكم من الجبال، مما جعل المنطقة أكثر تماسكًا من الناحية الاجتماعية والسياسية مقارنة ببقية المناطق الساحلية.
التفاعل مع الإمبراطورية البيزنطية والدول المجاورة.
في تلك الفترة، كان لبنان على اتصال مستمر مع الإمبراطورية البيزنطية التي كانت تُحكم من القسطنطينية، بالإضافة إلى تفاعل مستمر مع إمارات الحروب الصليبية التي بدأت في نهاية القرن الحادي عشر.
التنافس مع البيزنطيين.
بالرغم من أن البيزنطيين فقدوا السلطة في معظم مناطق الشام، إلا أن هناك مناطق ساحلية كانت لا تزال تحت سيطرتهم مثل بيروت وصيدا لبعض الوقت، وهذا جعل لبنان يشهد صراعًا مستمرًا بين القوى الإسلامية والبيزنطية.
تميزت هذه الفترة بمحاولات مستمرة من العباسيين للاستفادة من الوضع من خلال تبادل التجارة والعلاقات السياسية مع بيزنطة، وتوفير الحماية للمناطق الحدودية.
الحروب الصليبية وتأثيرها على لبنان.
مع بداية الحروب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر، تطور الوضع في لبنان بشكل دراماتيكي.
حمل الصليبيون حملات عسكرية كبيرة على المشرق العربي، فكانت لبنان جزءًا من المناطق التي تعرضت للغزو.
لم يكن لبنان بمنأى عن هذا الهجوم، فقد تسببت الحروب الصليبية في احتلال مناطق ساحلية لبنانية، أبرزها صور وصيدا، والتي أضحت جزءًا من مملكة القدس التي أسسها الصليبيون.
حكم الفاطميين. ؟تأثيرات جديدة على لبنان (969 – 1071 م).
في الفترة ما بين نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر، سيطر الفاطميون على أجزاء من لبنان، على الرغم من أن هذه السيطرة كانت غير ثابتة.
الصراعات الفاطمية-العباسية.
حكم الفاطميون المنطقة كجزء من الدولة الفاطمية الشيعية، ما أدى إلى صراعات سياسية ودينية مع الخلافة العباسية السنية.
حاول الفاطميون بسط نفوذهم على لبنان، ما جعل المناطق الساحلية تخضع تحت تأثيرهم لفترات معينة.
الانهيار العباسي والصراعات مع المماليك.
بعد تراجع قوة الدولة العباسية في بغداد نتيجة للصراعات الداخلية، بدأت الدولة المملوكية تفرض نفسها في العالم الإسلامي، وكان لبنان جزءًا من المناطق التي تأثرت بتحولات هذه الفترة.
الوجود المملوكي في لبنان.
مع انهيار العباسيين، دخل المماليك إلى لبنان في منتصف القرن الثالث عشر، وفرضوا حكمهم على المناطق الساحلية مثل بيروت وطرابلس.
في هذه الفترة، كانت لبنان بمثابة نقطة عبور بين المماليك والإمبراطورية البيزنطية والإمارات الصليبية، مما جعلها منطقة استراتيجية هامة في صراع القوى الإقليمية.
شهد لبنان في العهد العباسي والصراعات التي تلت ذلك فترة من التوترات السياسية والاضطرابات الداخلية، إضافة إلى تفاعلات مع القوى الإقليمية الكبيرة مثل البيزنطيين والمماليك.
كانت الفترة العباسية تشكل مرحلة انتقالية هامة في تاريخ لبنان، إذ تأثرت مواقفه السياسية والدينية بتقلبات الخلافة العباسية من جهة، وبتأثيرات القوى المجاورة من جهة أخرى.
مع بداية الحروب الصليبية ودخول المماليك إلى لبنان، بدأ الفصل السابع من تاريخ لبنان يأخذ طابعًا جديدًا سيشكل ملامح المرحلة التالية من تاريخ لبنان في العصور الوسطى.
الفصل السابع. ؟لبنان تحت حكم المماليك والعثمانيين (1250 – 1918 م).
شهد لبنان خلال الفترة الممتدة من أواخر القرن الثالث عشر حتى أوائل القرن العشرين، تحولات جذرية على المستويين السياسي والاجتماعي.
حيث شكلت الدولة المملوكية ثم السلطنة العثمانية معًا فترات حاسمة في تاريخ لبنان، جلبت معهما تغييرات اقتصادية، اجتماعية، ودينية كانت لها تأثيرات عميقة على هوية لبنان وعلى علاقاته مع العالمين العربي والإسلامي، وكذلك مع القوى الأوروبية.
لبنان تحت الحكم المملوكي (1250 – 1516 م).
بعد انهيار الدولة العباسية في بغداد، أصبح الحكم المملوكي هو القوى المسيطرة في الشام.
دخل المماليك لبنان في منتصف القرن الثالث عشر، وبدأوا بتوسيع سيطرتهم على المناطق الساحلية مثل بيروت وطرابلس وصيدا. وقد تميزت هذه الفترة بعدة مظاهر.
الهيمنة المملوكية على لبنان.
عمل المماليك على بسط سيطرتهم على لبنان بشكل تدريجي. ورغم أن لبنان لم يكن مركزًا أساسيًا بالنسبة لهم، إلا أنه كان ذا أهمية استراتيجية كحلقة وصل بين مصر والشام.
اهتم المماليك بتحسين البنية التحتية للمدن الساحلية، مثل بناء أسواق وأسوار جديدة في بيروت وطرابلس، بالإضافة إلى تطوير القطاع الزراعي.
التفاعل الثقافي والتجاري.
كما كان الحال مع الفاطميين، فقد شهد لبنان تفاعلًا ثقافيًا وتجاريًا مع العديد من مناطق العالم الإسلامي، خاصة مصر والشام.
استفاد لبنان من موقعه الجغرافي بين البحر الأبيض المتوسط وداخل الشرق الأوسط، مما ساعده على أن يصبح مركزًا تجاريًا مزدهرًا.
النفوذ المملوكي في الجبال.
بينما كانت المناطق الساحلية تحت السيطرة المباشرة للمماليك، فقد احتفظت المناطق الجبلية، خاصة في المناطق المارونية والدروزية، باستقلال نسبي.
في هذا السياق، بدأ الفلاحون الجبليون يتعاونون مع السلطات المملوكية، مما سمح لهم بتطوير نظام إقطاعي محلي.
التحديات والمقاومة.
على الرغم من الهيمنة المملوكية، فقد عرفت هذه الفترة العديد من الاضطرابات من بينها المقاومة المحلية في الجبال، خاصة من قبل الدروز والموارنة الذين كانوا يبحثون عن استقلال أكبر.
لبنان تحت الحكم العثماني (1516 – 1918 م).
في عام 1516، أصبحت الدولة العثمانية القوة الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط بعد انتصارها على المماليك في معركة مجدو.
إستمرت السلطنة العثمانية في حكم لبنان لأكثر من 400 عام، وهو ما كان له تأثير عميق في تشكيل الهوية اللبنانية السياسية والاجتماعية.
بداية الحكم العثماني.
الاستقرار النسبي في بداية الحكم العثماني.
بعد هزيمة المماليك، قامت الدولة العثمانية بتعيين ولاة محليين على لبنان، وبدأت بتطبيق النظام الإداري الجديد الذي يتضمن تقسيمات إدارية إقليمية. في البداية، عمل العثمانيون على توفير بعض الاستقرار السياسي في لبنان، حيث استمر تفاعل اللبنانيين مع القوى العثمانية.
التقسيمات الإدارية.
كانت الأراضي اللبنانية جزءًا من ولايات الشام العثمانية مثل ولاية دمشق.
لكن سرعان ما بدأت المناطق اللبنانية في الحصول على نوع من الاستقلال الذاتي، لا سيما في المناطق الجبلية حيث كانت هناك عائلات محلية قوية تحكم.
عصر الامارة اللبنانية (1600 – 1840 م).
بداية إمارة جبل لبنان.
في القرن السابع عشر، مع بداية حكم الأمير فخر الدين المعني (1608 – 1635)، بدأ لبنان يشهد أولى فترات الاستقلال السياسي النسبي عن الدولة العثمانية.
فخر الدين المعني الذي حكم الجبل، كان له دور كبير في توحيد المناطق اللبنانية في إطار إمارة واحدة، وعُرف بتحالفاته مع القوى الأجنبية، لا سيما مع إيطاليا وفرنسا.
خلال فترة حكمه، شهد لبنان تطورًا في مجالات الزراعة والصناعة والفنون.
التحديات الداخلية والخارجية.
بفضل تأثيره في المنطقة، أصبح الأمير فخر الدين خصمًا للعاصمة العثمانية في إسطنبول، حيث اعتبرت الدولة العثمانية حكمه تهديدًا لسلطتها.
في النهاية، تم القضاء على حكمه، مما أدى إلى تراجع التوحد السياسي في لبنان.
الحكم العثماني المباشر وصراعات الطوائف (1840 – 1914 م).
التقسيمات الطائفية والنزاعات الداخلية.
بعد سقوط إمارة جبل لبنان، بدأ العثمانيون بتطبيق نظام اللامركزية في الحكم.
بدأت القوى الطائفية في لبنان تزداد نفوذًا، خصوصًا بين الطائفتين المارونية والدروزية، واندلعت العديد من النزاعات المسلحة بين الطائفتين.
التدخلات الأوروبية.
شهدت هذه الفترة تأثيرًا متزايدًا للوجود الأوروبي في لبنان، حيث تدخلت فرنسا على وجه الخصوص لحماية الموارنة، بينما كانت بريطانيا تميل إلى دعم الدروز.
أدت هذه التدخلات إلى تعزيز الانقسامات الطائفية داخل لبنان.
التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
في الوقت نفسه، كانت هناك تحولات اقتصادية هامة، حيث بدأ لبنان يشهد تطورًا في الزراعة والتجارة، وازدهرت بعض الصناعات التقليدية مثل صناعة الحرير.
مع بداية القرن العشرين، أصبح لبنان جزءًا من الاقتصاد العثماني الواسع، وهو ما عزز ارتباطه بالأسواق الأوروبية.
نهاية الحكم العثماني والصراعات الإقليمية (1914 – 1918 م).
الحرب العالمية الأولى وتأثيرها على لبنان. مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب قوى المركز.
مع تدهور الوضع في الإمبراطورية العثمانية، تأثرت لبنان بشكل كبير.
كانت الخطوط الأمامية في المعركة في منطقة الشام، مما جعل لبنان يشهد تدميرًا واسعًا في بنيته التحتية وتراجعًا حادًا في الاقتصاد.
المجاعة والاحتلال الفرنسي.
في الفترة ما بين 1915 و1918، عانت المناطق اللبنانية من مجاعة كبيرة بسبب الحصار العثماني، الذي أدى إلى وفاة العديد من السكان.
مع نهاية الحرب العالمية الأولى، واحتلال الفرنسيين للبنان في 1918، انتهت الحقبة العثمانية ليبدأ فصل جديد في تاريخ لبنان.
كانت فترة حكم المماليك والعثمانيين بمثابة مرحلة حاسمة في تشكيل لبنان من الناحيتين السياسية والاجتماعية.
خلال هذه القرون الأربعة، تطور لبنان تحت تأثيرات متنوعة من صراعات داخلية، تدخلات خارجية، وتحولات ثقافية واقتصادية.
تركت هذه الفترات إرثًا معقدًا من الانقسامات الطائفية والتحديات السياسية التي ستستمر في التأثير على تاريخ لبنان في العصور التالية.
الفصل الثامن. ؟الانتداب الفرنسي وتأسيس الدولة اللبنانية (1918 – 1943).
كانت الفترة الممتدة من 1918 إلى 1943 من أكثر الفترات حاسمة في تاريخ لبنان، حيث شكلت مرحلة انتقالية من الحكم العثماني إلى مرحلة الاستقلال الوطني.
شهد لبنان في هذه الحقبة الانتداب الفرنسي الذي فرضته القوى الاستعمارية الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى، ومن ثم كان التحول الكبير نحو استقلال لبنان في عام 1943.
مرحلة الانتداب الفرنسي (1918 – 1941).
مع نهاية الحرب العالمية الأولى في 1918، انهار الإمبراطورية العثمانية وتوزعت أراضيها بين القوى الاستعمارية الكبرى.
بموجب اتفاقية سايكس-بيكو بين فرنسا وبريطانيا في عام 1916، تم تقسيم أراضي الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ، وكان لبنان من نصيب فرنسا، التي حصلت على انتداب رسمي من عصبة الأمم في عام 1920.
تأسيس دولة لبنان الكبير.
إعلان دولة لبنان الكبير (1920).
في 1 سبتمبر 1920، قام الجنرال هنري غورو، القائد العسكري الفرنسي، بإعلان تأسيس دولة لبنان الكبير، التي ضمت، لأول مرة في تاريخ لبنان، مناطق تمتد من جبل لبنان إلى الجنوب، البقاع، والشمال، مما جعلها دولة ذات حدود واضحة بعد سنوات من التجزئة في العهد العثماني.
كان هذا التوسع الجغرافي يشمل مناطق ذات طوائف ومجموعات دينية متعددة، مثل المسيحيين الموارنة والدروز، إضافة إلى المسلمين السنة والشيعة.
الحكم الفرنسي.
عملت فرنسا على فرض نظام إداري جديد في لبنان، وتم تأسيس الانتداب الفرنسي الذي تم من خلاله تعيين حكام فرنسيين في لبنان، مع تواجد مجلس استشاري يتضمن بعض الشخصيات اللبنانية.
حاولت فرنسا دمج لبنان بشكل تدريجي في مشروعها الاستعماري الأوسع في الشرق الأوسط، إلا أن ذلك اصطدم مع الواقع اللبناني المعقد.
التحولات السياسية والاجتماعية.
النظام السياسي الفرنسي. ؟
فرض الفرنسيون نظامًا سياسيًا قائمًا على سيطرة كبيرة على السلطة التنفيذية والقضائية، ولكن مع مشاركة محدودة من النخب اللبنانية في القرارات السياسية.
بدأت الأحزاب السياسية تظهر في لبنان في هذه الفترة، مثل الحزب الوطني وحزب الكتائب، الذي كان يطالب بالاستقلال والحرية.
التحولات الاقتصادية.
حاولت فرنسا تنفيذ مشاريع تنموية في لبنان، أبرزها تطوير البنية التحتية مثل بناء الطرق والموانئ.
ولكن في الوقت نفسه، كان هناك استغلال اقتصادي للموارد اللبنانية لصالح المصالح الفرنسية.
الثقافة والتعليم.
افتتحت فرنسا العديد من المدارس والجامعات التي كانت تحت سيطرتها، وكان للمدارس الفرنسية دور كبير في التعليم في لبنان، إذ تخرج منها العديد من الشخصيات السياسية التي سيكون لها دور بارز في الحياة العامة بعد الاستقلال.
الانتفاضات والمقاومة اللبنانية.
الانتفاضات الشعبية.
لم تكن فترة الانتداب الفرنسي هادئة في لبنان، فقد شهدت عدة انتفاضات شعبية ضد الاحتلال الفرنسي.
كان من أبرزها ثورة 1920 التي قادها الأمير بشير الشهابي ضد احتلال القوات الفرنسية في جبل لبنان.
بالإضافة إلى ذلك، اندلعت عدة ثورات محلية من قبل الطوائف المختلفة، مثل الثورة الدروزية في جبل لبنان، وغيرها من الحركات التي عارضت النظام الاستعماري الفرنسي.
التحولات نحو الاستقلال (1941 – 1943).
مع بداية الحرب العالمية الثانية في 1939، شهدت المنطقة تغيرات جذرية، بما في ذلك تداعيات الحرب على وضع لبنان السياسي.
الاحتلال البريطاني والضغط الفرنسي.
الحرب العالمية الثانية.
في عام 1941، ونتيجة للظروف العالمية المتقلبة في الحرب، تدخلت بريطانيا وفرنسا الحرة (بقيادة شارل ديغول) في لبنان، في محاولة لموازنة النفوذ الفرنسي التقليدي.
هذا التدخل جعل الوضع السياسي في لبنان أكثر تعقيدًا.
المقاومة ضد الاحتلال.
في هذه الفترة، بدأ اللبنانيون بمطالبة فرنسا بالاستقلال، وظهر تأثير المقاومة الوطنية التي كانت تطالب بإنهاء الانتداب الفرنسي.
الاستقلال اللبناني.
اتفاقية 1943.
في العام 1943، بدأت المفاوضات حول الاستقلال اللبناني، حيث كان هناك توافق بين القوى السياسية اللبنانية على المطالبة بالاستقلال التام. وكان هذا الاتفاق يحدد إطار العلاقات السياسية والاقتصادية بين لبنان وفرنسا.
تم تحديد الشخصية اللبنانية المستقلة، حيث تم الاتفاق على تأسيس نظام سياسي طائفي يشمل مختلف المكونات اللبنانية.
تم انتخاب رياض الصلح رئيسًا للحكومة، وهو ما مثل نقطة تحول نحو الاستقلال الفعلي.
إعلان الاستقلال.
في 22 نوفمبر 1943، تم الإعلان رسمياً عن استقلال لبنان، وهو اليوم الذي يُحتفل به سنويًا كذكرى للحرية والسيادة اللبنانية.
هذا الاستقلال جاء نتيجة لمعارك سياسية وتضحيات وطنية قادتها شخصيات لبنانية بارزة في ذلك الوقت، مثل بشارة الخوري ورياض الصلح.
لبنان في مرحلة ما بعد الاستقلال (1943).
المرحلة الأولى من الاستقلال.
بعد الاستقلال، كانت البداية مع تأسيس الجمهورية اللبنانية بنظام الطائفية السياسية، الذي كان يضمن مشاركة جميع الطوائف في الحياة السياسية.
الطائفية السياسية كانت ثمرة توافق وطني لضمان التوازن بين المكونات اللبنانية المختلفة.
التحديات الجديدة.
كانت لبنان، بعد الاستقلال، في وضع حساس بسبب التقلبات الإقليمية والسياسية.
كان لبنانيون يقيمون علاقات مع القوى الكبرى، وفي نفس الوقت كانوا يحاولون الحفاظ على استقلالهم في إطار توازنات دقيقة.
شكلت فترة الانتداب الفرنسي مرحلة حاسمة في تاريخ لبنان الحديث، حيث كانت البداية الحقيقية لمفهوم الدولة اللبنانية الحديثة.
رغم أن هذه الفترة كانت مليئة بالتحديات والمقاومة، فقد انتهت بتأسيس لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة.
كان إعلان الاستقلال في 22 نوفمبر 1943 لحظة فارقة في تاريخ لبنان، وهو اليوم الذي يعبر عن التضحيات التي قدمها اللبنانيون من أجل بناء دولة حرة ومستقلة.
الفصل التاسع. ؟لبنان ما بعد الاستقلال والتحولات السياسية والاجتماعية (1943 - 1975).
بعد الاستقلال في عام 1943، واجه لبنان مرحلة جديدة من التحديات السياسية والاجتماعية، حيث بدأت ملامح الدولة اللبنانية الحديثة تتشكل، لكن هذا التحول لم يكن سهلًا.
بين عامي 1943 و1975، شهد لبنان تحولات كبيرة في نظامه السياسي، بالإضافة إلى التطورات الاجتماعية والاقتصادية، مع تعقيدات إقليمية وعالمية تؤثر في استقراره الداخلي.
كانت هذه الفترة مليئة بالصراعات السياسية والنزاعات الطائفية التي كانت في بعض الأحيان تخرج عن السيطرة، وتساهم في تحضير الأرضية للانفجار الكبير في حرب لبنان الأهلية في عام 1975.
بناء الدولة اللبنانية وتشكيل النظام السياسي الطائفي.
بعد استقلال لبنان، بدأ التحول نحو بناء الدولة الحديثة على أسس الديمقراطية التوافقية بين الطوائف المختلفة.
أُسِّس اتفاق الطائف غير الرسمي بين القوى السياسية، حيث تم تحديد توزيع المناصب الرئيسية في الدولة وفقًا لتوزيع الطوائف، وهو ما أصبح يُعرف لاحقًا بـ النظام الطائفي.
النظام السياسي الطائفي.
التوازن الطائفي كان يعتبر الأساس في إدارة الشؤون السياسية في لبنان، حيث تم تقسيم السلطة بين الطوائف المختلفة وفقًا لمبدأ المناصفة.
كان من المفترض أن يكون هذا التوازن أساسًا للاستقرار في لبنان، إذ كانت المناصب الكبرى مقسمة كما يلي.
رئاسة الجمهورية للمسيحيين الموارنة.
رئاسة الحكومة للمسلمين السنَّة.
رئاسة مجلس النواب للمسلمين الشيعة.
هذا النظام كان يهدف إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية، لكنه في الوقت نفسه كان يخلق تحالفات هشة قد تؤدي إلى التوترات في الحالات التي تتعارض فيها مصالح الطوائف.
التحديات السياسية في السنوات الأولى للاستقلال.
كان من أبرز القضايا التي واجهت لبنان بعد الاستقلال، هو تعزيز الديمقراطية في ظل التعددية الطائفية.
كانت هناك خلافات سياسية بين الأحزاب، من بينها الحزب الوطني وحزب الكتائب، وكل واحد منها كان يعبر عن مصالح طائفة معينة.
كما كان هناك الجدل حول العلاقة مع الدول العربية والدول الغربية، والتي كانت تؤثر بشكل كبير على السياسة اللبنانية.
كما كانت العلاقة مع الجيش الفرنسي والقوات البريطانية إحدى القضايا الهامة في السنوات التي تلت الاستقلال.
كانت فرنسا لا تزال تمارس تأثيرًا غير مباشر على السياسة اللبنانية، الأمر الذي جعل بعض الأحزاب اللبنانية تتطلع إلى التقارب مع الدول العربية.
التطورات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان.
منذ الاستقلال، شهد لبنان فترة من الازدهار الاقتصادي الذي كان مدفوعًا بالنشاط التجاري الكبير في بيروت، التي كانت مركزًا ماليًا وثقافيًا مزدهرًا في منطقة الشرق الأوسط.
كان هناك استقرار نسبي في الاقتصاد اللبناني الذي لعب دورًا محوريًا في جذب الاستثمارات الدولية، وبدأت بيروت تصبح ما يُعرف بـ "باريس الشرق".
الازدهار الاقتصادي.
في هذه الفترة، ازدهرت القطاعات المختلفة مثل التجارة والبنوك والسياحة. كان لبنان مركزًا تجاريًا هامًا على مستوى العالم العربي، حيث كانت بيروت تعد واحدة من أرقى المدن في المنطقة.
البنك المركزي اللبناني بدأ في تأسيس سياسات مالية مستقلة، مما ساعد على تعزيز الاستقرار الاقتصادي. كما تطورت البنية التحتية و التعليم بشكل كبير.
التحولات الاجتماعية.
كانت فترة ما بعد الاستقلال أيضًا مرحلة من التغيرات الاجتماعية الكبرى، حيث شهدت بيروت وأطرافها نموًا سكانيًا غير مسبوق نتيجة الهجرة من الريف والمناطق النائية.
أصبح التعليم أحد أبرز القطاعات التي تم التركيز عليها، حيث شهد لبنان في تلك الفترة تطورًا ملحوظًا في نظامه التعليمي الذي كان يتيح الفرص للعديد من الطوائف والمناطق اللبنانية.
لبنان بين السياسة الداخلية والتأثيرات الإقليمية.
خلال السنوات التي تلت الاستقلال، كان لبنان يتأثر بشكل كبير بالمتغيرات الإقليمية والعالمية. أدى ذلك إلى توترات متزايدة على الساحة اللبنانية.
تأثير الأحداث العربية على لبنان.
بعد الاستقلال، أصبحت لبنان ساحة لمختلف التحالفات العربية والدولية. في عام 1948، كان النزاع العربي-الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على لبنان، إذ استقبل لبنان العديد من اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة.
هذا الحدث كان له تداعيات كبيرة على السياسة اللبنانية الداخلية، إذ أن اللاجئين الفلسطينيين شكلوا جزءًا من المجموعات التي أثرت على التوازنات السياسية والاجتماعية في لبنان.
حرب 1956 (العدوان الثلاثي على مصر) وحرب 1967 (حرب الأيام الستة) كانت أيضًا لها تداعيات على لبنان، حيث أن الوجود الفلسطيني في لبنان أصبح يشكل قضية متزايدة التأثير، وهو ما ساهم في تفجير التوترات بين مختلف الطوائف اللبنانية.
العلاقات مع سوريا والعالم العربي.
كانت العلاقات اللبنانية-السورية محورية في هذه الفترة.
في البداية، كانت هناك علاقات إيجابية مع الجمهورية العربية المتحدة التي كانت تحت قيادة جمال عبد الناصر.
لكن مع مرور الوقت، أصبح هناك تباين في الآراء حول العلاقات اللبنانية-السورية.
سوريا كانت ترغب في تقوية نفوذها في لبنان، بينما كان اللبنانيون يسعون إلى الحفاظ على استقلاليتهم.
من جهة أخرى، كان لبنان يشهد توسعًا في العلاقات مع الغرب، خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تسعى إلى استقطاب لبنان ضمن معسكرها في الشرق الأوسط.
بداية التوترات التي أدت إلى الحرب الأهلية.
في السنوات الأخيرة قبل حرب لبنان الأهلية (1975)، بدأت التوترات في الظهور بوضوح.
كانت الخلافات بين الطوائف اللبنانية، والتدخلات الخارجية، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية، من العوامل التي أسهمت في تصاعد الاحتقان الداخلي.
كما أن وجود اللاجئين الفلسطينيين، مع التنظيمات المسلحة الفلسطينية، بدأ يُشكل تحديًا أمنيًا واجتماعيًا للبنان، ما أدى إلى تزايد التوترات بين مختلف القوى السياسية والطائفية.
تشكل الفترة الممتدة من 1943 إلى 1975 مرحلة محورية في تاريخ لبنان الحديث. على الرغم من الازدهار الذي شهدته البلاد اقتصاديًا وثقافيًا، كانت التوترات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتصاعد تدريجيًا، مما مهّد الطريق للأحداث التي أدت إلى الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975.
الفصل العاشر. الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990).
تعد الحرب الأهلية اللبنانية من أكثر المراحل دموية وتعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث، حيث دارت رحاها على مدار خمسة عشر عامًا، خلفت وراءها دمارًا هائلًا وأثرًا عميقًا في كافة جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
إندلعت الحرب في عام 1975 نتيجة لمجموعة من الأسباب المعقدة، التي تراوحت بين الصراع الطائفي، والتدخلات الإقليمية والدولية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية.
كان لهذا الصراع تأثير عميق في تشكيل لبنان المعاصر، حيث استمر تأثيره حتى بعد توقيع اتفاق الطائف في عام 1989، الذي أنهى الحرب بشكل رسمي.
الأسباب الرئيسية للحرب الأهلية.
قبل أن تندلع الحرب الأهلية، كانت هناك عدة عوامل سياسية، اجتماعية، واقتصادية تساهم في خلق بيئة مشحونة بالتوترات. وهذه الأسباب يمكن تلخيصها على النحو التالي.
الصراع الطائفي والسياسي.
النظام الطائفي الذي قام عليه لبنان بعد الاستقلال، والذي كان قد تم تثبيته بموجب اتفاق الطائف في عام 1943، بدأ يظهر نقاط ضعفه بشكل جلي.
النظام كان يعتمد بشكل أساسي على التوازن الطائفي بين المكونات المختلفة من المسيحيين والمسلمين، ومع مرور الوقت، أصبحت هذه التوازنات غير قادرة على التكيف مع التغيرات الاجتماعية والسياسية.
التوترات بين المسيحيين والمسلمين كانت تتصاعد بشكل كبير، خصوصًا مع الخلافات حول تأثير القوى السياسية الإقليمية والدولية على الداخل اللبناني.
كانت هناك خلافات بين الموارنة والسنة والشيعة حول توزيع السلطة ونفوذ الفلسطينيين في لبنان، خاصة بعد نزوح اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان في أعقاب حرب 1948.
وجود الفلسطينيين في لبنان.
كان دخول الفلسطينيين إلى لبنان في الخمسينيات والستينيات، بعد النكبة، بداية للمسألة التي أثرت على استقرار لبنان.
حيث قامت منظمة التحرير الفلسطينية (OLP) بتأسيس قواعد عسكرية في لبنان، لتكون مركزًا لعملياتها ضد إسرائيل.
هذا الوجود الفلسطيني، وتزايد تأثيره في الأحداث اللبنانية، بدأ يشكل تحديًا كبيرًا للبنان.
بالإضافة إلى ذلك، كان هناك معسكرات فلسطينية في جنوب لبنان والشمال، وهو ما خلق صراعات داخلية بين الحكومة اللبنانية والفصائل الفلسطينية المسلحة.
كما أن حزب الكتائب والعديد من القوى المسيحية في لبنان كان لديهم تحفّظات كبيرة على النفوذ الفلسطيني في البلاد.
التدخلات الإقليمية والدولية.
كانت سوريا وإسرائيل والدول العربية المختلفة تلعب أدوارًا معقدة في الوضع اللبناني.
سوريا كانت تطمح في التوسع في لبنان وترى في نفسها الوصي على النظام السياسي اللبناني، بينما كانت إسرائيل تسعى إلى توجيه ضربات قوية للفصائل الفلسطينية عبر الأراضي اللبنانية.
من جانب آخر، كانت هناك التدخلات الغربية، بما في ذلك التأثير الأمريكي والفرنسي، حيث سعى الغرب للحفاظ على استقرار لبنان الذي كان يُعتبر نقطة توازن في المنطقة، وكان يشهد تقلبات في علاقاته بين الشرق والغرب.
هذا التنافس بين القوى الإقليمية والدولية كان له دور كبير في تعميق الصراع الداخلي اللبناني.
اندلاع الحرب الأهلية.
بدأت حرب لبنان الأهلية في 13 أبريل 1975، عندما اندلعت الاشتباكات في بيروت بين الفلسطينيين والكتائب اللبنانية، وهي جماعة مسيحية كانت تعتبر الفلسطينيين تهديدًا للمجتمع المسيحي اللبناني.
تطورت هذه الاشتباكات إلى صراع شامل يضم جميع الأطراف الطائفية والسياسية في لبنان.
نشأت العديد من الميليشيات المسلحة من جميع الطوائف، بما في ذلك ميليشيات مسيحية وميليشيات إسلامية، بعضها كان يدعمه الفلسطينيون، بينما آخرون كانت تدعمهم دول إقليمية أو دولية.
تحول الصراع من حرب محلية إلى حرب إقليمية، حيث دخلت سوريا إلى لبنان في عام 1976 لدعم القوى المسيحية ضد الفلسطينيين وحلفائهم من المسلمين، بينما كانت إسرائيل تدخل في وقت لاحق للضغط على القوات الفلسطينية.
تطور الحرب. ؟قتال داخلي وحرب إقليمية.
خلال السنوات الأولى من الحرب، تجمعت جبهات القتال في مناطق بيروت الكبرى، مع الحصار على غرب بيروت الذي كان يسيطر عليه الفلسطينيون وحلفاؤهم من المسلمين، فيما كانت الشرق بيروت التي تسيطر عليها القوات المسيحية.
تطور الصراع ليشمل مناطق أخرى من لبنان، وكان هناك مواجهات عنيفة في الجنوب اللبناني بين الميليشيات الفلسطينية وقوات الجيش اللبناني، كما شهدت الجبال اللبنانية صراعًا طائفيًا دمويًا.
تدخلات إسرائيلية.
في العام 1978، شنت إسرائيل عملية الليطاني على لبنان بهدف القضاء على قواعد الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان.
في العام 1982، شنت إسرائيل حربًا واسعة تحت مسمى عملية السلام في الجليل، واحتلت بيروت الجنوبية، ثم عاصمتها بيروت بعد حصار طويل.
كان هدف إسرائيل من تدخلاتها العسكريّة في لبنان هو تصفية المقاومة الفلسطينية وتعزيز نفوذها في البلاد.
الاتفاقات والهدن.
خلال الحرب، كان هناك عدة محاولات للتهدئة أو إقرار اتفاقات لوقف إطلاق النار، لكن هذه المحاولات فشلت مرارًا بسبب الفجوات العميقة بين الأطراف المتصارعة، والتي كانت مرتبطة بالصراعات الإقليمية والدولية.
الحرب اللبنانية ومراحلها المختلفة.
بعد سنوات من القتال المدمر، بدأت الحرب تتخذ أبعادًا أخرى.
في أواخر الثمانينات، كان الصراع يشهد انتقالًا من المواجهات العسكرية إلى المعارك السياسية.
في هذه الفترة، بدأت العديد من الميليشيات المسلحة تلعب دورًا في السياسة اللبنانية، وأصبح من الواضح أن الطائفية قد أدت إلى تدمير نسيج المجتمع اللبناني، مما جعل الاستقرار أمراً صعبًا جدًا في ظل هذا الوضع.
اتفاق الطائف (1989) ونهاية الحرب.
في عام 1989، تم التوصل إلى اتفاق الطائف في السعودية، وهو الاتفاق الذي أقر إصلاحات سياسية كانت تهدف إلى إنهاء الحرب.
الاتفاق نص على نقل السلطة بشكل تدريجي إلى الطوائف الإسلامية في البلاد، مما أدى إلى تقليص نفوذ المسيحيين في مؤسسات الدولة.
انتهت الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1990، بعد مرور أكثر من 15 عامًا من القتال.
أسفر النزاع عن مئات الآلاف من القتلى والمصابين، بالإضافة إلى ملايين المهجرين داخل لبنان وخارجه.
آثار الحرب على لبنان.
الحرب الأهلية اللبنانية تركت آثارًا عميقة على الشعب اللبناني، فبجانب الدمار المادي الذي لحق بالعديد من المدن اللبنانية، كانت هناك خسائر بشرية ضخمة، وأدت الحرب إلى تغييرات في التركيبة السكانية للبنان بسبب الهجرة والنزوح الداخلي.
النظام السياسي اللبناني بعد الحرب لم يعد كما كان قبلها، فقد أُقر اتفاق الطائف الذي أعاد ترتيب القوى في الداخل اللبناني، إلا أنه ظل هشًا وغير قادر على ضمان الاستقرار التام.
إن الحرب الأهلية اللبنانية هي إحدى أزمات لبنان الكبرى التي غيرت مجرى تاريخ البلاد، وجعلت التحديات التي يواجهها اللبنانيون أكثر تعقيدًا.
هذه الحرب كانت نقطة تحول، ليس فقط في مسار لبنان السياسي، بل أيضًا في تركيبته الاجتماعية والاقتصادية.
على الرغم من أنها انتهت مع اتفاق الطائف، فإن تداعياتها استمرت لعقود، ولا يزال لبنان يعاني من آثارها في العديد من المجالات حتى اليوم.
نشأة الحضارة وتطورها: مسارها التاريخي منذ البدايات حتى القرن الحادي والعشرين
الفصل الأول: المفهوم العام للحضارة
الحضارة هي التجسيد المادي والروحي لتطور المجتمعات البشرية عبر الزمن، وهي نتاج تفاعل الإنسان مع بيئته، واستجابته لتحدياتها، وسعيه الدائم لتحسين ظروف حياته. لا تقتصر الحضارة على الإنجازات المادية من عمران وتقنيات، بل تشمل أيضاً النظم السياسية والاجتماعية، والفكر الفلسفي والديني، والفنون والآداب. يرتبط مفهوم الحضارة بمصطلح الثقافة، إلا أن الحضارة تعبر عن المستوى الأرقى من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بينما تعكس الثقافة الجوانب الفكرية والقيمية للمجتمع. وقد قدم المفكرون عدة نظريات حول نشأة الحضارات، فمنهم من ربطها بالبيئة الجغرافية كعامل حاسم، ومنهم من رأى أن الأفكار الدينية والتطورات الفكرية كان لها الدور الأبرز في تشكلها.
الفصل الثاني: البدايات الأولى للحضارة
في العصور الموغلة في القدم، عاش الإنسان في جماعات متنقلة تعتمد على الصيد وجمع الثمار، متكيفة مع المتغيرات البيئية. ولم يكن الإنسان الأول يعرف الاستقرار إلا في حدود حاجته إلى الموارد الطبيعية المتاحة. شكلت الثورة الزراعية نقطة التحول الكبرى التي أرست دعائم الحضارة، إذ أدت إلى نشوء القرى الأولى وتطور أنماط الإنتاج الغذائي، مما سمح بازدياد أعداد السكان وظهور الحاجة إلى التنظيم الاجتماعي. برزت مستوطنات مثل چوبيكلي تبه وأريحا وكاتالهيوك كمراكز أولى لنشاط الإنسان المستقر، حيث بدأ في تشييد الأبنية وتطوير الأدوات وتحسين أساليب الإنتاج. ومع مرور الزمن، أدى هذا الاستقرار إلى ظهور التقسيم الطبقي داخل المجتمع، ونشأت الحاجة إلى إدارة الموارد بشكل أكثر تنظيماً، مما مهد الطريق لظهور المدن والدول الأولى.
الفصل الثالث: الحضارات القديمة الكبرى
مع استقرار الإنسان وتراكم الخبرات، ظهرت الحضارات الأولى في مناطق الأنهار الكبرى، حيث ساعدت المياه الوفيرة على ازدهار الزراعة والتجارة. نشأت في بلاد الرافدين حضارات السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، الذين أرسوا نظم الحكم والقوانين، وأبدعوا في مجالات الكتابة والعمارة والإدارة. في مصر القديمة، قامت حضارة عريقة ارتكزت على وادي النيل، حيث أنشأ الفراعنة أهراماتهم العظيمة ونظموا حياتهم حول عبادة الآلهة والحكم المركزي القوي. أما في وادي السند، فقد تطورت حضارة تمتعت بتخطيط عمراني متقدم، فيما شهدت الصين نشأة دول وإمبراطوريات استندت إلى فلسفات فكرية عميقة مثل الكونفوشيوسية والطاوية. وإلى جانب هذه الحضارات، لعب الفينيقيون دوراً بارزاً في نشر الثقافة والتجارة عبر البحر المتوسط، حيث ابتكروا الأبجدية التي كانت أساساً لنظم الكتابة اللاحقة.
الفصل الرابع: الحضارات الكلاسيكية وتأثيرها العالمي
في العصر الكلاسيكي، بلغت بعض الحضارات مستوى من النضج جعلها تؤثر في مسار التاريخ البشري لقرون طويلة. قدمت الحضارة الإغريقية نموذجاً فريداً في الفكر الفلسفي والسياسي، حيث نشأت الديمقراطية في أثينا، وبرز الفلاسفة العظام مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو، كما شهدت الفنون والعلوم ازدهاراً غير مسبوق. أما الإمبراطورية الرومانية، فقد ورثت التراث الإغريقي وأضافت إليه نظاماً قانونياً وإدارياً قوياً مكّنها من حكم مساحات شاسعة عبر القارات. في الشرق، استمرت الحضارتان الفارسية والهندية في تطوير نظمهما الاجتماعية والدينية، فيما شهدت الصين بروز إمبراطوريات متعاقبة أرست دعائم الحكم المركزي وساهمت في تطوير الفلسفة والسياسة والاقتصاد.
الفصل الخامس: الحضارات الإسلامية والنهضة الأوروبية
مع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، انطلقت حضارة جديدة سرعان ما امتدت من الأندلس غرباً إلى الهند شرقاً، حاملة معها تراثاً علمياً وثقافياً أثر في الحضارات الأخرى. برزت مراكز علمية كبرى في بغداد وقرطبة والقاهرة، حيث تم الحفاظ على العلوم القديمة وتطويرها في مجالات الطب والفلك والرياضيات والفلسفة. أسهم العلماء المسلمون مثل ابن سينا والخوارزمي والفارابي في تقدم المعرفة البشرية، وساعدت الترجمة والتلاقح الثقافي في نقل هذا التراث إلى أوروبا. ومع دخول العصور الوسطى، تأثرت أوروبا بالحضارة الإسلامية، خاصة في إسبانيا وصقلية، مما ساعد على تمهيد الطريق لعصر النهضة، الذي شهد إعادة اكتشاف التراث الكلاسيكي وتطور الفنون والعلوم والثقافة الإنسانية.
الفصل السادس: الحداثة والثورات الكبرى
شهدت أوروبا في القرن السابع عشر والثامن عشر تحولات فكرية وسياسية كبرى، حيث سادت روح التنوير والتشكيك في السلطات التقليدية، مما أدى إلى ظهور فلسفات جديدة تمجد العقل والعلم والحرية. جاءت الثورة العلمية بإنجازات غيرت فهم الإنسان للطبيعة، بينما أحدثت الثورة الصناعية تحولاً جذرياً في أنماط الإنتاج والاقتصاد والمجتمع. تزامن ذلك مع الثورات السياسية الكبرى، مثل الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية، التي أدت إلى ترسيخ مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، مما غير مجرى التاريخ الحديث.
الفصل السابع: الاستعمار والتغيرات العالمية
في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فرضت الدول الأوروبية سيطرتها على معظم أنحاء العالم من خلال الاستعمار، الذي أدى إلى تغييرات جذرية في البنية الاجتماعية والاقتصادية لمناطق واسعة من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ومع اندلاع الحربين العالميتين، انهارت القوى الاستعمارية التقليدية، وبرزت قوى جديدة على الساحة الدولية. شهد النصف الثاني من القرن العشرين حركات التحرر الوطني، التي استعادت الشعوب من خلالها استقلالها، في حين شكلت الحرب الباردة صراعاً أيديولوجياً بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، مما أسهم في رسم ملامح النظام العالمي الجديد.
الفصل الثامن: العولمة والثورة التكنولوجية
مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، دخل العالم مرحلة جديدة من التغيرات العميقة بفعل العولمة والثورة الرقمية. تسارعت وتيرة الاتصال بين الشعوب، وبرزت شبكة الإنترنت كأداة غيرت كافة جوانب الحياة البشرية. أدت العولمة إلى تقارب الثقافات، لكنها في الوقت نفسه طرحت تحديات تتعلق بالهوية الوطنية والتنوع الثقافي. كما أدى التطور السريع في التكنولوجيا إلى ظهور اقتصاد رقمي جديد، غير شكل العمل والإنتاج والاستهلاك.
الفصل التاسع: الحضارة في القرن الحادي والعشرين
يشهد القرن الحالي تغيرات سريعة تؤثر على مستقبل الحضارة الإنسانية، حيث صعدت قوى جديدة مثل الصين والهند إلى الواجهة، فيما تتزايد التحديات البيئية التي تهدد استقرار العالم. تلعب التكنولوجيا دوراً محورياً في تشكيل المستقبل، حيث أصبحت تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية عوامل حاسمة في الحياة اليومية.
الفصل العاشر: استشراف مستقبل الحضارة
يواجه العالم اليوم سيناريوهات متعددة لمستقبل الحضارة، بين التقدم العلمي والتهديدات البيئية والسياسية. يتطلب تحقيق مستقبل مستدام تحقيق توازن بين التطور التكنولوجي والمحافظة على القيم الإنسانية، مما يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الحضارة التي ستسود في العقود المقبلة.
أيلول 1979
الحكم اللبناني يراهن على التفاهم مع الفلسطينيين لدخول الجيش إلى صور والنبطية قبل القمة العربية
شهد شهر أيلول 1979 مؤشرات توحي بذوبان الجليد الذي كان يجمّد العلاقات الرسمية بين الدولة اللبنانية وممثلي منظمة التحرير الفلسطينية، لا سيّما بعد اللقاء الأخير بين الرئيس إلياس سركيس ورئيس المنظمة ياسر عرفات، والذي طُبع بأجواء إيجابية نسبياً، خلافاً لما اعتدناه من توتر واحتقان متبادل. هذا التطور، وإن لم يعلن عنه رسمياً، يشكّل نقطة تحوّل في مقاربة الحكم اللبناني للأزمة الداخلية، ويكشف عن توجّه جديد يراهن على تفاهم الحد الأدنى مع الجانب الفلسطيني، لتأمين انتشار وحدات الجيش اللبناني في بعض مناطق الجنوب، وتحديداً في صور والنبطية، قبل انعقاد القمة العربية المرتقبة.
لقد أدرك الحكم أن استمرار الانقسام، وتكريس المحاور المتضادة في الداخل، لن يقود سوى إلى مزيد من الانهيارات. من هنا، تحرك الرئيس سركيس على أكثر من خط، داخلي وخارجي، ووجد في انفتاح المنظمة الفلسطينية مدخلاً إلى ترتيب مؤقت، ولو هش، يتيح للجيش أن يخطو خطواته الأولى نحو استعادة السيادة على مناطق محرومة من وجوده منذ سنوات.
وتفيد معلومات دقيقة أن وحدتين عسكريتين رفيعتي المستوى أجرتا مسحاً ميدانياً للواقع في الجنوب، ودرستا التأثيرات المحتملة لأي تحرك عسكري منظم، سواء من حيث التعاون مع الفصائل الفلسطينية، أو من حيث إمكانية تحييد الفصائل الموالية لسوريا وإيران عن التعطيل. ولا يخفي المعنيون أن ثمة عوامل إقليمية ساعدت في تحريك المياه الراكدة، منها ازدياد الضغط العربي على الفلسطينيين لضبط جبهتهم اللبنانية، والمناخ الدولي الضاغط باتجاه حماية المدنيين في الجنوب.
وفي المقابل، يبرز عامل القمة العربية المقبلة كعنصر حاسم في التوقيت، إذ يسعى الحكم إلى تقديم نموذج أولي عن قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بمفاصل أمنية جنوبية، في رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج.
من هنا، يمكن القول إن الرهان على التفاهم مع الفلسطينيين لم يعد تفصيلاً، بل أصبح مساراً قيد الاختبار، سيحدّد فشله أو نجاحه شكل المرحلة المقبلة: هل يتقدّم الجيش ويُستأنف العمل بمؤسسات الدولة تدريجياً؟ أم تُسقط الحسابات الميدانية كل التفاهمات الورقية، فنعود إلى الوراء مجدداً؟
تشرين الأول 1979
بيروت تحت وهج الدبلوماسية: لبنان بين رسائل القليبي ووساطات حبيب
في تشرين الأول 1979، يشهد لبنان جملة تطورات ذات طابع دبلوماسي مكثّف، تتزامن مع استمرار الأزمات السياسية والأمنية التي تهز البلاد منذ سنوات. في خضمّ هذا السياق، أتت زيارتا كلّ من الشاذلي القليبي، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، والمبعوث الأميركي فيليب حبيب، كمؤشر على تزايد الاهتمام الإقليمي والدولي بالملف اللبناني.
لقد عكست هذه الزيارات طبيعة التوازنات المتشابكة التي تحكم الملف اللبناني، وسط رهانات السلطة اللبنانية على إمكانية تحقيق توافق مرحلي يوقف النزيف الأمني ويعيد ترتيب أوراق الداخل المتصدعة. فالقليبي جاء حاملاً رسالة عربية تُملي على لبنان توضيح الموقف من مشاركة الفلسطينيين في الجنوب وترتيب العلاقة مع الجيش، تمهيداً للقمة العربية المقبلة. أما حبيب، فكان يتحرك وفق أجندة أميركية أكثر براغماتية، تهدف إلى الحد من التصعيد وتثبيت التهدئة، ولو جزئياً، خصوصاً في ما يتصل بجبهة الجنوب والوجود الفلسطيني المسلّح.
الرئيس الياس سركيس، الذي استقبل كلا الموفدين، بدا أنه يستثمر هذا المناخ للتحضير لمعادلة سياسية جديدة تقوم على محورين: إعادة إحياء مؤسسات الدولة المنهكة من خلال حكومة ذات طابع وفاقي، وتحقيق تفاهم تدريجي بين الجيش اللبناني والقوى الفلسطينية، يمهّد لعودة الدولة إلى بعض المناطق، ولا سيما في الجنوب.
اللافت في هذه المرحلة، هو ما يُمكن تسميته بعودة "الدبلوماسية على الأرض"، حيث تكثّفت الاتصالات، ليس فقط في القصر الجمهوري، بل أيضاً في وزارة الخارجية وقيادة الجيش وداخل المقار الحزبية والمخيمات الفلسطينية. وبالرغم من تباين الأجندات بين القليبي وحبيب، فإن الرسالة المضمرة كانت واحدة: على لبنان أن يسرّع خطواته قبل القمة العربية، وأن يقدم تصوراً قابلاً للتنفيذ بشأن الجنوب والوجود الفلسطيني والجيش.
هنا، يبقى التحدي الحقيقي في قدرة الحكم اللبناني، الذي يخوض صراعاته من موقع هش، على التقاط هذه اللحظة الدبلوماسية، وتحويلها إلى فرصة إنقاذ فعلية. فالرئيس سركيس يدرك أن من دون تفاهم داخلي وتوافق إقليمي، لا مجال لترميم الدولة، ولا لاستعادة السيادة.
لكن الطريق ليست مفروشة بالورود. لا يزال التداخل الفلسطيني – اللبناني – السوري – الإسرائيلي يرسم خطوطاً حمراء يصعب كسرها. ومع ذلك، فإن مجرد موافقة الأطراف على النقاش، يعني أن هناك مجالاً للحركة، ولو بحدود ضيقة.
وإذ يسود الحديث عن إعداد صيغة تفاهم أولي بين الدولة والمنظمات الفلسطينية لتسهيل دخول الجيش إلى صور والنبطية تدريجياً، يبقى أن نراقب ما إذا كانت زيارة القليبي وحبيب ستثمر شيئاً ملموساً، أو تبقى حبراً على ورق في أرشيف الأزمات اللبنانية.
تشرين الثاني 1979
"المتحف الوطني. ذاكرة لبنان في مرمى النسيان والنيران"
في خضمّ الحرب اللبنانية التي تشارف على دخول عامها الخامس، يقف المتحف الوطني في بيروت كأيقونة حزينة تنوء تحت ثقل القذائف واللامبالاة. المتحف الذي كان يحتضن ذاكرة شعب وحضارة تمتدّ إلى آلاف السنين، تحوّل إلى خط تماس يفصل بين شرقي العاصمة وغربها، بين الميليشيات والجيش، بين الانتماءات المتضادة، والأهم بين الدولة وفقدانها.
هذا المبنى، الذي كان يجب أن يكون ملاذًا للمعرفة والانتماء الوطني، أُقحم في الصراع وتحول إلى قلعة مهجورة، محاطة بالمتاريس، تتنازعها البنادق وتنهشها رياح الانقسام. من قاعات تحكي حضارات الفنيقيين والرومان والعثمانيين، إلى جدران مثقوبة بقذائف الهاون، يختصر المتحف مصير لبنان بين مجده التاريخي وواقعه المتفجر.
إن سقوط المتحف كرمز ليس مجرّد فقدان مكان أثري أو سياحي، بل هو انهيار قيمي ونفسي عند اللبنانيين كافة. فحين تُغتال الذاكرة، تنهار معها جسور التلاقي والتراكم الثقافي، ويغدو التوحش أقرب من التحضر.
من هنا، يطرح هذا السياسي المسيحي دعوة ملحّة إلى:
تحييد المتحف وشارعه عن القتال واعتباره منطقة منزوعة السلاح بإجماع القوى المتصارعة، وبإشراف من الدولة أو منظمات ثقافية دولية.
دعوة اليونسكو والمؤسسات الثقافية العالمية لإطلاق مشروع حماية الطراز المعماري للمتحف ومحتوياته، خصوصًا مع تصاعد التهديد بالنهب أو التلف.
إنشاء لجنة وطنية تضم ممثلين عن الأطراف المتنازعة تحت رعاية رئاسة الجمهورية، تتولى التنسيق لإخلاء محيط المتحف عسكريًا.
اعتبار هذا الملف أولوية في أي مشروع مصالحة وطنية، لأن إعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة الاعتبار لذاكرتها.
إن المتحف ليس حجرًا، بل مركز روحي وحضاري جامع، وفقدانه بالكامل سيكون بمثابة خسارة للبنان كفكرة. فما لم يتحرك الضمير الوطني لحمايته، فإننا نكون قد فرّطنا لا في مبنى، بل في جوهر وطن.
كانون الأول 1979
بين تصلب الداخل ومبادرات الخارج: الدور العربي إلى أين؟
في كانون الأول من العام 1979، يعود ممثل الجامعة العربية إلى بيروت، لا بصفته الزائر البروتوكولي، بل كجزء من المحاولة المتواصلة، الشائكة، لإعادة فتح ثغرة في جدار الأزمة اللبنانية المستحكمة. فبعد شهور من جمود الاتصالات، ينعقد اجتماع تمهيدي للجنة العربية الثلاثية، بحضور ممثلي الجزائر والكويت والجامعة، في مؤشر على أن المحور العربي لم يسحب يده من الملف اللبناني، بل يسعى مجددًا لرسم ملامح تسوية ممكنة، ولو من فوق رماد الانقسام.
في الداخل، لا يزال التصلب سيّد الموقف. القوى اللبنانية على اختلاف مواقعها لا تبدي مرونة حقيقية، والجميع يراقب، لكن من خلف متاريس الشكوك والخوف من التفريط بمكتسبات آنية. الرئاسة اللبنانية، التي يقودها الرئيس الياس سركيس، ترحب بالدور العربي، لكنها تجد نفسها في موقع المتلقي لا الفاعل، إذ بقيت كرة الحلحلة خارج ملعب الدولة الشرعية، ومرهونة بمواقف الأطراف التي تمسك فعليًا بقرار الحرب والسلم، خصوصًا في الجنوب، حيث الدولة لا تبسط نفوذها، والجيش لا يدخل دون تفاهمات صعبة.
الأطراف الفلسطينية من جهتها تتابع بحذر، لا سيما مع التلميحات إلى وجوب انسحابها من بعض المناطق، كجزء من "تهدئة أمنية" تسبق أي انفتاح عربي – لبناني مشترك. أما القوى اللبنانية المتخاصمة، المسيحية منها خصوصًا، فتخشى أن تفضي هذه المبادرات إلى تفاهمات على حساب خصوصيتها أو وجودها.
من هنا، فإن الجولة العربية الجديدة التي يُحكى أن الشاذلي القليبي يستعد للقيام بها، سواء في إطار الجامعة أو باسم اللجنة، تبدو أقرب إلى محاولة كسر الحلقات المقفلة، لكن من دون ضمانات نجاح. فالقضية اللبنانية لم تعد داخلية بحتة، ولا عربية خالصة، بل أصبحت تقاطعًا لمصالح متعددة، إقليمية ودولية.
ما يحتاجه لبنان في نهاية هذه السنة المضطربة، هو أولاً إعادة الاعتبار للدولة، وللمؤسسات، وإخراج الجنوب من كونه ملفًا بيد أطراف غير لبنانية، وثانيًا، دعم عربي حقيقي لا يقتصر على الوساطة بل يشمل المساعدة على بسط سيادة لبنان. أما من دون ذلك، فإن المبادرات العربية، على أهميتها الرمزية، ستبقى تدور في دوائر مفرغة، والتصلب سيبقى سمة اللحظة السياسية في الداخل، حتى إشعار آخر.
حوار صحافي مع إدوار حنين
المحاور الصحافي: أستاذ إدوار، ما تعليقكم على واقع المتحف الوطني في ظل الحرب؟
إدوار حنين: المتحف يا عزيزي لم يعد مبنًى من حجارة، بل أصبح جرحًا مفتوحًا في الوجدان اللبناني. هو أشبه بصورة جماعية ممزقة عجزنا عن حفظها، فهل من أمة تنجو من دون ذاكرة؟
المحاور: لكن البعض يرى أن حماية الناس أولى من حماية الحجارة، ما ردّكم؟
حنين: هذا منطق كارثي. الشعوب التي تنسى حضارتها تمحو هويتها وتُقتل مرتين: مرة بالرصاص ومرة بالنسيان. حماية المتحف ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية، لأنها تذكّرنا بأننا شعب عريق لا ميليشيا عابرة.
المحاور: هل من أمل بإعادة الحياة إلى المتحف؟
حنين: إذا قرّرنا أن لبنان وطن لا ساحة، نعم. إذا تحرّكت الدولة، وإذا وضعنا اليد بيد، فالمتحف يمكن أن يُرمم، وتُعاد إليه الحياة. لكننا بحاجة إلى وقفة ضمير، قبل أي وقفة سياسية أو عسكرية.
ليكن المتحف الوطني خط انطلاق نحو وقف النار الثقافي، بعد أن فشلت البنادق في تحقيق أي سلام.
موقف البابا يوحنا بولس الثاني من لبنان واستقباله الشاذلي القليبي (كانون الثاني 1980)
في خضمّ المحنة اللبنانية المستعصية، حيث الدماء تكتب حروف الوطن الممزق، ويجاهد اللبناني في سبيل البقاء على أرضه، حمل استقبال قداسة البابا يوحنا بولس الثاني للأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي بُعدًا أبعد من مجرد لقاء بروتوكولي أو تحية دبلوماسية. لقد كان هذا اللقاء مناسبةً نادرة، ناطقة بالبعد الأخلاقي والإيماني والروحي الذي ما زال الفاتيكان يولي به لبنان، البلد الذي ما فتئ يُنعت من قبل الكرسي الرسولي بأنه "أكثر من وطن: إنه رسالة".
في مطلع العام 1980، أطلّ البابا بكلام واضح لا يحتمل تأويلاً ولا غموضاً، فأكد أمام ضيفه العربي أن وحدة الأرض والشعب في لبنان تشكّل قاعدة لا يمكن المساس بها، وشرطاً لا بديل عنه لأي حلّ ممكن أو مخرج مرتجى من النفق القاتم الذي انزلق إليه هذا البلد الصغير. هذا التشديد البابوي لم يكن مجاملة، بل إعلان موقف مبدئي وعقائدي، يعبّر عن فكر روحي متجذّر في الإيمان بحرمة الإنسان، وقداسة تراب الوطن، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
إن ما شدّد عليه الحبر الأعظم لم يكن فقط مجرّد مناشدة للحفاظ على وحدة لبنان، بل نداء ضمني إلى الأطراف المتنازعة داخلياً، وإلى الدول المتدخّلة خارجياً، بأن الكيل قد طفح، وأن النسيج اللبناني لا يُدار بمنطق التقاسم ولا بالمناطق العازلة، بل بالشراكة الوطنية، والتعددية المتناغمة، وبإعادة بناء الدولة على أساس الميثاق والعيش المشترك.
لقد قرأ الفاتيكان جيداً خطورة التحولات التي تهدد لبنان، فرأى أن المشروع الكبير بتفكيك الكيان السياسي أو إحداث فرز ديموغرافي على أساس مذهبي أو طائفي، هو مقدمة لنكبة لا تنحصر في لبنان، بل تمتد إلى محيطه العربي وعمقه المسيحي والإسلامي على حدّ سواء. ولذلك، فإن الرسالة التي أوصلها البابا من خلال لقائه بالقليبي، هي في جوهرها دفاع عن لبنان الواحد، المتعدد، المتوازن، والديمقراطي.
من هنا، علينا نحن، كسياسيين مسيحيين، أن نقرأ هذا الموقف التاريخي بتمعّن، لا كمجرد تأييد من الفاتيكان لمظلومية المسيحيين، بل كنداء صريح إلى كل اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، بأن لا مفر من اللقاء على نقطة مركزية: لبنان لا يُحكم إلا بشعبه كاملاً، ولا يُبنى إلا بوحدته الكاملة، ولا يستقر إلا إذا صان كل مكون فيه الأرض والكرامة والسيادة.
وإذا كانت بعض القوى الداخلية أو الخارجية ما تزال تراهن على مشاريع تقسيمية أو تجريبية تحت شعارات الفيدرالية أو الكانتونات، فإن كلام البابا جاء ليعيد تصويب البوصلة، مؤكداً أن أي سلام لا يستند إلى وحدة الأرض والشعب، سيكون مجرد هدنة هشّة، وسيفتح الباب أمام المزيد من النزاعات والحروب.
إن المسؤولية تقع اليوم على عاتقنا كسياسيين، أن نرفع الصوت ونترجم مضمون هذا النداء البابوي إلى مشروع وطني، يعيد الثقة بين اللبنانيين، ويكرّس وحدة الوطن لا كشعار، بل كعقيدة. وعلينا أن نخاطب إخوتنا العرب، كما فعل البابا، بوضوح: ساعدوا لبنان على النهوض لا على التنازل، على التوحّد لا على التشرذم، وعلى بناء دولة لا مربّع صراعات.
إن قداسة البابا، باستقباله القليبي وتأكيده على وحدة لبنان، لم يكن يوجه رسالة إلى رجل واحد، بل إلى جامعةٍ عربيةٍ بأسرها، وإلى كل دولةٍ ذات علاقة بالملف اللبناني، بأن كفى. لبنان لا يُستنزف أكثر. لبنان يجب أن يبقى.
ما قاله البابا هو من صميم إيماننا، وواجبنا كمسيحيين مشرقيين أن نعيد التذكير به، لا من باب الدفاع عن النفس، بل من باب الدفاع عن الميثاق والكيان. فلبنان، وطن الرسالة، لا يُجزّأ، ولا يُقسم، ولا يُختصر بطائفة أو منطقة، بل هو نسيج سماوي من أرض وشعب، قال عنه البابا إنه أمانة في أعناق العالم.
في وداع الوزير بهيج تقي الدين… رجل الدولة والاتزان والولاء للوطن
شباط 1980
في قلب شباط البارد، سُجِّل غيابٌ من النوع الذي لا يُعوَّض. غاب عن لبنان الوزير والنائب والسياسي بهيج تقي الدين، ففقدت الحياة العامة فيه واحدًا من أبنائها النبلاء، الذين عرفوا كيف يزاوجون بين الصرامة والاعتدال، وبين المبدأ والحكمة، وبين الإخلاص للدولة والانفتاح على الآخر.
لم يكن وداع بهيج تقي الدين مجرّد لحظة تأبين لشخصية مرّت في الحياة السياسية اللبنانية، بل كان مناسبة لاستحضار نموذج من الرجال الذين يصعب أن يتكرّروا في حاضر السياسة اللبنانية المرهقة والمفككة. فهو ممن مارسوا العمل العام بكرامة، وتولّوا المناصب الوزارية والتشريعية بشرف، من دون ضجيج ولا ادعاء.
تدرّج بهيج تقي الدين في المسؤوليات، لكنه لم يتسلّقها على أكتاف الناس أو بلهيب المواقف الشعبوية. بل اختار دائمًا أن يكون في قلب المؤسسات، لا على هامشها، وأن ينتمي إلى دولة القانون، لا إلى منطق الميليشيات والفوضى. وبوصفه وزيرًا للداخلية في حقبة شديدة الحساسية من تاريخ لبنان، عرف كيف يوازن بين حماية النظام العام واحترام الحريات، وبين تطبيق القانون وتفهّم نبض الشارع، في مرحلة كانت الدولة فيها تخوض صراع بقاء حقيقي.
ولأننا نعيش منذ سنوات حالة انهيار تدريجي للدولة، نشعر اليوم بقيمة أمثال بهيج تقي الدين. لقد كان رجل حكم لا رجل سلطة، وصاحب موقف لا حامل أجندات. في زمن التصعيد والانقسام، سلك درب العقلانية والاعتدال. وفي زمن التطرّف، بقي وفيًا لخط الاعتدال العربي واللبناني، مؤمنًا بأن وحدة الكيان اللبناني مقدّسة، وأن الكرامة الوطنية لا تتجزأ.
لم يكن بهيج تقي الدين محسوبًا على فئة ضيقة، بل هو ابن المدرسة الوطنية العريضة، التي ترى في لبنان دولة لجميع أبنائه، وفي الدولة الضامنة الوحيدة لوحدة المجتمع. بقي وفيًا لهذه الفكرة حتى الرمق الأخير، لم يتلوّن، ولم يساوم، ولم يبحث عن دور على حساب الدولة أو عن نفوذ على حساب المؤسسات.
تشييعه في شباط 1980 كان وقفة وجدانية للذين ما زالوا يؤمنون أن السياسة يمكن أن تكون مهنة شريفة، وأن رجل الدولة الحقيقي هو من يزرع أثرًا في الإدارة، وفي التشريع، وفي الضمير العام. وقف أصدقاؤه وخصومه في مأتمه، جميعهم شهدوا بأن هذا الرجل اختلف معهم بأسلوب راقٍ، لا بلغة كسر العظم. عارض، لكنه لم يكره. انتقد، لكنه لم يُهِن. دافع عن قناعاته، لكنه لم يحرّض.
في رحيل بهيج تقي الدين فقدانًا لأحد الجسور القليلة التي كانت ما تزال تربط بين المكونات اللبنانية. فقد كان من رجالات الوفاق، والساعين إلى الصيغة الوطنية المشتركة، حتى في عزّ التصادم بين المشاريع. لم ينكفئ إلى طائفته، ولم ينجرّ إلى ردود الفعل، بل بقي حتى النهاية رجل بناء لا تهديم.
وإذا كان الوطن في حالة جفاف قيَمي وأخلاقي اليوم، فإن استذكار أمثال بهيج تقي الدين يعيد إلى الحياة السياسية شيئًا من احترامها لنفسها. هذا هو واجبنا أمام الأجيال الجديدة: أن نُعرّفها على وجوه ناصعة خدمت الوطن، ورفضت أن تتلطّخ بوحول الطموحات الضيقة أو الخطابات العنترية.
رحل الوزير بهيج تقي الدين بصمت، كما عاش. لكن صمته الآن أعلى من ضجيج كثيرين. هو الغائب الحاضر في ضمير الدولة، وفي ذاكرة الرجال الذين عرفوا كيف يخدمون الوطن دون أن يتملكوه. فليكن غيابه دعوة إلى أن نستعيد صورة رجل الدولة، قبل أن تضيع نهائيًا في زحمة المزايدات.
شباط 1980
عن مؤشرات التواصل بين بعبدا ودمشق وتمهيد الرئيس الحص لقمة لبنانية – سورية
في شباط 1980، وفي خضم الاشتباك السياسي المفتوح على أكثر من جبهة داخلية وإقليمية، لم تكن الأنظار مشدودة فقط إلى ما يدور في شوارع بيروت ومناطق النزاع، بل إلى ما بدأ يتسرّب من أروقة السياسة الإقليمية عن وجود حوار غير مباشر بدأ يتبلور بين رئاسة الجمهورية اللبنانية ممثلة بالرئيس الياس سركيس، والرئاسة السورية بقيادة الرئيس حافظ الأسد.
مصدر الأهمية في هذه المؤشرات لا يعود فقط إلى مسألة التوقيت، بل إلى الظرف السياسي الضاغط، والحاجة الملحّة لترتيب العلاقة بين بيروت ودمشق على قاعدة جديدة من التفاهم، بعد سلسلة من التوترات والانقطاعات التي جعلت التنسيق بين البلدين شبه معطّل، رغم أن سوريا ما زالت تُمسك بمفاتيح رئيسية على الأرض اللبنانية.
لقد تم التداول برسالة شفوية حملها موفد خاص باسم الرئيس سركيس إلى القيادة السورية، ونُقل أن الردّ جاء عبر قنوات غير مباشرة إيجابياً، فاتحاً الباب أمام احتمال عقد قمة لبنانية – سورية في وقت قريب. وإذا صحّت هذه المعطيات، فإن زيارة الرئيس سليم الحص إلى دمشق يمكن أن تُقرأ كخطوة تمهيدية سياسية ودبلوماسية ضرورية قبل حصول اللقاء الرئاسي المباشر بين الأسد وسركيس.
إن هذا الانفتاح، ولو غير المعلن رسمياً، يشي بأن هناك قناعة متنامية بأن لا استقرار في لبنان دون تسوية مع دمشق، وأن الكفة السورية ما زالت تمسك بمفاصل اللعبة اللبنانية، رغم تبدل التحالفات وتعدد المبادرات العربية والدولية.
من هنا، فإن المطلوب ليس فقط قمة بين رئيسين، بل قمة ذات مضمون، تؤسس لتفاهم حقيقي على أسس السيادة اللبنانية، ووحدة الأرض والمؤسسات، وتحقيق توازن في علاقة لبنان مع كل محيطه العربي، وليس فقط مع دمشق.
إن رئاسة الجمهورية اللبنانية تدرك أن الحسم السياسي لا يمكن أن يتم بمعزل عن سوريا، لكن في الوقت نفسه، فإن الخشية قائمة من أن يتحول الحوار غير المباشر إلى مجرد تكرار لمسارات سابقة لم تنتج سوى تثبيت الأمر الواقع بدل تغييره.
لذا، فإن المهمة تقع على عاتق كل القوى الوطنية اللبنانية، للمطالبة بأن تكون أي قمة مقبلة جزءاً من رؤية وطنية جامعة، وليس مجرد تحصيل حاصل لعلاقات فرضتها التوازنات الإقليمية.
إننا نعتبر أن زيارة الرئيس الحص إلى دمشق ليست تفصيلاً تقنياً، بل مؤشراً على محاولة حقيقية لإعادة بناء الثقة، ومن المهم أن تترافق مع تشاور داخلي حقيقي، لا أن تتحول إلى ملف جديد يُدار في الغرف المغلقة.
على طريق القمة. رسائل وإشارات من بعبدا ودمشق
شهد شباط 1980 مؤشرات دقيقة تدل على انتقال لبنان إلى مرحلة سياسية جديدة، تتداخل فيها ملفات الأمن الوطني بمفاتيح التسوية الإقليمية. وفي هذا السياق، برزت المرحلة الثالثة من عملية تبادل المخطوفين بين الأطراف اللبنانية، بوصفها جزءًا من مناخ تفاوضي غير مباشر، تزامن مع حركة ديبلوماسية هادئة على خط بعبدا–دمشق.
لم تكن هذه المرحلة من التبادل مجرد إجراء إنساني بحت، بل اندرجت ضمن دينامية أشمل تتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع إرهاصات التفاهمات السياسية. إذ بدا واضحًا أن نجاح هذه الجولة من التبادل، التي جاءت بعد مراحل متقطعة وسابقة، ما كان ليتحقق لولا وجود مظلة سياسية تعمل على ضبط الإيقاع الداخلي وفتح قنوات خلفية بين القيادات.
أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول، كان اللقاء الذي جرى في زغرتا بين السفير البابوي في لبنان والرئيس الأسبق سليمان فرنجية. وهو لقاء حمل دلالات تتعدى طابع المجاملة البروتوكولية، إذ شكّل منبرًا لعرض هواجس الشارع المسيحي، وموقع الشمال ضمن الصيغة اللبنانية المتصدعة، كما عبّر عن رغبة الفاتيكان في مواكبة الحراك اللبناني المتسارع، بما يحفظ وحدة الأرض والشعب.
في موازاة ذلك، سُجّل تطور نوعي في العلاقة بين بعبدا والرئاسة السورية. فقد تسرّبت معلومات عن رسالة شفاهية نقلت إلى الرئيس حافظ الأسد من قِبل موفد مقرّب من الرئيس إلياس سركيس، عبّرت عن نية الرئاسة اللبنانية فتح صفحة جديدة، وتجاوز التباينات التي عطّلت التنسيق في مراحل سابقة. وجاء إعلان الرئيس سليم الحص عزمه زيارة دمشق في وقت قريب، ليؤكّد جدّية هذه النوايا، ويفتح الباب أمام قمة مرجحة، قد تُعقد في حال توفّرت شروطها الأمنية والسياسية.
كلّ هذه المعطيات توحي بأن لبنان يقف على عتبة تحوّل محتمل، لا يزال هشًا ومرتبطًا بإرادة اللاعبين الأساسيين. فالمسألة ليست فقط في إنجاز تبادل المخطوفين، بل في توظيف هذا الإنجاز لإعادة بناء جسور الثقة، تمهيدًا لحوار أكثر نضجًا وشمولًا.
إن نجاح هذا المسار يتطلب من اللبنانيين، وفي طليعتهم القوى المسيحية، التنبّه إلى الفرصة المتاحة، والعمل على تثبيتها ضمن منظومة وطنية متماسكة. كما يتطلب من السوريين، وهم الشريك الإقليمي الأكبر، مقاربة الملف اللبناني من زاوية التوازن لا الغلبة، ومن روح الوفاق لا منطق الوصاية.
إن اللقاءات، سواء تمّت في زغرتا أو دمشق، وإن بدت رمزية في ظاهرها، تحمل في طيّاتها نواة مرحلة مقبلة. فالمطلوب اليوم ليس فقط تبادل المخطوفين، بل استعادة الدولة المخطوفة، عبر تفاهمات حقيقية تُخرج البلاد من نفق المأساة، وتعيدها إلى منطق الدستور والتعددية.
آذار 1980
الوفاق الوطني وتفعيل دور الجيش في استعادة الثقة
في خضم الأزمة الوطنية المستمرة، ووسط المحاولات المتكررة لردم الهوة بين أبناء الوطن الواحد، تبرز دعوات متجددة للتمني على الحكومة اللبنانية أن تستفيد من مناخ التجاوب الداخلي والخارجي، بهدف المباشرة بتنفيذ مبادئ الوفاق الوطني، تلك المبادئ التي أجمعت عليها القوى الحيّة في الوطن، ورست في ضمير اللبنانيين كخريطة طريق للخلاص من الانهيار.
لقد أصبح جلياً اليوم، أن الدولة لم تعد قادرة على إدارة المرحلة بنفس العقلية السابقة، القائمة على المحاصصة والانغلاق والشك المتبادل، بل باتت الحاجة ماسة إلى جرأة سياسية وأخلاقية للذهاب أبعد من التمنيات. فكل تأخير في إحياء الثقة، هو انزلاق إضافي نحو الفوضى.
في هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن الجيش اللبناني – وبعد إعادة هيكلته وتجهيزه وتثبيت انضباطه – بات مؤهلاً للعب دور محوري في إعادة بسط السيادة وترسيخ الأمان، شرط أن يوضع في موقع الفعل الوطني، لا في دائرة التجاذب السياسي أو الحسابات الفئوية.
ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار إلى مؤسسات الدولة، وفي طليعتها المؤسسة العسكرية، يفترض أن يترافق مع إطلاق خطة حكومية شجاعة تعيد الثقة إلى صفوف المواطنين، عبر خطاب وطني موحّد، وقرارات مسؤولة تحاكي طموحات الناس لا مخاوفهم.
إن الشعب اللبناني يتوق اليوم إلى خطاب جامع لا إلى شعارات متقابلة. يريد حكومة تترجم الوفاق بالأفعال لا بالبيانات. يريد جيشاً يمثل كل لبنان، لا جيشاً يتنقل وفق قرارات الطوارئ المحلية. ويريد فوق كل ذلك، إحساساً بأن الدولة عائدة إليه، لا إلى صراعات الخارج.
فهل تلتقط الحكومة هذه الإشارات؟ وهل تستثمر اللحظة المناسبة لإطلاق مسار جديد من بناء الدولة الواحدة، وجيشها الواحد، ووطنها الواحد؟
نيسان 1980
لبنان يطالب مجلس الأمن: ضرورة وقف العدوان الإسرائيلي وتمكين القوات الدولية من مهمتها
في ظل التصعيد العسكري المتواصل على الأراضي اللبنانية، خصوصاً في الجنوب، حيث تعزز القوات الإسرائيلية مواقعها وتعلن بقاء قواتها، وجد لبنان نفسه أمام تحدٍّ داخلي وخارجي صعب، يدعو إلى استنفار المجتمع الدولي، وبخاصة مجلس الأمن، لوقف هذا العدوان الذي يهدد سيادة لبنان ووحدة أرضه وشعبه.
لقد شهدنا في الأشهر الماضية تكرار عمليات التسلل والتوغلات العسكرية من قبل القوات الإسرائيلية، فيما لم تتمكن القوات الدولية، المعروفة بـ"القبعات الزرق"، من منع هذه التجاوزات على الحدود الجنوبية، الأمر الذي أضعف من مصداقية دورها في حفظ السلام وفرض الهدنة.
في هذا السياق، كان موقف لبنان واضحاً ومعلناً: الدعوة إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي بهدف بحث الخطوات الفورية اللازمة لوقف العدوان الإسرائيلي، وضمان تمكين القوات الدولية من أداء مهامها كاملة على الأرض دون أي عراقيل.
إن هذا الطلب ينبع من الحرص على احترام قرارات الشرعية الدولية التي أكدت على انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وضرورة المحافظة على وحدة لبنان السياسية والجغرافية.
ومع كل المؤشرات التي تؤكد استمرار إسرائيل في تعزيز مواقعها وعدم نيتها الانسحاب، تتضاعف المخاطر على لبنان، وتزداد الحاجة إلى دعم دولي فعال، وليس مجرد تواجد شكلي أو رمزي للقوات الدولية.
لقد أثبتت الأحداث أن الوضع على الأرض لا يمكن أن يستمر هكذا، وأن عدم تحرك مجلس الأمن بحزم يساهم في تأجيج النزاع وإطالة أمد المعاناة اللبنانية.
لذا فإن لبنان يطالب المجتمع الدولي، عبر مجلس الأمن، بتكثيف جهوده لوضع حد لهذا العدوان، وتمكين القوات الدولية من الاضطلاع بمسؤولياتها، وذلك من خلال:
تحديد مهام واضحة للقوات الدولية في منع التسلل والتوغلات.
تقديم الدعم اللوجستي والعسكري اللازم لهذه القوات.
ممارسة ضغط دبلوماسي وسياسي على إسرائيل لوقف العدوان فوراً.
توفير ضمانات أمنية وحماية للشعب اللبناني.
إن لبنان اليوم يقف على مفترق طرق، إما أن تحترم القرارات الدولية ويُوقف العدوان، أو يستمر الانتهاك الإسرائيلي دون رادع، مما يهدد استقرار لبنان والمنطقة بأسرها.
أيار 1980
جولة الوزير فؤاد بطرس الأوروبية: مفترق لحسم وجهة الأزمة اللبنانية وربطها بأزمة المنطقة
تأتي جولة الوزير فؤاد بطرس الأوروبية في توقيت بالغ الأهمية، إذ تتزامن مع مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، تتداخل فيها أزماته الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية. إن القضايا التي سيطرحها الوزير بطرس أمام الأطراف الأوروبية المختلفة قد تحمل في طياتها مؤشرًا واضحًا حول وجهة سير الأزمة اللبنانية، ومصير الحلول الممكنة.
من المعروف أن لبنان لم يكن يومًا معزولًا عن محيطه العربي والإقليمي، فكلّ تحرك سياسي داخلي يتأثر ويؤثر على واقع المنطقة الأوسع. لذلك فإن موضوع ربط الأزمة اللبنانية بأزمة المنطقة أو انفصاله عنها، سيشكل محور النقاشات الأوروبية، وعلى أساسه يمكن تحديد مواقف اللاعبين الدوليين تجاه لبنان.
سيتركز اهتمام الوزير فؤاد بطرس على تأكيد أهمية احترام سيادة لبنان ووحدته، وعلى ضرورة دعم الحلول الوطنية التي تقوم على التفاهم الداخلي والتوازن بين مختلف المكونات. كما سيسعى إلى توضيح أن أي تدخل خارجي، سواء كان مباشرًا أو غير مباشر، لا يمكن أن يحل الأزمة بل يزيدها تعقيدًا.
في المقابل، سيطرح بطرس الحاجة إلى تمييز الأزمة اللبنانية كقضية وطنية في المقام الأول، رغم تشابكها مع الملفات الإقليمية، لكي لا تتحول إلى ساحة تصفية حسابات خارجية تُهدد المصير اللبناني.
إن الجولة الأوروبية ستوفر فرصة مهمة للوقوف على مواقف الدول الكبرى والاتحاد الأوروبي، ومدى استعدادها للمساهمة في دعم الحل السياسي، وتعزيز دور الوساطة الدولية بما يتناسب مع خصوصية لبنان وتعقيداته.
هذا التوازن بين الربط والتمييز هو جوهر المأزق اللبناني الراهن، وإذا نجحت هذه الجولة في إحداث تحوّل في نظرة أوروبا نحو لبنان كقضية ذات خصوصية وطنية مستقلة، فقد يكون ذلك مفتاحًا لانطلاق مرحلة جديدة في حل الأزمة.
أما إذا بقي الربط بالأزمات الإقليمية سائدًا، فستتواصل معاناة لبنان تحت وطأة التدخلات والصراعات الخارجية، ولن يتمكن اللبنانيون من ممارسة إرادتهم الوطنية بحرية.
لذلك، فإن نتائج جولة الوزير فؤاد بطرس الأوروبية ستحدد إلى حد كبير اتجاهات المرحلة القادمة، وستكون بمثابة اختبار جدي للفاعلية الدولية في معالجة الأزمة اللبنانية، سواء عبر الربط أو الانفصال عن أزمة المنطقة.
حزيران 1980
القضية اللبنانية: كيان مستقل يتطلب اهتماماً دولياً خاصاً
في ظل تعقيد المشهد الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط، تبرز قضية لبنان كقضية قائمة بذاتها، لا يمكن اختزالها أو استيعابها في إطار الأزمات المحيطة بها، مهما كانت تلك الأزمات حادة ومتشابكة. لبنان ليس مجرد حلقة في سلسلة الأزمات الإقليمية، بل هو وطن بشري وحضاري يحتضن تركيبة اجتماعية وثقافية فريدة، تستوجب أن يُولى اهتمام خاص من قبل المجتمع الدولي.
إن المعاناة التي يعيشها اللبنانيون اليوم ليست فقط نتاجاً للتدخلات الخارجية أو الأزمات الإقليمية، بل هي انعكاس لضرورة إعادة النظر في مفهوم الدولة الوطنية، وفي بناء نظام يعكس حقيقة تنوع اللبنانيين، ويضمن حقوقهم وحرياتهم.
لقد ثبت خلال السنوات الماضية أن التهوين من خصوصية القضية اللبنانية أو تحميلها على أزمات أكبر، يؤدي إلى إطالة عمر النزاع وتشديد وطأته. لذلك، فإن العالم مطالب بأن يعامل لبنان كقضية مستقلة تتطلب حلولاً سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة، بعيدة عن المقاربات الأحادية الجانب أو التبعية.
هذا يتطلب من المجتمع الدولي أن يعزز من جهوده في دعم الحوار الوطني اللبناني، ويساعد على إيجاد صيغة توافقية وطنية تعيد بناء الثقة بين الأطراف، وتحفظ سيادة لبنان واستقلاله. كما يتوجب عليه دعم لبنان في استعادة مؤسساته وإعادة إحياء دوره في المنطقة بصورة تحفظ أمنه وتوازنه.
فشل المجتمع الدولي في إعطاء القضية اللبنانية هذه المكانة المستقلة أدّى إلى تعطيل الحلول، وتغذية أسباب النزاع، مما ساهم في استمرار معاناة اللبنانيين.
إن مسؤولية العالم تجاه لبنان لا تنحصر فقط في مراقبة الأوضاع أو إصدار البيانات، بل تتعداها إلى الالتزام الفعلي بمساعدة لبنان على استعادة دوره، واحترام إرادته الوطنية، والحفاظ على كيان متعدد الطوائف والأديان، يجمع اللبنانيين تحت مظلة دولة القانون والكرامة.
تموز 1980
دمج القوة العسكرية بين الكتائب والأحرار: خطوة استراتيجية نحو استقرار الشرقية ودعم الجيش
في خضم التحديات الأمنية التي تواجه لبنان، وبخاصة في المنطقة الشرقية التي شهدت توترات متكررة، يبرز أمامنا خيار استراتيجي هام لا بد من النظر إليه بجدية ووعي، وهو دمج القوات العسكرية التابعة لحزبَي الكتائب والأحرار تحت إطار منسجم وموحّد، يهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار، ونشر الهدوء في تلك المناطق الحيوية.
لقد أدركت القوى الوطنية أهمية التنسيق بين مجموعاتها العسكرية، فالاتحاد في الجبهة الأمنية والعسكرية يعزز قدرة لبنان على مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية، ويمثل إسهاماً فعلياً في دعم الجيش اللبناني الذي لا يزال يعاني من تحديات كثيرة في أداء مهامه.
إن دمج قوات الكتائب والأحرار يجب أن يُبنى على أسس واضحة، تشمل رسم أهداف مشتركة تعكس التزاماً بحماية الأرض والشعب، وعدم التورط في صراعات جانبية تعمق الانقسام، بل تعزيز التفاهم الوطني القائم على الاحترام المتبادل.
ومن بين الأهداف الأساسية التي يجب الاتفاق عليها:
تأمين الحماية للمواطنين في المنطقة الشرقية، وضمان حرية تنقلهم وأمنهم.
منع أية أعمال عنف أو انتهاكات تمس السلم الأهلي.
العمل تحت سقف قانوني يراعي التوازن الوطني.
التنسيق الكامل مع الجيش اللبناني ودعمه في مهامه الوطنية.
كما لا يخفى على أحد أهمية إعطاء الجيش اللبناني كل التسهيلات اللازمة ليتمكن من أداء واجبه كاملاً. فالجيش هو الضامن الحقيقي لوحدة لبنان وسيادته، ويجب أن تحظى مؤسساته بالدعم السياسي والمادي، بعيداً عن أية ضغوط أو محاولات لتقويضه.
نحن بحاجة اليوم إلى تعزيز روح التعاون الوطني بين كافة المكونات، وتوحيد الجهود الأمنية والعسكرية، لأن نجاح هذه المبادرة سيؤدي إلى استقرار شرقي لبنان، ويبعث برسالة واضحة إلى كل من يحاول استغلال الفراغ الأمني للنيل من وحدة الوطن.
إن تعزيز الهدوء الأمني في الشرقية لا يصب فقط في مصلحة تلك المنطقة، بل هو ركيزة أساسية لاستقرار لبنان كله، ويجب أن يكون مدعاة فخر لكل لبناني يسعى إلى السلام والازدهار.
حوار صحافي مع إدوار حنين – تموز 1980
الصحافي: لماذا الحديث عن دمج قوات الكتائب والأحرار في هذا الوقت بالذات؟
إدوار حنين: لأن الوضع الأمني في الشرقية يتطلب خطوات جذرية. التوترات المتكررة تهدد السلم الأهلي، ودمج القوات العسكرية بين الطرفين يعزز من قدرة لبنان على مواجهة هذه التحديات بطريقة موحدة ومنسقة.
ثمة أرضية حقيقية لتحقيق هذا الدمج خاصة أن الطرفين يدركان أهمية الوحدة في المرحلة الراهنة، ويدعمان الجيش اللبناني كضامن وحيد للوحدة والسيادة.
الدمج يعني تقليل الصراعات الداخلية المسلحة، وتوفير مناخ أفضل للجيش ليقوم بمهامه بدون عوائق، كما يعزز التعاون والتنسيق الأمني.
التحديات موجودة، خاصة في ما يتعلق بالثقة المتبادلة وإدارة التباينات، لكن بالإرادة السياسية والتفاهم، يمكن تجاوزها.
الجيش يحتاج إلى دعم غير محدود، سياسياً ومادياً. هو المؤسسة التي تحمي الجميع، ويجب أن نمنحه كل التسهيلات ليتمكن من حفظ الأمن وضمان استقرار لبنان.
أدعو الجميع إلى وضع الوطن فوق كل اعتبار، وإلى دعم كل مبادرة توحد الجهود الوطنية، لأن أمن لبنان وسلامته هما أولوية قصوى للجميع.
في آب 1980
ضرورة الحفاظ على الحكمة في الحكم أو التعرف من جديد
في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان، والتي تتسم بتعقيدات سياسية وأمنية متزايدة، تبرز دعوة الرئيس السابق مالك سلام إلى تشكيل “حكومة فعاليات” كنداء للحكمة والمسؤولية الوطنية. فقد ركّز سلام على أهمية قيام الحكومة بمهمة فاعلة وحقيقية، لا مجرد حضور شكلي أو توزيع للوزارات، بل حكومة تنطلق من نيات صادقة وتحرص عليها السلطة التنفيذية كركيزة للحكم.
إن حرص الحكم على الحكومة، وفق هذا الطرح، لا يعني فقط دعمها سياسياً، بل يتعدى ذلك إلى منحها القدرة والحرية لاتخاذ القرارات المصيرية، والعمل على تنفيذها بفعالية وبعيدة عن الإملاءات الداخلية والخارجية.
لكن، ما الذي يحصل إذا تعذّر على الحكم توفير هذا الحرص؟ في هذه الحالة، بحسب رؤية سلام، قد تفقد الحكومة تعريفها كأداة فعالة للحكم، ويصبح وجودها مجرد ظلّ فارغ. وهذا الواقع يدفعنا إلى التفكير بعمق في إعادة تعريف الحكومة، ليس عبر التشكيل مجدداً فقط، بل عبر إعادة تقييم العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وتأمين قواعد جديدة للحكم تتلاءم مع الواقع المتغير.
في ظل هذه المعطيات، يصبح التعرف على الحكومة من جديد ضرورة وطنية، شرط أن يتم هذا التعرف عبر حوار جدي، ونية واضحة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف السياسية، وتعزيز مبدأ الشراكة الحقيقية في الحكم.
إن مفهوم “فقدان الحكومة لتعريفها” ليس فقط تشخيصاً لمشكلة حالية، بل دعوة لإعادة النظر في الأسس التي يرتكز عليها الحكم في لبنان، لكي نتمكن من الخروج من دوامة الأزمات، والتوجه نحو بناء دولة تحترم إرادة شعبها وتلبي طموحاته.
أيلول 1980
رفض الاقتتال بين الكتائب والأحرار والقوى المسيحية: دعوة لوحدة الصف ودور الجيش في استعادة الأمن بالشرقية
في ظل تصاعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية، والتي انعكست في مواجهات مسلحة بين الكتائب والأحرار وبعض القوى المسيحية الأخرى، نتوجه بنداء وطني عاجل لوقف هذه الاقتتال الداخلي الذي لا يخدم إلا مصالح الخارج ومصير لبنان.
إن الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد هو تدمير متبادل يهدد كياننا المسيحي ولبنان كله. ومن هنا، فإن رفض هذا الاقتتال ليس خياراً فحسب، بل هو واجب وطني وأخلاقي يحتم علينا التكاتف والتضامن.
ندعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، وفتح قنوات للحوار بين الأطراف المسيحية كافة، للتوصل إلى تفاهمات تحفظ وحدة الموقف المسيحي وتوجه جهودنا نحو حماية الوطن من أي تهديد خارجي أو داخلي.
كما نؤكد على الدور الحيوي الذي يجب أن يلعبه الجيش اللبناني، بوصفه الضامن الحقيقي للأمن والاستقرار، وبمعزل عن أي انحياز طائفي أو سياسي. على الجيش أن يكون الحصن الحصين الذي يحفظ السلم الأهلي ويعيد النظام إلى المنطقة الشرقية، مما يهيئ الأرضية المناسبة لعودة الحياة الطبيعية.
إن وحدتنا المسيحية على المحك، وأمننا في خطر، ولا سبيل لإنقاذ لبنان إلا عبر التوافق الداخلي، واحترام المؤسسات، والتمسك بمبادئ الدولة المدنية التي تحمي الجميع.
في 21 تشرين الأول 1980
رفض الفوضى والغليان في المنطقة الشرقية: نحو تشكيل قيادة موحدة لحفظ الأمن وضبط التجاوزات
في خضم التصعيد الأمني والفوضى المتزايدة التي تشهدها المنطقة الشرقية، يواجه لبنان تحدياً كبيراً يتطلب وقفة جادة ومسؤولة من جميع الأطراف الوطنية. إن استمرار الغليان، وظهور المظاهر المسلحة والتجاوزات الأمنية، لا يهددان أمن المنطقة فحسب، بل يشكلون تهديداً مباشراً لوحدة لبنان واستقراره.
إن رفض الفوضى لا يعني فقط الرفض اللفظي، بل يتطلب اتخاذ خطوات عملية وحاسمة من أجل استعادة النظام وتعزيز سيادة الدولة. في هذا السياق، تبرز ضرورة تشكيل قيادة موحدة تجمع مختلف القوى السياسية والعسكرية الوطنية، لتتولى مسؤولية حفظ الأمن، وضبط التجاوزات، والتنسيق الفعّال مع الجيش والقوات الأمنية.
هذه القيادة الموحدة ستكون بمثابة مظلة تحمي المنطقة الشرقية من الانفلات، وتحفظ الأمن وتحمي المدنيين، كما توفر آلية للتعامل مع أية مظاهر مسلحة خارج إطار القانون. فهي تعمل على منع تفاقم الأوضاع، وتحد من تداعيات الخلافات التي قد تستغل من جهات خارجية.
وفي حال تعذّر تشكيل هذه القيادة، فإن من الواجب تكليف قوات السلطة – الجيش والأمن الداخلي – للقيام بمهمتها بصرامة، وذلك لقمع التجاوزات ومنع أي مظاهر مسلحة تهدد الأمن والسلم الأهلي. لا يمكن السماح لأحد بأن يتحول إلى قوة فوق القانون، فالدولة هي صاحبة الحق الحصري في استخدام القوة.
إن تحقيق الأمن في الشرقية يمثل قاعدة صلبة لبناء الثقة الوطنية، وهو شرط ضروري لاستعادة الاستقرار في لبنان ككل. فلا يمكن لبناني أن يرضى بحالة فوضى أو انقسام داخلية، تهدد وجود الوطن ومستقبله.
لذا، فإن الوقت قد حان لوضع مصلحة لبنان فوق كل الاعتبارات، وتشكيل قيادة موحدة تكون بمثابة الضامن الحقيقي للأمن، والمرتكز الأساسي لوحدة الصف الوطني.
في 22 تشرين الثاني 1980
قرار دخول الجيش شيء، وقرار تدخله شيء آخر
في ظل المناخ الأمني المتقلب الذي تعيشه البلاد، ومع استمرار الحوادث المتفرقة في أكثر من منطقة، تبرز الحاجة إلى تمييز واضح بين "قرار دخول الجيش" إلى مناطق معينة و"قرار تدخله" فعليًا لضبط الأوضاع وفرض هيبة الدولة. هذا التمييز ليس لغويًا أو اصطلاحيًا فحسب، بل هو جوهري في تحديد وظيفة الجيش ودوره في لحظة وطنية دقيقة.
فقرار إدخال الجيش إلى منطقة ما يمكن أن يكون قرارًا سياسيًا اتخذ على مستوى القيادة العليا في الدولة، لكنه لا يعني بالضرورة أن الجيش باشر عملًا ميدانيًا حقيقيًا، أو أن القرار ترافق مع الصلاحيات والإمكانيات والغطاء اللازم للتحرك. أما قرار التدخل، فهو يتطلب توافقًا سياسيًا أوسع، وتنسيقًا أمنيًا معمقًا، وقدرة عملية على تنفيذ المهمة، بما يشمل استعمال القوة عند الضرورة، وفرض سلطة الدولة.
إن الجيش اللبناني، الذي يمثل آخر مؤسسات الدولة المتماسكة، لا يمكن زجّه في أتون الصراعات الداخلية من دون تحديد الأهداف بدقة، وتوفير الغطاء الوطني والسياسي اللازم، إضافة إلى ضمان تعاون الأطراف المحليين معه لا مواجهته. ففي غياب القرار الفعلي بالتدخل، تبقى عناصر الجيش في وضعية الحياد السلبي، وهو أمر قد يعرّضهم ويعرّض هيبة المؤسسة العسكرية للضعف أو الانكفاء.
ويؤكد هذا الطرح أهمية التمهيد الميداني والسياسي قبل أي تحرك للجيش، وتوضيح ما إذا كانت مهمته تقتصر على الانتشار الرمزي لطمأنة المواطنين، أم أنها تشمل فرض النظام بالقوة إذا لزم الأمر. كما يطرح هذا الواقع علامات استفهام كبيرة حول مدى استعداد السلطة السياسية لتحمل كلفة قرار التدخل، وليس فقط إعلان النية بالدخول.
لذا، فإن تمييز "الدخول" عن "التدخل" لا يعني إضعاف الجيش أو تقييده، بل بالعكس، يعكس حرصًا على عدم استنزافه في مواجهات جانبية قد تُفقده شرعيته في نظر المواطنين. وهو نداء واضح إلى الحكومة بأن القرار الأمني لا يجوز أن يبقى معلقًا بين النية والتنفيذ، ولا أن يُستخدم تكتيكًا لشراء الوقت، بل يجب أن يُبنى على رؤية وطنية واضحة، وضمن خطة شاملة تدمج الأمن بالسياسة، والهيبة بالفعالية.
الرياضة جسـر التواصل الوطني في قلب الانقسام اللبناني
كانون الأول 1980
في لحظة وطنية تراجعت فيها البنادق قليلاً وابتعدت الصواريخ عن الذاكرة الحاضرة، دخلت كرة القدم من بوابة المصالحة، لتجمع المنطقتين الشرقية والغربية لبيروت، اللتين افترقهما الموت منذ عام 1975. في يوم رياضي لم تُسمع فيه شعارات حزبية ولا هتافات طائفية، بل صرخات تشجيع موحدة، اجتمع اللبنانيون على مدرجات الملاعب في مباراة هي الأولى من نوعها منذ خمس سنوات، تشارك فيها فريق من الشرق وآخر من الغرب.
الحدث لم يكن مجرد مباراة رياضية، بل شكلَ اختراقاً وجدانياً في الجدار السميك الذي فُرض على العاصمة، وحمل أبعاداً سياسية لا يمكن إنكارها. فـالرياضة، التي طالما رُكنت في الزاوية الهامشية خلال الحرب، تقدّمت اليوم لتكون رمزاً لوحدة ممكنة، ومقدمة لحوار إنساني يتخطى المتاريس.
لقد أثبتت هذه المبادرة أن القواسم المشتركة لم تُدفن، وأن الشعب، بمختلف فئاته، ما زال يتوق إلى اللقاء الطبيعي الذي يتجاوز التخندق السياسي والمذهبي. وتحوّلت المباراة إلى منبر غير رسمي للسلام الأهلي، وأثبتت أن الروح الرياضية قد تكون أقوى من الحواجز الطائفية.
إن هذه اللحظة يجب ألا تُترك لمجرد الذكرى. المطلوب تحويلها إلى نهج عمل وطني، يتبناه السياسيون، وتسهر عليه المؤسسات المدنية، ويُترجم عبر توسيع هذا النوع من اللقاءات ليشمل المدارس والجامعات والنقابات والمنتديات الثقافية.
فالرياضة ليست ترفاً في أزمنة الحروب، بل قد تكون باب الإنقاذ الأخير للمجتمع المنهك. ومن غير الجائز أن تُقطع مثل هذه المبادرات التي تعيد الأمل للناس، وتفتح شبابيك النور في جدار الأزمة الطويل.
لبنان بين تحديات الحرب الباردة وإرادة البقاء
خلال ثمانينيات القرن العشرين، وقعت لبنان في قلب صراع عالمي وإقليمي معقد، حُوّل فيه الوطن الصغير إلى مسرح لحرب باردة ظلت تلقي بظلالها على كل جوانب الحياة السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية. دخل لبنان مرحلة من الانقسام والتفكك، وصار عرضة لتداخل مصالح دولية وإقليمية، ما أضعف مؤسساته، وهدد وحدته الوطنية.
لكن رغم كل هذا، بقي لبنان وطنًا لا يريد أن يموت. فقد أظهرت إرادة اللبنانيين في أصقاع الوطن وفي الشتات قدرة استثنائية على الصمود، والمحافظة على الروح الوطنية، والسعي المستمر لتحقيق السلام والاستقرار. كانت هذه الإرادة بمثابة شعاع أمل يضيء في ظلمات الحرب، يدعو إلى تجاوز الانقسامات، وإعادة بناء دولة تحتضن الجميع.
إن درس لبنان في تلك الحقبة المؤلمة يُبرز أهمية الاستقلال الوطني، ووحدة المجتمع، ورفض التدخلات الخارجية التي تهدد سيادة الدول. كما يذكّرنا بأن الشعوب هي الفاعل الحقيقي في صنع التاريخ، وأنها قادرة على تجاوز أصعب الأزمات بالإرادة والتضامن.
لذلك، يبقى لبنان مثالًا حيًا على وطن يستحق الحياة، على شعب يحمل في قلبه الحلم بالمستقبل، وعلى رسالة تردد صداها بأن إرادة البقاء أقوى من كل محاولات التمزق والدمار.
في آذار من العام 1976، وبينما كانت البلاد تغلي على نار الخلافات الطائفيّة والانقسامات السياسيّة، برزت في الأفق أزمة دستوريّة خطيرة تمثّلت في تداول أخبار عن نيّة رئيس الجمهوريّة سليمان فرنجيّة تقديم استقالته، كردّ فعل على ضغوط سياسيّة متزايدة، وعجز داخلي عن ضبط التدهور الأمني المتصاعد في العاصمة بيروت وسائر المناطق اللبنانيّة. في هذا الإطار، برز موقف وطني واضح من عدد من القوى السياسيّة، رفض هذا المنحى ودعا إلى حماية رمزيّة الدولة ومؤسساتها، وفي مقدّمها مقام رئاسة الجمهوريّة، باعتباره حجر الزاوية في الوحدة الوطنيّة والضمانة الوحيدة المتبقية وسط الفوضى والتصدع.
من هذا المنطلق، جاءت العريضة النيابيّة التي وقّعها ستّة وستّون نائباً، في محاولة صريحة لتثبيت رئيس الجمهوريّة في موقعه، ورفض أي ضغط يدفعه إلى الاستقالة أو التخلّي عن مسؤولياته الوطنيّة. وقد اعتُبرت هذه العريضة بمثابة صرخة ضمير، ونداء للاستمرار في الالتزام بأحكام الدستور، مهما بلغت حدّة التوترات والانقسامات.
بموازاة ذلك، علت أصوات تطالب الجيش اللبناني، كمؤسسة وطنيّة جامعة، بالبقاء على الحياد والامتناع عن الانجرار إلى أيّ انقلاب على الشرعيّة أو تموضع ضمن أيّ محور داخلي. فوجود الجيش في ثكناته يبقى الضامن الأخير لما تبقى من وحدة الكيان، في ظل انقسام القوى السياسيّة والطوائف، وتراجع دور الدولة الرسميّة.
السياسي المسيحي الوسطي الذي يكتب هذه الدراسة يجد أنّ استقالة الرئيس فرنجيّة في هذه المرحلة ستكون خطأً استراتيجيّاً، لا لصالح المسيحيين فحسب، بل لصالح وحدة الوطن برمّته. فالخروج من الأزمة لا يكون بتفريغ الموقع الرئاسي، بل بتعزيزه وتدعيمه بالحوار، وبخطوات إصلاحيّة متدرّجة تضمن إعادة الانتظام للمؤسسات. كما أن وضع الجيش في موقع التحكيم أو الحسم بالقوّة، سيقود إلى كارثة وطنيّة ويحوّل الجيش من ضامن للوحدة إلى أداة في النزاع.
الحل لا يكون في التفريط بالمقامات، ولا في تغليب الشارع على المؤسسات، بل في العودة إلى منطق الدولة الواحدة، وتغليب لغة العقل على صوت الرصاص. وعليه، فإن الدعوة اليوم يجب أن تتوجّه إلى جميع اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، للتشبث بالشرعيّة، والسير نحو طاولة حوار وطنيّ شامل، يضمن إعادة إنتاج عقد اجتماعي جديد، على قاعدة التساوي والمشاركة الفعليّة.
أهم الاتفاقات التي هدفت إلى تنظيم الأوضاع الأمنية والعسكرية بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1949 وحتى اليوم.
اتفاقية الهدنة لعام 1949
تُعد اتفاقية الهدنة اللبنانية - الإسرائيلية لعام 1949 محطة بارزة في تاريخ لبنان الحديث ومسار الصراع اللبناني - الإسرائيلي. جاءت هذه الاتفاقية في أعقاب إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 وما تلاه من نزاعات وأحداث دامية أثرت بشكل كبير على الأوضاع في المنطقة.
بعد إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 مايو (أيار) 1948، اندلعت مواجهات عسكرية بين القوات العربية والقوات الإسرائيلية الناشئة. في هذا السياق، شارك الجيش اللبناني في معركة المالكية في مايو 1948، حيث خاض مواجهات عنيفة مع القوات الإسرائيلية.
وفي ظل تلك التطورات، وبهدف وقف الأعمال العدائية، بدأت مفاوضات بوساطة الأمم المتحدة أسفرت عن توقيع اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل في 23 مارس (آذار) 1949، في رأس الناقورة. وأثمرت الاتفاقية «وقفاً للأعمال العدائية»، وتحديد خط الهدنة، واحترام الحدود الدولية، وإنشاء لجنة الهدنة المشتركة.
اتفاقية 1978
في مارس 1978، شهد جنوب لبنان تطورات عسكرية مهمة تمثّلت في الاجتياح الإسرائيلي المعروف بـ«عملية الليطاني» الذي استهدف إبعاد المقاتلين الفلسطينيين عن الحدود الشمالية لإسرائيل. رداً على ذلك، أصدر مجلس الأمن الدولي القرارين 425 و426 في 19 مارس 1978، اللذين أسفرا عن إنشاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).
ودعا القرار 425 إسرائيل إلى الانسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية، وأقرّ إنشاء «اليونيفيل» لـ«تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية»، و«استعادة السلام والأمن الدوليين»، و«مساعدة الحكومة اللبنانية».
دورية مشتركة لقوات «اليونيفيل» والجيش اللبناني على طول الحدود اللبنانية - الإسرائيلية في بلدة كفركلا الجنوبية (أ.ف.ب)
دورية مشتركة لقوات «اليونيفيل» والجيش اللبناني على طول الحدود اللبنانية - الإسرائيلية في بلدة كفركلا الجنوبية (أ.ف.ب)
اتفاق 17 أيار 1983
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ووصول القوات الإسرائيلية إلى العاصمة بيروت، تمت مفاوضات مباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية أميركية، وهي المفاوضات المباشرة الوحيدة بين الطرفين، وأدت إلى توقيع «اتفاق 17 أيار 1983»، وهو الاتفاق الوحيد الذي سعى لتنظيم العلاقات السياسية والأمنية بين لبنان وإسرائيل.
ونصّت بنود الاتفاق على الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية من لبنان، وإجراء ترتيبات أمنية على الحدود، وإنهاء حالة الحرب، وفتح مكاتب ارتباط بين الجانبين لمتابعة تنفيذ الاتفاق. بيد أنّ الاتفاق واجه رفضاً شعبياً وسياسياً داخل لبنان، وانهار بعد أقل من عام، ثم أُلغي الاتفاق رسمياً عام 1984 بقرار من مجلس النواب اللبناني .
في سنة 1976
حول فكرة الفراغ الأمني والسياسي والدستوري وتأثيره على عملية انتخاب رئيس الجمهورية والرعب الذي تعيشه بيروت بسبب وجود القوات السورية
في العام 1976، دخل لبنان في مرحلة خطيرة من أزماته المتعددة، إذ شهد البلد فراغاً أمنياً حقيقياً عجزت الدولة عن مواجهته، مما أدى إلى انفلات أمني شلّ الحركة في مختلف المناطق، وأبرزها العاصمة بيروت التي عاشت حالة من الرعب والخوف المستمر جراء انتشار الميليشيات المختلفة والوجود العسكري السوري على أراضيها.
هذا الفراغ الأمني لم يأتِ معزولاً عن الفراغ السياسي والدستوري الذي عانى منه لبنان، حيث تعطلت مؤسسات الدولة، وأصبح انتخاب رئيس الجمهورية عملية شبه مستحيلة في ظل الانقسامات العميقة بين القوى السياسية والطائفية، التي أغفلت المصلحة الوطنية وأصرت على حسابات ضيقة ومتضاربة.
الفراغ الأمني والسياسي والدستوري يشكل تهديداً وجودياً للبنان. فالبلد بات أسيراً للمسلحين والقوى الخارجية، ولا يعود يملك القدرة على اتخاذ قراراته الوطنية بحريّة. الأمر الذي أدى إلى تعطيل الاستحقاق الرئاسي، وهذا بدوره أسهم في تفاقم حالة اللااستقرار، وعمّق الفوضى.
إضافة إلى ذلك، فإن وجود القوات السورية في لبنان، رغم أنه جاء تحت ذريعة حفظ الأمن واستعادة الاستقرار، بات يُعتبر مصدر رعب للكثير من سكان بيروت، الذين شاهدوا تحركاتها العسكرية، وانتشارها في شوارع العاصمة، وهو ما فاقم حالة القلق والخوف، وأثار مخاوف من أن تتحول بيروت إلى مسرح لصراعات إقليمية تتجاوز حدود لبنان.
الحل يكمن في إنهاء هذا الفراغ من خلال استعادة الدولة سيادتها الكاملة على أراضيها، وإعادة المؤسسات الدستورية إلى عملها الطبيعي، وخصوصاً ضرورة إجراء انتخاب رئاسي شفاف يعيد الثقة إلى الشعب، ويعزز الوحدة الوطنية. كما يدعو إلى احترام سيادة لبنان وعدم السماح لأي قوة خارجية بالتدخل في شؤونه الداخلية، لأن ذلك يشكل انتهاكاً لكرامة واستقلال الوطن.
وفي هذا السياق، يجب أن تسبق العملية السياسية عملية أمنية تهدف إلى إنهاء حالة الفوضى واستعادة النظام، وذلك بالتعاون بين جميع اللبنانيين، وبعيداً عن التدخلات الخارجية، لأن لبنان لا يمكن أن يكون ساحة لتصفية حسابات إقليمية.
إن المرحلة التي يمر بها لبنان في 1976 هي أخطر مراحل تاريخه الحديث، ولا يمكن تجاوزها إلا بإرادة وطنية حقيقية، تعيد بناء الثقة بين اللبنانيين، وتضع حدّاً للفراغات التي تحكم البلد، وتحمي بيروت من الانهيار التام.
"المخطط التفصيلي للوسط التجاري في بيروت: بين الإعمار والنهوض الوطني"
في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان، وبعد أن نال الوطن نصيبه المرير من التوترات الأمنية والتدهور العمراني في قلب بيروت، تبرز إلى الواجهة فكرة إعادة إعمار الوسط التجاري للعاصمة، بوصفه مشروعًا وطنيًا لا مجرد خطوة عمرانية. إن ما نشهده اليوم من وضع اللمسات الأخيرة على المخطط التفصيلي لهذا الوسط، يؤشر إلى إرادة سياسية جديدة تسعى إلى إنقاذ بيروت من أن تتحول إلى مدينة بلا روح.
فمنذ اندلاع المواجهات والاشتباكات التي أتت على نسيج بيروت العمراني والاجتماعي، تركزت الأنظار على وسط المدينة، حيث تتلاقى الهوية التجارية والثقافية، وتختزن ذاكرة العاصمة الحديثة. إن هذا الوسط، بما يمثله من رمزية وطنية واقتصادية، يجب أن يُعيد إنتاج ذاته على أسس جديدة تزاوج بين التراث والحداثة، وتُعيد للمواطن ثقته بمدينته، ولدولته هيبتها.
إننا أمام فرصة لإطلاق ورشة وطنية تحتضن مختلف الطاقات اللبنانية، من مهندسين ومخططين ومؤرخين ورجال فكر واقتصاد. فإعمار الوسط التجاري لا ينبغي أن يكون فقط مسألة هندسية أو مالية، بل هو فعل رمزي يعكس وحدة اللبنانيين ورغبتهم في النهوض. ومن هنا، فإن المشاركة الشعبية في رسم معالم المشروع، واعتماد مبدأ الشفافية في العقود والمناقصات، والتوازن في توزيع الملكيات وحقوق المستأجرين وأصحاب الأملاك، كلها شروط لا بد منها لضمان نجاح هذه المبادرة.
لكن ثمة تحديات. فثمة مصالح متشابكة، ومخاوف من هيمنة فئة على أخرى، ومن تحويل الإعمار إلى مناسبة جديدة للتمييز الطبقي أو الطائفي. كما أن بعض الجهات الخارجية تراقب المشروع عن كثب، وتراهن على فشله لئلا يُقدَّم كنموذج ناجح في التعايش اللبناني.
من هذا المنطلق، فإنني أدعو إلى تشكيل هيئة وطنية مستقلة تشرف على المشروع وتربطه بخطة تنمية شاملة تشمل محيط بيروت والضواحي، وتراعي البعد البيئي والاجتماعي، وتستعيد دور العاصمة كجسر بين الشرق والغرب، لا كمنطقة منكوبة تُعاد إعمارها دون روح.
إن المخطط التفصيلي يجب أن يكون، لا مجرد خارطة بناء، بل رؤية حضارية للبنان الغد. لبنان الذي لا يموت، مهما عصفت به الأزمات، ولا يُهدم، حتى وإن تهدمت حجارته، لأنه ينهض من أنقاضه، دائمًا، على أمل جديد.
جنوب ممزّق بين انسحاب جزئي واحتلال فعلي. والدولة اللبنانية غائبة عن القعقعية وحق النازحين
إذا عرقل الجنوب مسيرة الوفاق الوطني. فحكومة التضامن الوطني هي المدخل الوحيد إلى إنقاذ لبنان
في ظل التصعيد المتواصل في الجنوب اللبناني، الذي لم يعد ساحة اشتباك فقط بين الفصائل الفلسطينية والقوات الإسرائيلية، بل بات أيضًا مرآةً لانقسام لبناني داخلي حول السيادة والقرار، تطرح الأزمة الجنوبية نفسها كعقبة حقيقية في وجه مسيرة الوفاق الوطني التي يحتاجها لبنان أكثر من أي وقت مضى.
من هنا، نرى أن المدخل العملي والوحيد للعودة إلى طريق الإنقاذ الوطني هو تشكيل حكومة تضامن وطني تجمع الممثلين الحقيقيين لمختلف الطوائف والقوى السياسية، على قاعدة التفاهم لا الغلبة، والوطن لا الفئوية.
أولاً: الجنوب اللبناني. . الساحة التي تكشف هشاشة الوفاق
لم يكن الجنوب يومًا مجرد رقعة جغرافية منسية، بل هو بوابة الكيان اللبناني على القضية الفلسطينية، ومنطقة تماس دائم بين التوازن الداخلي اللبناني والتوترات الخارجية. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة – من تصاعد عمليات الكفاح المسلح الفلسطيني، إلى الردود الإسرائيلية الدامية، إلى هشاشة القرار اللبناني الرسمي – أن الجنوب تحوّل إلى رهينة صراعات لا يملك لبنان مفاتيحها.
ما يزيد من خطورة هذا الواقع هو الانقسام السياسي الحاد في مقاربة هذا الملف:
فريق يرى في المقاومة الفلسطينية امتدادًا لقضية عادلة ويغضّ النظر عن تجاوزها لسيادة الدولة.
وفريق آخر يحمّل هذا الوجود المسؤولية الكبرى عن تفكك الدولة واندلاع الحرب.
وهذا الانقسام، الذي يلبس لبوسًا طائفيًا أحيانًا، يُجهض كل محاولة حقيقية للوفاق الوطني، لأن أساس الوفاق هو الحد الأدنى من التفاهم حول مفهوم السيادة ومرجعية القرار الأمني والسياسي.
ثانيًا: لماذا حكومة تضامن وطني؟
الواقع اللبناني المأزوم لا يحتمل بعد اليوم حكومات محاصصة أو مراضاة شكلية. كما أن حكومة من لون سياسي واحد، أو تابعة لمحور دون آخر، لن تكون إلا وقودًا إضافيًا للنزاع.
حكومة التضامن الوطني ليست شعارًا، بل حاجة مصيرية. هي تلك الحكومة التي:
تضم كل القوى السياسية الممثَّلة فعليًا في الساحة،
تضع ملف الجنوب على الطاولة بندًا أولًا،
تتعاطى مع الفلسطينيين بصراحة لا بعداء ولا تبعية،
وتطالب المجتمع الدولي، لا بالشعارات، بل بمواقف ملزمة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام سيادة لبنان.
هذه الحكومة، وبهذه الروحية، يمكنها أن تفتح الباب أمام حل لبناني – لبناني أولاً، يسبق أي وساطة خارجية مشروطة.
ثالثًا: مسؤولية المسيحيين والقيادات الوطنية
أعي أن الهواجس المسيحية ليست محصورة بالخطر الديمغرافي أو بالبعد الفلسطيني فقط، بل تتعداها إلى الخوف من ضياع الكيان بمفهومه التاريخي والميثاقي.
لكن هذا لا يعفينا من واجب المبادرة. فالمسيحيون لا يمكن أن يكونوا متفرجين على انهيار الدولة، بل شركاء في إعادة بنائها، شرط أن تكون الشراكة حقيقية ومتوازنة، وشرط أن تُترجم هذه النوايا السياسية بتأليف حكومة قادرة على اجتراح الحلول لا تبادل الاتهامات.
رابعًا: ماذا بعد؟
إذا استمرت الفوضى في الجنوب، فإنها ستنسحب تلقائيًا على كل لبنان. وإذا بقي الانقسام قائماً، فإن الحرب الأهلية ستتغذى من الجنوب كما من الداخل.
لذلك، فإنّ الحل ليس في انتظار المجهول، بل في اتخاذ مبادرة وطنية جريئة: تشكيل حكومة تضامن وطني، تضع الجنوب في صلب مشروع الدولة، وتعيد الاعتبار إلى فكرة الوطن الجامع، لا الوطن المنقسم إلى محميات وساحات.
دراسة فكرية حول ديوان "لغة لبنانية تقتحم اللحظات" للشاعر مالك طوق
تمهيد
ليس من السهل أن تكتب بلغة الوطن دون أن تقع في فخّ التكرار أو الخطابة، ولا أن تبوح بلغة الناس دون أن تفقد عمق الشعر. في ديوانه "لغة لبنانية تقتحم اللحظات"، يغامر الشاعر مالك طوق بالدخول إلى صميم اللحظة اللبنانية، لا باعتبارها صورة عابرة، بل بوصفها وحدة وجودية متوترة تختزن الذاكرة والجرح والمستقبل. هو ديوان لا يكتفي بقول الشعر، بل يسائل اللغة ذاتها: كيف تنبت القصيدة في أرض تهتز تحت أقدامنا؟ كيف تتحوّل المفردة إلى وطن، والنَفَس إلى نشيد؟
أولاً: اللغة كهوية وموقف
في هذا الديوان، لا تأتي اللغة كوسيلة شعرية فحسب، بل كهوية لبنانية تُصاغ وتُكرّس. إنها لغة محكية ومصقولة، عامية وأدبية، حوارية وداخلية، تختلط فيها لهجات الجبل والمدينة، نبض التراث وسرعة العصر. يقتحم طوق اللغة كما يقتحم الزمن: دون اعتذار، بل بوعي تام بقوة الكلمة وأثرها.
> "منكسر عَ حيط الجيران،
بس حيط الحكي أعلى،
وبيخزق سكوت الطوائف. "
هنا نلحظ كيف تتحوّل اللغة إلى قوة مقاومة رمزية. الجدار ليس مادّة، بل استعارة للانقسام، والكلمة خرقٌ للصمت المفروض على الذاكرة اللبنانية الجمعية.
ثانيًا: الزمن الشعري: اقتحام اللحظة وخلود المعنى
في قصائد الديوان، لا تُؤرّخ اللحظة بل تُحاصر، تُفكّك، ثم يُعاد تركيبها في مشهدٍ شعري مشبعٍ بالحسّ الإنساني. كل لحظة تُلتقط ليست كمشهد فوتوغرافي، بل كتجربة وجودية ذات صراع داخلي. الشاعر لا يركن إلى النوستالجيا بل يقتحم الحاضر – بلغته، وتوتره، وأمله وألمه.
> "اللحظة مش وقت،
اللحظة شَهقة. .
يمكن نضلّ فيها
وننسى نرجع. "
هنا تتجلى فلسفة الزمن عند مالك طوق: اللحظة لا تُقاس بالدقائق بل بالنبض، لا تُختصر في المرور بل في البقاء، ولو للحظات، في عمق الشعور.
ثالثًا: جماليات التوتر بين الفصحى والعامية
يتعمّد الشاعر التنقّل بين الفصحى والعامية، لا كتناقض بل كتكامل، وكأنّه يقول إن لبنان لا يُختصر بلغة واحدة، بل هو فسيفساء لغوية – وجدانية لا تكتمل إلا باندماج المتضادات.
العامية لا تأتي لملء الفراغ بل لتكثيف المعنى. والفصحى لا تُستخدم للزينة، بل للسموّ باللحظة إلى أبعاد كونية. هذا التوتر ينتج إيقاعًا خاصًا، يشبه لبنان نفسه: وطن دائم الاضطرام والبحث عن توازن.
رابعًا: القصيدة كبيت لبناني: من الخشبة إلى الحلم
من خلال الصور الشعرية، يعيد طوق بناء المشهد اللبناني بعيون الداخل لا السائح، بالمفردة البسيطة التي تتحوّل إلى ملاذ، إلى بيت، إلى مرآة. البيت – كما القصيدة – ليس حجرًا بل دفءًا، وغالبًا ما يتحوّل إلى كناية عن الحنين والانتماء.
> "بيتي قصيدة.
فيها صوتي وصوت بيّي،
وفيها مجدّرة،
وكتاب تاريخ بلا فهرس. "
بهذا المزج بين الشخصي والجمعي، بين الطعام والكتاب، يخلق الشاعر فضاءً شعريًا لبنانيًا خالصًا: لا ينفصل فيه الجوع عن الذاكرة، ولا الحبّ عن الهوية.
خامسًا: رؤية وطنية هادئة. ولكن مشتعلة
رغم هدوء الإيقاع الظاهري، فإنّ القلق الوجودي والوطني يخترق قصائد الديوان. لا يقدّم الشاعر خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل يُدرج الوجع الوطني في نسيج الحياة اليومية: في الحب، في الانتظار، في المقهى، في نظرات الناس، في الشتاء، وفي صوت أمّ تنادي ابنها.
> "شو نفع القصيدة
إذا بعدنا عم نخبّي الخبز؟
وشو نفع السهرة
إذا الكهربا بتمرق متل الحلم؟"
القصيدة هنا ليست تجميلًا، بل نقدٌ ناعم، بلغة لا تُدين ولكنها تُعرّي الواقع.
سادسًا: عناصر الإبداع: من الصوت إلى البُعد المسرحي
من يقرأ الديوان بصوت عالٍ، يلمح بسهولة أن القصائد تكاد تكون مكتوبة للإلقاء، بل تمتلك طاقة مسرحية. فهناك شخصيات، نبرة، توقّف مقصود، وتقطيع إيقاعي. كل قصيدة كأنها مونولوغ داخلي يُؤدّى لا يُقرأ، مما يفتح مجالاً لتحويل بعض النصوص إلى مشاهد درامية أو غنائية، تُنشد على وقع آلات شرقية.
ديوان يفتح الأبواب لا يغلقها
"لغة لبنانية تقتحم اللحظات" ليس مجرد عنوان، بل بيان شعري. ففي زمن يتراجع فيه دور الشعر، يأتي مالك طوق ليذكّر أن اللغة – عندما تكون صادقة وشجاعة – قادرة على اقتحام اللحظة، وتثبيتها في وجدان القارئ. الديوان ليس رثاءً للبنان، بل محاولة لتثبيت هويته الشعورية عبر القصيدة.
هو نصّ يطرح أكثر مما يجيب، ولكنّه يقول بكلمات قليلة ما لا تستطيع السياسة أو الأخبار أو التحاليل أن تعبّر عنه: أن تكون لبنانيًا يعني أن تحيا على حافة الجُرح، ولكن بكامل أناقتك الشعرية.
تحية إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية
والغبطة البطريرك الماروني
غداة تقديس الأب شربل مخلوف قديسًا
في هذه المناسبة الروحية والوطنية العظيمة، نرفع إلى فخامتكم والغبطة البطريرك أسمى آيات التهاني والتبريكات بمناسبة إعلان قداسة الأب شربل مخلوف في الفاتيكان.
إنّ هذا الحدث العظيم لا يكرّم فقط رجلاً صالحًا تجلّت فيه معاني القداسة والتجرد، بل هو تتويج لفلسط لبنان الروحي والحضاري، وتعزيز لمكانة وطن الأرز في قلب الكنيسة الجامعة والعالم.
نحن على يقين أن فخامتكم والغبطة البطريرك تدركان الأبعاد الوطنية والروحية لهذا التكريم، وتستنهضان مع الشعب اللبناني معاني الوحدة والتآخي والسلام التي جسّدها القديس شربل في حياته المباركة.
نسأل الله أن يحفظ لبنان بقيادتكم الحكيمة، وأن يمدّكم بالقوة والحكمة لترسموا درب الوطن نحو مستقبل مزدهر، يعمه الأمن والاستقرار والرخاء، مستلهمين من روح القداسة والمحبة التي جسّدها الأب شربل.
مع أصدق التمنيات بالصحة والعافية، وكل التقدير والاحترام.
بمناسبة تقديس الأب شربل مخلوف قديسًا في الفاتيكان
تشرين الأول 1977
السادة القادة السياسيون الأعزاء،
في ظلّ الظروف الاستثنائية التي يمر بها وطننا لبنان، حيث تتفاقم الانقسامات، وتتعمّق الأزمات، نلتقي اليوم أمام حدث روحي عميق يحمل في طيّاته رسالةً واضحةً لكم، قيادات هذا الوطن.
إعلان الأب شربل مخلوف قديسًا في الفاتيكان ليس مجرّد مناسبة دينية، بل هو صرخة إلهية تناديكم إلى تجاوز المصالح الضيقة، والنهج الانقسامي، وإلى تحمل المسؤولية الكبرى في حفظ وحدة لبنان وسلامته.
لقد جسّد شربل في حياته القيم التي نفتقدها اليوم في ساحتنا السياسية: التواضع، الصبر، التضحية، ومحبة الوطن فوق كلّ اعتبار. إنّ قداسته تدعوكم إلى أن تكونوا أنموذجًا في النزاهة، في التسامح، وفي العمل من أجل الخير العام، لا من أجل المصالح الشخصية أو الحزبية.
أيها السادة،
لبنان اليوم يئنّ تحت وطأة خلافاتكم، وشعبه يتألّم من تشرذمكم. لكن في رسالة القديس شربل نرى دعوة إلى الأمل، وإلى الوحدة، وإلى بناء وطن يليق بتاريخ أبنائه وقيمهم.
إنّ عليكم أن تضعوا مصالح الوطن فوق كل اعتبار، وأن تسعوا بصدق إلى حوار بناء، يضع حدًا للعنف، ويؤمّن الأمن، ويعيد ثقة الشعب بقدرتكم على قيادة لبنان نحو مستقبل أفضل.
فلنستلهم من القديس شربل دروس الصمت والعمل والتضحية، ونعمل معًا، بعزم وإيمان، من أجل لبنان واحد، حر، ومستقر.
حفظكم الله، وحفظ لبنان من كلّ مكروه.
وطن
كم هـدّنــي لمّـا اقتربــتُ
لضمّـــهِ
ودفعــتُ روحـي كلَّهــا ترضيــهِ
وأردتُ أنْ أعطيــهِ
كــلّ حشاشتـي
وظننــتُ هذا الحـبّ قد يعنيــــهِ
مســتقبلي قد كانَ
نبضَ فؤادهِ
لم يلتفــتْ بل غابَ في ماضيــهِ
ايــنَ الوعـودُ وأينَ
ما أعطيتــهُ
لو كانَ يبغــي خافـقي أعطيــهِ
مرّتْ ســنونُ الهجـرِ
كم أشـقى بها
قد كــانَ يعصـى الشوقَ بلْ يُدميهِ
وأنا اقتربــتُ من المذلّــةِ
لم أخفْ
بلْ زدتُ في ذلّــي لكي أكفيــــهِ
ودفعتُ عمري في رحابِ
توجّــعٍ
أُبْـــدي الغرامَ ودائمــاً يخفيــهِ
ســنواتُ هذا الحــبّ
كمْ أتعبننــي
إنّـي زرعــتُ وهــا أنـا أجنيهِ
دمعٌ وذلٌّ وانكســارُ
مشـــاعرٍ
وطــنٌ تعـوّدَ أن يبيـعَ بنيـهِ
الشّــقي
إلى كل عاملٍ وكادحٍ وصانع حياة في عيد العمــل
من شــهقة الفجـرِ حتى غصّةِ
الطــرقِ
يمشي على السَّــطر بين الحبـــرِ والــورقِ
يصحــو مع الغيــمِ لا يلوي
على تعــبٍ
يســـقي المسـافـاتِ بالإصــرارِ والعـَـرقِ
قــدْ شَـــيّـدَ الكـونَ منــذُ الطينِ
ســاعدُهُ
وحقلَـــنَ القحْــطَ أرسـى روعــةَ الحبـقِ
لولاهُ ما كانتِ الأفلاكُ
جاريةً
وســطَ الميــاهِ وفــوقِ المــوجِ والأُفُـقِ
لولاهُ لم يرتفــعْ بيــتٌ
وســاريةٌ
أرســى الأمانَ بــرغمِ الجــهدِ والقلـقِ
أومى إلى القمــحِ صارَ الخيـرُ
أرغفــةً
أعطى وجاع َ وصانَ الخـلْقَ بالخُلُــقِ
كم يحفرُ الصــخرَ والمحراثُ
يحســـدُهُ
كي يـزرعَ الأرضَ بالناياتِ والحَـدقِ
وكم يزاحــمُ وحـشَ الليــلِ
في دعــةٍ
ما قــالَ يـومـاً لأطيــارِ السّـنا احترقي
ضـمّ الفراشـاتِ نحو القلبِ
أودعَهــا
حقلَ الضميــرِ وعَــلَا صوتُهُ انطلقي
في عيـدهِ اليـومَ والدنيــا
تلاحقُــهُ
بالفقــرِ والجــوعِ لا يشــكو من المَلـَقِ
يصيــحُ بالكــونِ إنّي قـدْ
أبحْـتُ دمــي
ولســتُ أبحـثُ عن تيجانَ في السّبقِ
ويكْفنــي اليومَ انَ الناسَ
هانئــةٌ
وفي مرايايَ ألقـى كم غـدوتُ شــقي
بعد القديس شربل.
رجاء لبناني بقافلة من القديسين الجدد
في تشرين الأول 1977، خطا لبنان خطوة روحية هامة برفع الأب شربل مخلوف إلى مصاف القديسين في الفاتيكان. لم يكن هذا الحدث مجرد تكريم ديني، بل كان إشراقة أمل جديدة لبلد يئنّ تحت وطأة الانقسامات والحروب. شربل، الراهب المتواضع الذي عاش في صمت وتجرّد، صار اليوم رمزًا لحياة القداسة التي يمكن أن تشرق من عمق الأرض اللبنانية، وتضيء دروب المستقبل.
لقد أتى تقديس شربل ليعيد إلى اللبنانيين ثقتهم بأن وطنهم ليس محكومًا بالفرقة والتفكك فقط، بل هو حاضن لقيم روحية عميقة تستحق أن تُحتفى بها على الصعيد العالمي. هو تذكير بأن لبنان، رغم أزماته، قادر على إنتاج قديسين يمثلون رسالة المحبة والتسامح والرجاء.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى شربل كحالة فردية، بل كبداية لقافلة من القديسين الجدد الذين سيحملون مشعل لبنان نحو غد مشرق. هذه القافلة تتكون من كل من يسير في درب القداسة الحقيقية، سواء في التواضع، الصبر، التضحية، أو في خدمة الآخر دون انتظار مقابل.
على الصعيد السياسي والاجتماعي، يواجه لبنان في هذه المرحلة تحديات جسيمة: نزاعات طائفية، انقسامات داخلية، وضع أمني هش، وأزمات اقتصادية تراكمية. في هذا الواقع المأزوم، يشكل تقديس شربل دعوة واضحة إلى تجاوز الانقسامات، والعودة إلى قيم مشتركة تُعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد.
إن القداسة هنا ليست مجرد حالة روحية خاصة، بل تُعتبر نموذجًا أخلاقيًا وسياسيًا يُلهم القيادات والناس على حد سواء، ليعيدوا الاعتبار إلى الحوار، إلى الاحترام المتبادل، وإلى التضحية من أجل الصالح العام، لا من أجل مكاسب شخصية أو حزبية.
وهكذا، يتحول شربل من شخصية دينية إلى رمزٍ وطني جامع، يشكل عاملًا موحّدًا يذكر اللبنانيين بأن قوتهم الحقيقية تكمن في وحدتهم وتضامنهم، وأن خلاص لبنان لا يأتي إلا من خلال بناء الإنسان وتقديس القيم التي تحترم الحياة والكرامة.
الأمل اللبناني، إذن، ليس في المفاوضات السياسية فقط، بل في تحول حقيقي في الروح الوطنية، يرتكز على قيم القداسة التي جسدها شربل. الأجيال القادمة بحاجة إلى قديسين يُمثلون مزيجًا بين الروحانية والالتزام الوطني، ليقودوا لبنان نحو المستقبل.
في ظل هذه القناعة، يمكننا النظر إلى تقديس شربل كخطوة أولى في قافلة القديسين الجدد التي تحتاج إليها بلاد الأرز اليوم، من أجل أن تنجو من أزماتها، وتعيد كتابة فصل جديد من تاريخها، فصل يبشر بالسلام والازدهار.
رجاء لبناني بقافلة من القديسين الجدد
في تشرين الأول 1977، خطا لبنان خطوة روحية هامة برفع الأب شربل مخلوف إلى مصاف القديسين في الفاتيكان. لم يكن هذا الحدث مجرد تكريم ديني، بل كان إشراقة أملٍ جديدة لبلد يئنّ تحت وطأة الانقسامات والحروب. شربل، ذلك الراهب المتواضع الذي عاش في صمت وتجرّد، صار اليوم رمزًا لحياة القداسة التي يمكن أن تشرق من عمق الأرض اللبنانية، وتُضيء دروب المستقبل.
لقد أتى تقديس شربل ليعيد إلى اللبنانيين ثقتهم بأن وطنهم ليس محكومًا بالفرقة والتفكك فقط، بل هو حاضن لقيم روحية عميقة تستحق أن تُحتفى بها على الصعيد العالمي. هو تذكير بأن لبنان، رغم كل أزماته، قادر على إنتاج قديسين يمثلون رسالة المحبة والتسامح والرجاء.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى شربل كحالة فردية، بل كبداية لقافلة من القديسين الجدد الذين سيحملون مشعل لبنان نحو غد مشرق. هذه القافلة تتكون من كل من يسير في درب القداسة الحقيقية، سواء في التواضع، الصبر، التضحية، أو في خدمة الآخر دون انتظار مقابل.
الأمل اللبناني، إذاً، يكمن في إعادة بناء المجتمع على أسس روحية وإنسانية، على غرار حياة القديس شربل الذي صنع من صمته شهادة وصلاة، ومن عزلته مدرسة للرجاء. الأجيال القادمة تحتاج إلى قديسين لا يُنظر إليهم فقط كرموز دينية، بل كقدوات في الأخلاق الوطنية والمجتمعية، يقودون لبنان نحو الوحدة والوفاق.
لا شك أن لبنان يمرّ في مفترق طرق، لكن في قلب هذه المحنة تكمن دعوة مقدسة لكل أبنائه: أن يسيروا على خطى القديس شربل في نكران الذات، وفي محبة الإنسان، وفي بناء وطن يتجاوز الخلافات إلى أفق أخلاقي وروحي جديد.
إن تقديس شربل هو رسالة للعالم بأن لبنان، رغم تحدياته، هو بلد القداسة والرجاء، بلد يحمل في داخله بذور الفرح والسلام. فلنحتفل بهذا الحدث العظيم، ولننظر إلى المستقبل بثقة وإيمان بأن قافلة القديسين الجدد ستنير دروب لبنان، وتعيد إليه مجده الروحي والوطن.
نور في زمن الظلام
في لحظةٍ استثنائية من تاريخ لبنان، حين تزداد ظلال الحرب والفرقة، يصعد نور القداسة ليضيء سماء وطننا. إعلان الأب شربل مخلوف قديسًا في الفاتيكان ليس مجرّد حدث دينيّ فحسب، بل هو رسالة أمل وطمأنينة لكلّ اللبنانيين، من كلّ الطوائف والمناطق.
شربل، الرجل الذي اختار العزلة والصمت، هو اليوم رمزٌ للوحدة الروحية التي يتوق إليها لبنان. هو شاهدٌ حيّ على أنّ لبنان قادرٌ أن يُنتج قديسين حقيقيين، قديسين يعيشون في صمت، بعيدًا عن الصراعات، لكن بقوة إيمانيّة تُغَيّر القلوب.
هذه اللحظة التاريخية تذكّرنا جميعًا بمهمتنا المقدسة: أن نحافظ على لبنان، هذا الوطن الصغير بحجمه الكبير بروحه، وأن نُعيد بناءه على قيم المحبة، التواضع، والتسامح. إنّ شربل القديس هو لنا قدوة، ونحن مدعوّون لأن نستلهم من حياته رسالة السلام والرجاء.
فلنجعل من هذا الحدث نقطة انطلاق جديدة، نعيد فيها رسم ملامح لبنان الإنسان، لبنان الرسالة، لبنان الذي لا يموت مهما عصفت به العواصف.
في زمن الغضب، شربل هو صوت الصبر.
في زمن الفرقة، شربل هو نداء الوحدة.
وفي زمن اليأس، شربل هو بشارة الرجاء.
فلنحتفل جميعًا بتقديس شربل، ولنصنع من إيمانه نبراسًا ينير دروبنا نحو المستقبل.
شربل قديسًا. ولبنان ينهض من رماده
مقال إلى الرأي العام اللبناني – تشرين الأول 1977
بينما تتقاذف لبنان رياح الانقسام، وتُثقله جراح الحرب، أطلّ صوت رجاء من قلب الفاتيكان ليقول لنا: لبنان ليس منسيًا، ولا ميؤوسًا منه. ففي لحظة تاريخية، وأمام أعين العالم، رُفع الراهب اللبناني المتواضع شربل مخلوف إلى مرتبة القديسين، لا كمجدٍ شخصي، بل كوسام يُعلّق على صدر الوطن بأكمله.
في الرابع عشر من تشرين الأول، لم يُعلن الفاتيكان فقط قداسته، بل أعاد الاعتراف بلبنان الرسالة، لبنان الروح، لبنان الذي من ترابه يمكن أن تخرج قداسة تهزّ ضمير البشرية. كان الحدث كنسيًا، نعم، لكنه في الجوهر، كان وطنيًا بامتياز. ففي زمن يعاني فيه اللبناني من الغربة داخل وطنه، جاء شربل ليعيد إليه شعور الانتماء.
لقد تأثّر اللبنانيون جميعًا، من مختلف الطوائف والمناطق، تأثروا لأنّ أحدهم، أحد الفقراء، أحد الصامتين، صار شفيعًا في السماء. وكان لهذا الحدث وقعٌ لا يُقاس بالكلمات: شعور بالكرامة المستعادة، بإمكانية النهوض، بأنّ الله لا يترك شعبه في زمن المحنة.
اللبناني الذي فقد الأمل بالسياسة، استعاد الرجاء بالقداسة. المواطن الذي تعب من وعود الساسة، رأى في شربل وعدًا لا يخيب. لم يتكلّم شربل يومًا على منبر، لكنه صار صوتًا داخليًا لكلّ من يبحث عن معنى وسط الخراب.
إن إعلان شربل قديسًا لم يأتِ من باب المجاملة، بل نتيجة حياة نسكية متجردة، دفنت ذاتها في المحبسة لتولد من جديد في قلوب المؤمنين. هذا الحدث وحده كفيل بأن يوقظ فينا الأسئلة التي تهرب منها السياسة: من نحن؟ إلى أين نمضي؟ وكيف ننجو؟
الجواب قد لا يكون عند الزعماء، بل عند القديسين. قد لا يكون في المؤتمرات، بل في المحابس. وقد لا يكون في البنود، بل في النبض الصادق الذي لا يخاف الله، ولا يساوم عليه.
شربل ليس فقط قديسًا للمؤمنين، بل هو مرآة للضمير الوطني. هو دعوة إلى المصالحة الداخلية، إلى الصمت البنّاء، إلى أن نبحث عن حلولنا في العمق لا في السطح. لقد قال لنا بصمته: يمكنكم أن تكونوا شعبًا حيًّا رغم الموت، شعبًا متجددًا رغم الاحتراق، ووطنًا قائمًا رغم التشظّي.
أيها اللبنانيون، شربل ارتفع. فهل نرتفع معه؟
شربل قدّس حياته، فهل نطهر نحن حياتنا العامة؟
شربل وحدنا حول قداسته، فهل نوحّد نحن وطننا حول خلاصه؟
إن لبنان الذي أنجب قديسًا لا يجوز أن يكون وطنًا يائسًا. فلنصغِ إلى صوته الهادئ يهمس في صخبنا: "عودوا إلى نفوسكم. إلى إنسانكم. إلى الله".
تأثير تقديس القديس شربل على معنويات الشعب اللبناني – تشرين الأول 1977
في زمنٍ أثقلته الحرب، وأدمته الطائفية، وأتعبته الانقسامات، أطلّ حدث روحي من نوعٍ آخر ليحمل إلى اللبنانيين ما افتقدوه طويلًا: الرجاء. ففي الرابع عشر من تشرين الأول 1977، حين أُعلن الأب شربل مخلوف قديسًا في الفاتيكان بحضور البابا يوحنا بولس الثاني، شعر اللبنانيون بأنّ سماءهم فتحت من جديد، وأنّ يدًا إلهية امتدّت فوق وطنهم المجروح.
لقد جاء تطويب شربل في لحظة بدا فيها اليأس سيدَ الموقف، والرصاص لغة الشارع، وفقدان الثقة بين أبناء الوطن هو الواقع اليومي. فجأة، تحوّل التركيز من جبهات القتال إلى مذابح القداسة. وكأن صوتًا خفيًّا قال للبنانيين: "رغم كلّ شيء، لا يزال فيكم من يستحقّ أن يُرفع إلى السماء".
أحيا هذا الحدث في وجدان اللبنانيين الإيمان بأن الأرض التي أنجبت قديسًا لا يمكن أن تكون أرضًا ملعونة. وأن التراب الذي مشى عليه شربل، وصعد منه إلى السماء، لا يُمكن أن يبقى ساحة للحقد والكراهية. فأمام مذبح روما، شعر كلّ لبناني بأنه ممثّل، وأن لبنان لم يَعُد منسيًّا، بل صار حاضِرًا في قلب الكنيسة الجامعة، ومن خلالها في قلب العالم.
في الجبال والقرى، في المدن والمهاجر، ارتفعت الصلوات وذُرفت الدموع. لم تكن دموعًا حزينة، بل مزيجًا من الفرح والدهشة، من الحنين والتوبة. سأل كثيرون أنفسهم: من نحن لننجب قديسًا؟ وكيف نحافظ على وطن يخرج من بين أبنائه من صار شفيعًا للإنسانية كلها؟
الأثر المعنوي الأعمق، ربما، هو ما شعرت به الأجيال الشابّة. وسط الضياع والحرب، وجدوا في شربل نموذجًا مختلفًا: رجلًا بسيطًا، فقيرًا، مجهولًا في حياته، لكنّه صار في مماته نورًا وشهرة. أعاد إليهم الثقة بأن القداسة ليست حكرًا على الغرباء، بل تُولد في بيوت ترابية، وتُروى بالدموع والصلاة.
وأكثر من ذلك، وحدّ شربل ما لم تستطع السياسة توحيده. اجتمع حوله المسيحيون والمسلمون، الفقراء والأغنياء، القريبون والبعيدون. لم يسألهم عن طوائفهم، ولا عن اصطفافاتهم. اكتفى بأن يفيض عليهم نورًا وشفاء، وسلامًا داخليًا نسيه كثيرون.
لقد أعاد القديس شربل للبنان وجهه الروحي، وأحيا فيه نبوءة "وطن الرسالة"، لا بالسلاح، بل بالسكينة. صار أيقونة حيّة، تعبر من الكنائس إلى البيوت، ومن المحبسة إلى المستشفيات، ومن الماضي إلى المستقبل. صار شفيع الرجاء في وطن يفتش عن نفسه بين الركام.
تقديس شربل لم يكن مجرّد إعلان لاهوتي، بل لحظة نهوض معنوي لشعبٍ كان على حافة الانهيار الروحي. لقد ذكّرهم أنّ الله لم ينسَهم، وأن قديسيهم ما زالوا يعملون في الخفاء من أجل خلاصهم.
يا شربل، في المحبسة وجدتَ حريّتك. بينما كنا نظن أن العزلة سجن، اكتشفتَ فيها وجه الله. أعطنا أن نفهم أن الوحدة ليست هروبًا، بل لقاء.
يا شربل، حين جاعت روحك، لم تلجأ إلى العالم، بل إلى الكتاب المقدّس. علّمنا أن نعود إلى الكلمة، أن نغذّي قلوبنا من نور الإنجيل لا من ضجيج الشاشات.
يا شربل، جسدك ضعف، لكن إيمانك لم يضعف. كنت تتهاوى على الأرض، لكنك كنت قائمًا في الروح. ساعدنا لنحبّ ضعفنا، لأنه المكان الذي يظهر فيه الله قويًّا.
يا شربل، لم تطلب شيئًا لنفسك، وكلّ ما كان عندك كان قليلًا. ومع ذلك، امتلكت سلامًا لا يعرفه من يملكون كلّ شيء. خذ منّا قلق الامتلاك، وامنحنا فرح القناعة.
يا شربل، عشت دون أن تنتظر عرفانًا أو شكرًا. كنت ترى في كلّ ما تفعله خدمة لله وحده. حرّرنا من الحاجة إلى التصفيق، وعلّمنا أن نعمل في الخفاء، حيث يرى الله.
يا شربل، لم تكن كلمتك عالية، لكن حياتك كانت صرخة. في زمن الكلام، نحتاج إلى حياة تشهد. علّمنا أن نكون مثالًا لا جدلًا.
يا شربل، كنت تزرع البستان، كأنك تزرع الأمل. لم تحتقر العمل اليدوي، بل رأيت فيه امتدادًا للصلاة. اجعل من تعبنا اليومي مناسبة لتقديس الوقت والمكان.
يا شربل، عندما أصغيتَ إلى الناس، أصغيت بقلبك لا بأذنك. لم تعظ كثيرًا، لكن حضورك كان كافيًا. علّمنا أن نكون حضورًا شافيًا لا كلامًا مكرّرًا.
يا شربل، حين سقط الجسد، بقي القلب واقفًا. وحين صمت فمك، صار قبرك يتكلّم. اجعل من موتنا رجاءً حيًّا، لا نهايةً خائفة.
يا شربل، جعلت من التراب طريقًا إلى السماء، ومن الزهد جسرًا إلى المجد. خذ منّا حب الظهور، وامنحنا سرّ الخفاء.
الأب شربل قديسًا: لبنان يدخل قلب الكنيسة الجامعة من باب المحبسة
تشرين الأول 1977
في لحظة هي من صلب الأزمنة الإلهية، شاءت العناية أن يُرفع وجه لبنان إلى مصاف القداسة، لا من خلال معارك أو اتفاقات أو قمم سياسية، بل من داخل محبسة وادي عنايا، حيث اتّحد الناسك اللبناني يوسف شربل مخلوف بالله بصمت لا يعرف صخبًا، وبتجرد لا يعرف مصالح.
في هذا الشهر المبارك، أكتوبر 1977، ارتفعت صورة الأب شربل في بازيليك القديس بطرس في روما، وتلفّظ البابا يوحنا بولس الثاني بإعلانه قديسًا على مذابح الكنيسة الجامعة، فكانت هذه اللحظة ذروة لقاء بين الشرق الروحي والغرب الكنسي، بين أرض الأرز وكرسي بطرس، بين سماء الله ووطن الإنسان.
إن سرّ الأب شربل يكمن في لاهوته الصامت. لقد اختبر الإيمان كخبرة حياة وليس كتنظير عقائدي. ذاب في الأسرار، وتلاشى أمام وجه الرب، فصار أيقونة حيّة للقداسة في هذا العالم. من صلاته المتواصلة، ومن سجوده العميق، خرجت معجزات تشهد على حضور الله في الإنسان، لا سيّما في الإنسان اللبناني المجروح، الذي لا يزال يبحث عن ذاته وسط رماد الانقسامات.
لم يكن شربل معلّمًا في اللاهوت، لكنه علّم البشرية دروسًا في الاتّكال الكلي على الله. لم يحمل سلاحًا، لكنه قاتل الشك بالصلاة، والحقد بالمحبة، والتشويش بالصمت. لقد أدرك أن لبنان لا يُبنى فقط بالقوانين والدساتير، بل يُبنى بالقديسين الذين يصلّون من أجله، ويقدمون آلامهم من أجل خلاصه.
رفعه إلى قديس لا يعني تمجيد فرد، بل تكريس وطن. الفاتيكان، وهو يعلن قداسته، إنما يعلن أن لبنان ليس مجرّد كيان سياسي، بل هو مشروع روحي. وأن الرسالة اللبنانية، حين تتجرد من المصالح، تصير شهادة كونية. من عنايا إلى روما، ارتفعت أرزة لبنان لتلامس سقف السماء.
في زمن الحروب، أتى صوت الكنيسة ليقول للبنانيين: أنتم شعب يقدر أن ينجب قديسين. فلتكن هذه المناسبة دعوة لعودة إلى الجذور، إلى الصمت البنّاء، إلى الروحانية الأصيلة، إلى المحبة التي لا تطلب ما لنفسها.
إن شربل، وهو يدخل روزنامة القديسين، يدعونا نحن – أهل الأرض – أن ندخل في مسيرة التقديس. فلا سياسة من دون ضمير، ولا وطن من دون صلاة، ولا خلاص من دون توبة.
شربل قديس لبنان: من صمت المحبسة إلى مذابح القداسة في روما
تشرين الأول 1977
في يوم خريفي مشمس من أيام تشرين الأول، وقف لبنان كله خاشعًا أمام قداسة اللحظة التي شهدت إعلان الأب شربل مخلوف قديسًا في الفاتيكان، على يد الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني. لم يكن الأمر مجرد تكريم لراهب لبناني عاش في النسك والصمت، بل كان تتويجًا لمسيرة وطن في الإيمان، وتكريسًا لدور لبنان الرسالة، هذا الوطن الصغير بحجمه، الكبير بدعوته.
لقد جاء تطويب الأب شربل، ورفعه إلى مصاف القديسين، حدثًا فريدًا يتجاوز الإطار الروحي والطقسي، ليبلغ أبعادًا وطنية وثقافية وسياسية. فالفاتيكان، وهو يعلنه قديسًا في قلب روما، إنما يعترف برسالة لبنان الروحية التي تمثّلت في هذا الراهب الذي انسحب من العالم ليقدّس العالم.
إن حضور البابا يوحنا بولس الثاني شخصيًا حفل التقديس، في واحدة من أولى إطلالاته البابوية، لم يكن مجرد بادرة تقليدية. بل هو تأكيد على أن الكنيسة الكاثوليكية ترى في لبنان أكثر من وطن، تراه منارة في هذا الشرق المضطرب، وسفينة إيمان وسط عواصف العنف والحرب.
الأب شربل، ابن بقاعكفرا ومحبسة عنايا، لم يكن يومًا منخرطًا في السياسة أو الشأن العام، لكن حياته كانت بحد ذاتها فعل مقاومة روحية في وجه الفساد، وموقفًا صامتًا في زمن التشرذم. في قداسته دعوة لنا – نحن السياسيين – أن نتطهّر من أهوائنا، وأن ننصت لصوت الضمير.
ولعل ما يزيد من أهمية هذه المناسبة هو توقيتها، فهي تأتي في لحظة دقيقة من تاريخ لبنان، بعد سنوات من الحرب الأهلية التي مزقت نسيجه. فبينما تتراشق البنادق على الأرض، يتوحد اللبنانيون في السماء تحت راية قديس واحد، هو شربل، جامع المختلفين، وشفيع التائبين، ونبض الرجاء في أمة تتوق إلى الخلاص.
إن الأب شربل ليس فقط قديسًا للمسيحيين، بل هو أيقونة للبنانيين جميعًا، بل للإنسانية كلها. وهذا الاعتراف العالمي بقداسته يحمّلنا نحن، كسياسيين ومؤمنين، مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على وجه لبنان الحضاري، وعلى صيغة العيش المشترك التي يشهد لها العالم.
في روما، ارتفعت صورة شربل بين القديسين، لكنها في الحقيقة كانت صورة لبنان، ذلك الوطن الذي أنجب قديسًا عالميًا من ترابه، ليثبت أن الرسالة لا تموت، وأن القداسة لا تعرف حدودًا.
شهد شهر كانون الأول من عام 1977 تصاعدًا خطيرًا في وتيرة التوتر الأمني والعسكري في جنوب لبنان، حيث عادت الاعتداءات الإسرائيلية لتتصدر المشهد، موسّعة نطاق عملياتها العسكرية بشكل غير مسبوق منذ أشهر. وقد شاركت المدفعية الثقيلة الإسرائيلية، إلى جانب الطيران الحربي والزوارق البحرية، في استهداف مواقع لبنانية ومخيمات فلسطينية، مما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير منازل وبنى تحتية في مناطق متعددة، أبرزها النبطية وصور ومرجعيون والعباسية.
هذا التصعيد يتجاوز الردود التقليدية على عمليات الفدائيين، ويشير إلى نية إسرائيل دفع الأمور نحو مواجهة أوسع، أو استغلال الفوضى اللبنانية لتحقيق أهداف جغرافية وأمنية جديدة، تحت غطاء الدفاع عن أمن الجليل.
في ظل هذا التطور، تُطرح تساؤلات كبرى حول جدوى تطبيق اتفاق القاهرة المتجدد، الذي أُعيد التفاهم عليه في الأسابيع الماضية، خصوصًا أن الفصائل الفلسطينية لم تلتزم حتى الآن بشكل حازم ببنود هذا الاتفاق، بل تبدو متأرجحة بين الحسابات الميدانية والضغط السياسي.
تُضاف إلى ذلك زيارة بعثة عسكرية لبنانية إلى الجنوب، التي جرت بصمت وتكتم، وهي خطوة تمهيدية مهمة يفترض أن تُترجم لاحقًا بخطة انتشار للجيش اللبناني في مناطق النزاع، ما يطرح تحديات على صعيد جهوزية الدولة، ومدى قبول القوى الفلسطينية والمقاومة لهذه العودة المرتقبة.
المؤشرات تدل على أن الجنوب يتحول مجددًا إلى ساحة اختبار للسيادة اللبنانية، ولسياسات الردع العربية، ولقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت دورها الأمني، وسط انقسام سياسي داخلي وارتباك في القرار الوطني.
إن عودة التوتر بهذه الحدة، عشية الاستحقاقات الاقتصادية الصعبة، خصوصًا مع مناقشة مشروع الموازنة العامة، يطرح على الحكومة الحالية مسؤولية مضاعفة، حيث بات من الضروري دمج البُعدين الأمني والاقتصادي ضمن خطة واحدة وطنية، تقطع الطريق على أي تلاعب خارجي أو تمدد للفوضى في مناطق أكثر.
من هنا، يرى السياسي المسيحي أن أي تأجيل أو تردد في الحسم، سواء في الجنوب أو في مجمل الملف الفلسطيني – اللبناني، لن يؤدي إلا إلى تكرار دوّامة العنف، وضياع الفرص المتاحة للسلام، إن وُجدت.
مبادرة الجزائر بين النوايا الطيبة واستحقاقات الوفاق اللبناني
في ظل التمزق الداخلي الحاد، والانقسامات الطائفية والمناطقية التي تتعمق يومًا بعد يوم في جسد الوطن اللبناني، جاءت مبادرة الجزائر في تشرين الأول 1986 كإشارة سياسية ذات دلالة مزدوجة: من جهة تعكس حرص دولة عربية غير متورطة في النزاع اللبناني على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء اللبنانيين، ومن جهة أخرى تؤكد ضرورة التوصل إلى حل لبناني-لبناني لا يُفرض من الخارج ولا يُرسم في كواليس العواصم الكبرى.
زيارة الموفد الجزائري إلى بيروت ولقائه المرجعيات الروحية، وعلى رأسها البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في بكركي، تحمل في طياتها رغبة واضحة في الإصغاء، لا الإملاء، وفي التشجيع على التواصل الداخلي، لا الوساطة الخارجية بالمعنى الضاغط. وقد أكد الموفد في أحاديثه أهمية عودة الحوار اللبناني – اللبناني كمدخل وحيد لحل الأزمة، وعبّر عن دعم الجزائر لأي جهد داخلي يحقق الوفاق ويحفظ سيادة لبنان واستقلاله ووحدته.
إن المبادرة الجزائرية، في مضمونها، لا تنتمي إلى مسار الاصطفافات الإقليمية ولا إلى محاور الصراع التقليدية، بل ترتكز على رؤية توافقية عروبية تؤمن بوحدة لبنان وتنوعه، وتدعو إلى صون العيش المشترك كأولوية قبل أي تسوية سياسية. وهذا ما يجعل من المبادرة فرصة ينبغي التعامل معها بواقعية وصدق نية، لا بشكوك وانغلاق.
لبنان اليوم، بعد مرور أكثر من إحدى عشرة سنة على اندلاع الحرب، أصبح أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى مساندة عربية نزيهة تحترم إرادته وتساعده على تخطي مآزقه دون أن تصادر قراره. والجزائر، بتاريخها النضالي وتجربتها السياسية الخاصة، قادرة على لعب دور أخلاقي وإنساني في هذا السياق، من دون أن تقع في فخ التدخل أو الانحياز.
لكن، لا يكفي وجود مبادرة صادقة حتى يتحقق الوفاق. فالحل يمر أولًا بقبول الفرقاء اللبنانيين الجلوس إلى طاولة واحدة، والتخلي عن رهانات الخارج، والاعتراف بأن لا غالب ولا مغلوب، وأن لا أحد يمكنه فرض مشروعه على الآخرين بقوة السلاح أو الدعم الخارجي.
إن من واجب القوى المسيحية والوطنية أن تبادر إلى تلقف هذه المبادرة بروح مسؤولة، وأن تحرص على صون التوازن الوطني، عبر الانفتاح على الطروحات الآتية من الدول الصديقة، لا سيما تلك التي لم تسهم في تغذية الحرب، بل بقيت على مسافة واحدة من الجميع. كما ينبغي الضغط باتجاه تفعيل دور جامعة الدول العربية لتكون حاضنة لأي تفاهم داخلي، بمشاركة الجزائر وأطراف عربية أخرى، كالمملكة العربية السعودية والمغرب.
مبادرة الجزائر تشكل نافذة أمل، لكنها تحتاج إلى أرضية وطنية لبنانية تُسندها، وإلى وعي سياسي يُخرِج الفرقاء من متاريس الحرب إلى منبر الحوار. فهل يتلقف اللبنانيون هذه الفرصة، أم يُضيّعونها كما ضيّعوا غيرها في زمن الانقسام والمكابرة؟
"الإنقاذ الاقتصادي يبدأ بصمود الإنسان اللبناني"
في ظل التدهور المتسارع الذي يعيشه الاقتصاد اللبناني، ومع الانهيارات المتلاحقة في سعر صرف الليرة، وتراجع القدرة الشرائية، وتفاقم نسب البطالة، تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة لا تقتصر على الأرقام والسياسات النقدية، بل تتأسس على الإنسان اللبناني كمرتكز أول لأي مشروع إنقاذ حقيقي. فالاقتصاد لا ينهض من دون شعب صامد، عامل، ومنتج، ومؤمن بالوطن.
لقد وصلت الأزمة إلى أعماق الحياة اليومية للمواطنين. إن استمرار الحرب، وتفكك مؤسسات الدولة، وفقدان الثقة بالعملة الوطنية، والانكفاء الاستثماري، كلها عوامل جعلت من الاقتصاد اللبناني في خريف 1986 ساحة من الخراب. ولكن ما زال هناك أمل، شرط أن نعيد الاعتبار للعنصر البشري.
الإنقاذ يبدأ أولًا بإعادة تثبيت الناس في أرضهم. لا يجوز أن يُختزل الإنقاذ بخطط مالية أو بعقد مؤتمرات دولية للمساعدات فحسب، بل يجب أن يُبنى على مبدأ حماية الإنسان اللبناني، اجتماعيًا واقتصاديًا، في بيئته المحلية. المطلوب، قبل أي شيء آخر، هو تحفيز المبادرات الفردية، تأمين استقرار معيشي نسبي، حماية القدرة الشرائية، وتنشيط الاقتصاد المنتج بدل الريعي.
كما لا بد من إيقاف النزف البشري. الهجرة الجماعية التي تفرغ لبنان من موارده البشرية هي خسارة لا تُعوَّض. فكيف يُبنى اقتصاد بلا شباب؟ وكيف تُبعث دورة الإنتاج من دون يد عاملة متجذّرة في الوطن؟ لقد أصبح من الضروري توفير الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي، من خلال دعم الأسر المتوسطة والفقيرة، وتثبيت سعر الليرة، وتوجيه الموارد لدعم القطاعات الإنتاجية لا السياسية.
إن السياسة المالية يجب أن تتغيّر جذريًا، لتصب في خدمة الإنسان لا السلطة. كما يجب تحفيز الصناعات الصغيرة، ودعم الزراعة، وتشجيع الاستثمارات المحلية في بيئة آمنة. وعلى الرغم من الحرب، هناك مناطق لبنانية ما زالت قادرة على العمل والإنتاج، لكنها بحاجة إلى مظلة أمنية وسياسية تحمي جهدها.
الأهم من ذلك كله هو إعادة الثقة. المواطن فقد ثقته بالدولة، بالمصارف، بالعملة، وبالمستقبل. ولا يمكن بناء اقتصاد من دون هذه الثقة. من هنا، نرى أن أي مشروع إنقاذي يجب أن يترافق مع مشروع سياسي لإعادة الشرعية إلى الدولة، وتفعيل الحوار الوطني الجامع، وصولًا إلى وقف الحرب.
نحن بحاجة إلى تضافر وطني جامع، تشارك فيه كل القوى، ومبادرات من المغتربين اللبنانيين، ومن الدول الصديقة، خصوصًا تلك التي لا تطلب أثمانًا سياسية لمساعداتها. فالحل لبناني أولًا، لكنه بحاجة إلى شبكة دعم خارجية نزيهة.
من دون الإنسان اللبناني، لا اقتصاد، ولا وطن. ومن هنا نرفع الصوت: إنقاذ الاقتصاد يبدأ بإنقاذ الإنسان اللبناني من الفقر، من الإحباط، من الهجرة، ومن اليأس.
المساعدات العربية ضرورة استراتيجية لصمود لبنان في وجه الضغوط الاقتصادية والسياسية
في خضمّ الأزمات المتلاحقة التي يعاني منها لبنان، والتي بلغت في كانون الأول 1986 ذروتها على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، يبدو واضحًا أن الضغوط التي يتعرض لها لبنان لم تعد محصورة في الميدان العسكري والأمني فحسب، بل باتت تتخذ طابعًا اقتصاديًا خانقًا يهدف إلى إخضاع إرادته الوطنية وكسر صموده التاريخي.
إنّ الانهيار التدريجي للعملة الوطنية، والتضخم المتصاعد، والانكماش الحاد في الإنتاج، وتراجع التحويلات، كلّها مؤشرات على حرب اقتصادية غير معلنة تُشنّ على اللبنانيين، ترمي إلى إرغامهم على القبول بتسويات سياسية تمس بسيادتهم واستقلالهم. وفي مواجهة هذه الضغوط، بات لزامًا على القوى الوطنية، وعلى رأسها القيادات المسيحية المستقلة، أن ترفع الصوت عاليًا مطالبة بدعم عربي مباشر للبنان، يُترجم على شكل مساعدات اقتصادية عاجلة ومنظمة.
إن المساعدات العربية، سواء جاءت من دول مجلس التعاون الخليجي، أو من مصر، أو من المغرب العربي، تمثّل اليوم الخيار الوحيد المتاح لمنع انهيار المجتمع اللبناني بكافة مكوّناته. فالصمود في وجه الاحتلالات والضغوط لا يُبنى فقط على الشجاعة الوطنية والرفض السياسي، بل يحتاج أيضًا إلى سند مالي وإنساني يحفظ الكرامة المعيشية ويمنع الهجرة القسرية.
كما لا يمكن تجاهل أن هذا الدعم العربي يجب أن يكون مشروطًا بعدم التدخل في الشؤون السيادية اللبنانية، وأن يمرّ عبر مؤسسات الدولة الشرعية، وأهمّها الحكومة اللبنانية وبإشراف رئاسة الجمهورية، لتفادي الوقوع في فخّ المساعدات المسيسة أو المشبوهة.
ولأنّ لبنان هو عضو فاعل في جامعة الدول العربية، ومنارة ثقافية وتاريخية للعالم العربي، فإنّ دعمه ليس منّة، بل واجب قومي. فلبنان، بتركيبته ورسالة العيش المشترك، هو ركيزة من ركائز الاستقرار في الإقليم، وانهياره سيؤدّي حتمًا إلى ارتدادات سلبية على كلّ دولة عربية دون استثناء.
من هنا، فإنّنا كسياسيين مسيحيين مستقلين، لا نطالب فقط بدعم اقتصادي، بل بتأسيس صندوق عربي خاص بلبنان، يديره خبراء مشهود لهم بالنزاهة، ويتولى تمويل المشاريع الإنتاجية والبنى التحتية، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، بهدف وقف النزف الاقتصادي، وخلق فرص عمل تمنع الشباب من التسرّب إلى الخارج أو إلى التطرف.
كسر الحصار الاقتصادي المفروض على لبنان هو معركة بحد ذاتها، لا تقل أهمية عن معركة السيادة والاستقلال، والمساعدات العربية اليوم قادرة على أن تكون حاسمة في هذه المواجهة، إذا توفرت الإرادة والنية الحسنة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمصالح الآنية.
دور الفلاسفة اللبنانيين في نهضة شعوب العالم
لعب لبنان، رغم صغر مساحته، دورًا حضاريًا وثقافيًا يفوق حجمه الجغرافي، وأسهم فلاسفته ومفكروه في بلورة مفاهيم إنسانية شاملة أثرت في شعوب العالم بأسره. وقد انطلقت الفلسفة اللبنانية الحديثة من منابت روحية وثقافية تمتزج فيها الموروثات الفينيقية والشرقية مع الفكر الفلسفي الغربي، فنتج عن هذا المزيج خطاب عقلاني، إنساني، وكوني، ساهم في إرساء قيم النهضة، والحرية، والتعددية.
أولاً: الخلفيات التاريخية والثقافية للفكر الفلسفي اللبناني
تميز لبنان بموقع جغرافي وثقافي جعله نقطة التقاء بين الشرق والغرب، ومختبرًا للتعدد الديني والسياسي والثقافي. هذا التعدد لم يولد صراعًا فقط، بل أنتج دينامية فكرية دفعت بعض أبنائه إلى طرح أسئلة فلسفية حول المصير الإنساني، والوطن، والحرية، والعدالة.
وقد ساهم الانتداب الفرنسي، والنهضة العربية، والاحتكاك بالغرب، في تشكيل وعي فلسفي لبناني فريد من نوعه، تفاعل مع الأزمنة الكبرى من خلال رموزه: شارل مالك، كمال يوسف الحاج، ناصيف نصار، ميشال شيحا، مهدي عامل، بولس نعمان، جورج قرم، أنطوان مسرّة، وغيرهم.
ثانيًا: السمات العامة للفلسفة اللبنانية الحديثة
1. الطابع الوجودي والإنساني:
ركز العديد من الفلاسفة اللبنانيين على القيم الوجودية مثل الحرية، الكرامة، والوعي، خصوصًا بعد معايشتهم للحروب الداخلية والتجارب الوطنية المعقدة.
2. النزعة النقدية التغييرية:
يتصف الفلاسفة اللبنانيون عمومًا بنزعة نقدية للموروثات التقليدية، وللسلطة، وللنظام الطائفي، مع طرح بدائل فكرية تستند إلى الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية.
3. البعد الكوني:
لم تكن الفلسفة اللبنانية منغلقة على ذاتها، بل انطلقت من المحلي لتخاطب القضايا الإنسانية الكبرى، كالعنف، الغربة، الحداثة، والهوية، مما جعلها مؤثرة عالميًا.
ثالثًا: أعلام الفلسفة اللبنانية ودورهم النهضوي
1. شارل مالك (1906–1987)
فيلسوف، ديبلوماسي، ومشارك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ركز على الحرية الدينية والكرامة الفردية كأساس لنهضة الشعوب، ودافع عن مكانة الإنسان كمحور الوجود، متأثرًا بالمدرسة الوجودية.
2. كمال يوسف الحاج (1917–1976)
من أبرز منظّري الفكر القومي اللبناني، وأستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية. دعا إلى فلسفة لبنانية مستقلة rooted في اللغة والفكر، ونادى بالروحانية المسيحية المشرقية من دون الانغلاق الطائفي.
3. مهدي عامل (1936–1987)
مفكر ماركسي، سعى إلى تحليل البنية الطائفية في لبنان على ضوء الفلسفة المادية التاريخية، وكتب في كيفية بناء دولة مدنية عادلة قائمة على تحليل جدلي للواقع، ما جعله هدفًا لقوى الظلام الفكري.
4. ناصيف نصار (مواليد 1940)
من أبرز منظّري الفكر العربي العقلاني الحديث. أسهم في إعادة تعريف العلاقة بين الفلسفة والسياسة، والفكر العربي والحداثة، وساهم في بلورة مشروع نقدي يسعى إلى التنوير والتحرر.
5. ميشال شيحا (1891–1954)
فيلسوف سياسي ومصرفي، طرح رؤية عميقة للبنان كوطن للحرية والتعددية، مدافعًا عن الاقتصاد الحر، والديمقراطية الليبرالية، والانفتاح على الغرب. أثرت أفكاره في الدستور اللبناني وفي نموذج التعايش المشرقي.
رابعًا: الأثر العالمي للفكر الفلسفي اللبناني
1. على صعيد السياسة الدولية:
أسهم اللبنانيون في صياغة مفاهيم كونية مثل الكرامة الإنسانية (شارل مالك) وحقوق الإنسان، مما أثّر على البنية الأخلاقية للنظام العالمي.
2. في الفكر العربي النهضوي:
طرح الفلاسفة اللبنانيون نقدًا جذريًا للواقع العربي، وقدموا أدوات تحليلية لتحرير الفكر من التبعية والاستبداد، مما ألهم حركات التغيير والتحرر.
3. في الجامعات الغربية والعالمية:
شغل مفكرون لبنانيون مناصب مرموقة في أهم الجامعات (هارفرد، السوربون، موسكو)، وساهموا في ترويج الفكر العربي العقلاني، والتعريف بالفلسفة الشرقية.
خامسًا: التحديات أمام استعادة الدور الفلسفي اللبناني
الانقسامات الطائفية والشلل السياسي: التي تعيق بناء مشروع وطني عقلاني.
تراجع التعليم الفلسفي: في المدارس والجامعات، وتهميش التفكير النقدي لصالح النقل والتلقين.
الهجرة الفكرية: إذ غادر الكثير من المفكرين إلى الخارج، مما أفرغ الساحة الثقافية من بعض طاقاتها الأساسية.
الفلاسفة اللبنانيين أسهموا، من مواقع مختلفة، في صياغة مفاهيم إنسانية ساعدت على نهضة شعوبهم وشعوب العالم. وقد شكلوا نموذجًا لفكر مشرقي عقلاني، متجذر في واقعه، ومنفتح على الإنسانية جمعاء. إن إعادة الاعتبار لهذا الفكر الفلسفي اللبناني ضرورة ملحة في زمن الانهيارات، من أجل استعادة العقل النقدي، وصناعة مستقبل يتجاوز الطوائف والحروب نحو دولة الإنسان والحق والحرية.
يُعتبر شارل مالك (1906–1987) أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين اللبنانيين الذين تركوا بصمة عالمية في مجالات الفلسفة، الدبلوماسية، وحقوق الإنسان. جمع مالك بين الفكر الفلسفي العميق والنشاط السياسي والدبلوماسي، وكان صوتًا لبنانيًا وعربيًا فاعلاً في الساحة الدولية، خاصة في مجال حقوق الإنسان والدفاع عن القيم الإنسانية الجامعة.
ولد شارل مالك في لبنان عام 1906، ودرس الفلسفة في جامعات أوروبية مرموقة، حيث تأثر بالفلسفة الوجودية الأوروبية، خصوصًا بأفكار هايدغر وسارتر. عمل محاضرًا وأكاديميًا في لبنان وفرنسا، لكنه شغل دورًا دبلوماسيًا رفيع المستوى، حيث كان مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة في فترة مهمة شملت اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948.
تأثر مالك بالفلسفة الوجودية، وركز على مفهوم الحرية الإنسانية والكرامة كقيم أساسية في وجود الإنسان. جادل بأن الإنسان حر ومسؤول، وأن الحقوق لا تُمنح بل هي جوهرية يجب الدفاع عنها. سعى مالك إلى إيجاد توازن بين الإيمان والدين والفكر الفلسفي العقلاني، مؤكدًا على أن القيم الروحية ضرورية لفهم الإنسان، لكنها لا تلغي قيمة العقل وحق النقد. ربط مالك بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية، مدافعًا عن ضرورة التزام الإنسان تجاه المجتمع والعدل، وناقدًا لكل أشكال الاستبداد والقهر.
شغل مالك منصب مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة خلال الفترة من 1945 إلى 1964. كان له دور بارز في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، حيث شارك في اللجنة التي أعدته، معبرًا عن روح التعايش والكرامة الإنسانية. عبر عن مواقف واضحة من قضايا التحرر الوطني وحقوق الشعوب، سواء في العالم العربي أو في أفريقيا وآسيا، مؤكدًا على مبدأ استقلال الشعوب وكرامتها. كما لعب دور الوسيط في العديد من النزاعات الدولية، مستندًا إلى مبادئ فلسفية وأخلاقية، ساعيًا لإيجاد حلول تقوم على العدالة والسلام.
أضاف مالك منظورًا إنسانيًا عميقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مؤكداً على أن الحقوق مرتبطة بالكرامة والحرية، وليست مجرد نصوص قانونية. نقل صوت الفلسفة اللبنانية إلى الفضاءات الدولية، وقدم صورة عن الشرق الأوسط كمنبع حضاري وفكري، مخالفًا النمطيات السائدة. قدم خطابًا داعمًا للحركات التحررية ضد الاستعمار، مستندًا إلى فلسفة الحرية والكرامة، مما أكسبه احترامًا دوليًا.
من أبرز مؤلفاته "الإنسان والحرية" (1945)، وهي دراسة فلسفية عن طبيعة الحرية ومسؤولية الإنسان، و"في الكرامة الإنسانية" (1950) وهو بحث حول مفهوم الكرامة كجوهر لحقوق الإنسان، إضافة إلى مجموعة مقالات ومحاضرات توثق لمسيرته الفكرية والدبلوماسية بعنوان "تجارب في الفلسفة والدبلوماسية".
كان شارل مالك رمزًا فريدًا يجمع بين الفلسفة والالتزام السياسي والدبلوماسي، قدم نموذجًا راقياً في الدفاع عن حقوق الإنسان والحرية. أثره تجاوز لبنان والعالم العربي، ليصل إلى صلب الفكر العالمي الحديث، خاصة في مجالات حقوق الإنسان والأخلاق السياسية. تبقى أفكاره وإسهاماته منارة لفهم العلاقة بين الفلسفة والواقع العملي، وللدفاع عن كرامة الإنسان في كل مكان.
صديقي الغالي شارل،
كم أحتاج اليوم أن أكتب إليك، أن أفضفض معك كما عهدتك دومًا، لأن القلب مثقل والروح تبحث عن من يأويها. أكتب إليك وأنت القريب مني رغم المسافات، القريب برقي فكرك وصدق إحساسك، لأنك كنت وما زلت، في زمن كثرت فيه الوجوه وتباعدت القلوب، ذلك الملاذ الذي ألجأ إليه لأجد فيك رفيقًا يفهمني بلا حاجة إلى الكثير من الكلمات.
أعرف أنك تحمل بين يديك هم الإنسان والحرية، وأنك تضع القيم الإنسانية فوق كل اعتبار. لكن دعني أقول لك بصراحة، يا شارل، إن حمل هذا العبء ثقيل جدًا، وأنا أراه كل يوم في وطننا الحبيب لبنان. أجد نفسي أمام تحديات لا تنتهي، بين صراعات تتشابك وخيبات تتكرر، وكأن الأرض تضيق بنا، والسماء تخذلنا.
كنت أتأمل مؤخرًا في كلماتك التي تحدثت فيها عن الكرامة، وعن الحرية التي لا تعني فقط أن نعيش بلا قيود، بل أن نتحمل مسؤولية ما نحن عليه وما نريده لوطننا. تذكرت كيف كنت دومًا تصر على أن الإنسان هو المحور، وأنه بدون كرامة لا يمكن لأي نظام أن يستمر، وأن الحقوق لا تعطى، بل تُنتزع بالإرادة والصمود. تلك الأفكار، يا شارل، هي التي تمنحني القوة، حتى في أصعب اللحظات، لأنني أعرف أن ما نفعله اليوم، مهما بدا صغيرًا أو ضعيفًا، هو بذرة أمل كبيرة قد تنمو غدًا.
ولكنني لا أخفيك، صديقي، أني أشعر أحيانًا بثقل اليأس. أرى الناس من حولي يتشبثون بالخلافات، يتراجعون عن القيم التي حلمنا بها، وتكثر الأصوات التي تغذي الفرقة وتزرع الحقد. تلك اللحظات تجعلني أتساءل: هل فعلاً يستطيع لبنان أن يكون ذلك النور الذي تحدثت عنه دومًا؟ هل يستطيع الإنسان اللبناني أن يحمل على كتفيه أعباء التغيير والنهضة؟
وها أنا ذا، أجد فيك الرفيق الذي يذكرني بأن التفكير والفلسفة ليستا ترفًا، بل ضرورة ملحّة. أنت من علمني أن يكون الإنسان إنسانًا قبل أن يكون سياسيًا أو مواطنًا. أنكرت عليّ أن أتخلى عن مبادئي، وحثثتني على مواجهة الصعاب بالعقل والضمير، لا بالخوف أو الاستسلام. وأنت أيضًا، برقي كلماتك، كنت تزرع في داخلي حبًا للحوار والتسامح، تدفعني لأن أبحث عن جسر يصل بين القلوب بدلاً من أن يزيدها بعدًا.
صديقي، كم أتوق أن نجلس معًا، نعيد قراءة تاريخنا، نفهم حاضرنا، ونحلم معًا بمستقبل أفضل. أحتاج إلى ذلك النقاش العميق معك، حيث تنبض الأفكار بالحياة، وتولد الحلول من رحم الألم. أحتاج أن أسمع منك عن لبنان الذي تؤمن به، عن الإنسان الذي لم تفقد ثقته به رغم كل شيء، عن الحرية التي لا تزال حلمًا ننتظر تحقيقه.
لا أريد أن أفقد الأمل، ولا أريد أن يفقد لبنان روحه الجميلة. ولهذا، أكتب إليك، لأعيد إلى نفسي شعلة الإيمان، لأجد في كلماتك ذلك الضوء الذي ينير لي دربي. أعلم أن الطريق ليس سهلاً، لكنك علّمتني أن الفلسفة الحقيقية تبدأ حين نواجه الواقع بكل قسوته، وأن النهضة الحقيقية لا تأتي إلا بالصبر والثبات والعمل المستمر.
ابقَ كما أنت، صوت العقل والوجدان، ملاذنا في زمن الضياع، ورفيقنا في رحلة البحث عن الحقيقة والحرية.
مع كل المحبة والتقدير
جوهر الصراعات الدائرة في لبنان والشرق الأوسط
تشكل الصراعات في لبنان والشرق الأوسط ظاهرة مركبة تنبع من تداخل عوامل تاريخية، سياسية، دينية، واجتماعية عميقة الجذور. لا يمكن فهم هذه النزاعات بمعزل عن الخلفيات التي ساهمت في تشكيل البنية السياسية والاجتماعية للمنطقة، حيث تتشابك المصالح الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية.
في لبنان، تبرز طبيعة الصراع من تعددية الطوائف والمذاهب، التي لم تكتفِ بالاختلاف في العقائد والممارسات الدينية فقط، بل امتدت إلى منافسات سياسية حادة. هذا التعددية التي كانت ذات يوم مصدر قوة لبنان وثرائه الثقافي، تحولت إلى عامل يعقد تشكيل هوية وطنية جامعة، ويُستغل أحياناً لزرع الفتن السياسية والاجتماعية. الصراعات في لبنان ليست مجرد صراع على السلطة أو الموارد، بل هي أيضاً تعبير عن تنازع الهوية الوطنية والتمثيل السياسي، حيث يسعى كل فريق لضمان حماية مصالحه ومكتسباته في ظل غياب دولة قوية وموحدة.
على صعيد أوسع في الشرق الأوسط، تتداخل الصراعات الوطنية مع صراعات إقليمية تمتد إلى الصراعات بين دول ذات مصالح متضاربة، مثل التنافس بين إيران والسعودية، أو بين تركيا وإسرائيل، وغيرها من المحاور التي تستغل لبنان كمساحة نفوذ وميدان لتصفية الحسابات. هذا الواقع يجعل من لبنان ساحة اختبار لكل هذه التوترات، حيث تتلاقى المصالح الخارجية مع النزاعات الداخلية.
تتسم الصراعات في المنطقة أيضاً ببعدها الطائفي والمذهبي، الذي يشكل في كثير من الأحيان غطاءً لأهداف سياسية أو جيوسياسية، وهو ما يعقد من إمكانية التوصل إلى حلول سلمية شاملة. فالتوظيف السياسي للطائفية يجعل من المصالح الضيقة فوق المصلحة الوطنية الجامعة، ويزيد من تعميق الانقسامات.
ولا يمكن إغفال الدور الدولي، حيث تلعب القوى الكبرى أدواراً مختلفة أحياناً في إشعال هذه الصراعات وأحياناً أخرى في محاولة إدارتها، لكن غياب إرادة دولية حقيقية لحل النزاعات عبر احترام سيادة الدول واستقلالها، يحافظ على حالة اللااستقرار المستمر.
من جهة أخرى، تؤثر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان والعديد من دول المنطقة كعامل مشترك يزيد من تعقيد الصراعات، فالفقر والبطالة وانهيار الخدمات تخلق بيئة خصبة للانفجارات الاجتماعية ولتغذية الخلافات السياسية، مما يعمق دائرة العنف وعدم الاستقرار.
مع ذلك، يبقى هناك أمل في أن تستند الحلول إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق جميع مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية أو المذهبية، وأن تعزز التعاون الإقليمي بدلاً من التنافس والتدخل الخارجي. فالمصالحة الحقيقية تبدأ من إدراك أن جوهر الصراعات ليس في الانتماءات الدينية أو العرقية فقط، بل في غياب العدالة الاجتماعية، والتمثيل السياسي العادل، وقوة الدولة في حماية حقوق جميع أبنائها.
خلاصة القول، إن جوهر الصراعات في لبنان والشرق الأوسط ينبع من تراكمات تاريخية معقدة، وتداخل مصالح داخلية وخارجية، وغياب مؤسسات دولة فاعلة، واستغلال الانقسامات الطائفية والسياسية كأدوات للصراع. لذلك، فإن الحلول تتطلب إرادة سياسية حقيقية، رؤية شاملة، وشجاعة في مواجهة التحديات التي تمنع تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
تداعيات الحرب الباردة على لبنان:
تُعد تداعيات الحرب الباردة من العوامل الحاسمة التي أثرت بعمق على مسار لبنان السياسي والاجتماعي طوال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد شكل لبنان في تلك المرحلة ساحةً حيويةً للصراع بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، اللتين تنافستا على النفوذ في الشرق الأوسط، وكانت البلاد عرضة لتبعات هذا الصراع الدولي الإيديولوجي.
من أبرز التداعيات أن لبنان، بفضل موقعه الجغرافي الاستراتيجي وتنوعه الطائفي والديموغرافي، تحول إلى مسرح لصراعات بالوكالة بين القوى الكبرى. فقد دعمت الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الفئات اللبنانية التي تميل إلى النظام الرأسمالي والتحالف مع الغرب، في حين أن الاتحاد السوفيتي دعم الحركات والقوى اليسارية والقومية التي كانت ترى في الاشتراكية خيارًا بديلاً، بالإضافة إلى دعم بعض القوى العربية المناهضة للغرب.
كما أدت الحرب الباردة إلى تصاعد التوترات الطائفية والسياسية داخل لبنان، إذ استغلت القوى الخارجية الانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذها من خلال دعم ميليشيات وأحزاب مختلفة، ما ساهم في تعميق الشرخ الوطني. وقد برز هذا بوضوح في فترة الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، حيث تجمعت الأطراف اللبنانية المختلفة خلف أجنحة مدعومة من القوى الإقليمية والدولية، متأثرة بشكل مباشر بالتوازنات والتنافسات العالمية.
تسببت الحرب الباردة أيضًا في تدخلات متكررة للقوى الكبرى في الشؤون اللبنانية، سواء عبر الدعم العسكري والمالي للميليشيات أو من خلال الضغط السياسي والدبلوماسي. هذا التدخل المستمر أضعف سيادة الدولة اللبنانية وأدى إلى تفكك مؤسساتها، ما عزز حالة الفوضى وأطاح بأي محاولة لبناء دولة مركزية قوية.
من جهة أخرى، أدت هذه التدخلات إلى استقطاب لبنان ضمن محاور إقليمية متشابكة، حيث أصبح جزءًا من الصراع الأوسع بين محور الدول العربية المؤيدة للاتحاد السوفيتي وبعض القوى الإقليمية الحليفة للغرب، مثل السعودية وإسرائيل، مما زاد من تعقيد المشهد اللبناني وأطال أمد النزاعات.
كما لم تكن تداعيات الحرب الباردة اقتصادية بحتة، إذ أسهمت في تأخير مشاريع التنمية والإصلاح الاقتصادي، حيث كان لبنان يعاني من عدم الاستقرار الأمني والسياسي، ما انعكس سلبًا على قدرة الدولة في تأمين الخدمات الأساسية وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
بخلاصة، شكلت الحرب الباردة ظرفًا دوليًا وإقليمياً زاد من هشاشة لبنان، حيث تحولت الصراعات المحلية إلى معارك بالوكالة بين القوى الكبرى، ما أدى إلى تأزيم الوضع الداخلي، إضعاف مؤسسات الدولة، وتعقيد مسار المصالحة الوطنية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
تمر تجربة لبنان الوطنية منذ عقود طويلة بمآسي وأزمات متعددة، من حروب أهلية، وصراعات طائفية وسياسية، إلى تدخلات خارجية أدت إلى تمزيق نسيج المجتمع وتفكيك مؤسسات الدولة. رغم أن هذه التجارب المأساوية كانت دروسًا تاريخية قاسية، إلا أن لبنان لا يزال يعاني من تكرار الأخطاء ذاتها، وكأن اللبنانيين لم يستفيدوا منها لبناء وطن ودولة قوية ومستقرة.
يرتكز جوهر المشكلة في غياب الوعي الجماعي الحقيقي بأهمية تجاوز الانقسامات العميقة والمصالح الضيقة التي تحكم السلوك السياسي والاجتماعي في البلاد. فبدلاً من اعتبار المآسي السابقة حافزًا لوحدة وطنية جامعة، ولبناء مؤسسات دولة تحترم حقوق الجميع، ظل اللبنانيون محاصرين في منطق الطوائف والمصالح الفئوية التي تعيق أي مشروع وطني شامل.
إن إصرار بعض القوى على استغلال الانتماءات الطائفية والمذهبية لتأمين مواقع نفوذ وسيطرة يعيد إنتاج دوائر العنف والتوتر، ويحول دون تأسيس دولة المواطنة والمساواة. كما أن حالة التراكم السياسي السلبي التي تعيشها الطبقة السياسية، والتي ترتكز على المحاصصة والمحسوبية، تمنع تجديد الفكر الوطني وتطوير مؤسسات الدولة، مما يؤدي إلى استمرار دورة الأزمات.
لا يقتصر هذا الفشل على السياسيين فقط، بل يعكس أيضًا غياب ثقافة وطنية متماسكة بين مختلف شرائح المجتمع، وعدم وجود مشروع تربوي وتعليمي يعزز الانتماء الوطني ويعلم دروس التاريخ بشكل موضوعي يهدف إلى التلاقي لا إلى التفرقة.
في ظل هذه الظروف، يبقى البناء الوطني مهددًا، إذ لا يمكن تأسيس دولة قوية بدون تجاوز موروثات الماضي المؤلمة، والتزام جميع اللبنانيين بمبادئ العدالة، والمساواة، واحترام حقوق الإنسان، والعمل على تطوير مؤسسات شفافة وفعالة تضمن المشاركة العادلة لكل المواطنين.
إن تجاهل دروس الماضي وعدم التعلم منها يجعل لبنان يعيش في حالة من التكرار المأساوي للأزمات، ويؤخر فرص تحقيق الاستقرار والتنمية. وبناء وطن حقيقي يتطلب شجاعة التغيير، وإرادة صادقة من الجميع لمواجهة الذات وتجاوز المصالح الضيقة، والبحث عن قواسم مشتركة تجمع اللبنانيين بدلًا من ما يفرقهم.
خلاصة القول، أن المآسي اللبنانية المتكررة كانت فرصة تاريخية لتوحيد الصفوف وبناء الدولة، لكن عدم استثمار هذه التجارب في بناء وطن ودولة حقيقية يعكس أزمة عميقة في الوعي والالتزام الوطني، وهو ما يستدعي إعادة قراءة شاملة لمسيرة لبنان وتقييم نقدي جريء لكل الأطراف.
لبنان بين ولادة قيصرية وموت رحيم
يقف لبنان اليوم على عتبة مصيرية لم يعد فيها ممكناً التجميل أو الترميم. فالكيان الذي نشأ بتوافق دولي وإقليمي عقب الحرب العالمية الأولى، والذي تطور في ظل تسويات طائفية متكررة، يترنح الآن بين احتمالين متناقضين: ولادة قيصرية موجعة تنقله إلى عهد جديد، أو موت رحيم يُنهي agonies كيان أثقلته التناقضات حتى العجز.
إن الحديث عن "ولادة قيصرية" لا يحمل بُعدًا دراميًا فقط، بل يعكس حقيقة أن الدولة اللبنانية في صيغتها الحالية غير قادرة على التجدد الطبيعي أو الإصلاح التدريجي. فكلما ظهرت بوادر تغيير، اصطدمت بجدران صلبة من الموروث الطائفي، والتوازنات الإقليمية، والمحسوبيات، والمصالح المترسخة. لا مجال لولادة هادئة أو سلمية لنظام سياسي جديد ما لم تحدث قطيعة جذرية مع النظام القائم، وما لم يتم استخدام أدوات استثنائية لكسر الحلقة المفرغة.
في المقابل، يلوح في الأفق شبح "الموت الرحيم"، لا بمعناه الجسدي أو الفعلي، بل بمعناه السياسي والكياني. دولة بلا قرار، مؤسسات مشلولة، اقتصاد منهار، مجتمع محبط، شباب مهاجر، شرعية غائبة، وجيش وأمن على حافة الانهاك. هذه ليست أعراضاً عابرة، بل إشارات إلى تفكك داخلي يدفع البعض إلى التمني بأن يُرفع الغطاء نهائيًا عن كيان يحتضر، كي يُعلن موته بهدوء، دون معاناة إضافية.
ومع ذلك، فإن هذا الموت لا يحدث. فلبنان، بطبيعته، يعيش على شفير الانهيار دون أن ينهار كليًا. يُمسك الخارج به خيطاً بخيط، منعا للفوضى الشاملة، وتحسبًا من تداعياته على الإقليم. وتتمسك أطراف الداخل كلٌ بزاويته الضيقة، خشية فقدان ما تبقى من سلطات ونفوذ، حتى ولو على أنقاض وطن.
في هذا المشهد المأزوم، تبدو الولادة القيصرية الخيار الأكثر رجاءً، رغم أنها تتطلب ألمًا جماعيًا ومخاطرة كبرى. فهي تحتاج إلى قرار وطني حاسم، أو ربما صدمة خارجية تعيد تركيب المشهد. إنها ولادة تعني وضع حد للنظام الطائفي، ووضع دستور جديد يقوم على المواطنة، ونظام انتخابي عادل، وقضاء مستقل، ولامركزية إدارية، واقتصاد إنتاجي لا ريعي. إنها ولادة دولة، لا تسوية مؤقتة.
الأسئلة الجوهرية التي يطرحها اللبنانيون اليوم، بمرارة وخوف، هي: هل بقي من القدرة والوقت ما يكفي لخوض هذه الولادة؟ وهل لا يزال في الإمكان تجنب الموت الرحيم، أم أن البلد تجاوز نقطة اللاعودة؟ وهل يريد الداخل فعلاً الإنقاذ، أم أن الخارج هو من سيقرر مصيره مرة أخرى كما قرره مراتٍ سابقة؟
الرهان في النهاية يبقى على الوعي الجماعي، على بروز نخبة جديدة ترفض التسويات الركيكة وتطرح مشروعًا وطنيًا غير قابل للمساومة، وعلى نبض الناس الذي لا يزال، رغم الخيبات، يرفض الانكسار. وحدها هذه العناصر قادرة على حسم الخيار بين ولادة قيصرية تكتب بداية جديدة، أو موت رحيم يُعلن نهاية وطن لم يكتب له أن يكتمل.
يبدو لبنان، في هذا المنعطف المتصدّع، كجسد متعب تتنازعه أنفاسه الأخيرة، تارةً يتشبّث بالحياة بشيء من العناد الغريزي، وتارةً أخرى يهمس في أذن من يحبّ: "دعوني أرتاح". وطنٌ صغير بعمر قرنٍ من التجاذب، كلما همّ أن يولد جديدًا، خنقته يدٌ قديمة. وكلما اقترب من الخلاص، أُعيد إلى غرفة الانتظار، بين مسكّن ومهدّئ ووعدٍ مؤجّل.
لبنان اليوم لا يعيش، ولا يموت. هو بين بين. يتلوّى على سرير التاريخ، في غرفة موصدة، لا نوافذ فيها على الرجاء، ولا أبواب على المستقبل. نَزيفه سياسي، وحمّاه طائفية، ونبضه الاقتصادي لا يكاد يُقاس. يعيش بين أطباء يتشاجرون على تشخيصه، وآخرين يتقاسمون ما تبقى من أنينه.
الولادة القيصرية، وحدها قد تخرجه من هذه العتمة. لا ولادة طبيعية تُجدي بعد كل هذا التشوّه. لا وقت للانتظار، ولا جدوى من الخِدر. يحتاج الوطن إلى مشرطٍ حاسم، يقطع الحبل السُرّي الذي يربطه بالماضي، يصرخ صرخته الأولى من جديد، ويُعلن نفسه دولة. دولة لا تُبنى على التحاصص، ولا تُدار بالزعامات، بل تُكتب لها حياة بماء الدستور والعدالة والحرية.
لكنّ الموت الرحيم يلوح أيضًا. لا سيفًا، بل نعاسًا ثقيلًا يهبط على الأجساد والعقول. موت بلا صوت، بلا حداد، بلا قبر. فقط تلاشي بطيء لوطنٍ استُهلك اسمه، واهترأت خرائطه، وهاجر صوته. وطنٌ لم تنفعه الثورة، ولا الناخب، ولا الخارج، ولا الصلاة. كأنه ينتظر إذنًا أخيرًا بأن يغيب، ليرتاح، ونرتاح.
لكن، بين هذا وذاك، ثمّة ما يوقظ الرجاء. شعبٌ كلما ظُنّ أنه مات، خرج من رماده. شبابٌ يزرعون القهر ويَجْنُون وعيًا. أمّهاتٌ يخبئن الحليب في زمن الحصار. أباءٌ يعلّمون أبناءهم كيف يحلمون رغم الجوع، وكيف يحبّون رغم الكراهية. ثمّة روح خفية ما زالت تنبض في هذا الجسد المنهك، تأبى إعلان النهاية.
لبنان ليس مجرّد جغرافيا. هو ذاكرة كثيفة، وتاريخ متشابك، وعناد شعب لا يُشبه أحدًا. وكل هذا لا يُساق إلى موتٍ رحيم. بل إلى ولادة، ولو كانت قسرية، مؤلمة، دامية. فالأوطان تُولد أحيانًا من الرماد، من الدمع، من الجرح المفتوح. المهمّ، ألّا يموت الحلم في قلوب ناسه.
وهكذا يبقى لبنان معلّقًا على خاصرة القدر، بين مشرطٍ لم يُستخدم بعد، ونعاسٍ لم يُقرّر أن يهبط. فهل تكون له القيامة؟ أم يكون له السلام الأخير؟
وطن قومي مسيحي: جدلية الفكرة وحدود الإمكان
تحتل فكرة "الوطن القومي المسيحي" مكانة حساسة في الوعي السياسي والديني لمسيحيي المشرق، وتحديدًا في لبنان الذي شكّل عبر تاريخه الحديث استثناءً جغرافيًا وديموغرافيًا سمح بقيام كيان متمايز عن محيطه العربي ذي الغالبية الإسلامية. هذه الفكرة، التي طالما راوحت بين الحلم والهاجس، تعكس شعورًا عميقًا بالمظلومية التاريخية من جهة، وبالرغبة في صون الخصوصية الدينية والثقافية من جهة أخرى، خصوصًا في ظل التقلص العددي، وتراجع النفوذ السياسي، وتنامي التحديات الوجودية.
انطلقت هذه الرؤية في بدايات القرن العشرين مع انهيار السلطنة العثمانية وصعود القوميات في المنطقة، حين شعر المسيحيون، لا سيما الموارنة، بأن الفرصة مواتية لتأسيس كيان مستقل يحمي وجودهم ويحفظ حرياتهم. وقد تُرجم هذا الطموح في اتفاقيات ومطالب قُدّمت إلى القوى المنتدبة، لا سيما فرنسا، التي كانت تُعتبر "الأم الحامية للمسيحيين" في المشرق. ومع إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، بدا أن الحلم قد تحقق جزئيًا، إذ وُلد كيان جديد بتركيبة طائفية مائلة لصالح المسيحيين، وبدستور يعترف بالتعددية ويحاول أن يؤسس لحياة سياسية قائمة على التوازن لا الإقصاء.
إلا أن هذا الكيان، الذي رآه البعض وطنًا قوميًا مسيحيًا بنكهة تعددية، واجه منذ ولادته إشكاليات بنيوية حالت دون تحوله إلى نموذج مستقر. فقد قامت الدولة على محاصصة طائفية هشّة، سرعان ما بدأت تتآكل أمام تحولات ديموغرافية وجيوسياسية. فالمسيحيون الذين شكّلوا غالبية نسبية بداية، تراجعوا عدديًا أمام تزايد عدد المسلمين، كما بدأ موقعهم السياسي يتآكل بفعل تراكم الأخطاء، واندلاع الحروب، وتغير موازين القوى داخليًا وخارجيًا.
في المقابل، ظل الصوت المسيحي القومي حاضرًا في محطات مفصلية، يعيد طرح نفسه كبديل عن المشاريع العابرة للطوائف أو المتماهية مع توجهات إسلامية، أو كرد فعل على محاولات تهميش الدور المسيحي في الدولة. وفي الحرب الأهلية اللبنانية، اتخذ هذا الصوت بُعدًا أكثر تشددًا، حيث ظهرت دعوات صريحة لإقامة كيان مسيحي مستقل ضمن مساحة جغرافية محددة، في سياق سعي بعض الأطراف إلى الانفصال الفيدرالي أو التقسيم. إلا أن هذه الطروحات اصطدمت برفض لبناني عام، مسيحي وإسلامي، كما عارضها المجتمع الدولي، وسرعان ما تراجعت أمام واقع لا يسمح بقيام كيان أحادي في بيئة بهذا التشابك.
اليوم، تعود فكرة الوطن القومي المسيحي إلى الواجهة في سياق مختلف: مسيحيون مشرقيون يُقتلعون من أوطانهم بفعل الحروب والنزاعات، من العراق إلى سوريا، وهواجس متزايدة من ذوبان الوجود المسيحي في المنطقة. غير أن الطرح لم يعد يتم على قاعدة الانفصال، بل على قاعدة إعادة التوازن في الدولة، وضمان الشراكة، والتمسك بالصيغ التعددية التي تكفل للمسيحيين حضورًا سياسيًا وحقوقيًا وثقافيًا في أوطانهم، لا سيما في لبنان الذي بقي مساحة حرية نسبية وسط هذا الشرق المتفجر.
إن الدعوة إلى وطن قومي مسيحي اليوم ليست دعوة للانعزال، ولا لتفكيك الدول القائمة، بل هي تعبير عن رغبة في بناء نموذج دولة تحترم الهويات وتضمن الحريات وتحمي التعدد، بعيدًا عن ذوبان الهوية في مشاريع دينية شمولية أو قوميات طاغية. وهي في جوهرها صرخة وجود، في وجه تاريخ من الاضطهاد والتهميش والنزيف الديموغرافي المستمر.
لكن في المقابل، تبقى للفكرة حدودها الأخلاقية والسياسية. فالوطن لا يُبنى على القومية الأحادية، ولا على الانغلاق، ولا على الخوف من الآخر. بل على الشراكة والثقة، وعلى صياغة نظام سياسي يُعلي من شأن المواطنة على الانتماء الطائفي، ويحمي الجميع لا فئة دون أخرى. والرهان الحقيقي ليس في الانعزال، بل في تطوير الدولة القائمة لتصبح دولة مدنية فعلية، تكفل للجميع، بمن فيهم المسيحيون، دورًا فاعلًا ومؤثرًا في بناء المستقبل.
هكذا، تبقى فكرة "الوطن القومي المسيحي" عالقة بين نوستالجيا الحلم، ومأساوية الواقع، وسؤال المستقبل: هل المطلوب وطنٌ يحمي المسيحيين وحدهم، أم دولة تحمي الجميع بعدل، وتحفظ لمسيحيي المشرق، وخصوصًا لبنان، خصوصيتهم ودورهم الحضاري والنهضوي؟ ذلك هو التحدي الأكبر.
"الوطن القومي المسيحي: الجذور التاريخية، التحولات السياسية، وحدود الإمكان في السياق اللبناني"
تتناول هذه الورقة البحثية فكرة "الوطن القومي المسيحي" من منظور تاريخي-سياسي، منطلقة من التجربة اللبنانية باعتبارها أكثر التعبيرات نضجًا وتحققًا عن الطموح المسيحي في المشرق. تنطلق الورقة من دراسة الخلفيات التاريخية التي أنتجت هذا المفهوم، مرورًا بمحطات تطوره في الفكر السياسي اللبناني، وصولًا إلى تحليله ضمن المعطيات الجيوسياسية والديموغرافية الراهنة، مع مناقشة إمكانات تحققه أو تحوّله في زمن الدولة المدنية والتعددية. وتخلص الورقة إلى أن هذا المفهوم يبقى مشدودًا بين نوستالجيا ماضٍ مفترض، وضرورات مستقبل مشترك لا مكان فيه إلا لدولة المواطنة.
مقدمة
لطالما شكّل موقع المسيحيين في المشرق العربي مسألةً جدليةً تتقاطع فيها السياسة مع الدين، والهوية مع الجغرافيا، والواقع مع الطموح. وفي لبنان تحديدًا، ظهر منذ بدايات القرن العشرين خطاب يدعو إلى نوع من الوطن القومي المسيحي، أحيانًا كمشروع سياسي واضح، وأحيانًا كحلم دفاعي في مواجهة هواجس الإقصاء والتهميش. ما هي جذور هذا الخطاب؟ ما مبرراته؟ وما مصيره في ظل المتغيرات الديموغرافية والسياسية الإقليمية؟ وهل يُعدّ هذا المفهوم ممكنًا أو مجديًا في الحاضر والمستقبل؟
أولًا: الخلفيات التاريخية والفكرية للفكرة
نشأت فكرة الوطن القومي المسيحي مع تفكك السلطنة العثمانية، حيث رأى الموارنة في لبنان فرصة تاريخية لتثبيت كيان يتمتع باستقلالية سياسية وثقافية، مستفيدين من علاقاتهم التاريخية مع فرنسا، ومن موقعهم الجغرافي في جبل لبنان. وقد تعزز هذا التوجه مع إنشاء دولة لبنان الكبير سنة 1920، التي أُريد لها أن تكون، بالنسبة للبعض، تعبيرًا سياسيًا عن طموح قومي مسيحي محاط بتوازن طائفي هشّ.
وقد غذّى هذا التوجه الفكر القومي المسيحي الذي تبلور في بعض الكتابات اللاهوتية والسياسية، لا سيما لدى مفكرين مثل شارل مالك وميشال شيحا، والذين رأوا في المسيحيين اللبنانيين ركيزة للتعددية والحداثة في محيط إسلامي شمولي أو تقليدي.
ثانيًا: لبنان في المخيال القومي المسيحي
تحوّل لبنان، من خلال صيغته التوافقية الطائفية، إلى ما يشبه الوطن القومي المسيحي من دون إعلان، خصوصًا في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية. فقد تركزت فيه المؤسسات التربوية والطبية والإعلامية والثقافية ذات الطابع المسيحي، وكان للمسيحيين الدور الأبرز في الدولة، لا سيما من خلال رئاسة الجمهورية ومؤسسات الحكم والإدارة.
لكن هذه الصيغة بدأت تتعرض للاهتزاز منذ منتصف القرن العشرين، بفعل نمو الوعي الإسلامي السياسي، وتغير التوازنات الإقليمية، وتراجع الدعم الغربي المباشر للمسيحيين، وظهور الحركات القومية العربية التي اعتُبرت تهديدًا لمشروع التمايز المسيحي.
ثالثًا: الحرب الأهلية وتجدد الطموح القومي
خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، عادت فكرة الكيان المسيحي بقوة إلى الواجهة، ليس كمجرد حلم ثقافي، بل كمشروع سياسي وعسكري عملي. فقد طُرحت مشاريع فيدرالية وانفصالية علنية من قبل بعض القوى المسيحية، خاصة بعد اصطدامها مع القوى الفلسطينية والإسلامية – اليسارية، واعتقادها بأن التعددية لم تعد قادرة على حماية الوجود المسيحي.
لكن هذه المشاريع فشلت في التحقق، سواء بسبب المعارضة الداخلية (المسيحية والمسلمة) أو الرفض الدولي لأي تقسيم للبنان، كما ساهم اتفاق الطائف في إنهاء الحرب على قاعدة تسوية وطنية قلصت من صلاحيات المسيحيين وفتحت باب الشراكة الأوسع مع المسلمين.
رابعًا: التحولات الديموغرافية والجيوسياسية وانكماش الفكرة
مع نهاية الحرب، شهدت البيئة المسيحية اللبنانية تحولات ديموغرافية كبرى تمثلت في انخفاض نسبة المسيحيين بسبب الهجرة، وازدياد النفوذ الإسلامي السياسي، خصوصًا مع تصاعد دور حزب الله، كما واجه المسيحيون إحباطًا سياسيًا متكررًا بسبب تهميشهم أو إخضاعهم لمحاور إقليمية لا تعكس مصالحهم.
هذه التحولات أعادت طرح سؤال الكيان والخصوصية، لكن في ظل واقع لم يعد يسمح بمشروع قومي مسيحي بالمعنى التقليدي، بل استُبدل بفكرة "تثبيت الشراكة" ضمن دولة لا تزال قائمة على التوازن الطائفي، رغم كل محاولات التحديث.
خامسًا: حدود الإمكان ونقد الفكرة
إن نقد فكرة الوطن القومي المسيحي لا يعني نفي مشروعية الهواجس المسيحية، بل الاعتراف بأن الانعزال الطائفي لم يعد ممكنًا في العصر الحديث. فالمواطنة لا تبنى على دين أو طائفة، بل على دستور جامع، وعدالة، ومؤسسات قوية.
ثم إن الفكرة، وإن بدت مغرية للبعض كمشروع حماية، تحمل في طياتها تناقضًا مع مبادئ التعددية والديمقراطية. فالكيان الأحادي يُنتج القلق والخوف بدل الأمان، ولا يمكنه أن يستمر إلا على حساب شراكة الآخرين. كما أن التوازنات الإقليمية والدولية لا تسمح بقيام كيانات دينية مستقلة في زمن الحدود المائعة والنزاعات المفتوحة.
الخاتمة
إن الوطن القومي المسيحي فكرة ولدت من رحم الحاجة إلى الحماية، لكنها اصطدمت دائمًا بحدود الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة. وقد أثبتت التجربة اللبنانية أن خلاص المسيحيين لا يكون بالانكفاء، بل بالشراكة العاقلة، وببناء دولة مدنية عادلة تحترم الجميع وتحمي التنوع لا أن تحاصره.
ففي عصر الدولة الحديثة، لا خلاص لأي مكوّن إلا بخلاص الدولة ككل. ولا مستقبل للمسيحيين خارج مشروع وطني جامع، يعترف بالهواجس لكنه يتجاوزها، ويحفظ الخصوصيات من دون أن يحوّلها إلى جدران فصل أو جزر معزولة. وما لم تتحول فكرة الوطن القومي المسيحي من مشروع انغلاق إلى طاقة حضارية تدعو إلى التعدد والديمقراطية، فستبقى مجرد رجع صدى لحلم مستحيل.
المراجع (اقتراحية)
1. شارل مالك، في الدفاع عن الوجود المسيحي في الشرق
2. ميشال شيحا، دراسات في الكيان اللبناني
3. كمال ديب، تاريخ لبنان الحديث
4. فواز جرجس، المسيحيون في العالم العربي: جدلية الهوية والدولة
5. تقارير مركز كارنيغي ودار دراسات الشرق الأوسط حول الأقليات والمواطنة
تنبع فكرة اتحاد مسيحيي الشرق من جملة تجارب تاريخية ومعاصرة تختزن في طياتها مزيجًا من المجد والمعاناة، ومن الشهادة والرسالة، في آنٍ واحد. فالمسيحيون المشرقيون، الذين تجذّروا في هذه الأرض منذ ولادة الكنيسة، وجدوا أنفسهم عبر العصور في قلب التحولات الكبرى، السياسية والاجتماعية والدينية، وكان عليهم مرارًا أن يصمدوا في وجه الاضطهادات، والحروب، والتهجير، والإقصاء، مع الاحتفاظ بدورهم الحضاري والثقافي والروحي الفريد.
لكن هذا الحضور، رغم عمقه التاريخي وشرعيته، ظلّ في معظم الأحيان موزّعًا على طوائف وكنائس وجماعات متعددة، لكل منها تراثها الخاص، وتاريخها، ومؤسساتها، ولغتها، وأحيانًا هواجسها الخاصة. ولم يكن الاتحاد في ما بينهم يومًا مسألة سهلة أو تلقائية، لا على الصعيد الكنسي ولا السياسي. فالتفاوت في الرؤى، وتداخل المصالح الدولية، والانقسام الطائفي الداخلي، كلّها حالت دون بلورة مشروع متكامل لاتحاد مسيحي مشرقي يمكن أن يشكّل قوة فاعلة على الساحة المشرقية.
ومع ذلك، فإن التحولات التي شهدها المشرق منذ أواخر القرن العشرين، لا سيما تنامي التيارات الإسلامية المتشددة، واندلاع الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية، وخطر التهجير الجماعي، والانقراض الديموغرافي، كلها جعلت من فكرة الاتحاد ضرورة وجودية. لقد بات البقاء في الأرض والانخراط في مشروع سياسي وثقافي جامع يشكّل مدخلًا للنجاة والاستمرار، لا مجرد خيار بين خيارات. فالخطر لم يعد يتعلّق بحقوق مهدورة أو تمثيل ناقص، بل بمصير مهدّد وتاريخ معرض للزوال.
الاتحاد بين مسيحيي المشرق لا يفترض تذويب الخصوصيات الطائفية أو الإنصهار في كيان واحد، بل يتطلب وعيًا جماعيًا بأن المصير مشترك، وأن التحديات لا تميّز بين كنيسة وأخرى، أو طائفة وأخرى. فالمسيحي السرياني الذي هُجّر من الموصل في العراق، والماروني الذي هاجر من لبنان تحت ضغط اقتصادي أو أمني، والكاثوليكي الذي يرزح في حلب تحت نار الانهيار، والأرثوذكسي الذي يصارع للحفاظ على تراثه في القدس، جميعهم أبناء تاريخ واحد، ورسالة واحدة، وأمل واحد.
من هذا المنطلق، يقتضي الاتحاد بناء شبكات تعاون متينة بين الكنائس والمؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية والاجتماعية التي تمثّل المسيحيين في المشرق. ويتطلب كذلك تشكيل جبهة ضغط سياسية موحدة للدفاع عن حقوق المسيحيين، ليس من منطلق التعصب أو الانغلاق، بل انطلاقًا من مبدأ الشراكة والمواطنة. كما يستدعي انفتاحًا واسعًا على المحيط المسلم، من أجل بناء تحالفات عقلانية تحفظ التعددية وتؤسس للعيش المشترك على قاعدة الاحترام المتبادل، لا التبعية ولا الخوف.
الشتات المسيحي المشرقي، الذي ازداد اتساعًا في العقود الأخيرة، يمكن أن يكون عنصر قوة لا ضعف، إذا ما أُحسن تنظيمه وتفعيله في إطار الاتحاد. فالمغتربون المسيحيون قادرون على دعم بقية الجماعات المقيمة، وعلى خلق لوبيات ضغط مؤثرة في السياسات الدولية تجاه قضايا المشرق، وعلى مدّ الجسور بين الشرق والغرب. ولكن كل ذلك يتطلب رؤية استراتيجية، وقيادة موحدة، وإرادة سياسية كنسية وشعبية لا تخضع للحسابات الآنية أو للارتهانات الخارجية.
الاتحاد بين مسيحيي المشرق لا يُبنى فقط على أسس كنسية أو دينية، بل يتطلب أيضًا مشروعًا فكريًا ونهضويًا جامعًا يضع المسيحيين في قلب مشروع النهوض العربي العام، ويجعل منهم قوة تغيير حضاري، لا مجرد أقلية تسعى للبقاء. وهذا المشروع لا بد أن يتّكئ على إرث المسيحيين في النهضة العربية، ودورهم الريادي في الصحافة والتربية والفكر، ويعيد استنهاض هذا الدور في مواجهة موجات الانغلاق والتطرّف.
ربما كانت المآسي التي عاشها مسيحيو المشرق في العقود الأخيرة دافعًا لإعادة التفكير الجدي في معنى وجودهم، وجدوى بقائهم، وأدوات حضورهم. وربما باتت اللحظة التاريخية تفرض عليهم نوعًا جديدًا من الوعي: وعيًا اتحاديًا، مشرقيًا، يتجاوز الخلافات الثانوية، ويرتقي إلى مستوى الدفاع عن الكرامة، والحرية، والرسالة. وفي هذا السياق، لا بد من مبادرات شجاعة، تبدأ من لقاءات القيادات الروحية، ولا تنتهي ببناء أطر تنظيمية جامعة تعمل على تمثيل المسيحيين في المحافل الدولية وتوحيد كلمتهم في لحظات المصير.
ليست الغاية من الاتحاد العودة إلى امبراطوريات دينية غابرة، بل تثبيت حضور فاعل في مجتمعات تعددية، والعمل من أجل صوغ عقد اجتماعي جديد في المشرق العربي، يضمن للجميع، مسيحيين ومسلمين، حرية المعتقد، والمساواة في المواطنة، والكرامة الإنسانية. ولعل في هذا المسار مخرجًا لمسيحيي المشرق من موقع الدفاع إلى موقع الشهادة المستمرة، لا بالدم فقط، بل بالفكر والثقافة والموقف.
تقييم تعاطي الرئيس الأميركي رونالد ريغان مع القضية اللبنانية يقتضي وضع مقاربته ضمن السياق الإقليمي والدولي خلال فترة ولايته (1981–1989)، والتي شهدت تصاعد الحرب الأهلية اللبنانية، الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وصعود النفوذ السوري والإيراني، إضافة إلى التورط الأميركي المباشر في الساحة اللبنانية.
في المبدأ، يمكن القول إن تعاطي ريغان مع القضية اللبنانية تميّز بالآتي:
1. رؤية مبنية على الحرب الباردة:
كان ريغان يرى لبنان من خلال عدسة الصراع بين الغرب والاتحاد السوفياتي، واعتبر أن دعم الحكومة اللبنانية "الشرعية" بقيادة الرئيس أمين الجميل يصب في سياق تعزيز النفوذ الأميركي واحتواء النفوذ السوفياتي عبر سوريا وحلفائها. لكنه في الوقت نفسه لم يعطِ لبنان أولوية استراتيجية مقارنة بمناطق أخرى مثل الخليج وأفغانستان وأميركا الوسطى.
2. دعم الاجتياح الإسرائيلي لبيروت (1982):
على الرغم من الانتقادات الدولية الواسعة، أبدت إدارة ريغان تفهّمًا للعملية الإسرائيلية في لبنان ضد منظمة التحرير الفلسطينية، معتبرة أن إنهاء وجود "دولة داخل الدولة" يساهم في استقرار لبنان. إلا أن غض الطرف عن المجازر، كصبرا وشاتيلا، أضعف مصداقية السياسة الأميركية في لبنان والعالم العربي.
3. مبادرة فيليب حبيب واتفاق 17 أيار:
أرسل ريغان مبعوثين إلى لبنان أبرزهم فيليب حبيب ثم ريتشارد مورفي، في محاولة لفرض تسوية إسرائيلية–لبنانية. وقد تُوّجت هذه الجهود باتفاق 17 أيار 1983، الذي رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل. لكن الاتفاق سقط بعد رفضه من قبل سوريا وحلفائها في لبنان، وفشل واشنطن في فرضه، ما كشف حدود النفوذ الأميركي.
4. إرسال قوات متعددة الجنسيات (1982–1984):
شاركت إدارة ريغان بإرسال مشاة البحرية الأميركية إلى بيروت في إطار القوة المتعددة الجنسيات، بُعيد الاجتياح الإسرائيلي. لكن هذا التدخل لم يكن محايدًا، بل انحاز تدريجيًا إلى جانب الجيش اللبناني بقيادة بشير الجميل ثم أمين الجميل، ما أدى إلى استهدافه من قبل قوى المعارضة اللبنانية والجهات المرتبطة بسوريا وإيران.
5. تفجير ثكنة المارينز (1983):
في تشرين الأول 1983، وقع تفجير ضخم استهدف ثكنة مشاة البحرية الأميركية في بيروت، وأدى إلى مقتل 241 جنديًا أميركيًا. هذا الحدث شكّل نقطة تحول، إذ بدأ بعدها انسحاب تدريجي أميركي، كشف حدود القوة الأميركية في لبنان، وأسهم في تعديل المقاربة الأميركية تجاه الانخراط العسكري المباشر.
6. انسحاب متسرّع وضعيف:
لم تترجم إدارة ريغان انسحابها إلى سياسة واضحة بديلة. فخرجت أميركا من لبنان دون ضمانات ولا استراتيجية تعالج النفوذ السوري أو الإيراني أو إعادة بناء الدولة اللبنانية، ما ترك فراغًا استراتيجيًا ملأته دمشق وطهران.
7. تجاهل العمق الطائفي والوطني للأزمة اللبنانية:
لم تُظهر إدارة ريغان فهمًا كافيًا لتعقيدات البنية الطائفية اللبنانية أو لحساسيات الأطراف اللبنانية المختلفة. فتعاملت مع الصراع باعتباره صراعًا بين "شرعية" و"تمرد"، متجاهلة أبعاد المظلومية، والتوازنات الداخلية، والهوية المتعددة للبنان.
رغم محاولات ريغان لإظهار لبنان كأولوية في لحظات محددة، إلا أن السياسة الأميركية في عهده اتسمت بالارتباك والتناقض، وتراوحت بين التدخل العسكري والدبلوماسي والانسحاب المرتبك. دعم واشنطن لاتفاق 17 أيار ثم تخليها عنه، وتحالفها مع طرف لبناني دون آخر، وفشلها في تحصين القوات الأميركية على الأرض، كلّها مؤشرات على تعاطٍ قاصر ومصلحي لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة اللبنانية.
وبالتالي، يمكن القول إن تعاطي ريغان مع القضية اللبنانية كان انتقائيًا، غير ناضج استراتيجيًا، وأقرب إلى رد الفعل منه إلى التخطيط الاستباقي، وهو ما أسهم في إطالة الأزمة بدل المساعدة على حلّها.
يتسم تعاطي الرئيس الأميركي جيمي كارتر (1977–1981) مع القضية اللبنانية بالحذر والضبابية والتراجع خلف الأولويات الكبرى في الشرق الأوسط، لا سيما عملية السلام بين مصر وإسرائيل، والثورة الإيرانية، والرهائن الأميركيين في طهران. وعلى الرغم من أن الحرب الأهلية اللبنانية كانت في أوجها منذ عام 1975، فإن إدارة كارتر لم تُبدِ انخراطًا مباشرًا أو فعّالًا في محاولة حلّ الأزمة اللبنانية.
في تقييم هذه المرحلة، يمكن التوقّف عند المحاور الآتية:
1. سياسة "حقوق الإنسان" في خطاب كارتر لم تنعكس على لبنان:
جاء كارتر إلى الحكم رافعًا شعار الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز الدبلوماسية الأخلاقية، لكن هذا الخطاب بقي عامًا ولم يُترجم إلى مبادرة جدية تجاه الحرب في لبنان، حيث كانت الانتهاكات واسعة النطاق، والاقتتال الأهلي مستعرًا، والتدخلات الإقليمية تتعمق. لم تمارس واشنطن أي ضغط حقيقي على حلفائها في المنطقة للجم التورط في الشأن اللبناني.
2. أولوية كامب ديفيد وتهميش لبنان:
انشغلت إدارة كارتر بالوساطة بين مصر وإسرائيل، والتي أثمرت اتفاقية كامب ديفيد عام 1978. وضمن هذا السياق، لم يكن لبنان أولوية، بل جرى التعامل معه كملف هامشي تابع للصراع العربي–الإسرائيلي، وليس كوطن يعاني من أزمة بنيوية داخلية ومصيرية.
3. الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان (1978) وتعامل كارتر معه:
في آذار 1978، شنّت إسرائيل عملية الليطاني العسكرية داخل الأراضي اللبنانية بذريعة ملاحقة الفصائل الفلسطينية، ما أدّى إلى نزوح الآلاف من المدنيين. لم تُدِن إدارة كارتر العملية بوضوح، بل اقتصرت على دعوات لوقف إطلاق النار، وسعت لإرسال قوات دولية (تم تأسيس قوات الطوارئ الدولية UNIFIL حينها)، لكنها لم تمارس أي ضغط حقيقي على إسرائيل للانسحاب الفوري أو لوقف عملياتها المتكررة.
4. لا مبادرة أميركية مستقلة تجاه لبنان:
على عكس ما فعله خليفته ريغان لاحقًا من إرسال موفدين ومبادرات، لم تُطلق إدارة كارتر أي مشروع خاص بلبنان. غابت الوساطة الأميركية، وغاب أيضًا أي جهد لفهم تعقيدات الصراع اللبناني الداخلي أو السعي لحوار لبناني–لبناني، أو لبناني–عربي–دولي تحت مظلة أممية.
5. الرضوخ للنفوذ السوري في لبنان:
تعاملت إدارة كارتر ببراغماتية مع الدور السوري المتنامي في لبنان، واعتبرته أمرًا واقعًا لا بد من القبول به طالما أنه يساهم في "ضبط الفوضى". لم تعارض الولايات المتحدة تمدد النفوذ السوري، ولم تُبدِ أي تحفظات على التدخل العسكري السوري تحت غطاء قوات الردع العربية، بل التزمت الصمت الحذر.
6. نظرة ضيقة إلى الوجود الفلسطيني في لبنان:
ركّز كارتر على الملف الفلسطيني ضمن إطار التسوية مع إسرائيل، وتحديدًا من خلال "حكم ذاتي" في الضفة وغزة، لكنه لم يُولِ أي اهتمام لدور منظمة التحرير الفلسطينية داخل لبنان، ولا للانفجارات الأمنية والسياسية الناجمة عن هذا الوجود. كما أنه لم يتعامل مع الفلسطينيين في لبنان كطرف يجب ضمّه إلى أي حل شامل للمنطقة.
7. انشغال متأخر بالأزمة الإيرانية والرهائن:
مع نهاية ولايته، وخصوصًا بعد اندلاع الثورة الإيرانية واحتجاز الرهائن الأميركيين في طهران (نهاية 1979)، باتت إيران مركز اهتمام كارتر، وتراجعت أولويات كثيرة، ومنها لبنان، إلى الصف الخلفي في الأجندة الدبلوماسية الأميركية.
يمكن وصف تعاطي الرئيس جيمي كارتر مع القضية اللبنانية بأنه ضعيف، هامشي، ومجتزأ، وغلب عليه طابع رد الفعل لا الفعل، والإهمال السياسي لا المبادرة. لم يلتقط كارتر خطورة ما يجري في لبنان بوصفه ساحة تصادم إقليمي ودولي، ولم يحاول المساهمة الفعلية في وقف الحرب الأهلية أو في الضغط على الأطراف المتدخلة.
كان لبنان ضحية أولويات أكبر في أجندة كارتر، فصار ملفًا مهمّشًا لا يحظى باهتمام استراتيجي، ما مهّد الطريق أمام اتساع رقعة الحرب، وتكرّس النفوذ السوري، وتعمّق الوجود الإسرائيلي، وسط غياب سياسة أميركية واضحة، سوى بيانات متفرقة وتصريحات خجولة.
اتسم تعاطي الاتحاد السوفياتي مع القضية اللبنانية خلال الحرب الأهلية (1975–1990) بتوجه استراتيجي غير مباشر، قائم على دعم المحور العربي التقدمي المعادي للنفوذ الأميركي والإسرائيلي، مع الحرص على عدم الانزلاق في المستنقع اللبناني بشكل مباشر. فقد نظر السوفيات إلى لبنان باعتباره ساحة من ساحات الحرب الباردة، لكنه لم يكن في طليعة أولوياتهم، بخلاف سوريا أو مصر أو الخليج.
في تقييم هذا التعاطي، يمكن الإشارة إلى أبرز الملامح:
1. دعم الخط القومي واليساري في لبنان:
كان السوفيات داعمين للمحور التقدمي اللبناني بقيادة الحركة الوطنية بزعامة كمال جنبلاط، وإلى حدّ ما المقاومة الفلسطينية. ووفّروا الغطاء السياسي والدبلوماسي لهذه القوى في المحافل الدولية، وخصوصًا أمام الهجوم الأميركي والإسرائيلي. غير أن هذا الدعم بقي سياسيًا وإعلاميًا أكثر منه عسكريًا أو لوجستيًا.
2. تحالف استراتيجي مع سوريا أساسه لبنان:
منذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 تحت غطاء "قوات الردع العربية"، حرص الاتحاد السوفياتي على تثبيت موقعه في لبنان عبر حليفه السوري. واعتبر أن الدور السوري هو الامتداد الطبيعي للنفوذ السوفياتي في المنطقة، وخصوصًا في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. فغضّ الطرف عن تجاوزات النظام السوري داخل لبنان، طالما أنه يضمن منع تمدد النفوذ الأميركي.
3. تحفظ دائم على الوجود الأميركي والإسرائيلي في لبنان:
أبدى الاتحاد السوفياتي مواقف معارضة بشدة لاجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، وندّد بوجود القوات الأميركية والفرنسية في بيروت تحت مظلة "القوات المتعددة الجنسيات"، معتبرًا ذلك تدخلًا إمبرياليًا. لكنه لم يتدخل مباشرة للرد على هذا الوجود، بل اكتفى بالمواقف الدبلوماسية والبيانات الإعلامية والدعم غير المباشر لحلفائه.
4. حذر من الفصائل الفلسطينية الراديكالية وغير المنضبطة:
رغم دعمه العام لمنظمة التحرير الفلسطينية، فإن السوفيات تعاملوا بحذر مع بعض الفصائل الفلسطينية المتطرفة أو الخارجة عن "السيطرة"، وخصوصًا تلك التي كانت تنفذ عمليات عسكرية قد تؤدي إلى ردود فعل دولية. وكان السوفيات يفضّلون أن تبقى الورقة الفلسطينية في يد سوريا الحليفة، وليس في يد جهات غير منضبطة.
5. غياب المبادرة السوفياتية المباشرة:
لم يطرح الاتحاد السوفياتي أي خطة سلام أو مبادرة سياسية شاملة لحل الأزمة اللبنانية. فترك المبادرة للولايات المتحدة أو الأمم المتحدة، واكتفى بتسجيل المواقف في مجلس الأمن أو عبر حليفه السوري، ما عكس سلبية دبلوماسية مردّها إما إلى ضعف التأثير المباشر، أو إلى تجنّب التورط في صراع داخلي معقّد.
6. التأثير الإعلامي والدعائي:
وظّف السوفيات وسائل الإعلام الناطقة بالعربية (مثل إذاعة موسكو بالعربية وصحيفة "الأنباء") للتأثير على الرأي العام اللبناني والعربي، فشنّوا حملات دعائية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ودعموا الخطاب القومي واليساري، لكن هذا التأثير بقي محدودًا في ظلّ الاستقطاب الحاد والواقع الميداني المعقّد في لبنان.
7. تفكك الاتحاد السوفياتي وغياب التوريث السياسي:
مع نهاية الحرب اللبنانية، بدأ الاتحاد السوفياتي يتفكك، وانهارت منظومته في أوروبا الشرقية، ما جعله يغيب تمامًا عن لحظة التسوية اللبنانية في الطائف (1989)، والتي جرت برعاية سعودية–أميركية–سورية، من دون أي دور سوفياتي يذكر. ولم يترك الاتحاد المنهار أي حلفاء لبنانيين بارزين يرثون مشروعه.
يمكن القول إن تعاطي الاتحاد السوفياتي مع القضية اللبنانية كان غير مباشر، قائمًا على الوكالة عبر سوريا، سياسيًا أكثر منه عمليًا، وانتقائيًا يخضع لأولويات الحرب الباردة. لم يسعَ السوفيات إلى لعب دور راعٍ أو وسيط، ولم يستثمروا وزنهم الدولي للتأثير الفعلي على المسار اللبناني، بل اكتفوا بحضور ظِلّي، عبر دمشق والفصائل الحليفة لها، في مواجهة ما اعتبروه مشروعًا غربيًا–أميركيًا في بيروت.
وبذلك، فقد ترك الاتحاد السوفياتي أثرًا محدودًا في مسار الأزمة اللبنانية، رغم اصطفافه مع أحد أطرافها، وهو ما يعكس قصورًا استراتيجيًا في فهم تعقيدات لبنان أو الاستثمار الفعلي فيه، مقارنةً بالحضور الأميركي الأكثر فاعلية وإن كان متذبذبًا.
تعاطي فرنسا مع القضية اللبنانية في فترة السبعينيات والثمانينيات تميز بطابع تاريخي وثقافي وسياسي معقد، يعكس علاقات تاريخية عميقة بين البلدين تمتد إلى حقبة الانتداب الفرنسي على لبنان (1920-1943)، مع محاولة باريس خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) لعب دور وسيط وداعم للحفاظ على استقرار لبنان، لكن بفعالية محدودة أمام التعقيدات المحلية والإقليمية والدولية.
في تقييم تعاطي فرنسا خلال تلك المرحلة، يمكن الإشارة إلى المحاور التالية:
1. الحرص على الحفاظ على النفوذ الثقافي والسياسي:
لطالما اعتبرت فرنسا لبنان جزءًا من "الفكر والروح الفرنسية" في المنطقة، مع روابط ثقافية ولغوية ودينية (المسيحيون الموارنة والآشوريون واللاتين). حرصت باريس على حماية مصالحها الثقافية والاقتصادية، واستمرار تأثيرها في المؤسسات التعليمية والإعلامية، والروحية، ومنظمات المجتمع المدني اللبنانية.
2. دور الوسيط والداعم السياسي:
حاولت فرنسا خلال الأزمة اللبنانية أن تلعب دورًا وسيطًا بين الأطراف المتصارعة، خاصة بين المسيحيين والفرقاء العرب، في محاولة للمساهمة في التوصل إلى حلول سياسية تنهي الحرب الأهلية. أرسلت بعثات دبلوماسية رفيعة المستوى، وكانت من الداعمين لمؤتمرات الحوار اللبناني في باريس وبعض العواصم الأوروبية.
3. الدعم الإنساني والإنقاذي:
قدمت فرنسا مساعدات إنسانية ودعمًا لإعادة الإعمار في المناطق المتضررة، كما استقبلت لاجئين لبنانيين هربًا من الحرب، وأتاحت المجال أمام الطلاب اللبنانيين للدراسة في جامعاتها.
4. التردد أمام التدخل العسكري المباشر:
على عكس الولايات المتحدة أو إسرائيل، لم تدخل فرنسا عسكريًا بشكل مباشر في الصراع اللبناني، لكنها شاركت ضمن القوات الدولية متعددة الجنسيات (المارينز الفرنسيين) في بيروت خلال أوائل الثمانينيات. لكن بعد تفجير مقر القوات الفرنسية في 1983، وتزايد المخاطر الأمنية، كانت باريس حذرة في تجديد أي تواجد عسكري طويل الأمد.
5. الموقف من الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982):
أدانت فرنسا الاجتياح الإسرائيلي واعتبرته انتهاكًا للسيادة اللبنانية، ودعت إلى احترام القرار الدولي 425 الخاص بسحب إسرائيل لقواتها. كانت باريس من بين الأصوات الأوروبية الداعية إلى تسوية سلمية في لبنان بعيد الاجتياح.
6. العلاقة مع سوريا والنظام اللبناني:
حافظت فرنسا على علاقات دبلوماسية مع النظام السوري الذي كان له وجود عسكري في لبنان، وعملت على إيجاد قنوات حوار معه، متبنية سياسة "توازن المصالح" لتفادي احتدام الصراع الإقليمي على أراضي لبنان.
7. محدودية التأثير أمام تصاعد النفوذ الإقليمي والدولي:
على الرغم من كل الجهود، لم تتمكن فرنسا من فرض تأثير قوي في مسار الأزمة اللبنانية، التي طغت عليها صراعات إقليمية (إسرائيل، سوريا، إيران، العراق) وتدخلات دولية (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي). كما أن غياب إرادة لبنانية موحدة أعاق أي دور فرنسي مؤثر.
يمكن اعتبار تعاطي فرنسا مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات تعبيرًا عن رغبة في الحفاظ على روابط تاريخية وثقافية عميقة، ومحاولة للعب دور سياسي دبلوماسي ووسيط معتدل، مع اهتمام إنساني وإنقاذي. لكن فرنسا عانت من محدودية أدواتها وتأثيرها في مواجهة تعقيدات الحرب اللبنانية وتدخلات القوى الإقليمية الكبرى، مما جعل دورها مهمشيًا نسبيًا مقارنةً بالدور الأميركي والإقليمي.
بالتالي، كان التعاطي الفرنسي حذرًا، متوازنًا، لكنه غير حاسم، تميّز بالبعد الإنساني والديبلوماسي، مع غياب استراتيجية واضحة أو قدرة على فرض حلول حاسمة للأزمة اللبنانية.
تعاطي الفاتيكان مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات اتسم بدور روحي وإنساني ودبلوماسي حساس، مع محاولة للمحافظة على الوحدة الوطنية والسلام الأهلي في بلد يشكّل فيه المسيحيون، خصوصًا الموارنة، إحدى الركائز الأساسية، ويجمع لبنان أبعادًا دينية وثقافية مهمة للفكر الكاثوليكي والكنيسة.
في تقييم التعاطي البابوي والفاتيكاني خلال تلك الفترة، نلاحظ المحاور التالية:
1. اهتمام روحي وحماية الطوائف المسيحية:
كان للفاتيكان اهتمام خاص بوضع المسيحيين في لبنان، خاصة الموارنة والكنيسة اللاتينية، باعتبار لبنان منبرًا حضاريًا للمسيحية في الشرق الأوسط. بذل الفاتيكان جهودًا كبيرة لدعم المؤسسات الكنسية، ودعم التعليم الديني، وحماية الحقوق الدينية والاجتماعية للطوائف المسيحية المتنوعة.
2. دور الوسيط والسلام:
سعى الفاتيكان عبر البطريرك الماروني آنذاك، وإرسال مبعوثين رسميين، إلى تحريك عملية المصالحة بين الأطراف المتصارعة، والدعوة إلى الحوار الوطني، وإنهاء العنف الطائفي. حرص على تعزيز التفاهم بين المسلمين والمسيحيين، مؤكدًا على أهمية العيش المشترك والسلام الأهلي.
3. تحركات دبلوماسية من خلال البطريركية المارونية:
تولى البطريرك مار نصرالله بطرس صفير دورًا محوريًا خلال هذه الفترة، إذ شكّل صوتًا مؤثرًا على الساحة الداخلية والدولية، عبر مواقفه الداعية إلى استقلال لبنان وحماية حقوق المسيحيين، وفي الوقت نفسه رفض التدخلات الخارجية التي تهدد وحدة لبنان وسيادته.
4. المواقف تجاه التدخلات الإقليمية والدولية:
أبدى الفاتيكان تحفظات واضحة على الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وندّد بالمجازر التي ارتكبت بحق المدنيين، مع دعوات متكررة لاحترام الكرامة الإنسانية والقانون الدولي. كما دعا إلى احترام سيادة لبنان واستقلاله، ورأى في التدخلات الخارجية عاملاً مفاقمًا للأزمة.
5. تركيز على الجانب الإنساني:
ساهمت الكنيسة الكاثوليكية والمؤسسات التابعة لها في تقديم مساعدات إنسانية للمتضررين من الحرب، واستقبال اللاجئين والنازحين، ودعم برامج إعادة الإعمار، مع الحفاظ على عملها الديني والتربوي والاجتماعي.
6. دعم مفهوم لبنان كمثال للتعايش الديني:
أكد الفاتيكان عبر خطابه الرسمي وخطابات البابوات على أن لبنان يمثل نموذجًا فريدًا للتعايش بين الأديان والثقافات في الشرق الأوسط، ودعا إلى حماية هذا النموذج من التدمير بفعل النزاعات الطائفية والعنف.
7. محدودية القدرة على التأثير السياسي المباشر:
رغم المواقف الواضحة والدعم الروحي، فإن الفاتيكان لم يكن فاعلًا سياسيًا مباشرًا في الصراع اللبناني، بل اعتمد على الوسائل الدبلوماسية الناعمة، والضغط الروحي، والتأثير عبر الكنيسة المحلية، مع تحفظ على التدخل العسكري أو فرض الحلول السياسية بالقوة.
تعاطي الفاتيكان مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان روحيًا وإنسانيًا ودبلوماسيًا، يهدف إلى الحفاظ على الوجود المسيحي في لبنان، ودعم وحدة البلاد، وتعزيز السلام الأهلي، مع رفض التدخلات التي تؤجج الحرب. شكل الفاتيكان، وبشكل خاص من خلال البطريركية المارونية، صوتًا مهمًا يدعو إلى الحوار والوفاق، لكنه ظل بعيدًا عن الحلول السياسية المباشرة أو التدخل العسكري.
وبالتالي، فإن الفاتيكان لعب دورًا مهمًا في الحفاظ على البعد الروحي والإنساني للقضية اللبنانية، وكان قوة ناعمة تساهم في الدعوة إلى السلام والتعايش، رغم محدودية تأثيره في منع تصاعد الحرب أو فرض تسوية سياسية شاملة في تلك المرحلة العصيبة.
تعاطي الخليج العربي، وبخاصة السعودية، مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان ذا أبعاد سياسية، دينية واستراتيجية عميقة، يعكس الاهتمام الكبير بمنع تمدد النفوذ الإيراني والسوري، ودعم القوى السنية والمسيحية الحليفة في لبنان، ضمن سياق الصراع الإقليمي والتنافس على النفوذ في الشرق الأوسط.
في تقييم هذا التعاطي، يمكن التركيز على المحاور التالية:
1. دعم لبنان كامتداد للهوية العربية والسنية:
اعتبرت السعودية ودول الخليج لبنان جزءًا لا يتجزأ من العالم العربي، وحرصت على حماية الهوية العربية الإسلامية، خصوصًا الطائفة السنية، من تأثيرات المشاريع الإقليمية المعارضة، سواء الإيرانية (بعد الثورة 1979) أو السورية. دعمت بشكل واضح القوى السياسية السنية وبعض القوى المسيحية المعتدلة التي تلتزم بالوحدة الوطنية.
2. دعم مالي وسياسي للحكومة اللبنانية والجيش:
قدمت السعودية ودول الخليج مساعدات مالية كبيرة للحكومة اللبنانية والجيش الوطني، خصوصًا في فترات ضعف الدولة وسط الحرب الأهلية، سعياً للحفاظ على استقرار النظام الرسمي ومواجهة التحديات الأمنية التي تشكلها الفصائل المسلحة.
3. الموقف من الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982):
رفضت السعودية ودول الخليج الاجتياح الإسرائيلي للبنان، واعتبرته تعديًا على السيادة العربية، مع دعمها السياسي والدبلوماسي لمنظمة التحرير الفلسطينية والفصائل اللبنانية المعارضة للاحتلال. لعبت الرياض دورًا مهمًا في حشد الدعم العربي للقضية اللبنانية ضد الاجتياح.
4. التصدي للتمدد الإيراني وحزب الله:
مع نشوء حزب الله في الثمانينيات وبدء توسع النفوذ الإيراني في لبنان، اتخذت السعودية ودول الخليج مواقف حازمة لاحتواء هذا التمدد، خاصة وأنه كان يُنظر إليه على أنه تهديد مباشر للوجود السني والمسيحي، ولكون حزب الله امتدادًا لإيران.
5. استضافة مؤتمرات ووساطات عربية:
ساهمت السعودية في تنظيم لقاءات ومبادرات عربية تهدف إلى حل الأزمة اللبنانية، مثل مؤتمر جدة، وسعت لتفعيل الجامعة العربية في دعم الحلول السياسية التي تحافظ على وحدة لبنان وتحد من التدخلات الخارجية.
6. الدعم الديني والثقافي:
ساهمت السعودية والخليج في دعم المؤسسات الدينية والتعليمية السنية في لبنان، بالإضافة إلى مشاريع اجتماعية وإنسانية، لتعزيز الاستقرار داخل الطائفة السنية ورفع مستوى التأهيل الاجتماعي.
7. تعقيدات العلاقة مع سوريا:
رغم موقفها الحاد من النفوذ الإيراني، تبنت السعودية سياسة متوازنة تجاه سوريا في لبنان، خاصة في ظل المصالح الإقليمية المشتركة، وحرصت على إبقاء القنوات مفتوحة مع دمشق للحوار والتفاوض، رغم التوترات السياسية.
يمكن وصف تعاطي الخليج العربي والسعودية مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات بأنه فاعل ومؤثر ضمن الإطار السياسي والمالي والديني، مستهدفًا حماية المصالح السنية والعربية، ومواجهة النفوذ الإيراني والسوري المتنامي. لعبت السعودية دورًا مهمًا في دعم الحكومة اللبنانية والجيش، وفي تأمين الدعم العربي السياسي والدبلوماسي، إلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية.
ومع ذلك، فإن هذا التعاطي ظل مرتبطًا بالحسابات الإقليمية، ولم يكن دائمًا متسقًا أو قادرًا على إيجاد حل شامل للأزمة اللبنانية، لكنه شكّل عاملًا مهمًا في التوازنات الداخلية، وساهم في حفظ بعض الاستقرار في وجه تقلبات الحرب الأهلية وتدخلات القوى الخارجية.
تعاطي إيران مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان له تأثير محوري وعميق على مسار الأحداث في لبنان، وقد تميز بعدة سمات وأبعاد يمكن تقييمها كما يلي:
في السبعينيات، ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، بدأت إيران تركز على دعم الفصائل الفلسطينية وبعض الفصائل اليسارية المناهضة لإسرائيل، لكن الدور الإيراني في لبنان كان محدوداً نسبياً آنذاك مقارنة بما سيأتي في الثمانينيات، وذلك لعدة أسباب، منها تركيز النظام الإيراني بعد الثورة الإسلامية عام 1979 على تثبيت السلطة داخلياً، وكذلك غياب مشروع إقليمي واضح في لبنان.
مع بداية الثمانينيات، وبخاصة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، تغيرت معادلة التعاطي الإيراني بشكل جذري. إيران بدأت ترسل دعماً مباشراً لمجموعات شيعية لبنانية، أبرزها حركة "أمل" التي كانت تشكل قاعدة تنظيمية للشيعة اللبنانيين، ولاحقاً تأسيس ودعم حزب الله كقوة مقاومة مسلحة. هذه الخطوة كانت تحولاً استراتيجياً جعل من إيران لاعباً أساسياً في الصراع اللبناني، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً على المستوى السياسي والاجتماعي.
إيران في تلك الفترة تبنت نموذجاً جديداً في التدخل السياسي العسكري عبر وكلائها المحليين، وذلك من خلال توفير الدعم المالي والتسليحي والتدريبي لحزب الله، الذي أسس على قواعد أيديولوجية مستمدة من الثورة الإسلامية الإيرانية. هذا الدعم مكن الحزب من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، مما أكسبه شعبية كبيرة بين شرائح واسعة من اللبنانيين، خصوصاً في المجتمع الشيعي.
لكن التعاطي الإيراني لم يكن محصوراً في دعم المقاومة فقط، بل شمل أيضاً بناء شبكة اجتماعية ودينية وسياسية عميقة في لبنان، مما أدى إلى تشكل واقع لبناني متعدد القوى والنفوذ، حيث أصبح حزب الله قوة سياسية وعسكرية محورية، تؤثر في السياسة اللبنانية وعلى الصعيد الإقليمي.
من جهة أخرى، يمكن القول إن تعاطي إيران في تلك الحقبة أثار تحولات معقدة في لبنان، من بينها تصاعد التوترات الطائفية والمذهبية، وزيادة تدخل القوى الخارجية في الشأن اللبناني، مما ساهم في استمرار حالة الانقسام وعدم الاستقرار.
، تعاطي إيران مع القضية اللبنانية في السبعينيات كان محدود التأثير، لكنه تحوّل في الثمانينيات إلى تدخل مباشر وفاعل، أدى إلى تشكل واقع سياسي وعسكري جديد في لبنان، مع تداعيات كبيرة على مستقبل البلاد والمنطقة. هذا التعاطي كان بمثابة تأسيس لنفوذ إيراني دائم في لبنان من خلال حزب الله، وهو ما يستمر تأثيره حتى اليوم.
تعاطي تركيا مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان محدودًا نسبيًا بالمقارنة مع قوى إقليمية أخرى مثل سوريا وإيران وإسرائيل، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل تاريخية وسياسية وجغرافية، ويمكن تقييمه كما يلي:
في السبعينيات، كانت تركيا تركز بشكل أكبر على ملفات داخلية وإقليمية أخرى، مثل النزاعات مع الأكراد وتوتراتها مع اليونان، كما أن لبنان كان حينها في بداية أزمته مع اندلاع الحرب الأهلية، ولم تكن تركيا قد طورت استراتيجية واضحة أو تدخلًا مباشرًا في الشأن اللبناني. علاوة على ذلك، كانت تركيا في تلك الفترة تحت حكم عسكري لفترات متقطعة، مما حد من قدرتها على لعب دور إقليمي نشط.
في الثمانينيات، وبالرغم من تصاعد الصراع اللبناني وتحول لبنان إلى ساحة تأثير إقليمي بين قوى مثل سوريا وإيران وإسرائيل، إلا أن تركيا بقيت تلعب دوراً هامشياً. اهتمت أنقرة أكثر بالحفاظ على استقرار حدودها الجنوبية مع سوريا والعراق، وقللت من تدخلها في لبنان، مفضلةً الحفاظ على علاقات دبلوماسية متوازنة مع مختلف الأطراف اللبنانية والإقليمية.
تركيا في هذه المرحلة اتبعت نهجًا دبلوماسيًا أكثر منه عسكريًا أو تدخليًا، حيث ركزت على تأمين مصالحها الاقتصادية والتجارية في المنطقة، والحرص على عدم الانجرار إلى صراعات طائفية أو مذهبية قد تؤثر على استقرارها الداخلي. كما أنها لم تكن تمتلك قواعد أو نفوذ طائفي أو سياسي بارز في لبنان، بعكس إيران وسوريا.
مع ذلك، يمكن الإشارة إلى أن تركيا كانت تتابع بقلق تطورات الأوضاع في لبنان، خصوصًا مع وجود بعض الجاليات اللبنانية في تركيا، وسعيها للحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى العربية والغرب. ولم يكن هناك تدخل تركي مباشر في النزاع أو دعم لفصائل محددة في لبنان خلال تلك الفترة.
، تعاطي تركيا مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان محدوداً وغير مباشر، واتسم أكثر بالحياد النسبي والابتعاد عن التدخل المباشر، في ظل تركيزها على قضاياها الداخلية والإقليمية الأخرى. تركيا لم تشكل لاعبًا رئيسيًا في لبنان خلال تلك العقود، لكنها حافظت على علاقات دبلوماسية معتدلة مع مختلف الأطراف، مع توخي الحذر من الانخراط في الصراعات اللبنانية المعقدة.
تعاطي العراق مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان متأثراً بسياقين داخلي وإقليمي معقدين، وقد لعب دوراً هامشياً لكنه ملحوظاً ضمن التوازنات الإقليمية بين الدول العربية، ويمكن تقييمه على النحو التالي:
في السبعينيات، كانت العراق تحت حكم حزب البعث بقيادة صدام حسين الذي بدأ في تعزيز نفوذ العراق عربياً وإقليمياً. خلال هذه الفترة، اتخذ العراق موقفاً معادياً لإسرائيل وداعماً للقضية الفلسطينية، وهو ما جعله يتعاطى مع القضية اللبنانية بشكل مرتبط بالتحالفات العربية والإقليمية. العراق دعم فصائل فلسطينية متعددة، وكذلك بعض القوى العربية المناهضة لإسرائيل، لكنه لم يكن لاعباً أساسياً في لبنان، حيث كان النفوذ السوري والإيراني والإسرائيلي هو الأبرز.
في الثمانينيات، مع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، تأثر موقف العراق تجاه لبنان بشكل مباشر وغير مباشر. العراق، كدولة عربية سنية بزعامة صدام حسين، كان ينظر بريبة إلى النفوذ الإيراني المتنامي في لبنان من خلال حزب الله، الذي يمثل مشروعاً إيرانياً إقليمياً. لذلك، العراق انحاز إلى جانب القوى العربية السنية واليمينية في لبنان، مثل القوات اللبنانية وحلفائها، ووقف ضد النفوذ الإيراني الشيعي المتصاعد.
على الرغم من ذلك، ظل العراق محدود التأثير المباشر على الساحة اللبنانية، وفضل العمل من خلال دعم فصائل لبنانية متحالفة معه سياسياً وطائفياً، وحاول تقديم دعم مالي أو سياسي لبعض القوى المناهضة للتدخل الإيراني أو السوري في لبنان. كما عمل العراق على تعزيز دوره كقوة إقليمية عربية تقود مواجهة النفوذ الإيراني في لبنان والمنطقة.
بالمقابل، العراق كان مرتبطاً بعلاقات متوترة مع سوريا لفترات في تلك الحقبة، ما أثر على تعاطيه مع الملف اللبناني، حيث أن سوريا كانت من أبرز اللاعبين في لبنان، وخصوصاً في الحرب الأهلية. لكن العراق لم يجرؤ على مواجهة مباشرة مع النفوذ السوري في لبنان، مكتفياً بالدعم السياسي لبعض القوى المعارضة.
تعاطي العراق مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان تحكمه ديناميات الصراع العربي الإيراني، ومنافسة النفوذ الإقليمي، مع دعم محدود وموجه لفصائل لبنانية مناهضة للإيرانيين وساعية لتقليل تأثيرهم. العراق لم يكن لاعباً مباشراً وفاعلًا في لبنان بقدر سوريا أو إيران، لكنه لعب دوراً ضمن تحالفات إقليمية أوسع للحفاظ على توازنات القوى في المنطقة، وبهدف مواجهة التوسع الإيراني في لبنان والمنطقة العربية.
تعاطي المجموعة الأوروبية مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان متبايناً ومتعدد الأبعاد، يجمع بين الاهتمام الإنساني والدبلوماسي ومحاولات الوساطة، مع محدودية التأثير المباشر في ظل تعقيدات الحرب الأهلية اللبنانية وتداخل النفوذ الإقليمي والدولي. يمكن تقييم هذا التعاطي من عدة جوانب:
في السبعينيات، شهدت أوروبا الغربية، خاصة فرنسا وبريطانيا، اهتماماً خاصاً بلبنان بسبب الروابط التاريخية والثقافية والاقتصادية، ووجود جاليات لبنانية كبيرة في أوروبا. فرنسا، بوصفها القوة الاستعمارية السابقة، كانت أكثر حرصاً على متابعة تطورات لبنان، وحاولت من خلال دبلوماسيتها أن تلعب دور الوسيط في محاولة لاحتواء الأزمة اللبنانية أو دعم الاستقرار، لكنها لم تتمكن من فرض حلول ناجعة نتيجة التعقيدات المحلية والإقليمية.
أوروبا في تلك الفترة أبدت قلقها من تصاعد الحرب الأهلية وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي، لكنها عموماً اتخذت موقفاً حذراً، متجنبة التدخل العسكري أو التدخل السياسي المباشر، مع التركيز على المساعدات الإنسانية ودعم اللاجئين والنازحين اللبنانيين.
في الثمانينيات، ومع تصاعد الصراع وتدخلات القوى الإقليمية مثل إيران وسوريا، وكذلك التدخل الإسرائيلي، بقيت المواقف الأوروبية موجهة نحو محاولة دعم الحلول السلمية والدبلوماسية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي (الذي كان في بداياته) والمنظمات الإنسانية. الأوروبيون لعبوا دوراً في تقديم المساعدات الإنسانية وتنظيم المؤتمرات الداعية للسلام، وكانوا مناصرين للحفاظ على وحدة لبنان وسيادته، لكن نفوذهم السياسي ظل محدوداً مقارنة بالقوى الإقليمية والدولية الأخرى.
فرنسا وبلدان أوروبية أخرى أبدت اهتماماً خاصاً بالشأن اللبناني، واحتفظت بعلاقات دبلوماسية مع جميع الأطراف، محاولةً المحافظة على دور وسيط، كما دعمت مبادرات سياسية تتعلق بحماية المسيحيين اللبنانيين وبناء مؤسسات الدولة، في ظل الانقسامات الداخلية والحرب الأهلية.
كما حاولت أوروبا المساهمة في تخفيف تداعيات الأزمة من خلال دعم جهود الإغاثة واللاجئين، خاصة مع موجات النزوح والدمار التي خلفتها الحرب، وسعت للحفاظ على استقرار المنطقة من خلال التعاون مع الدول العربية ومنظمات دولية أخرى.
تعاطي المجموعة الأوروبية مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان يتميز بالحذر والنهج الدبلوماسي والإنساني، مع اهتمام خاص من فرنسا وبعض الدول الغربية الأخرى، دون تدخل عسكري مباشر أو سيطرة سياسية، مع التركيز على دعم الحلول السلمية والمساعدات الإنسانية، لكن تأثيرهم ظل محدوداً في مواجهة التدخلات الإقليمية والدولية العميقة والصراعات الداخلية اللبنانية.
تعاطي قبرص مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان محدوداً نسبياً، ولكنه تأثر بالظروف الإقليمية والقرب الجغرافي بين البلدين، مع بعض الأبعاد الأمنية والإنسانية التي استدعت اهتمام أنقرة والنيقوسيا. يمكن تقييم هذا التعاطي كالتالي:
قبرص، كونها جزيرة صغيرة تقع على مقربة من السواحل اللبنانية، كانت تتابع عن كثب تطورات الأزمة اللبنانية، لا سيما مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 وتصاعد العنف والتدخلات الخارجية في لبنان. جغرافياً، جعلت قربها من لبنان قبرص نقطة ذات أهمية استراتيجية، خصوصاً في ظل وجود نزاعات داخلية قبرصية (الصراع القبرصي بين القبارصة اليونانيين والأتراك) ووجود توازنات إقليمية معقدة.
في السبعينيات، تأثرت قبرص بشكل غير مباشر من تداعيات الأزمة اللبنانية، لا سيما عبر تدفق اللاجئين اللبنانيين الذين لجأوا إلى الجزيرة، مما شكل عبئاً على مواردها المحدودة. كما أن قبرص حافظت على علاقات دبلوماسية مع مختلف الأطراف اللبنانية، وحاولت تقديم دعم إنساني بسيط، لكنها لم تكن طرفاً فاعلاً في السياسة الإقليمية تجاه لبنان.
في الثمانينيات، تزايد الاهتمام الأمني في قبرص نظراً لتصاعد أعمال العنف في لبنان وتنامي نفوذ الميليشيات المسلحة، وهو ما دفع الحكومة القبرصية إلى تعزيز مراقبتها الحدودية وتأمين أمن جزيرتها من أية تداعيات عسكرية أو تهديدات متأتية من لبنان أو من الصراعات الإقليمية المحيطة. كما اتخذت قبرص موقفاً حذراً وحيادياً من النزاعات اللبنانية، محاولة تجنب الانخراط في الصراعات الطائفية أو السياسية.
على المستوى الدبلوماسي، حافظت قبرص على علاقات جيدة مع لبنان، وشاركت في بعض المبادرات الإنسانية والدبلوماسية التي تهدف إلى تخفيف معاناة المدنيين اللبنانيين، لكنها لم تلعب دوراً بارزاً أو مؤثراً على مسار النزاع اللبناني.
تعاطي قبرص مع القضية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان محدوداً وأساساً إنسانياً وأمنياً، متأثراً بقربها الجغرافي وتأثيرات النزوح واللاجئين، مع حرص على الحياد وعدم الانخراط في الصراعات الإقليمية اللبنانية، وعملت على تأمين حدودها والحفاظ على استقرارها في ظل محيط إقليمي متوتر.
عمر الخيام هو واحد من أبرز أعلام الفكر والشعر في الحضارة الإسلامية والعالمية، فهو ليس مجرد شاعر أو عالم رياضيات وفلك، بل هو صورة متكاملة لشخصية إنسانية عميقة تأملت في وجود الإنسان، في الحياة والموت، وفي المعنى الحقيقي للزمان والمصير. يظهر الخيام كأنه مناضل في مواجهة الأسئلة الوجودية التي حيّرت الإنسان عبر العصور، إذ نراه يتساءل عن جدوى الحياة وسط هذه الدوامة التي تلتهم الفرح والأمل، لكنه في ذات الوقت لا يستسلم لليأس بل يحاول أن يستخلص من الحياة بعض لحظات النشوة، تلك اللحظات التي تجعل من الوجود تجربة مفعمة بالحيوية والحضور.
يبدو أن عمر الخيام يملك ذلك الحس النقدي الجريء الذي يجرؤ على تحدي الموروثات، سواء كانت دينية أو فلسفية، في زمن كان الالتزام بالطقوس والاعتقادات يحكم بقبضة من حديد على عقول الناس. لكنه لا يأتي من منطلق سلبي، بل من حب عميق للحقيقة ورغبة صادقة في كشف الأسرار المخفية وراء الستار. في قصائده نجد مزيجاً ساحراً من الشك والتأمل، أحياناً يميل إلى السخرية من الأوهام التي يبنيها الإنسان حول الخلود واليقين، وأحياناً أخرى يطفو على السطح ذلك الحنين إلى السلام الداخلي والسكينة التي لا يمكن الوصول إليها سوى عبر قبول هشاشة الحياة.
تجسد أشعاره تلك الصراعات الداخلية التي يعانيها كل إنسان: بين الرغبة في الفرح وبين الخوف من النهاية، بين الطموح إلى المعرفة وبين الإحساس بالعبثية، بين الاعتقاد بالقدر وبين محاولة السيطرة على مصير الذات. ورغم ما تحمله من فلسفة تشاؤمية أو تفكير ناقد، إلا أن الخيام يزرع في النص شعوراً بالاحتفاء بالحظة الحاضرة، تلك اللحظة الصغيرة التي تشكل الحياة بكل ما فيها من ألم وفرح. إنه يدعونا إلى أن نحتسي كأس الخمر كرمز للحياة المتمردة على القيود، كاحتفال بسيط بالحياة رغم قسوتها.
في بعده الفكري، كان عمر الخيام رائدًا في ميادين العلم، حيث أبدع في الرياضيات والفلك، وأثبت أن العقل لا يتوقف عند حدود اليقين الديني أو الموروث الثقافي، بل يمتد إلى فضاءات التجربة والمنطق والاستدلال. وهذا التنوع بين العلم والشعر يعكس شخصية الخيام المركبة، رجل العقل والقلب، رجل العلم والفن، الذي يرفض التفرقة بين المعرفة والعاطفة، ويبحث عن وحدة الإنسان مع العالم من حوله.
من الناحية الوجدانية، نلمس في شعره عمق الحزن الناتج عن تأمل سر الحياة والموت، ولكنه حزن متوازن بروح تمرد لا تعرف الاستسلام. ربما لأنه أدرك أن الأسئلة الكبرى لا إجابات قطعية لها، وأن الانفتاح على غموض الحياة هو ما يمنحها جمالها وغناها. من هنا يبرز الخيام كصديق للشك والغرابة، كرفيق للذي يمشي وحده في دروب الوجود، متأملاً، متحسسًا رقة اللحظات العابرة التي تصنع نسيج الزمن.
في النهاية، عمر الخيام هو مرآة تعكس الصراع الأزلي للإنسان مع نفسه ومع العالم، وهو دعوة حية لأن نعيش حياة واعية، حقيقية، لا تسعى إلى الوهم بل تستقبل الحقيقة بكل ما فيها من تناقضات. هو شاعر الفلسفة الحية، الذي لا يكتفي بالكلمات، بل يدعونا إلى تجربة الحياة بأقصى ما فيها من ألم ونشوة، لعلنا نجد في هذه التجربة معناه الحقيقي.
الكندي هو ذلك العقل العربي الذي فتح نوافذ الفلسفة والعلم على الحضارة الإسلامية، وعبرها إلى العالم. إنه المثال الحي على أن الفكر لا يعرف حدودًا جغرافية أو ثقافية، بل هو نور يمتد عبر العصور والمجتمعات. جاء في زمن كانت فيه الأمة الإسلامية تلتقط أشلاء الحكمة القديمة التي خلفها الإغريق والرومان، لينسج منها حُلة جديدة تتلاءم مع روح الزمن الإسلامي، فكان الكندي جسراً بين العقول، ومُرسلاً للعلم.
في عمق فلسفة الكندي، يتجلى عشق للمعرفة يوازيه تأمل عميق في سر الوجود، الإنسان، والله والطبيعة. كان يؤمن بأن العقل هو الوسيلة الأسمى لفهم العالم، وأن التفاعل بين العقل والوحي ضرورة، لا صراعاً، لتكامل المعرفة البشرية. فالكندي لم يرفض الدين، لكنه سعى لخلق حوار متوازن بين العقل والإيمان، حيث يرى أن العقل يمكنه استكشاف أسرار الكون، وأن الوحي يكمل هذا الاستكشاف بمعاني الروح والغاية.
وجدانيًا، ينبض الكندي بحس فلسفي رقيق يحمل في طياته التواضع أمام عظمة الخلق، والفضول الذي لا ينضب لاستكشاف أسرار الطبيعة. في كتاباته ومقالاته، هناك دوماً صوت العقل المتفكر المتأمل، ولكنه صوت يفيض بالخشوع والتسليم لحكمة أكبر. هذا المزيج من الفكر والتأمل يجعل الكندي أكثر من مجرد فيلسوف؛ إنه متأمل وجودي يبحث عن السلام بين الإنسان وعالمه.
فلسفة الكندي تحمل في جوهرها التفاؤل بمنطق العقل، والقدرة البشرية على التقدم والاكتشاف. كان يرى أن الإنسان مسؤول عن استخدام عقله ليرتقي بالمعرفة، وأن العلم والفلسفة أدوات لتحرير الإنسان من الجهل والخوف، وبناء مجتمع يزدهر بالحكمة والعدل. هذه الرؤية لم تكن مجرد نظرية فلسفية، بل كانت دعوة وجدانية للحياة بوعي ومسؤولية، رسالة تؤكد على قوة العقل والفكر كسبيل لتغيير الواقع وتحقيق السعادة.
في النهاية، الكندي هو شخصية تمثل تلاقي الحضارات، وشجاعة العقل في زمن التجديد. هو ذلك الفيلسوف العربي الذي حمل رسالة الفلسفة إلى ثقافة متعطشة للمعرفة، وأسس لحقبة من التنوير الإسلامي الذي كان له أثر بعيد المدى في الفلسفة الغربية والعلوم الحديثة. دراسة الكندي ليست مجرد مراجعة تاريخية، بل هي رحلة وجدانية في عالم الفكر والتأمل، حيث نلتقي برجل عاش كي يضيء دروب الإنسان بالعقل والروح معًا.
ابن طفيل هو فيلسوف عربي مسلم من العصر الأندلسي، عاش في بيئة زاخرة بالعلم والفكر، حيث التقاء الحضارات الإسلامية، اليونانية، والفكر الفلسفي. اسمه الحقيقي أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي، وُلد في الأندلس في القرن الثاني عشر الميلادي، وترك إرثًا فكرياً متميزاً شكّل جسراً بين الفلسفة الإسلامية والغرب المسيحي في العصور الوسطى.
يبرز ابن طفيل كشخصية فلسفية فريدة، فهو لم يكن مجرد مفكر نظري بل شاعر للعقل، ينقلنا عبر كتابه الأشهر "حي بن يقظان" في رحلة وجدانية وفكرية إلى أعماق النفس الإنسانية وسرّ الوجود. في هذه الرواية الفلسفية، يعرض ابن طفيل نموذج الإنسان الذي يصل إلى الحقيقة عبر التجربة الذاتية والعقل، متجاوزًا كل الوسائط الدينية والاجتماعية التقليدية، مما يجعل منه صوتًا صادقًا للبحث الحر عن المعنى.
فكريًا، يمثل ابن طفيل الطموح الإنساني للمعرفة المستقلة، حيث يؤمن بأن العقل هو البوصلة التي ترشد الإنسان إلى الحق، وأن الإنسان يمتلك قدرة ذاتية على إدراك الحقيقة وفهم العالم من حوله. هذه الرؤية كانت جريئة في زمنٍ يهيمن فيه التفسير الديني التقليدي، إذ يطرح سؤالاً وجودياً جوهريًا: هل يمكن للإنسان أن يصل إلى الحكمة دون الاعتماد على الكتب والنقل؟ ابن طفيل يجيب عن هذا السؤال برواية حي بن يقظان، الذي يُربى وحيدًا في جزيرة نائية، ويكتشف الحقائق الكبرى للحياة والكون عبر التأمل والتجربة.
وجدانيًا، يكشف ابن طفيل عن ذلك الحنين الإنساني العميق إلى الحقيقة والصفاء الداخلي، وهو رحلة تستدعي الوحدة، الصمت، والانفصال عن ضجيج العالم. "حي بن يقظان" ليست مجرد قصة فلسفية بل هي مرآة روحية تعكس صراع النفس بين العزلة والاتصال، بين الارتقاء بالعقل والتواضع أمام المجهول. في هذه الرحلة، يظهر الإنسان في صورته الأسمى: كائن يفكر ويتأمل ويتوق إلى معرفة جوهر الحياة، وكائن يسعى لأن يكون حرًا في تحقيق ذاته.
ابن طفيل يدعونا، من خلال فلسفته، إلى إعادة النظر في علاقة الإنسان بالمعرفة، فهو يشدد على أن الحكمة ليست محصورة في سلطة خارجية، بل هي رحلة شخصية، حية، ومستمرة. هذا الطرح يحمل في طياته رسالة وجدانية قوية: أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه وشجاعًا في مواجهة أسئلته الوجودية، وأن يقبل البحث المستمر كجزء من تجربته في الحياة.
في النهاية، ابن طفيل هو صوت الفلسفة التي تجمع بين العقل والروح، بين التجربة الذاتية والمعرفة الكونية. هو الفيلسوف الذي عبر عبر صحراء الوحدة إلى نور الحكمة، ودعانا لنمشي خلفه في رحلة البحث عن ذاتنا وعن الحقيقة التي تتجاوز الكلمات وتصل إلى عمق الوعي الإنساني.
"حي بن يقظان" هو أكثر من مجرد كتاب فلسفي أو رواية فكرية؛ إنه تجربة روحية وفكرية متكاملة تنقل القارئ إلى عمق رحلة الإنسان في البحث عن الحقيقة والذات. من خلال شخصية حي بن يقظان، الذي وُلد وترعرع في جزيرة معزولة بلا معلم أو مرشد بشري، يقدم ابن طفيل تصورًا شاملاً عن قدرة العقل البشري على الوصول إلى المعرفة الحقيقية عبر التأمل الذاتي والتجربة.
الكتاب يعكس رؤية فلسفية عميقة تفيد بأن الإنسان، مهما كان معزولًا عن المجتمع والتعليم الرسمي، يمتلك فطرة ونور عقل يرشده لاكتشاف قوانين الطبيعة والكون، والتعرف على الله وحقائق الوجود. هذا الطرح يمثل تأكيدًا على قيمة العقل والمنطق كأدوات استكشاف حرة، تتجاوز التقاليد والقيود الاجتماعية والدينية.
وجدانيًا، يفتح الكتاب نافذة على تجربة الوحدة والانعزال، التي تتسم بالهدوء والصفاء، وهي ليست فقط انفصالًا جسديًا، بل رحلة تأملية داخل النفس. حياة حي بن يقظان على الجزيرة هي دعوة للتأمل في الذكاء الداخلي الذي يمتلكه كل إنسان، وفي الصراع بين الجهل والوعي، وبين العزلة والاتصال بالكون وبالقوة العليا.
العمل أيضًا يطرح تساؤلات عميقة عن معنى الوجود، ودور العقل في فهم الخلق، وعن العلاقة بين الإنسان وربه، ويضع أمامنا نموذجًا للإنسان المثالي الذي يتطور بوساطة التفكير والتجربة الذاتية، بعيدًا عن التصنع أو التقليد. هذا النموذج يمثل تحديًا للتعليم التقليدي ويؤكد على ضرورة أن يكون البحث عن المعرفة رحلة شخصية وذاتية.
على مستوى أعمق، "حي بن يقظان" يشكل دعوة للتفكير في الحرية الفكرية، وفي قدرة الإنسان على الخلق والابتكار، وهو يحتفل بإمكانات العقل وروح الاستكشاف التي لا تعرف حدودًا. في زمنٍ كان فيه الفكر محصورًا في دوائر تقليدية، جاء ابن طفيل ليقول إن الإنسان قادر على الوصول إلى الحقيقة بنفسه، وأن الحكمة لا تكتسب إلا عبر الرحلة الفردية نحو الوعي.
في جوهره، الكتاب هو ملحمة فكرية وجدانية تعكس حب الإنسان للحقيقة وسعيه الدؤوب نحو المعرفة التي تحرره من قيود الجهل والضعف، وتفتح له أبواب السلام الداخلي والفهم العميق للكون.
تأثير كتاب "حي بن يقظان" لابن طفيل في الفلسفة كان عميقًا وممتدًا، سواء في الفلسفة الإسلامية أو الفلسفة الغربية، ويمكن تلخيصه في النقاط التالية:
أولاً، في الفلسفة الإسلامية، مثل "حي بن يقظان" جسرًا فكريًا مهمًا جمع بين الفلسفة اليونانية وخاصة أفكار أرسطو، وبين الفكر الإسلامي والعربي، وهو ما ساعد على تطور الفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى. من خلال تأكيده على قدرة العقل البشري على إدراك الحقائق دون الاعتماد فقط على النصوص الدينية أو النقل، دعم ابن طفيل فكرة الاجتهاد العقلي والتجريبي، مما أثّر على فلاسفة مثل ابن رشد الذين أكدوا على التوافق بين العقل والوحي.
ثانيًا، على الصعيد الغربي، كان لكتاب "حي بن يقظان" تأثير واضح على فلسفة عصر النهضة والحديث، خصوصًا على الفلاسفة الذين تناولوا موضوع المعرفة والحرية الفردية. فقد ترجم الكتاب إلى اللاتينية في القرن السادس عشر، وقرأه فلاسفة مثل جون لوك وسبينوزا، الذين استوحوا من فكرة المعرفة المستقلة والتجربة الذاتية التي عرضها ابن طفيل. وأُعتبر الكتاب من أولى الأعمال التي رسمت صورة الإنسان الذي يعتمد على العقل والتجربة للوصول إلى المعرفة، وهو ما كان حجر الأساس للفكر التجريبي والبراغماتي.
ثالثًا، "حي بن يقظان" قدم نموذجًا فلسفيًا عن الفرد الذي يبدأ من نقطة الصفر في البحث عن الحقيقة، متجاوزًا كل الوسائط التقليدية، وهذا النموذج يؤكد على أهمية الحرية الفكرية والاستقلال في المعرفة، وهو موضوع محوري في الفلسفة الحديثة. هذا الطرح ساعد على تشكيل فهم جديد لدور العقل كوسيلة لاكتساب المعرفة وتحرير الذات من القيود الخارجية.
وأخيرًا، أثر "حي بن يقظان" يمتد أيضًا إلى الفلسفة الوجودية، حيث يُرى فيه تجسيد للبحث الوجودي عن الذات والمعنى في عالم قد يبدو للإنسان معزولًا أو غريبًا، حيث يكون على الفرد أن يجد ذاته بنفسه ويصنع معنى وجوده. هذا الجانب وجداني عميق جعل من الكتاب عملًا فريدًا يستمر في إلهام القراء والفلاسفة.
بالتالي، يمكن القول إن "حي بن يقظان" لعب دورًا محوريًا في الربط بين التراث الفلسفي القديم والفكر الحديث، من خلال تقديمه رؤية عقلانية وجدانية متوازنة للإنسان والمعرفة والوجود، ما جعله إرثًا خالدًا في تاريخ الفلسفة.
ابن سينا، المعروف بالشيخ الرئيس، هو واحد من أعظم أعمدة الفلسفة والطب في الحضارة الإسلامية، بل وفي تاريخ الفكر الإنساني بأسره. كان عقلًا فذًا يمتزج فيه العلم بالفلسفة، والمنطق بالتجربة، حيث عاش في عالمٍ يتداخل فيه الغموض مع الرغبة المستمرة في الفهم والمعرفة. إن ابن سينا ليس مجرد فيلسوف طبيب، بل هو روح تائهة في فضاء العقل، تبحث عن جوهر الوجود وحقيقة النفس والعالم.
فكريًا، قدم ابن سينا نموذجًا فلسفيًا شاملاً ينبع من عمق العقل اليوناني خاصة أرسطو وأفلاطون، لكنه كان أكثر من ناقل؛ فقد أبدع في تركيب فلسفة تجمع بين العقل والوحي، بين العلم والتصوف. يرى ابن سينا أن الوجود هو مبدأ لا ينفصل، وأن كل ما في الكون متصل بسلسلة من الأسباب والمسببات التي تبدأ بالموجود الضروري، وهو الله. هذه الرؤية لم تكن مجرد فكرة فلسفية جامدة، بل كانت إطارًا يضفي معنى وهدى على الفهم الإنساني للكون.
وجدانيًا، تحمل فلسفة ابن سينا الكثير من الحزن الطفيف، الممزوج بالأمل اللامتناهي. فقد كان عارفًا بمعاناة الإنسان في مواجهة جهله وحدوده، لكنه في الوقت ذاته كان من دعاة التفاؤل العقلاني، إذ يرى أن النور الذي يسطع من العلم والفهم قادر على أن يحرر الإنسان من ظلمات الجهل والخوف. في كتاباته، ينبثق صوت النفس الباحثة عن السكينة في عمق المعرفة، عن لقاء الروح بحقيقتها في مواجهة الموت والزمن.
ابن سينا ينقل لنا عبر أعماله صورة الإنسان الفاعل الذي ليس مجرّد متلقٍ، بل مبتكر ومكتشف، يمتلك الإرادة لاختبار الحقيقة، وصقلها بالعقل والتجربة. هذه الشخصية الفلسفية تشجع على استخدام المنهج العلمي في البحث، وعلى أن يكون العلم وسيلة للتحرر الروحي والفكري، وليست مجرد تراكم للمعلومات. وهو بذلك يربط بين العلم والفلسفة، بين العقل والروح، ويطرح رؤية متكاملة للوجود الإنساني.
في جوهر فلسفته، هناك تأكيد على الذات ككيان يستطيع أن يرتقي فوق الماديات عبر الفكر والروح، لكنه أيضًا يدرك هشاشة الإنسان أمام الغيب، أمام الأسرار التي لا تنكشف إلا للقلوب الصافية والعقول المشرعة. إن ابن سينا هو ذلك الفيلسوف الذي عاش صراع الإنسان مع مجهول الوجود، لكنه لم يترك ذلك الصراع يخنقه، بل جعله قوة دافعة للبحث والتأمل.
ختامًا، ابن سينا هو أكثر من مجرد اسم في تاريخ الفلسفة؛ هو نغمة فلسفية عميقة تعزف على أوتار العقل والوجدان معًا. هو صدى صوت الإنسان الذي لا يكلّ من السؤال، ولا يستكين إلا حين يجد معنى في الوجود ذاته، معاني تتجاوز حدود العقل لتصل إلى مرافئ الروح.
تأثير ابن سينا في الفلسفة والطب كان هائلًا وعميقًا، وامتدّ عبر قرون عديدة، وشكّل نقطة تحول في التراث العلمي والفلسفي الإنساني.
في الفلسفة، يُعتبر ابن سينا أحد أعظم الفلاسفة في الحضارة الإسلامية والعالمية، حيث نجح في بناء نظام فلسفي متكامل يجمع بين المنطق الأرسطي والفلسفة الأفلاطونية والتجربة العلمية الإسلامية. طرح مفاهيم أساسية حول الوجود، النفس، والذات، وقدم تصوّرًا متقدمًا عن جوهر الوجود والموجود الضروري (الله)، مؤثرًا بذلك على الفلسفة المدرسية في أوروبا. ترجم الكثير من كتبه إلى اللاتينية، وكان له تأثير بالغ على فلاسفة مثل توماس الأكويني، دانيال ديفو، وسبينوزا، حيث استُخدمت أفكاره كأساس في الجامعات الأوروبية لعصور طويلة.
أما في الطب، فقد كان ابن سينا رائدًا غير مسبوق، إذ جمع في كتابه "القانون في الطب" المعرفة الطبية المعاصرة، وأضاف إليها من خبرته وتجربته الشخصية، ليؤسس بذلك مرجعًا طبيًا شاملًا ظل معيارًا في أوروبا والشرق لأكثر من 600 سنة. قدم وصفًا دقيقًا للأمراض، التشخيص، وطرق العلاج، كما ناقش مواضيع مثل التشريح، الصيدلة، والطب النفسي. لم يقتصر دوره على النقل فقط، بل كان مبتكرًا في تشخيص الأمراض وعلاجها، واضعًا أسس الطب الوقائي.
بالتالي، استطاع ابن سينا أن يرسخ مكانته كعالم شامل، حيث دمج بين الفلسفة والطب كجزئين لا يتجزأ من البحث عن الحقيقة والخدمة الإنسانية. ترك إرثًا فكريًا وعلميًا ضخمًا، جعل منه رمزًا خالدًا في تاريخ الفكر الإنساني، ونموذجًا للإبداع والتميز.
الغزالي هو واحد من أعظم المفكرين العرب في التاريخ الإسلامي، فليس فقط فيلسوفًا وعالمًا في الكلام والفقه، بل هو روحٌ متأملةٌ تبحث في أعماق النفس والوجود، تأملات تتأرجح بين الشك والإيمان، بين العقل والروح، بين المعرفة الظاهرة والباطنة. إنه ذلك الإنسان الذي مرّ برحلة فكريّة وجدانية تحول فيها من مرتكزات الفلسفة العقلية إلى تجربة روحية عميقة، جعلته منارة في بحر الفكر الإسلامي.
فكريًا، جاء الغزالي في زمنٍ كانت الفلسفة فيه تكتسب زخمًا كبيرًا، مستندًا إلى التراث اليوناني والعربي، لكنه كان مختلفًا في نقده الحاد لمذهب الفلاسفة، خاصة في مسألة القدرة الإلهية، والنبوة، والمعرفة. في كتابه "تهافت الفلاسفة"، ينتقد المنطق الفلسفي الذي اعتبره ناقصًا في تفسير الغيب والحقائق الإلهية، مؤكداً أن العقل وحده لا يستطيع الوصول إلى الحقيقة الكاملة دون وحي إلهي. بهذه المواقف، قدم الغزالي رؤية فلسفية جديدة، تجسد التوازن بين العقل والإيمان، بين الفكر والروح.
وجدانيًا، يحمل الغزالي في فكره نبض الإنسان المضطرب بين اليقين والشك، ذلك الذي دفعه إلى الانسحاب من الحياة العامة ليغوص في صمت التأمل والزهد. هذا الانسحاب لم يكن هروبًا، بل رحلة وجدانية بحث فيها عن السلام الداخلي، عن الحقيقة التي تتجاوز ظواهر العالم، عن اتصال الروح بالله. يمكن أن نراه كمنارة تضيء مسار الإنسان الباحث عن معنى الحياة وسط الظلمات، حيث يبدأ بالشك في كل شيء ليصل إلى يقين أعلى ينبع من التجربة الروحية الشخصية.
الغزالي يعكس في كتاباته مثل "المنقذ من الضلال" و"الإحياء علوم الدين" صوت الإنسان الذي يتصارع مع نفسه ومع وجوده، صوت يشدو بأن المعرفة الحقيقية لا تُكتسب بالتفكير النظري فقط، بل بالتجربة القلبية والذهنية، وبالخشوع والإخلاص. يربط بين الفلسفة والتصوف بطريقة تنسجم مع جوهر الدين، مؤكدًا أن الانفصال بين الفكر والعاطفة يولد فراغًا روحيًا لا يملؤه سوى الإيمان العميق.
في جوهر فلسفة الغزالي، نجد دعوة مستمرة إلى توحيد الذات، وإلى فهم العلاقة بين الإنسان وربه كجسر نحو الكمال الروحي. هو يؤمن بأن العقل أداة ثمينة، لكنه ليس نهاية المطاف، وأن الخلاص الحقيقي يكمن في تجاوز حدود العقل نحو التجربة المباشرة للحق.
ختامًا، الغزالي هو ذلك الفيلسوف الذي اجتمعت فيه عقلانية التفكير مع عمق الشعور، وهو مثال حي على أن الإنسان يمكن أن يكون فيلسوفًا ومتصوفًا في آنٍ واحد. فلسفته ليست مجرد منظومة فكرية جامدة، بل هي رحلة وجدانية تدعو إلى التحول الداخلي، والبحث الصادق عن الذات والوجود واليقين.
تأثير أبو حامد الغزالي على الفلسفة كان عميقًا ومتعدد الأبعاد، إذ شكل نقطة تحول مهمة في الفكر الإسلامي والعالمي:
أولًا، في الفلسفة الإسلامية، أدى الغزالي دورًا مركزيًا في إعادة صياغة العلاقة بين العقل والدين. نقده الحاد للفلاسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة" أثار جدلًا واسعًا، حيث تحدى أفكار الفلاسفة مثل الفارابي وابن سينا الذين حاولوا دمج الفلسفة اليونانية مع العقيدة الإسلامية. الغزالي أشار إلى حدود العقل في إدراك الحقائق الإلهية، مؤكدًا ضرورة الوحي والإيمان لتكملة المعرفة. هذا النقد دفع الفلاسفة المسلمين إلى مراجعة مواقفهم، وأدى في نهاية المطاف إلى تطور فلسفات أكثر انضباطًا مثل فلسفة ابن رشد التي جاءت للرد على الغزالي في كتاب "تهافت التهافت".
ثانيًا، تأثير الغزالي تجاوز العالم الإسلامي ووصل إلى الفلسفة الغربية، حيث اعتبره كثيرون من مفكري العصور الوسطى شخصية محورية في صراع العقل والإيمان. أفكاره حول الشك المنهجي وأهمية التجربة الروحية شكلت أرضية فكرية أثرت في الفلسفة الحديثة، خصوصًا في فلسفة ديكارت، الذي تبنى فكرة الشك كأساس للمعرفة، رغم اختلاف السياق.
ثالثًا، أسهم الغزالي في تقوية مكانة التصوف ضمن الفكر الإسلامي، مما دفع الفلسفة إلى أن تتبنى أبعادًا روحية أكثر، وربط العقل بالقلب، وأعاد الاعتبار للحكمة العملية والتجربة الروحية في البحث عن الحقيقة. هذا التوجه جعل فلسفته جسرًا بين الفلسفة والنظرية الروحية، مؤثرًا على مئات السنين من الفكر الإسلامي.
أخيرًا، من خلال دمجه بين الفقه، الكلام، الفلسفة، والتصوف، وضع الغزالي نموذجًا للفيلسوف المتكامل الذي لا ينفصل عن واقعه الديني والاجتماعي، مما أثر على طريقة النظر إلى الفلسفة بوصفها جزءًا من حياة الإنسان الشاملة، وليس مجرد نشاط نظري مجرّد.
المسرح اللبناني مرّ عبر تاريخ طويل من التحولات التي عكست تطورات اجتماعية وسياسية وثقافية في البلاد. في بدايات القرن العشرين، كان المسرح في لبنان يرتكز على تقليديات أدبية مأخوذة من التراث العربي والإسلامي، بالإضافة إلى تأثيرات المسرح الأوروبي، خاصة الفرنسي، نتيجة الاستعمار الفرنسي الذي فرض تفاعلًا بين الثقافتين. كان ذلك المسرح في الغالب تقليديًا يحمل مضامين اجتماعية وأخلاقية، ويعكس هموم المجتمع اللبناني التقليدي في ظل الانتداب.
مع بداية الاستقلال في منتصف القرن العشرين، شهد المسرح اللبناني تحولات نوعية جذرية، حيث بدأت تظهر أعمال مسرحية تعكس الهوية اللبنانية المتعددة، من خلال استحضار قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية محلية. تزامن ذلك مع تنامي دور الفرق المسرحية الوطنية والمبادرات الثقافية، التي ارتكزت على إبراز التنوع الثقافي اللبناني، بين الموارنة، السنة، الشيعة، والدرزيين، وغيرها من الطوائف والمكونات. هذا التنوع انعكس في المواضيع التي تناولها المسرح، والتي انطلقت من مشكلات الفقر، الهجرة، النزاعات الطائفية، وصولًا إلى القضايا المتعلقة بالهوية الوطنية.
في فترة الستينيات والسبعينيات، دخل المسرح اللبناني مرحلة ازدهار نوعي، حيث ازداد عدد المسرحيات التي حملت بعدًا نقديًا سياسيًا قويًا، متأثرة بالأحداث الإقليمية مثل نكسة 1967 والحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975. أصبح المسرح أداة مقاومة وتعليق على الواقع المأزوم، وبرزت أسماء مخرجين وكتّاب مسرحيين استطاعوا أن يخلقوا نصوصًا تعبر عن الصراعات الوطنية والإنسانية، مع تجارب مبتكرة في العرض والإخراج. في هذا الوقت، بدأ المسرح اللبناني يتحدى التقاليد المسرحية الكلاسيكية، وافتتح الباب أمام المسرح التجريبي والرمزي.
في خضم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها لبنان والمنطقة في سبعينيات القرن العشرين، برزت فكرة القومية السورية كطرح سياسي وفكري أثار انقسامات عميقة داخل الطيف اللبناني والعربي. هذه الفكرة التي تدعو إلى وحدة سورية الكبرى التي تشمل لبنان، سوريا، فلسطين، والأردن، تستند إلى تصور قومية جغرافية وتاريخية، لكنها في واقعها السياسية لم تكن أكثر من أداة تسعى إلى تجاوز الهوية اللبنانية المستقلة والتقليل من خصوصيتها الوطنية والسيادية.
من وجهة نظر لبنانية، القومية السورية في ذلك الوقت تطرح تحديًا وجوديًا ليس فقط لكيان لبنان السياسي، بل لهويته الوطنية التي بُنيت على تعددية مكونات المجتمع اللبناني، وهي تعددية لا تقبل بالتبسيط تحت أي عنوان قومي جامع. إذ إن لبنان، بتنوعه الديني والثقافي، ليس مجرد قطعة من سوريا الكبرى، بل هو دولة ذات خصوصية حضارية وتاريخية تتطلب الاعتراف بها والعمل على حمايتها في وجه أي مشاريع توحيدية تُغفل تعقيداته الداخلية.
السياسة اللبنانية في السبعينيات كانت تعاني من تأثيرات متشابكة، فالقومية السورية لم تكن مجرد مطلب فكري، بل ارتبطت بسياقات سياسية وإقليمية، كان بعضها يخدم أطرافًا خارجية تسعى إلى الهيمنة على لبنان عبر الدمج أو التبعية. ولذا، فإن تبني القومية السورية بمعناها الشامل يهدد السيادة اللبنانية، ويقوّض المؤسسات اللبنانية، ويرسخ حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
في هذا الإطار، لا يمكننا أن نغفل أن الطرح القومي السوري تجاهل حقيقة التعدد والتنوع اللبناني، وحاول تجاوز إرادة الشعب اللبناني وحقه في تقرير مصيره. كما أنه لم يأخذ في الحسبان خصوصية النظام اللبناني التوافقي الذي يعكس توازنات ديموغرافية وتاريخية دقيقة، وهو ما يجعل من القومية السورية طموحًا غير واقعي سياسيًا، وأحيانًا معاديًا للبنان كدولة مستقلة.
إذا أردنا بناء مستقبل مستقر للبنان، فعلينا أن نؤكد على حق لبنان في الاستقلال الوطني، وعلى الاعتراف به كدولة قائمة بذاتها، تحترم تنوع شعبها وتؤمن بوحدة أراضيها وسلامتها. إن الطروحات القومية الجامعة، خصوصًا التي تعتمد على الطرح السوري الواسع، لا تؤسس إلا لمزيد من الصراعات والانقسامات، وتغذي أجواء الصراع الأهلي التي يعاني منها لبنان منذ سنوات.
في النهاية، النقد السياسي لفكرة القومية السورية في السبعينيات ينبع من إيمان عميق بضرورة حماية لبنان كدولة متعددة الطوائف والقوميات، بوصفها نموذجًا ديمقراطيًا وتاريخيًا مميزًا في الشرق الأوسط، لا يمكن أن تُختزل في أي مشروع قومي أحادي، مهما كانت مبرراته التاريخية أو الجغرافية.
في خضم التحولات السياسية التي شهدها لبنان والمنطقة العربية في السبعينيات، لا يمكن تجاهل تأثير الفكر البعثي الذي يروج لفكرة الوحدة العربية الاشتراكية تحت راية حزب البعث، والتي لطالما طرحت نفسها كحل مثالي لقضايا العرب الممزقة. لكن من وجهة نظر لبنانية، هذه الفكرة تحمل في طياتها تناقضات جذرية وتشكل تهديداً مباشراً لخصوصية لبنان وهويته الوطنية.
البعث العربي يدعو إلى وحدة عربية واسعة تحت سقف أيديولوجي موحد، لكنه يتجاهل حقيقة التعدد والتنوع الذي يميز لبنان بمكوناته الدينية والقومية. فهو ينظر إلى لبنان كجزء عضوي من "الوطن العربي الكبير" دون الاعتراف بدولة لبنان المستقلة وخصوصيتها التاريخية التي تُبنى على التعايش والتوازن بين الطوائف. هذا التجاهل يعكس نوعاً من التبسيط السياسي لا يليق بواقع لبنان المعقد.
كما أن البعث، بتركيزه على السلطة الحزبية المركزية وتوحيد الإرادات تحت قادة الحزب الواحد، يميل إلى إلغاء الفوارق السياسية والاجتماعية والثقافية، ويحد من الحريات السياسية، وهذا ما يتناقض مع التجربة اللبنانية التي تعتمد على نظام ديمقراطي تعددي وتوافق سياسي بين مختلف مكونات الشعب.
إن التطبيق العملي للبعث في سوريا والعراق أظهر بوضوح ممارسات ديكتاتورية وسيطرة مركزية، وهو ما يدفعنا إلى التشكيك في نوايا هذا الفكر عندما يُفرض على بلد كلبنان يعتز بالتنوع والحريات. فلبنان بحاجة إلى نهج يضمن حرية كل مكون واعترافًا متبادلًا بهويته، لا إلى مشروع يفرض وحدة قسرية على قاعدة أيديولوجية ضيقة.
من الناحية الاستراتيجية، تمثلت مشكلة البعث في تعامله مع لبنان من منطلق حزبي وجيوسياسي يحاول استقطاب الطوائف لصالحه، ما عمّق الانقسامات الداخلية وزاد من تعقيد الأزمة اللبنانية، خصوصًا في فترة كان فيها لبنان يعاني من ضغوط خارجية متزايدة وتدخلات متعددة. وبالتالي، لم يكن البعث مشروعًا وطنيًا حقيقيًا يمكن أن يحظى بدعم الأغلبية اللبنانية.
في خلاصة الأمر، نقد البعث العربي في السبعينيات ينبع من قناعة وطنية عميقة بأن لبنان يجب أن يحافظ على هويته المستقلة وديمقراطيته التعددية، وأن أي مشروع قومي أو حزبي يهدف إلى فرض وحدة أحادية على هذا التنوع يمثل خطرًا على الأمن الوطني والسلم الأهلي. ولذلك، يتوجب على القوى السياسية اللبنانية أن ترفض تلك المشاريع التي لا تراعي خصوصية لبنان وتطلعات شعبه.
في حياةٍ تتقلب بين الرجاء واليأس، بين الخسارات والانتصارات، يبقى الأمل ذلك الشعور الخفي الذي لا يُرى بالعين، لكنه يُحس في أعماق القلب حين تشتد العتمة. كثيرًا ما نعتقد أن الأمور قد انتهت، أن الأبواب أُغلقت إلى الأبد، وأن الرحيل أو السقوط أو الخذلان هو النقطة الأخيرة في السطر، لكننا نُفاجأ بأن هناك ما يعيد النبض إلى الأشياء، وما يوقظ ما حسبناه خامدًا. ذلك الشيء هو الأمل، الحارس الصامت لكل ما هو جميل في داخلنا.
ليس الأمل وهمًا كما يُصوّره البعض، بل هو فعل مقاومة. هو طاقة تنبع من عمق الجرح، قوة تنبت من بين أنقاض الخسارات. حين يتهاوى كل شيء، يبقى الأمل واقفًا كحارس من نور، يهمس لنا: "ما زال هناك متّسع للغد. " إنه لا يغيّر الماضي، لكنه يصوغ المستقبل من جديد، ويمنح للنهايات معنى يتجاوز الانكسار.
لقد تعلّم الإنسان منذ بدء الخلق أن البدايات الحقيقية تولد غالبًا بعد الانهيارات. من كل سقوطٍ قامت نهضة، ومن كل دمعةٍ خرجت قصيدة، ومن كل وداعٍ فُتحت نوافذ جديدة على الحياة. الأمل هو الذي يحوّل الألم إلى تجربة، والخسارة إلى وعي، والمأساة إلى دربٍ نحو النضج.
كم من مرّةٍ ظننا أن الحب انتهى، فإذا به يعود أكثر نضجًا، أكثر صدقًا؟ كم من مرّةٍ اعتقدنا أن الوطن ضاع، فإذا بالناس يقومون من الرماد ليبنوه؟ كم من مرّةٍ رأينا أن العمر يضيع، ثم جاءت لحظة واحدة فغيّرت المسار كلّه؟ ذلك هو سرّ الأمل: لا يعلن عن نفسه بضجيج، بل يتسلل كضوء خافت، ويصير شمسًا حين نحتاجه.
في زمنٍ تتكاثر فيه الإحباطات، ويُغتال فيه الحلم، لا بد أن نتشبث بالأمل لا كترفٍ فكري، بل كوسيلة للبقاء. أن نؤمن أن الغد لا يشبه اليوم، وأن ما نخسره الآن قد يكون تمهيدًا لما سنربحه لاحقًا. فالحياة لا تُقاس بما نكسبه فقط، بل بما لا نخسره من إيماننا بذواتنا، ومن قدرتنا على البدء من جديد.
لا شيء ينتهي حقًا. حتى الموت، في إيمان كثيرين، ليس نهاية بل انتقال. وحتى الصمت، في لحظة صدق، يمكن أن يكون بداية كلامٍ أعمق. كل ما نحتاجه هو أن نحفظ في داخلنا شعلة الأمل، ونحرسها من رياح اليأس، لأنها وحدها التي تعيد البدايات.
تقييم التحولات الكبرى التي شهدها لبنان في سنة 1980 لا يمكن أن ينفصل عن سياق الحرب الأهلية المتواصلة، ولا عن التبدلات الإقليمية والدولية التي أخذت ترخي بظلالها الثقيلة على البلاد.
لقد كانت سنة 1980 سنة مفصلية، لا من حيث وقف الحرب، ولا من حيث التمهيد لحل شامل، بل لكونها كرّست الانقسام الوطني والمؤسساتي، وعززت واقع الدويلات والمربعات الأمنية، ودفعت بالبلاد نحو مزيد من الارتهان للخارج. فالتحول الأساسي الذي يمكن تسجيله هو سقوط فكرة الدولة الجامعة لصالح منطق المحاور والمناطق والمحميات الطائفية والعسكرية، بحيث بات لبنان ساحة تُدار فيها النزاعات بدل أن تكون دولة ذات سيادة تُصاغ فيها حلول سياسية.
في هذه السنة، بدا واضحًا أن الدولة المركزية فقدت أي قدرة على فرض سلطتها على أراضيها، بعدما انقسمت القوى السياسية بين موالاة للوجود السوري، ومعارضة له، فيما برزت إسرائيل كطرف يستعد لتوسيع تدخله العسكري من جنوب لبنان، وهو ما سيتجلى لاحقًا في الاجتياح الكبير سنة 1982. كما بدأت الميليشيات تتصرف كقوى أمر واقع، لها مؤسساتها، وضرائبها، وموانئها، وحتى علاقاتها الخارجية، وهو ما ساهم في تكريس مشهد الانهيار المؤسساتي الكامل.
في المقابل، بدأ يتكون وعي جديد عند بعض القوى السياسية، المسيحية والإسلامية على حد سواء، بخطورة استمرار هذا المسار الانحداري. فبرزت في هذه السنة محاولات خجولة لعقد لقاءات حوارية، لكنها لم تُفضِ إلى نتائج حقيقية، بسبب غياب الإرادة الفعلية للتسوية، واستمرار الرهان على الخارج.
ولعل أبرز التحولات السياسية تمثلت في تصاعد الدور السوري، وتحوله من قوة تدخل "مؤقت" إلى قوة وصاية شبه دائمة، تحت غطاء "الردع العربي"، بالتوازي مع تنامي النفوذ الفلسطيني المسلح، ما جعل من لبنان، أكثر من أي وقت مضى، ضحية لتداخل الصراع العربي–الإسرائيلي، وتنافس القوى العربية الكبرى، والاصطفافات الدولية بين الغرب والاتحاد السوفياتي.
أما على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، فقد تفاقمت الأزمات، وبدأت بوادر الانهيار الاقتصادي تظهر بوضوح. تدهورت الليرة، ارتفعت الهجرة، وبدأ اللبنانيون يفقدون الثقة بأنفسهم وببلدهم، وراحوا يتطلعون إلى الخارج بحثًا عن الأمان والكرامة والحد الأدنى من العيش.
في الخلاصة، سنة 1980 في نظر سياسي لبناني عاشها من قلب الأحداث، كانت سنة رسخت المأزق اللبناني، وأعادت إنتاج أدوات الحرب بدل تجاوزها، وأسست لانزلاقات أكبر ستأتي لاحقًا. كانت سنة خيبات وطنية، وتبدد آمال، لكن وسط هذا الظلام، بدأ يتشكل شعور داخلي لدى بعض القوى بأن لا خلاص للبنان إلا بتفاهم لبناني–لبناني حقيقي، تتراجع فيه الوصايات الخارجية لصالح عقد وطني جديد، وهو ما سيبقى حلمًا معلقًا حتى نهاية الثمانينيات.
يمكن النظر إلى سنة 1981 باعتبارها استمرارًا لمسار الانهيار، ولكنها في الوقت عينه كانت سنة مفصلية على أكثر من صعيد، داخلي وخارجي، سياسي وعسكري، إذ تكثفت خلالها التحولات الكبرى التي كانت تتبلور منذ نهاية السبعينيات، وبدأت ترتسم ملامح مرحلة جديدة ستبلغ ذروتها في الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
في الداخل، اتضحت أكثر فأكثر هشاشة السلطة المركزية اللبنانية، وتأكد أن الدولة باتت غائبة عن جزء كبير من أراضيها. القوى الميليشيوية واصلت تمددها، وأصبح لكل طائفة مناطق نفوذها الواضحة، وأجهزتها الأمنية الخاصة، بل وحتى أنظمتها التربوية والاجتماعية، ما جعل مفهوم الدولة الواحدة أشبه بالأسطورة. أما السلطة الشرعية، المتمثلة بالرئاسة والحكومة، فقد كانت مقيدة اليدين، تتخبط في محاولة البقاء دون أي قدرة على التأثير في مجريات الأحداث.
سنة 1981 شهدت تصاعدًا خطيرًا في التوتر جنوبًا، إذ بات الجنوب اللبناني ساحة مواجهة شبه يومية بين القوات الإسرائيلية وقوات المقاومة الفلسطينية، وما تبقى من قوى وطنية لبنانية مشاركة في هذه المواجهة. إسرائيل صعدت من غاراتها، واعتمدت سياسة التدمير والاغتيالات، وراحت تمهد، بصورة ممنهجة، لتدخل أوسع، مستغلة الوضع الأمني المتفلت، والدعم الأميركي المتزايد لها في ظل إدارة ريغان التي كانت قد بدأت تتبلور سياستها تجاه المنطقة.
في المقابل، أخذ النفوذ السوري في لبنان يتعزز أكثر، وتحوّل إلى وصاية فعلية على معظم مفاصل القرار السياسي، وباتت دمشق تمسك بخيوط اللعبة في العديد من المناطق، خصوصًا في بيروت الغربية والبقاع والشمال. كما بدأت تظهر مؤشرات توتر سوري–فلسطيني نتيجة تضارب الحسابات والمواقع، ما انعكس سلبًا على الوضع اللبناني وأدى إلى تفاقم الانقسامات.
اقتصاديًا واجتماعيًا، كانت سنة 1981 سنة تعمقت فيها معاناة اللبنانيين. الليرة واصلت تدهورها، مؤسسات الدولة تلفظ أنفاسها الأخيرة، النزوح الداخلي يتزايد، والهجرة تتسارع. المجتمع اللبناني، الذي اعتاد على صيغ تعايش دقيقة، بات مشرذمًا، يخاف بعضه البعض، ويبحث عن ملجأ طائفي أو خارجي يحميه. الأمل بالخلاص بدأ يتلاشى تدريجيًا، فيما تحولت لغة السلاح إلى الوسيلة الوحيدة للتعبير عن المواقف والسياسات.
لكن بالرغم من كل ذلك، كانت هناك في الأفق أصوات خافتة تحذر من الانهيار النهائي، وتدعو إلى نوع من الحوار أو المصالحة، ولو تحت الطاولة. شخصيات روحية، وقوى مدنية، ومثقفون، بدأوا يحذرون من أن الحرب الطويلة ستقود إلى انتحار جماعي، وأن على اللبنانيين أن يعيدوا النظر بكل شيء: من الميثاق الوطني إلى علاقاتهم مع المحاور الإقليمية.
من هذا المنظور، تُقيّم سنة 1981 كسنة الإشارات التحذيرية الأخيرة قبل الكارثة الكبرى، إذ باتت كل المؤشرات تدل على أن لبنان يتجه إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا. لقد كانت سنة مراوحة في القاع، لكنها كانت أيضًا سنة الإعداد الخفي لتحولات عميقة ستظهر في العام التالي. لذلك، من موقع المسؤولية الوطنية، تبدو سنة 1981 سنة الفرص الضائعة والنداءات غير المسموعة، وسط ضجيج البنادق وأوهام الانتصارات.
سنة 1983 سنة مصيرية، لا تقل خطورة عن السنة التي سبقتها، بل تشكل امتدادًا مباشرًا لتداعيات الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وتحمل معها سلسلة من التحولات الحادة التي زادت في تعقيد المشهد اللبناني، وعمّقت الانقسام الوطني، ودفعت بالبلاد نحو مزيد من التشرذم والارتهان للخارج.
في بدايتها، بدت سنة 1983 وكأنها فرصة لإعادة ترميم الدولة ومؤسساتها، مع استلام الرئيس أمين الجميل مهامه في ظروف ضاغطة، لكنه كان يحاول عبر الدعم الغربي، ولا سيما الأميركي، أن يعيد فرض منطق الشرعية، وأن يستثمر الانسحاب الفلسطيني من بيروت لبناء "لبنان جديد". إلا أن الطموحات اصطدمت سريعًا بالواقع الصعب. فالاتفاق الذي وُقّع مع إسرائيل في 17 أيار 1983 تحت مسمى "اتفاق 17 أيار"، بهدف تنظيم الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وترتيب العلاقات المستقبلية بين البلدين، فجّر أزمة وطنية كبرى.
ذلك الاتفاق، رغم كونه ثمرة مفاوضات برعاية أميركية، قُوبل برفض واسع من قبل غالبية القوى الوطنية والإسلامية، وكذلك من سوريا، التي رأت فيه تفريطًا بالسيادة، وجرًّا للبنان نحو محور التحالف مع إسرائيل في ظل الاحتلال. وهكذا، تحوّل الاتفاق إلى عنوان صراع داخلي، وأعاد إشعال المواجهات، لا بين اللبنانيين فقط، بل مع الحضور السوري والفصائل الحليفة له.
في خريف تلك السنة، برز تحول كبير مع اشتداد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، واندلاع ما عُرف بـ"انتفاضة الجبل"، حيث بدأت المواجهات بين القوات اللبنانية والجيش اللبناني من جهة، والقوى الوطنية والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة أخرى، برعاية سورية مباشرة. وكانت نتيجة تلك المواجهات انسحاب الجيش اللبناني من الجبل، وتكريس واقع الانقسام الطائفي والمناطقي.
على الصعيد الأمني، كانت سنة الاغتيالات والانفجارات الكبرى، أبرزها تفجير السفارة الأميركية في بيروت في نيسان، ثم تفجير مقرّ المارينز والقوات الفرنسية في تشرين الأول، ما أدى إلى مقتل مئات الجنود الأجانب، وبدّل المزاج الدولي تجاه الوجود العسكري في لبنان، وسرّع انسحاب القوات المتعددة الجنسيات لاحقًا.
الجيش اللبناني، الذي حاول الرئيس الجميل أن يعيد بناءه كرمز لوحدة الدولة، دخل في صراعات سياسية وعسكرية أضعفت معنوياته ووحدته، وبدأ يُنظر إليه من بعض اللبنانيين كأداة بيد فريق ضد آخر، وهو ما زاد من حدة الانقسام الطائفي، وفاقم الشرخ الوطني.
اقتصاديًا واجتماعيًا، لم يكن الحال أفضل. الليرة واصلت تدهورها، البطالة تفاقمت، والبنية التحتية في حالة شلل. والمجتمع اللبناني بات مقسومًا بالكامل، يائسًا من الدولة، متعلّقًا بخيارات طائفية أو خارجية.
من موقع المسؤول السياسي، أرى أن سنة 1983 كانت سنة انكشاف الدولة أمام معادلات الإقليم، وسنة ضياع فرصة إعادة بناء السلطة على قاعدة الوفاق الداخلي. فقد حاولت الدولة أن تُفرض من فوق، برعاية الخارج، دون أن تستند إلى تسوية داخلية حقيقية، فارتدّ كل شيء إلى نقطة الصفر، بل أسوأ. كانت سنة ولادة المعارضة المسلحة في وجه النظام، وتفكك ما تبقى من وحدة وطنية، وتحول لبنان رسميًا إلى ساحة صراع بين مشاريع خارجية متنازعة، لم يكن اللبناني فيها إلا وقودًا لحروب الآخرين على أرضه.
سنة 1984 كانت نقطة تحول عميقة في مسار الحرب اللبنانية، لا من حيث خروج البلاد من أزمتها، بل من حيث انهيار المحاولات الفوقية لإعادة بناء الدولة من خلال موازين قوى مفروضة، وانكشاف السلطة السياسية والعسكرية أمام واقع لبناني منقسم، وإرادات إقليمية متناقضة.
سنة 1984 هي سنة سقوط مشروع 17 أيار بشكل رسمي. فبعد أن فُرض الاتفاق مع إسرائيل عام 1983 بضغط أميركي وتغطية محدودة، جاء انفجار المواجهات بين الجيش اللبناني والقوى الوطنية والإسلامية، لا سيما في بيروت الغربية، ليعلن فشل هذا الخيار. وكان "انتفاض 6 شباط" في بيروت لحظة حاسمة: إذ تمرّد الجنود المسلمون في الجيش اللبناني، والتحقوا عمليًا بالقوى الرافضة للاتفاق، فانفجرت العاصمة من الداخل، وسقط ما تبقى من وحدة الجيش، وتهاوى مشروع السلطة المركزية التي حاول الرئيس أمين الجميل أن يبنيها برعاية خارجية.
سقوط الجيش في بيروت، واضطرار القوات المتعددة الجنسيات إلى الانسحاب لاحقًا، أظهر بوضوح أن أي تسوية لا تمرّ عبر توافق لبناني داخلي، وبتوازن مع المحيط العربي، لا يمكن أن تصمد. وأصبحت دمشق، عمليًا، اللاعب الأساسي مجددًا في لبنان، بعدما نجحت عبر حلفائها المحليين في فرض الإيقاع الميداني والسياسي، مستفيدة من انسحاب إسرائيل من جبل لبنان والضغوط الدولية المتراجعة.
في شباط أيضًا، شُكلت حكومة وحدة وطنية برئاسة رشيد كرامي، بمشاركة أطراف من كل الاتجاهات، بعدما أدرك الجميع أن الإقصاء لا يُنتج استقرارًا. لكنها كانت حكومة في ظل الوصاية، ومحدودة القدرة، تفتقد لبرنامج إصلاحي أو رؤية واضحة، ومحاطة بخنادق الطوائف والسلاح. كانت أشبه بهدنة سياسية أكثر منها تسوية فعلية.
هذه السنة أيضًا شهدت بداية التأسيس المنهجي للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. فبعد انسحاب جيش الاحتلال إلى "الشريط الحدودي"، بدأت تتشكل نواة مقاومة شعبية، شيعية بالدرجة الأولى، عبّرت عنها قوى كحزب الله وحركة أمل، وبدأت العمليات النوعية تتصاعد، ما غيّر من طبيعة الصراع وفتح صفحة جديدة في الجنوب اللبناني.
على المستوى الاجتماعي، ترسّخت ظاهرة الانقسام الأهلي، وتعمقت العصبيات الطائفية، وأصبحت بيروت رسمياً مدينة مقسّمة، تتعايش فيها الخنادق والجدران والسواتر الرملية. أما اقتصاديًا، فلبنان واصل انحداره، مع تدهور سعر صرف الليرة، وتفاقم الفقر، واستمرار الهجرة، وغياب أي رؤية إنقاذية جدية.
من موقع المسؤولية السياسية، أقيّم سنة 1984 كسنة انتقال لبنان من وهم الحلول السريعة إلى واقع إدارة الأزمة. فهي لم تكن سنة حرب كبرى ولا تسوية كبرى، بل كانت سنة "التراجع المحكوم"، إذ تراجعت السلطة أمام الضغط الداخلي، وتراجعت القوى الخارجية أمام تعقيد المشهد، وتراجعت فكرة الدولة أمام منطق المحاصصة والسلاح.
لقد تكرست في هذه السنة معادلة أن لا دولة من دون تفاهم داخلي حقيقي، ولا سلام من دون توازن خارجي، ولا جيش من دون وحدة وطنية. وكان علينا أن نستخلص من هذه الحقيقة المؤلمة ضرورة التأسيس لحوار وطني شامل، لا لفرض الحلول، بل لصياغة عقد وطني جديد. لكن، ويا للأسف، ظل صوت البندقية أعلى من صوت العقل، وبقي لبنان في عين العاصفة.
سنة 1986 شكّلت ذروة الانهيار الوطني، لا من حيث حجم الدمار والاقتتال فحسب، بل من حيث انكشاف المشروع اللبناني برمّته على صراعات المحاور، وتآكل فكرة الدولة، وتعاظم سلطات الأمر الواقع، ودخول لبنان مرحلة التآكل البطيء الذي يجعل من السلم حلمًا بعيد المنال، ومن وحدة الكيان اللبناني مجرّد ذكرى.
في تلك السنة، بدا جليًا أن الدولة اللبنانية لم تعد تملك لا المبادرة ولا القرار. السلطة المركزية، برئاسة أمين الجميل، كانت في حالة عزلة داخلية وخارجية. مشروع الدولة الذي سعى له منذ بداية عهده سقط أمام صعود قوى الأمر الواقع، واستمرار انقسام الجيش، وسيطرة الميليشيات على الأرض، وعودة النفوذ السوري إلى كل مفصل. وكان مشهد انهيار وحدة الجيش اللبناني في بيروت الشرقية – بعد ما عُرف بـ"انتفاضة بيروت الغربية" سنة 1984 – أحد أبرز مظاهر سقوط السيادة، واستحالة إعادة بناء مؤسسات جامعة.
في بيروت الغربية، برزت خلال 1986 معركة السيطرة بين حركة "أمل" وحزب الله. فالصراع بين الطرفين، الحليفين شكليًا، تفجّر على خلفية تناقض العقيدتين السياسيتين: "أمل" كحركة وطنية، ذات توجهات سياسية داخلية وعلاقات عربية، و"حزب الله" كتنظيم عقائدي أيديولوجي مرتبط مباشرة بإيران. وكان هذا الصراع داميًا، طويلًا، ومفصليًا، إذ كشف أن الساحة الشيعية نفسها لم تعد موحّدة، بل دخلت في صراع النفوذ ضمن الساحة الواحدة، وهو ما يعكس مأساة لبنان الممزق طائفيًا ومناطقيًا.
أما على الساحة المسيحية، فقد شهدت السنة تصاعدًا دراماتيكيًا في التوتر بين "القوات اللبنانية" والجيش اللبناني، تحديدًا بعد تعيين ميشال عون قائدًا للجيش. الصراع على القرار الأمني والعسكري، وعلى مستقبل العلاقة مع الرئاسة، وعلى مشروع إعادة هيكلة الدولة، بلغ ذروته. ومع أن هذا الصدام لم يتحوّل إلى مواجهة عسكرية مباشرة في تلك السنة، إلا أنه مهّد الأرض لانفجار كبير لاحقًا، خصوصًا في أوساط الجمهور المسيحي الذي بدأ ينقسم بين من يؤيد الدولة ويعوّل على الجيش، ومن يرى في القوات قوة حماية للوجود المسيحي بعد تخلي الجميع.
سنة 1986 أيضًا كرّست "الوصاية السورية" كأمر واقع. فدمشق كانت تدير خريطة النفوذ في معظم مناطق لبنان، إما مباشرة عبر قواتها، أو عبر حلفائها المحليين، السياسيين والعسكريين، وبدأت تعمل على هندسة تسوية لبنانية–سورية طويلة المدى، تُقصي من لا يخضع لقرارها. وقد حاولت فرض إيقاع سياسي جديد، عبر ترتيبات داخل الحكومة، والتضييق على شخصيات سياسية مناوئة لها.
اقتصاديًا، كانت البلاد في مرحلة احتضار. الليرة انهارت إلى مستويات غير مسبوقة، الأسعار انفجرت، الفقر تمدد، والتهريب أصبح المصدر الرئيسي لمعظم اللبنانيين. لم تعد هناك حياة اقتصادية وطنية موحدة، بل بات لكل منطقة نظامها المالي والتمويني، وكل ميليشيا خزانها وجماركها ومرفأها، وانهار الشعور بالانتماء إلى اقتصاد وطني جامع.
اجتماعيًا، عمّ الإحباط. الشباب اللبناني إما حمل السلاح في خدمة مشروع طائفي، أو هاجر بحثًا عن الخلاص. النخب الفكرية والثقافية باتت محبطة أو مكمّمة أو مهاجرة. والهوية اللبنانية نفسها أصبحت موضوع تشكيك، في ظل تصاعد الولاءات البديلة: طائفية، مذهبية، خارجية.
من موقع المسؤولية السياسية، أقيّم سنة 1986 على أنها سنة سقوط ما تبقى من "الوطنية اللبنانية التقليدية"، وبداية الدخول في مرحلة الاستسلام للواقع المفروض. فالحرب لم تعد حربًا أهلية فحسب، بل تحوّلت إلى حرب مصالح دولية على الأرض اللبنانية، تُدار بأدوات لبنانية. وكانت النتيجة مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من العنف، وانعدام أفق الحل.
لم يكن لدينا آنذاك ترف الحياد، بل كان واجبنا أن نبحث عن مساحة تلاقٍ بين القوى اللبنانية، خارج الوصايات والمصالح الضيقة، لكن صوت البندقية ظل أعلى من صوت العقل. هكذا، ضاعت سنة 1986 كما ضاعت فرص كثيرة قبلها، لتدفع البلاد ثمن هذا الضياع في السنوات التالية، حتى وصلت إلى اتفاق الطائف بعد دم كثير وخراب أعمق.
لا يمكن النظر إلى سنة 1970 إلا باعتبارها نقطة مفصلية في المسار الوطني والسياسي للبنان، بما حملته من تحوّلات داخلية دقيقة وتحولات إقليمية تركت آثارها المباشرة على الكيان اللبناني الهش.
التحوّل الأول تمثّل في الانتخابات الرئاسية التي جرت في خريف ذلك العام، وأسفرت عن فوز سليمان فرنجية على منافسه إلياس سركيس بفارق صوت واحد. هذا الحدث لم يكن مجرّد منافسة سياسية بل شكّل تعبيرًا عن صراع عميق داخل الطبقة الحاكمة، وافتتح مرحلة من إعادة الاصطفاف في التحالفات التقليدية، لاسيما داخل الصف المسيحي نفسه. لقد شعر اللبنانيون أن التوازنات التي حكمت الحياة السياسية منذ الاستقلال بدأت تتصدّع، وأن الرئيس الجديد وإن كان ابن النظام، إلا أنه جاء بظرف استثنائي يعكس هشاشة هذا النظام أكثر مما يعكس قوته.
وفي المقابل، عرفت الساحة الفلسطينية في لبنان تحوّلًا نوعيًا بعد اتفاق القاهرة الموقع أواخر عام 1969 بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة اللبنانية، والذي بدأ يُترجم فعليًا عام 1970 بتمكين الفصائل الفلسطينية من التحرك عسكريًا من داخل الأراضي اللبنانية. وقد تزامن ذلك مع طرد الفدائيين من الأردن بعد أحداث "أيلول الأسود"، ما جعل لبنان الوجهة الأولى للقيادة الفلسطينية المسلحة. وهكذا، بدأ ميزان القوى في الداخل اللبناني يتأثر مباشرة بالصراع العربي الإسرائيلي، وتحوّلت الأراضي اللبنانية، خاصة في الجنوب، إلى مسرح جديد للعمليات العسكرية والمواجهات.
على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، استمر لبنان في الترويج لصيغته كمركز مالي وسياحي وثقافي، لكن التحولات السياسية الإقليمية والداخلية كانت تنذر بانزياح تدريجي عن هذا النموذج. فبين صعود القومية العربية وازدياد نفوذ الفلسطينيين، من جهة، وبين القلق المسيحي المتنامي على هوية الكيان وتوازناته، من جهة أخرى، كان واضحًا أن لبنان دخل في نفق من التوترات المتراكمة التي لم تُعالج في عمقها.
أما في العلاقات الإقليمية، فلبنان ظل يعاني من موقعه الجغرافي والسياسي بين سوريا الطامحة إلى دور وصاية، وإسرائيل المتربصة عند الحدود، وكل ذلك جعل الدولة اللبنانية في موقع دفاعي دائم، من دون رؤية واضحة أو سياسة خارجية موحّدة تحفظ المصلحة الوطنية العليا.
بإيجاز، سنة 1970 مثّلت بداية النهاية للبنية السياسية التقليدية التي قامت منذ الاستقلال، وكانت نذر التحول الأكبر الذي سيتجلّى بعد سنوات قليلة بالحرب الأهلية. كان العام الذي بدأت فيه التوازنات تترنح، والشرعيات تتآكل، والدولة تفقد تدريجًا قدرتها على الإمساك بمفاتيح القرار. من منظور سياسيّ في تلك الحقبة، كان الشعور المهيمن هو القلق من المستقبل، واللايقين من قدرة لبنان على النجاة من العواصف المقبلة.
سنة 1971 كمرحلة انتقالية دقيقة، لم تكن فيها الانفجارات واضحة بعد، لكن ملامح الانهيار المقبل بدأت ترتسم بصمت وثبات. إنها سنة استمر فيها التراكم التاريخي للأزمات، فيما غابت الإرادات الجدية لمعالجتها، وظلت الطبقة السياسية تتعامل مع التحولات كأنها طارئة، لا كمؤشرات على تغيّر بنيوي في بنية النظام والدولة.
على المستوى السياسي، استمر عهد الرئيس سليمان فرنجية في محاولته التوفيق بين مراكز النفوذ الطائفي والتوازنات الحساسة، لكنه لم ينجح في فرض رؤية وطنية جامعة أو صيغة إصلاحية تعيد إنتاج الدولة على أسس عصرية. الحكم بقي محصورًا في الزعامات التقليدية، وتنامت المخاوف من التهميش لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، لا سيما في المناطق الريفية والمحرومة.
أما على المستوى الفلسطيني، فقد تعمّق وجود الفصائل المسلحة في الجنوب وفي بيروت، وازدادت عمليّات الاشتباك مع الجيش اللبناني أو بين القوى الفلسطينية والجيش الإسرائيلي عبر الحدود، ما جعل السيادة اللبنانية في حالة انكشاف مستمرة. لقد بدا واضحًا أن اتفاق القاهرة بدأ يتجاوز حدوده، وأن الدولة تفقد تدريجيًا قدرتها على ضبط المشهد الأمني، وأن الساحة اللبنانية تحوّلت إلى امتداد مباشر للصراع العربي الإسرائيلي، من دون أن تكون للبنان قدرة حقيقية على التحكم بمسار الأمور.
في السياق نفسه، جاءت تطورات الأردن بعد أيلول الأسود سنة 1970، وخروج منظمة التحرير من عمان، لتعزز موقعها في لبنان، ما رفع منسوب التوتر الطائفي والسياسي الداخلي، لا سيما في الأوساط المسيحية التي بدأت تعبّر عن قلق وجودي من "ازدواجية السلاح" و"التورط اللبناني في الحرب الفلسطينية".
اقتصاديًا، ورغم الاستقرار الظاهري، كانت المؤشرات تنذر بالخطر. تزايدت الفجوة بين بيروت كواجهة مزدهرة للعالم العربي، وبين الأطراف اللبنانية المهملة، وتعمقت التفاوتات الطبقية والاجتماعية، في ظل غياب مشاريع إنمائية عادلة. لقد بدا أن "الازدهار اللبناني" هو ازدهار لفئة محددة، لا يعكس عدالة اجتماعية أو سياسة اقتصادية متوازنة.
أما في الإقليم، فكانت سوريا تراقب الساحة اللبنانية عن كثب، وتسعى إلى تكريس نفوذها بوسائل غير مباشرة، في حين ظلت إسرائيل تلوّح بالقوة كلما نشطت العمليات الفلسطينية انطلاقًا من الجنوب. وبين هذا وذاك، كانت الدولة اللبنانية تكتفي بردود فعل خجولة، غير قادرة على بلورة سياسة وطنية تحمي الكيان وتمنع الانهيار.
سنة 1971 كانت سنة الغليان البطيء، سنة التراكم الخطر الذي لم يُعالَج، سنة الصمت المعبّر عن عجز الدولة وعن مكابرة النخبة. من موقع المسؤولية السياسية في ذلك الزمن، كان يمكن أن نرى في الأفق القريب بوادر عاصفة، لكن النخبة الحاكمة، على اختلاف اتجاهاتها، فضّلت التمسك بالمحاصصة والتسويات المؤقتة، بدل أن تفتح الباب أمام عقد وطني جديد يعيد بناء الدولة على أسس المشاركة الحقيقية والسيادة الكاملة.
سنة 1972 تتسم بزيادة التوترات الداخلية وتعمق الأزمة السياسية والاجتماعية، رغم استمرار بعض مظاهر الاستقرار الظاهري. هذه السنة كانت بمثابة فترة تمهيدية لتصاعد النزاعات التي ستتفجر لاحقاً، حيث بدأت الفجوات تتسع بين مكونات المجتمع اللبناني وبدأت ملامح التحديات تتضح أكثر.
سياسياً، استمر الحكم في إطار المحاصصة الطائفية التقليدية، مع استمرار صعوبة تحقيق توافقات عميقة أو إصلاحات جذرية. التوازنات بين الطوائف كانت ما تزال هشة، لكن تصاعد النفوذ الفلسطيني المسلح في لبنان، ولا سيما في مناطق الجنوب والشمال، بدأ يثير قلقاً متزايداً لدى القوى اللبنانية، خصوصاً بين المسيحيين الذين شعروا بخطر على وجودهم السياسي والاجتماعي.
على صعيد القضية الفلسطينية، استمر تزايد قوة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، مما عزز من تأثيرها السياسي والعسكري، خصوصاً بعد طردها من الأردن عام 1970. هذا الوجود المسلح كان يعيق سيطرة الدولة اللبنانية على أراضيها، وأدى إلى توترات متزايدة مع الجيش اللبناني والسلطات المحلية، وأحياناً مع المجموعات اللبنانية نفسها.
اقتصادياً، رغم النمو في بيروت والمناطق الحضرية، بدأت تظهر بوضوح الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين المركز والأطراف، بين الأغنياء والفقراء، بين مناطق النفوذ المختلفة. الفقر والتهميش في بعض المناطق، خصوصاً بين اللاجئين الفلسطينيين، كان يزيد من تفاقم الأوضاع الاجتماعية، ويغذي الانقسامات السياسية.
إقليمياً، ظل لبنان يعاني من ضغوط محيطة: تداخل النفوذ السوري والإسرائيلي، وتداخل الصراعات العربية، جعل من لبنان ساحة تنافس ونزاع بين قوى إقليمية، دون أن تمتلك الدولة اللبنانية أدوات كافية لحماية سيادتها واستقلالها.
من منظور سياسي في تلك الحقبة، كانت 1972 تحمل في طياتها تحذيراً واضحاً من أن الوضع اللبناني يسير نحو مزيد من الانقسام والصراع، وأن الترتيبات السياسية القائمة عاجزة عن مواجهة الواقع الجديد، سواء على صعيد البنية الاجتماعية أو على صعيد الأدوار الإقليمية. كانت سنة تفرض ضرورة إعادة التفكير في صيغة الحكم والمجتمع، لكن للأسف لم يكن هناك استجابة حقيقية أو إرادة سياسية حقيقية لتحقيق ذلك.
سنة 1973 مثلت منعطفًا حادًا ومؤلمًا في مسيرة لبنان السياسي والاجتماعي، حيث تصاعدت فيها التوترات الداخلية مع استفحال النزاعات الإقليمية، وكانت بمثابة نقطة انطلاق حقيقية للأزمات التي ستأتي لاحقًا.
على المستوى الإقليمي، لا يمكن تجاهل تأثير حرب أكتوبر 1973 التي اندلعت بين الدول العربية وإسرائيل، والتي أثرت بشكل مباشر وغير مباشر على لبنان. فقد أدت هذه الحرب إلى رفع سقف التوترات في المنطقة، وزادت من تأزم الوضع الفلسطيني في لبنان، حيث تزايدت المعنويات لدى الفصائل الفلسطينية وازدادت وتيرة نشاطاتها العسكرية من الأراضي اللبنانية، مما أزعج بشدة القوى اللبنانية الداخلية، وخصوصًا الطائفة المسيحية التي رأت في ذلك تهديدًا وجوديًا.
داخليًا، استمر لبنان في حالة توتر متزايد بسبب عدم قدرة الدولة على فرض سيادتها بشكل كامل، وازدياد وجود الفصائل المسلحة الفلسطينية وازدواجية السلاح، مما خلق حالة من الانقسام والقلق بين اللبنانيين، خاصة مع غياب رؤية وطنية جامعة أو خطوات إصلاحية جدية قادرة على معالجة الأزمة السياسية والاجتماعية.
كما أن الانقسامات الطائفية والسياسية لم تكن قد وجدت بعد حلولاً ناجعة، بل تفاقمت بفعل التطورات الإقليمية والحرب، حيث شعرت كل مكوّنات المجتمع بضرورة تعزيز مواقعها وحصتها في السلطة، وهو ما أدى إلى مزيد من تعميق الشرخ الوطني.
اقتصاديًا، تأثرت الأوضاع أيضًا نتيجة التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار النفط، حيث ارتفعت معدلات التضخم وتفاقمت الفوارق الاجتماعية، ما أضاف أعباء إضافية على المواطن اللبناني العادي، وأضعف الطبقة الوسطى التي كانت تعد ركيزة الاستقرار.
بالمجمل، 1973 كانت سنة تتسم بصراعات جديدة وتحديات متصاعدة، تحولت فيها لبنان من مجرد ساحة صراع إلى لاعب غير قادر على التحكم بمصيره. وكسياسي في تلك المرحلة، كان الشعور السائد هو الإحباط من عدم وجود إرادة سياسية وطنية حقيقية للتعامل مع الأزمة على نحو فعّال، والقلق العميق من أن لبنان يسير بخطى ثابتة نحو الهاوية التي ستؤدي لاحقًا إلى الانفجار الشامل.
سنة 1974 بقيت الدولة عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة، لا سيما في المناطق التي شهدت وجوداً متزايداً للفصائل الفلسطينية المسلحة. ازدواجية السلاح كانت من أبرز ملامح هذه السنة، حيث تزايدت المواجهات والاحتكاكات بين الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني، ما أظهر هشاشة الدولة وعدم قدرتها على ضبط الأمور.
في السياق الطائفي، تعمقت الهوة بين مكونات المجتمع اللبناني، خصوصاً بين الطائفة المسيحية التي شعرت بتهديد وجودي متزايد، وبين القوى الفلسطينية والعربية التي رأت في لبنان منصة للصراع مع إسرائيل. هذه الأجواء ساهمت في زيادة انعدام الثقة بين الأطراف اللبنانية، وأدت إلى صراعات سياسية أكثر حدة وارتباكات في آليات الحكم.
على الصعيد الإقليمي، ظل لبنان محط أنظار القوى الإقليمية، حيث استمرت سوريا في محاولاتها لتعزيز نفوذها، فيما كانت إسرائيل تراقب الوضع عن كثب وترد بقوة على أي تهديد يخرج من الجنوب اللبناني. في الوقت نفسه، تصاعدت ضغوط القوى العربية الأخرى، ما جعل لبنان في حالة هشاشة كبيرة، غير قادر على اتخاذ موقف وطني مستقل ومتوازن.
اقتصادياً، عانت البلاد من تداعيات الأزمات السياسية، حيث شهد الاقتصاد تباطؤًا تدريجيًا، وازدادت البطالة والفقر في بعض المناطق، خاصة في الجنوب والمخيمات الفلسطينية، مما غذى المزيد من الاحتقان الاجتماعي.
من منظوري كسياسي في تلك الحقبة، 1974 كانت سنة تحذيرية، تؤكد أن استمرار الوضع على ما هو عليه لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار. كانت حاجة لبنان ملحة إلى إصلاحات عميقة على الصعيد السياسي والاجتماعي، إلى جانب إعادة بناء الدولة على أسس تحمي الوحدة الوطنية وتضمن سيادتها، لكن للأسف لم تظهر الإرادة الكافية لتحقيق هذه الإصلاحات، ما دفع البلاد تدريجيًا نحو الأزمة الأشد التي ستشهدها لاحقًا.
سنة 1975 تمثل نقطة الانهيار الحقيقية في تاريخ لبنان الحديث، حيث تجسدت فيها كل التحولات الكبرى التي تراكمت خلال السنوات السابقة، وانفجرت الأزمات داخلياً وإقليمياً لتفتح الباب أمام الحرب الأهلية المدمرة.
في هذه السنة، وصلت التوترات الطائفية والسياسية إلى ذروتها، مع تفجر الاشتباكات المسلحة بين الفصائل اللبنانية المختلفة، وبروز "ازدواجية السلاح" بشكل واضح، لا سيما مع انتشار السلاح الفلسطيني المسلح ومجموعات المقاومة اللبنانية. الدولة فقدت قدرتها على فرض سيادتها، والمؤسسات الرسمية أصبحت عاجزة عن إدارة الأزمة أو احتواء التوترات المتصاعدة.
سياسياً، انهيار النظام السياسي التقليدي القائم على المحاصصة الطائفية بات واقعاً ملموساً، حيث انهارت الثقة بين المكونات اللبنانية، وتعمقت الانقسامات إلى حد لم يعد فيه من مجال للحوار أو التسوية. الصراعات لم تعد مجرد خلافات سياسية، بل تحولت إلى مواجهات مسلحة خلفت دماراً شاملاً وتهجيراً داخلياً.
على الصعيد الإقليمي، لبنان أصبح ساحة مفتوحة للصراعات العربية والإسرائيلية، حيث دخلت القوى الإقليمية على خط الأزمة، وساهمت في تعقيد الوضع وتغذيته، ما جعل لبنان في وضع أشبه بالدولة المنهارة التي تخضع لسطوة الفصائل المسلحة والنفوذ الخارجي.
اقتصادياً واجتماعياً، تدهور الوضع بشكل سريع، مع تضرر البنية التحتية، وازدياد أعداد اللاجئين والمشردين، وتوقف عجلة التنمية. الفقر وتردي الخدمات أصبحت من الحقائق اليومية التي واجهها المواطن اللبناني، فيما كانت الآفاق المستقبلية مظلمة ومبهمة.
من موقعي كسياسي في تلك الحقبة، كان الشعور سائدًا أن لبنان أمام تحدٍ وجودي حقيقي، وأن ما جرى في 1975 هو نتيجة حتمية لغياب الإرادة السياسية الحقيقية لإصلاح النظام وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلى جانب غياب رؤية وطنية جامعة تعيد بناء الثقة بين اللبنانيين. كانت سنة الخيبة الكبرى التي كشفت هشاشة لبنان وعجزه عن الاستمرار في صيغة الوحدة السياسية والاجتماعية التي عرفها منذ الاستقلال.
سنة 1976 أصبحت المواجهات المسلحة أكثر شراسة وانتشاراً، مع استمرار تفكك مؤسسات الدولة وفقدانها السيطرة على الأراضي والمجتمعات المحلية. ازدادت الفصائل المسلحة قدرة ونفوذاً، ولم تعد الدولة فاعلة سوى على أجزاء محدودة من الأراضي، الأمر الذي أدى إلى نشوء أمر واقع جديد في لبنان، يقوم على المحاصصة المسلحة بين الميليشيات والطوائف.
السياسة الداخلية شهدت انقسامات حادة بين القوى اللبنانية، حيث تراوحت مواقفها بين الرغبة في الانخراط في تسويات وطنية، وبين التمسك بالمواقف الحادة التي أدت إلى مزيد من العنف والتفرقة. في ظل هذا الواقع، تدخلت القوات السورية رسمياً في لبنان في منتصف السنة، معلنة نفسها قوة للتهدئة، لكن حضورها كان ذا أبعاد سياسية واستراتيجية، أضافت بعداً جديداً للتعقيد في المشهد اللبناني.
على الصعيد الإقليمي، ظلت الأوضاع متوترة، مع استمرار الدعم الإقليمي المتبادل للفصائل اللبنانية المختلفة، وتزايد نفوذ القوى الإقليمية التي حولت لبنان إلى ساحة صراع بالوكالة بين مصالح إقليمية ودولية. أما إسرائيل فاستمرت في فرض تهديداتها عند الحدود، ما شكل ضغطاً إضافياً على الدولة اللبنانية.
اقتصادياً، تأثرت البلاد بشكل بالغ، حيث تراجعت الأنشطة الاقتصادية بشكل كبير، وعانى السكان من نزوح داخلي واسع، وتدهور الخدمات والبنية التحتية. حياة اللبنانيين اليومية أصبحت أكثر قسوة، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والاضطرابات الاجتماعية.
من منظور سياسي في ذلك الزمن، كانت 1976 سنة المرارة والحيرة، إذ بدا واضحاً أن لبنان دخل مرحلة جديدة من أزمته العميقة، وأن الطريق للخروج منها سيكون طويلاً وشاقاً. كان الشعور سائداً بأن الأزمة ليست فقط نتيجة للصراعات الطائفية، بل تعبير عن فشل نظام سياسي كامل وعجزه عن الاستجابة لتحديات عصره. الحاجة كانت ملحة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، لكن ذلك بدا مستحيلاً في ظل هذا الانقسام العميق والتدخلات الخارجية المتزايدة.
سنة 1977 كانت سنة استمرار وتعميق للأزمة اللبنانية التي دخلت عامها الثالث على التوالي، حيث بدا واضحاً أن الحرب الأهلية التي اندلعت في 1975 لم تعد ظاهرة مؤقتة، بل تحولت إلى واقع مؤلم ومستمر يهدد وجود لبنان كوحدة وطنية.
في 1977، استمرت المواجهات المسلحة بين مختلف الفصائل والميليشيات اللبنانية، مما زاد من تعميق الانقسامات الطائفية والسياسية، وبرزت محاولات متعددة للتهدئة والتسوية لكنها فشلت في تحقيق اختراقات حقيقية. فغياب الثقة بين الأطراف وتعقيدات المشهد الإقليمي كانا من أكبر العقبات أمام أي حل سياسي.
تدخل القوات السورية الذي بدأ في 1976 استمر في 1977، وقد مثل عاملاً مزدوج الأثر: من جهة، ساعد في احتواء بعض النزاعات وفرض نوع من الاستقرار النسبي في بعض المناطق، ومن جهة أخرى، أثار مخاوف العديد من اللبنانيين الذين رأوا في التواجد السوري تهديداً لسيادة واستقلال لبنان، واعتبروا أنه يعقد الحلول الوطنية.
إقليمياً، ظل لبنان ساحة صراع بالوكالة بين القوى الإقليمية، مع استمرار دعم مختلف الأطراف المسلحة من جهات خارجية، ما زاد من تعقيد الأزمة. إسرائيل، رغم غياب حروب مباشرة، لم تتوقف عن تهديداتها وعملياتها المحدودة على الحدود الجنوبية، مما أضاف بعداً أمنياً مقلقاً.
اقتصادياً واجتماعياً، كانت الأوضاع صعبة للغاية، حيث تفاقم التدهور الاقتصادي نتيجة استمرار الحرب، ونزوح أعداد كبيرة من المدنيين، وتدهور الخدمات الأساسية. السكان عاشوا في ظروف قاسية، مع تصاعد الشعور بعدم الأمان وانعدام المستقبل.
من منظوري السياسي، كانت 1977 سنة تثبت أن الأزمة اللبنانية ليست ظرفاً عابراً، بل أزمة نظام عميقة تحتاج إلى حلول جذرية. لكنها كانت أيضاً سنة فقدان الأمل لدى كثيرين في إمكانية التوصل إلى تسوية وطنية قريبة. بقاء لبنان على هذه الحال يُهدد بفقدانه كوطن موحد، ويضعه أمام احتمال تفكك كامل يصعب استعادته لاحقاً.
سنة 1979 بقيت المواجهات المسلحة متواصلة بين الميليشيات اللبنانية والفصائل الفلسطينية المسلحة، مع استمرار حالة الانقسام السياسي والطائفي العميق، ما أبعد أية فرصة للوصول إلى تسوية وطنية حقيقية. الدولة اللبنانية لم تستطع فرض سيادتها أو استعادة السيطرة على الأراضي، ولا سيما في الجنوب حيث استمرار الاحتلال الإسرائيلي والوجود الفلسطيني المسلح.
التدخل السوري في لبنان كان لا يزال حاضراً بقوة، حيث حاولت دمشق فرض هيمنتها السياسية والعسكرية على الساحة اللبنانية، مما أثار مخاوف واستياء من بعض القوى اللبنانية التي رأت في هذا التدخل تهديداً لاستقلال لبنان وسيادته.
إسرائيل استمرت في تهديداتها وعملياتها على الحدود الجنوبية، وخصوصاً ضد مواقع منظمة التحرير الفلسطينية، ما زاد من حدة التوتر الأمني وأثر على استقرار الجنوب اللبناني بشكل خاص.
اقتصادياً، عانى لبنان من تدهور مستمر، نتيجة استمرار الحرب، وتضرر البنية التحتية، وانتشار الفقر والبطالة، ما زاد من معاناة المواطنين وأثر على النسيج الاجتماعي.
من منظوري السياسي في ذلك الزمن، كانت سنة 1979 سنة تثبت أن لبنان لا يزال غارقاً في أزمته العميقة، وأن الحلول المرجوة لم تتحقق بعد، بسبب تعقيد المشهد الداخلي وتداخل المصالح الإقليمية. كان هناك شعور متزايد بالإحباط تجاه مستقبل لبنان، مع إدراك صعب بأن الطريق نحو استعادة الدولة وتوحيد الشعب سيكون طويلاً وشاقاً، وربما يحتاج إلى توافقات داخلية وخارجية بعيدة عن الحسابات الضيقة والمصالح الجزئية.
في عام 1964، نعيش في لبنان مرحلة شهدت خلالها البلاد تنامياً اقتصادياً ملحوظاً، حيث استمرت بيروت في كونها مركزاً مالياً وثقافياً مهماً في الشرق الأوسط، وكانت تشهد نشاطاً عمرانياً متزايداً وازدهاراً في قطاعات السياحة والخدمات. هذا الازدهار الاقتصادي كان يشكل فرصة لتعزيز دور لبنان كدولة حديثة متقدمة في المنطقة، لكنه في الوقت نفسه يضع تحديات كبرى أمام النظام السياسي اللبناني الذي يتسم بالطائفية والتوازنات الدقيقة بين الطوائف.
على الصعيد السياسي، تشهد لبنان تصاعد التوترات الإقليمية، حيث كان لبنان يعيش في ظل النزاع العربي الإسرائيلي المستمر، وتأثيراته بدأت تتضح على الاستقرار الداخلي، خصوصاً مع تصاعد حركة الفلسطينيين في لبنان، بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964. هذا الواقع يعيد طرح سؤال العلاقة بين لبنان والقضية الفلسطينية، ودور لبنان في الصراعات الإقليمية دون أن يفقد هويته الوطنية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك تحديات داخلية متعلقة بتوزيع السلطة والطائفية التي تؤثر على قدرة الدولة على تحقيق الوحدة الوطنية والتنمية المستدامة. الانقسامات بين القوى السياسية والطائفية تجعل من الصعب تبني رؤية واضحة للمستقبل، وتؤثر على قدرة لبنان على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية.
بالتالي، فإن تقييم هذه التحولات في 1964 يشير إلى أن لبنان يعيش في مفترق طرق، حيث الفرص الاقتصادية والتطورات الاجتماعية يجب أن تصاحبها إرادة سياسية حقيقية لإصلاح النظام السياسي وإدارة التنوع الطائفي بشكل يضمن استقرار البلاد ويحفظ هويتها. وإلا فإن استمرار هذه التحديات قد يعرّض لبنان لمخاطر تصاعد الصراعات الداخلية وتأثيرات الأزمات الإقليمية.
خلال عام 1965، أُقيمت التحولات الكبرى التي شهدها البلد في تلك السنة بنظرة تجمع بين التفاؤل والحذر، إذ إن لبنان في ذلك الوقت كان يمر بفترة من النمو والازدهار الاقتصادي والاجتماعي، لكنه كان في الوقت نفسه محاطاً بتحديات سياسية وأمنية عميقة.
على الصعيد الاقتصادي، واصل لبنان في 1965 تعزيز مكانته كمركز مالي وتجاري في الشرق الأوسط، وكانت بيروت تُعتبر "باريس الشرق"، حيث شهد القطاع المصرفي ازدهاراً وتوسعاً في الاستثمارات العقارية والسياحية. هذا التطور الاقتصادي أتاح فرصاً كبيرة للنمو والتنمية، لكنه لم يكن متوازناً مع تحقيق العدالة الاجتماعية، إذ ظل الفقر والبطالة يؤرقان شريحة واسعة من المجتمع اللبناني، مما شكل تحدياً اجتماعياً لا يمكن تجاهله.
سياسياً، لبنان كان يعيش ضمن نظام طائفي هش، يجمع بين القوى السياسية المتنوعة التي تعتمد على توزيع السلطة بين الطوائف. عام 1965 شهد زيادة في التوترات الداخلية التي تعكس صراعات النفوذ بين هذه الطوائف، خاصة مع تنامي حضور القضايا الفلسطينية على الساحة اللبنانية بعد إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية قبل عام واحد. هذا الأمر بدأ يفرض نفسه كعامل ضغط على الاستقرار الداخلي اللبناني، حيث كان من الصعب على الدولة اللبنانية أن توازن بين رغبتها في الحفاظ على استقلالها وسيادتها، وبين دعم القضية العربية والفلسطينية.
من الناحية الإقليمية، الصراع العربي الإسرائيلي كان يزداد حدة، وحرب 1967 بدأت تستعد في الأفق، ما جعل لبنان في موقع حساس بين محيطه المتوتر وبين محاولاته الداخلية للحفاظ على توازنه الوطني. هذه الضغوط الإقليمية أثرت على السياسات الداخلية، ورفعت من وتيرة النقاش حول دور لبنان في القضايا العربية الكبرى.
بناءً على ذلك، أعتبر أن لبنان في 1965 كان يقف على مفترق طريق: بين استغلال فرص الازدهار الاقتصادي لتحسين ظروف شعبه وتطوير مؤسساته، وبين خطر الانزلاق نحو الصراعات الطائفية والسياسية التي قد تهدد وحدته واستقراره. الحاجة الملحة كانت إلى قيادة وطنية قوية قادرة على بناء رؤية جامعة تضع لبنان في موقعه الصحيح كدولة مستقلة ومتجانسة قادرة على مواجهة تحديات الداخل والخارج.
خلال سنة 1966، أُقيم التحولات الكبرى التي شهدها لبنان بتوازن بين الأمل والقلق، إذ كانت البلاد تستمر في مسار النمو الاقتصادي والاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه تواجه توترات سياسية داخلية وضغوط إقليمية متصاعدة.
اقتصادياً، استمر لبنان في تعزيز مكانته كمركز مالي وسياحي إقليمي، حيث ازدهرت قطاعات البنوك والخدمات، وشهدت العاصمة بيروت حركة عمرانية وثقافية نشطة. كان هذا التطور الاقتصادي يعكس قدرة لبنان على الاستفادة من موقعه الجغرافي الفريد ومرونته الاقتصادية، مما جعل منه نموذجاً للحداثة والتقدم في المنطقة.
على الصعيد السياسي الداخلي، ظل النظام الطائفي يشكل الإطار السياسي الذي ينظم العلاقات بين مختلف الطوائف، لكنه في الوقت ذاته كان يعرّض البلاد لصراعات على النفوذ والتمثيل السياسي. في 1966، بدأت تظهر بوادر تصاعد التوتر بين الفصائل اللبنانية المختلفة، مع تزايد حضور القضية الفلسطينية داخل لبنان، ما خلق حالة من الانقسام والتوتر الاجتماعي، خصوصاً في المناطق التي تشهد وجوداً للاجئين الفلسطينيين.
إقليمياً، كان لبنان يعيش في ظل تصاعد التوترات بين الدول العربية وإسرائيل، حيث كانت الأجواء تحفّز على المزيد من الاستقطاب والتأهب للحرب التي ستندلع بعد عام واحد. هذا الواقع جعل لبنان في موقع حساس للغاية، إذ حاولت القوى السياسية المختلفة ضبط التوازن بين دعم القضايا العربية وبين المحافظة على الأمن والاستقرار الداخلي.
من هذا المنطلق، أرى أن لبنان في 1966 يواجه تحديات جسيمة تتطلب رؤية وطنية متجددة، تركز على تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، مع تطوير آليات الحكم والمؤسسات لتكون أكثر فعالية وشمولية، كي يستطيع لبنان أن يواجه الضغوط الإقليمية ويستفيد من فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
عام 1968، أرى أن هذه السنة تمثل مرحلة حساسة في تاريخ لبنان، حيث تتلاقى بين استمرار الازدهار الاقتصادي النسبي والتوترات السياسية والاجتماعية التي تتعمق بفعل التطورات الإقليمية والدولية.
اقتصادياً، لا يزال لبنان يتمتع بنمو نسبي، خصوصاً في قطاعات السياحة والخدمات المصرفية، مع استمرار بيروت في دورها كمركز تجاري ومالي إقليمي مهم. هذا الازدهار الاقتصادي يمنح لبنان فرصاً للتنمية وتحسين مستوى المعيشة، لكنه يبقى هشاً بسبب الفوارق الاجتماعية وعدم توازن التنمية بين المناطق والطوائف.
على الصعيد السياسي، تستمر التحديات الداخلية في الظهور، خاصة مع تصاعد حضور القضية الفلسطينية وتأثيرها المتزايد على المشهد اللبناني. عام 1968 شهد نشاطاً متزايداً لمنظمة التحرير الفلسطينية، مما أثار قلق بعض القوى السياسية والطائفية التي ترى في هذا النشاط تهديداً للاستقرار الداخلي اللبناني. كما أن التوترات بين الفصائل اللبنانية المختلفة ما زالت قائمة، مما يضعف الوحدة الوطنية ويزيد من هشاشة النظام السياسي الطائفي.
إقليمياً، ما زالت تداعيات نكسة 1967 تؤثر على لبنان والمنطقة، حيث تتصاعد التوترات بين الدول العربية وإسرائيل، وتتكثف التحركات السياسية والعسكرية، خصوصاً على حدود لبنان الجنوبية. هذا الواقع يجعل لبنان في وضع دقيق، يتطلب حذراً كبيراً في إدارة علاقاته الإقليمية وتوازناته الداخلية.
بناءً على ذلك، أُقيّم سنة 1968 على أنها سنة الانتظار والترقب، حيث تتطلب الأوضاع اللبنانية مرونة سياسية عالية وحواراً وطنياً عميقاً لتجنب الانزلاق نحو الفوضى، واستثمار الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية لبناء دولة قادرة على الصمود في وجه التحديات الداخلية والخارجية.
بيروت، قلب لبنان النابض، وعاصمتنا الحبيبة، تقف اليوم على مفترق طرق مؤلم، بين الاستمرار في الدمار والتقسيم، أو الانتصار للوحدة والسلام. إن ما يجري من تدمير ممنهج لأحيائها وشوارعها ليس مجرد خراب للبنايات، بل هو خراب لأحلامنا وتاريخنا المشترك.
كم هو مؤلم أن نرى مدينتنا تنقسم أمام أعيننا إلى مناطق متناحرة، فتفقد روحها التي كانت دوماً رمزاً للتعايش والتلاقي بين كافة اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، عرباً وأقليات. إن تقسيم بيروت هو تقسيم للذاكرة الوطنية، وانكسار لوحدة شعبنا.
أخاطب اليوم ضمير كل لبناني يحب وطنه، لا فرق بين مذهبه أو انتمائه، أن يرفع صوتاً مدوياً ضد كل من يسعى إلى تشظي العاصمة وتدمير نسيجها الاجتماعي. لن نسمح لأنفسنا أن نكون شهوداً على تدمير بلدنا بأيدينا.
بيروت ليست مجرد مكان على الخريطة، إنها قصة حياتنا، مجدنا، وأملنا. لذلك، أدعوكم جميعاً إلى العمل المشترك، إلى الحوار، إلى وضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الضيقة. علينا أن نتصدى بكل قوة لمخططات التقسيم والدمار، وأن نعيد إلى العاصمة وحدتها وألقها.
وحدتنا في بيروت هي وحدتنا في لبنان، وسلامتها هي سلامة وطننا ومستقبل أجياله. فلنكن عند مستوى هذه المسؤولية التاريخية، ولنقف معاً من أجل بيروت التي تجمعنا، لا التي تفرقنا.
لبيروت وطن واحد، وللبنان مستقبل واحد.
عام 1969، أرى أن هذه السنة كانت من أصعب وأهم سنوات تاريخ لبنان الحديث، إذ شهدت تحولات جوهرية عكست تعقيدات الواقع اللبناني والإقليمي، وأدت إلى تحديات كبيرة للنظام السياسي والاجتماعي.
في 1969، لبنان لم يعد بمقدوره أن يستمر في حالة الاستقرار النسبي التي كان يعيشها في سنوات سابقة، إذ تصاعدت الأزمة السياسية الداخلية بشكل خطير بسبب تصاعد النشاط الفلسطيني المسلح على أراضيه، وهو ما أدى إلى تزايد التوتر بين الفصائل اللبنانية المختلفة، وخصوصاً بين القوى المسيحية والفلسطينيين والجهات اللبنانية الداعمة لهم. هذه التوترات وضعت لبنان في قلب الصراع العربي الإسرائيلي بشكل مباشر، وخلقت شرخاً حقيقياً في النسيج الوطني اللبناني.
الأحداث البارزة مثل معارك "حرب شارع الشوف" وتصاعد المواجهات في مناطق عدة كانت تعبيراً عن تصاعد العنف الداخلي، وهو ما زاد من هشاشة الدولة اللبنانية وصعوبة إدارة التنوع الطائفي والمذهبي. في الوقت نفسه، لبنان كان تحت ضغط إقليمي متزايد، حيث أن تداعيات نكسة 1967 لا تزال تؤثر، وعودة النشاط الفلسطيني المسلح تزيد من تعقيد الوضع.
اقتصادياً، تأثر لبنان سلباً بهذه التوترات، مع تراجع السياحة وتباطؤ النشاط التجاري، الأمر الذي أثر على حياة المواطن اللبناني وجعل الحاجة إلى استقرار سياسي أكثر إلحاحاً.
بناءً على هذه المعطيات، أُقيّم سنة 1969 كسنة فاصلة وحاسمة، تؤكد أن لبنان بحاجة إلى إعادة النظر في نظامه السياسي، وتعزيز مؤسسات الدولة، والعمل على وحدة وطنية حقيقية قادرة على احتواء التنوع الطائفي والمذهبي، والحد من التدخلات الخارجية التي تهدد سيادته واستقراره.
في هذا الزمن الذي تتقاذفنا فيه رياح الفتن وتتصاعد فيه أمواج العنف، أوجه ندائي هذا إلى ضمير كل لبناني يحب وطنه ويحترم إنسانية الإنسان. كفى خراباً، كفى دماء تسفك، كفى أوجاعاً تترك في قلوبنا ندوباً لا تُمحى.
إن ظاهرة الخطف لم تعد مجرد جريمة فردية، بل أصبحت مرضاً عضالاً يهدد نسيجنا الوطني ويزرع الخوف والفرقة بين أبناء وطن واحد. الخطف والاعتداء على المدنيين الأبرياء لا يمكن أن يكونا وسيلة لتحقيق أي هدف، ولا يعكسان إلا ضعف الضمير وفقدان الأخلاق.
أدعوكم، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، إلى أن ننهض جميعاً بمسؤوليتنا الوطنية والإنسانية، لنقول بصوت واحد: لا للخطف، نعم للرحمة، نعم للحوار، نعم للسلام.
رحمة بالمدنيين الذين ليس لهم ذنب في صراعاتنا، رحمة بالأمهات والآباء الذين يرتجفون على أبنائهم، رحمة بأرواحنا التي باتت تهتز مع كل خبر مؤلم.
أيها اللبنانيون الأوفياء،
بيروت، قلب لبنان النابض، وعاصمتنا الحبيبة، تقف اليوم على مفترق طرق مؤلم، بين الاستمرار في الدمار والتقسيم، أو الانتصار للوحدة والسلام. إن ما يجري من تدمير ممنهج لأحيائها وشوارعها ليس مجرد خراب للبنايات، بل هو خراب لأحلامنا وتاريخنا المشترك.
كم هو مؤلم أن نرى مدينتنا تنقسم أمام أعيننا إلى مناطق متناحرة، فتفقد روحها التي كانت دوماً رمزاً للتعايش والتلاقي بين كافة اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، عرباً وأقليات. إن تقسيم بيروت هو تقسيم للذاكرة الوطنية، وانكسار لوحدة شعبنا.
أخاطب اليوم ضمير كل لبناني يحب وطنه، لا فرق بين مذهبه أو انتمائه، أن يرفع صوتاً مدوياً ضد كل من يسعى إلى تشظي العاصمة وتدمير نسيجها الاجتماعي. لن نسمح لأنفسنا أن نكون شهوداً على تدمير بلدنا بأيدينا.
بيروت ليست مجرد مكان على الخريطة، إنها قصة حياتنا، مجدنا، وأملنا. لذلك، أدعوكم جميعاً إلى العمل المشترك، إلى الحوار، إلى وضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الضيقة. علينا أن نتصدى بكل قوة لمخططات التقسيم والدمار، وأن نعيد إلى العاصمة وحدتها وألقها.
وحدتنا في بيروت هي وحدتنا في لبنان، وسلامتها هي سلامة وطننا ومستقبل أجياله. فلنكن عند مستوى هذه المسؤولية التاريخية، ولنقف معاً من أجل بيروت التي تجمعنا، لا التي تفرقنا.
لبيروت وطن واحد، وللبنان مستقبل واحد.
لجنة المتابعة العربية في بيروت. هل آن أوان إنقاذ لبنان؟
غداة مؤتمر فاس، وفي ظل المناخ العربي الملبّد بالقلق والتوجّس، وصلت لجنة المتابعة العربية إلى بيروت، محمّلةً بقرارات القمة وتوصياتها، ومثقَلة بهمّ البحث عن تسوية لبنانية تقي هذا الوطن مزيدًا من الانهيار، وتُعيد له شيئًا من التوازن والشرعية، وسط بحر من الفوضى والانقسام.
لبنان، المنهك بالحرب والانقسام والاحتلالات المتعددة، لم يكن في موقع من يملي الشروط، بل في موقع من ينتظر الإنقاذ، لا من موقع الضعف بل من عمق الوعي بأن اللبناني وحده لم يعُد قادرًا على لملمة ما تمزّق، ما لم يُحط بإرادة عربية جامعة، لا تُملي عليه حلولًا، بل تعيد جمع شتاته على قاعدة احترام كيانه وهويته وخصوصيته.
لقد تابعنا مؤتمر فاس بكثير من الترقّب، فكان لبنان حاضرًا في الهواجس، وإن لم يكن حاضرًا على الطاولة. وكان اسمه يُذكر في الكواليس أكثر مما يُذكر في المقررات. ولكن، وبالرغم من ذلك، كان وصول لجنة المتابعة إلى بيروت بعد القمة إشارة إيجابية نادرة في هذا الزمن العربي المبعثر.
نرحّب بقدوم الإخوة العرب، لا من موقع التبعية، بل من موقع الإيمان بأن العمق العربي للبنان ليس شعارًا خطابيًا، بل ركيزة وجودية. فنحن لم نطلب من العرب أن يقاتلوا عنا، بل أن يتوقّفوا عن القتال فوق أرضنا. لم نطلب أن يُفرض علينا نظام ولا مشروع، بل أن يُعاد الاعتبار للدولة اللبنانية، وللسيادة اللبنانية، وللكلمة اللبنانية.
لجنة المتابعة تأتي وفي جعبتها مقترحات، لكن الحقيقة أن اللبنانيين أنفسهم لم يتفقوا بعد على ما يريدون. بين من يريد لبنان ساحة مقاومة، ومن يريد لبنان وطنًا حياديًا، وبين من يريد الفيدرالية ومن يتمسّك بوحدة الأرض والدولة، تقف لجنة المتابعة كمن يسير في حقل ألغام. لكن يبقى في يدها مفتاح وحيد للنجاح: أن تتحدث مع اللبنانيين كوسطاء لا كأوصياء، وأن تضع في صلب مهمتها وقف النزف، وإعادة الحياة إلى المؤسسات، وإخراج القرار اللبناني من زواريب الوصايات الإقليمية.
نعم، نريد من لجنة المتابعة أن تسمع، لا أن تملي. أن تسهّل، لا أن تُحرّض. أن تحاور الجميع، لا أن تصطف مع فريق ضد آخر. فلبنان لا يُبنى بالمعادلات الخارجية، بل بإجماع داخلي تُسانده الإرادة العربية لا تُصادره.
ولعل أهم ما يمكن أن تحمله اللجنة إلى بيروت هو رسالة صريحة إلى كل العواصم المتورطة في الحرب اللبنانية: كفّوا أيديكم عن لبنان، ودعوا أبناءه يقررون مصيرهم بأنفسهم.
لقد تعبنا من المؤتمرات التي تُنظَّم من دون اللبنانيين، ومن الحلول التي تُملى من دون تشاور، ومن المبادرات التي تموت قبل أن تُولد لأن طرفًا إقليميًا لم يُباركها.
اليوم، على لجنة المتابعة العربية أن تكون مختلفَة. أن تكتب سطورًا جديدة في الحضور العربي البنّاء، لا في تقاسم النفوذ والمواقع. فإن نجحت، فهي تُعيد لبنان إلى العرب والعرب إلى لبنان. وإن فشلت، فلا يلومنّ أحدٌ إلا من جعل من لبنان ساحة، لا وطنًا.
احتلال الجولان. . . لا شرعية للمحتل، ولا تعاطف مع من فرّط بالأرض
حين نتحدث عن الجولان المحتل، فإننا لا نتحدث عن مجرد تلة أو هضبة أو موقع عسكري، بل عن عنوان لفشل عربي طويل، ولواقع اختلّ فيه ميزان السيادة لصالح منطق القوة، لا لصالح الحق.
لكن من واجبنا، نحن اللبنانيين، أن نتناول هذه القضية من موقعنا السيادي الحرّ، لا من موقع المزايدة الشعاراتية، ولا من موقع الالتحاق بمحاور إقليمية تستثمر في القضايا ولا تدافع عنها.
فالجولان أرضٌ عربية، هذا صحيح. واحتلاله من قبل إسرائيل منذ عام 1967 يبقى خرقًا فاضحًا للقانون الدولي، واعتداءً مفضوحًا على مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة. لكن، بالمقابل، لا يمكن أن يُطلب منّا، كلبنانيين، أن نتحوّل إلى أبواقٍ لأنظمة ترفع شعار "تحرير الأرض" وتُحكم شعوبها بالقمع وتُدخل جيوشها إلى أراضٍ عربية شقيقة لا لتحريرها بل للوصاية عليها.
إن احتلال الجولان لا يُبرّر ولا يُقبل، لكن من سلّمه دون قتال في الساعات الأولى من حرب حزيران، لا يحق له أن يطلب منا أن نُقايض حريتنا اللبنانية بشعارات "الممانعة"، أو أن نسكت عن الاحتلالات المتعددة لأرضنا بحجة أن العدو الإسرائيلي هو العدو الأكبر.
نرفض الاحتلال الإسرائيلي للجولان، لكننا لا نمنح تفويضًا أخلاقيًا لنظامٍ استبدّ بشعبه وبجاره، وباع القضية في العلن والسرّ. نرفض الاعتراف بأي ضم إسرائيلي للمرتفعات السورية، ونرفض في الوقت عينه أن تُستخدم هذه القضية ذريعة للتدخل في شؤوننا اللبنانية أو لفرض الوصايات علينا تحت عناوين فارغة.
لبنان ليس ولاية سورية، ولم يكن يومًا ساحة خلفية تُصفّى فيها الحسابات باسم فلسطين أو الجولان أو سواها. ونحن، حين نقف ضد الاحتلال الإسرائيلي، لا نفعل ذلك مجاملة لأحد، بل التزامًا بسيادتنا وكرامتنا، التي تنتهكها إسرائيل كما ينتهكها من يحتل أرضنا في الشمال والشرق ويتحدث عن مقاومة من ورق.
من حق الجولان أن يتحرر. نعم. لكن حريٌّ بمن فرّط به أن يبدأ بتقييم ذاته قبل أن يزايد علينا. فالجولان لن يتحرر بالخطب من خلف الميكروفونات، بل بإرادة حقيقية، لا باستثمار طويل الأمد في "أرض محتلة" تُستخدم للمقايضة السياسية كلما دعت الحاجة.
أما نحن في لبنان، فلن نُقايض سيادتنا على أي شبر من ترابنا لا بالجولان ولا بسواه. لا نقبل احتلالًا صهيونيًا، لكننا لا نقبل وصايةً إقليمية باسم تحرير لم يقع، وبطولات لم تُخض.
الاستراتيجية الغائبة. . . لبنان بحاجة إلى إرادة دولية تدعم وحدة الموقف العربي لا تعمّق انقسامه
في خضمّ النار المشتعلة فوق أرضنا، وفي ظل التشظّي العربي والتناقض الدولي، يقف لبنان اليوم في موقع من يواجه الخطر بيدٍ واحدة، فيما الأطراف المعنية والمتدخّلة في شؤونه تتبادل المواقف والخرائط والنفوذ، دون أن تتفق على إنقاذ هذا الوطن الصغير الذي تحوّل ساحةً يتقاطع فيها الكبار، ويتصارع فيها الأشقاء باسم القضايا الكبرى.
لقد أثبتت التجربة، بعد سنوات من الحرب والانقسام والاحتلالات المتعددة، أن لبنان لا يحتاج فقط إلى هدنة أو إلى هدنة مؤقتة، بل إلى مظلة سياسية دولية – عربية مشتركة، توفّر له الحد الأدنى من الحماية السيادية والاستقرار السياسي. ومن هنا، فإن المطلوب اليوم، لا من لبنان بل من الدول الغربية مجتمعة، أن تتجاوز منطق المبادرات الفردية والمصالح المتفرقة، وتنكبّ بالإجماع على تشجيع قيام استراتيجية عربية موحدة لحماية لبنان، دولة وشعبًا وكيانًا.
إن هذه المسؤولية ليست ترفًا سياسيًا، بل واجبٌ أخلاقي، وأمنٌ جماعي، واستباقٌ لانفجار قد لا يقف عند حدودنا. فكل تجربة أثبتت أن تخلّي الغرب عن لبنان لا يفرز الحياد، بل يستولد تدخلات غير متوازنة، ويفتح الأبواب أمام مشاريع خارجية تتلبّس لبوس الدعم والممانعة والمقاومة، وهي في حقيقتها نسفٌ متدرّج لما تبقّى من سيادة لبنان واستقلال قراره.
الدول الغربية، وقد تابعت منذ البداية تفاصيل النزاع اللبناني، تعرف تمامًا أن التوازن الداخلي اللبناني لا يُبنى بالمال ولا بالسلاح ولا بالتحالفات الظرفية، بل بشبكة دعم سياسي متكاملة، تبدأ من الاتفاق على خط أحمر هو حماية الكيان اللبناني من التقسيم والذوبان والابتلاع، ولا تنتهي إلا بإعادة بناء الدولة على قاعدة الشرعية الواحدة.
وهذا لا يمكن أن يحصل إلا إذا اتفقت هذه الدول الكبرى، أولًا، على أن تُشجّع العرب أنفسهم على تجاوز خلافاتهم العقيمة، والجلوس إلى طاولة واحدة لإنتاج موقف عربي مشترك من لبنان، لا يُختصر بجبهة ولا بمحور، بل يُعبّر عن المصلحة القومية في بقاء لبنان وطنًا حرًا سيّدًا متوازنًا.
نحن في لبنان لا نطلب حماية أجنبية ولا احتلالًا مقنّعًا، بل نطلب فقط أن يُعاد الاعتبار لفكرة لبنان كضرورة حضارية في هذا الشرق، لا كجائزة ترضية لهذا الطرف أو ذاك. ونطلب أن تساهم الدول الغربية، بما لها من تأثير وعلاقات ومصالح، في جمع الكلمة العربية حول صيغة واضحة: لا لحرب بالوكالة على أرض لبنان، ولا لمفاوضات على حساب كيانه، ولا لتحييده بالعنف، ولا لتوريطه في معارك لا ناقة له فيها ولا جمل.
من المؤسف أن الغرب، الذي يعلن تمسكه بالحرية وحقوق الإنسان، لم يتعامل مع القضية اللبنانية بجدّية كافية. فترك الساحة فريسة للتوازنات المتحركة، والتدخلات المتضاربة، بدل أن يكون لاعبًا في هندسة تسوية تحفظ للجميع ماء وجههم، وتحفظ للبنان حقه في الوجود المستقلّ، لا كممرّ ولا كمسرح.
إن اللحظة الراهنة، بعد كل ما شهده لبنان من مآسٍ، تستدعي من هذه الدول الغربية أن تعيد النظر في مقاربتها، وأن تدعم قيام رؤية عربية موحدة للبنان، تنبع من الداخل العربي لا من فوقه، وتُبنى بالتنسيق مع اللبنانيين لا من خلف ظهرهم.
لبنان لا يريد أن يكون عبئًا على أحد. لكنه في المقابل، لن يقبل أن يبقى ضحية إهمال غربي وساحة لتصفية الحسابات العربية – الإقليمية. فإما أن تتكاتف الإرادات لحمايته كحاجة عربية ودولية، وإما أن يستمر النزيف حتى لا يبقى ما يُحفظ.
لبنان رهينة العبث العربي. . . ولجنة المتابعة مرآة لعجز الجميع
من قلب الجراح المفتوحة، نكتب لا لنناشد، بل لنُشهِد التاريخ على ما يجري. منذ اندلاع النيران في لبنان، والعرب يجتمعون تارة، ويتفرّقون تارات، يُشكّلون اللجان، ويصدرون البيانات، لكن النتيجة واحدة: لبنان يحترق، ولجنة المتابعة لا تتحرك، أو تتحرك في الهواء.
فما دامت حال العرب على هذا المنوال العابث، من الانقسام إلى التناحر، ومن الخطابات الرنّانة إلى الحسابات الضيّقة، فلا أمل يُرجى لا للجنة المتابعة، ولا لخلاص لبنان من محنته. وما دامت كل دولة عربية تنظر إلى لبنان من منظار مصالحها، أو توظّف مأساته في بازار النفوذ الإقليمي، فلا جدوى من المؤتمرات، ولا طائل من انتظار "الإنقاذ" المزعوم.
لقد جرّبنا كل أشكال "التضامن العربي": قمم طارئة لا تلد سوى لجان، ولجان لا تُنجب إلا صمتًا. وها هي لجنة المتابعة، التي شُكّلت بحسن نية أو بسوء نية، ما زالت تدور في فراغٍ قاتل، كأنها خُلقت لتنتظر بدل أن تُبادر، ولتراقب بدل أن تُنجز.
أما لبنان، الذي قيل إنه "قضية عربية"، فقد تحوّل إلى مكبّ لصراعات العرب، وإلى صندوق بريدٍ يُوزّع فيه الإخوة الرسائل الساخنة والباردة، في حربٍ بالوكالة لا هو من خاضها، ولا هو من ربحها، لكنه يدفع ثمنها دمًا وركامًا وتهجيرًا.
نحن، في هذا البلد الصغير المحاصر، لا نطلب المستحيل من إخواننا العرب. فقط نطلب أن يكفّوا عن استخدام لبنان كورقة تفاوض، وأن يكفّوا عن خطف قراره الوطني بذريعة الأخوة والدعم. نطلب أن تتوحّد رؤيتهم حول لبنان على كلمة سواء: أن يُترَك للبنانيين وحدهم أن يقرّروا مصيرهم، لا أن يُقرَّر عنهم في الكواليس، ولا أن يُفرض عليهم شكل دولتهم وفق ما تراه هذه العاصمة أو تلك.
إن الشلل الذي أصاب لجنة المتابعة ليس عرضًا تقنيًا، بل هو نتيجة طبيعية لانعدام الرؤية العربية الواحدة، ولغياب القرار الصادق بفصل لبنان عن الصراع المحاور، لا عن هويته العربية. فمن غير المنطقي أن ننتظر من لجنةٍ أن تعمل، بينما المشغّلون من خلفها يتجاذبونها كلٌ إلى معسكره، ويريد كل طرف منها أن تُعبّر عن موقفه لا عن موقف العرب مجتمعين.
لبنان لا يريد لجانًا رمزية تُبرّر العجز. يريد موقفًا عربيًا واحدًا، صلبًا، سياديًا، مستقلًا، يحصّنه لا يستتبعه، ويحميه لا يربطه بمشاريع لا تشبهه. أما الاستمرار بهذا التواطؤ الصامت والحياد السلبي، فلن يؤدي إلا إلى تمديد النزيف، وتكريس الانقسام، وتحويل لجنة المتابعة إلى ديكور سياسي يمثّل عجز الأمة لا وحدتها.
وفي نهاية المطاف، نحن نعلم، كما تعلمون، أن لا خلاص للبنان من الداخل ما لم يُرفع عنه الضغط من الخارج، وما لم تُرفع عنه الوصايات المقنّعة بشعارات العروبة الزائفة. فإما أن تنضج لحظة عربية صادقة تحترم لبنان وتدعمه كما هو، لا كما يريدون له أن يكون، وإما أن يبقى وحيدًا في مواجهة الطوفان، صامدًا بشعبه، لا بمؤتمراتكم.
القضاء. . . حين كانت العدالة تاجًا فوق رؤوس الملوك
في زمنٍ اختلط فيه الحق بالباطل، وتنازعت فيه البنادق سلطة الدولة، يصبح الحديث عن القضاء ضربًا من التذكير بما هو جوهري في بناء الأوطان، وما لا تقوم دولةٌ بدونه. فالقضاء ليس وظيفةً إدارية ولا مؤسسةً تقنية، بل هو ضمير الأمة حين تنام الضمائر، وصوت القانون حين تخرس الأصوات.
إن القضاء مهنةٌ مقدسة. لا نُطلق هذا الوصف على سبيل المجاز، بل استنادًا إلى التاريخ نفسه. ففي ما مضى، لم يكن القضاء شأنًا يُترك للموظفين أو يُفوض للمعينين، بل كان الملوك والسلاطين والخلفاء أنفسهم يتولّونه، إما مباشرة، أو بتوقير عظيم لمن يحمل أمانته. كانوا يدركون أن الحكم بين الناس مسؤولية لا تقل شأنًا عن الحكم على الناس، وأن العدل أساس المُلك، لا الزينة التي تُعلّق على جدران القصور.
لكن، حين اتسعت الدول وتعقّدت المجتمعات، تخلّى أولئك الملوك عن القضاء، لا استخفافًا به، بل توقيرًا له. أوكلوه إلى الأعلام من رجال المعرفة والفقه والفضائل، ممن لا يُشترى ضميرهم، ولا يتلوّن ميزانهم، ولا يرجفون تحت ضغط سلطان أو أمير. فالقاضي، في عرفهم، كان أعلى مقامًا من الوزير، وأخطر أثرًا من الجندي، لأنه وحده يحكم على الناس باسم الحق، لا باسم القوة.
أما اليوم، ونحن في قلب حربٍ عبثية تمزّق لبنان، نرى كيف يُهدد القضاء، وتُهان العدالة، حين يُفرَض على القاضي أن يُراعي التوازنات الطائفية بدل أن يُراعي صوت الضمير. نرى كيف يُضغط على القاضي ليكتم حكمه، أو يُسيّس منطقه، أو يُستخدم سلاحًا في معركة لا تشبه طبيعته.
ولذلك، فإن عودة لبنان إلى الدولة، لا يمكن أن تتم إلا إذا استعدنا للقضاء هيبته، لا عبر الشعارات، بل عبر حماية القضاة من التدخل، وتجنيبهم الابتزاز، ورفعهم من سوق الترضيات إلى مقام الاستقلال الكامل. فلبنان الذي نريده، هو ذاك الذي يحكمه القاضي لا المسلح، والذي تصدر فيه الأحكام باسم القانون لا باسم الواقع المفروض بقوة السلاح.
القاضي ليس تابعًا لأحد، بل هو حارس ميزان الأمة. وهو لا يحتاج إلى حماية طائفة، بل إلى حماية شرفه المهني، وكرامته الأخلاقية. ولا يُصلح القضاء إلا إذا آمن الجميع أن من يُمسّ بقدسيته، إنما يمسّ روح الدولة نفسها.
فلنعُد إلى حيث بدأ التاريخ، يوم كان القضاء مقامًا لا يُمنح إلا لأفضل الناس، ويوم كان الحكم بين الناس مسؤولية يرتجف لها السلطان قبل الرعية. فإن لم نفعل، فلا قيام لوطن، ولا سلام بين أهله، ولا مستقبل يُبنى على أنقاض العدل الغائب.
القضاء سلطة لا وظيفة. . . دعوا العدالة تأخذ مجراها
في غمرة الأزمات التي تعصف بلبنان، ووسط الانهيارات المتتالية في مؤسسات الدولة، يبرز القضاء كموقع مفصلي بين ما تبقّى من كيان الدولة وما يكاد يندثر منها. إن القضاء لم يعُد، كما كان يُظن في عصور الاستبداد، مجرد أداة في يد الحاكم أو وظيفة يُعيَّن فيها الموظف الصالح لخدمة النظام، بل أضحى سلطةً قائمة بذاتها، مكرَّسة في دساتير العالم الحديث، تشكّل حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي حرّ.
لقد بات السلك القضائي، في معظم دساتير الدول المتقدمة والناشئة، السلطة الثالثة، إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية، لا يخضع لإحداهما، ولا يُستعمل وسيلة في يد أيٍّ منهما. فاستقلال القضاء لم يعُد مطلبًا نخبويًّا أو أمنية إصلاحية، بل شرط وجودي لقيام الدولة العادلة، ولسريان القانون على الجميع دون استثناء.
ونحن في لبنان، إذا أردنا أن نعيد ترميم هذا الكيان الذي يتهاوى بين الاجتياحات والاحتلالات والانقسامات، فلا بدّ من إعادة الاعتبار للقضاء كسلطة حقيقية، لا كإدارة تابعة، ولا كهيئة مُسيّرة بتوازنات طائفية أو ضغوط سياسية.
إن الأخطر من غياب القوانين هو تغييب من يطبّقها، والأخطر من فساد السياسيين هو إسكات القاضي الذي يجرؤ على محاسبتهم. فمن دون قضاء حرّ، لا رقابة تُجدي، ولا محاسبة تُرهب، ولا عدالة تُقام.
وما نشهده اليوم، من تشكيك بالقضاء، وتدخّل سافر في تعييناته ومساره، هو تدمير منهجي للدولة من داخلها، وتطويع لميزان العدالة حتى يصبح مطرقة بيد الأقوياء بدل أن يكون ملاذًا للمظلومين.
إن العالم تغيّر. والشعوب باتت تقيس مستوى تحضّر الأنظمة من خلال درجة استقلالية قضائها. فهل يجوز أن يبقى لبنان، الذي طالما افتخر بتقاليده القانونية، خارج هذا التطور؟ وهل يُعقل أن تُكتَب في دساتير الغير أن "القضاء سلطة مستقلة"، بينما يُعامَل القاضي عندنا ككاتبٍ في سجل الموازين الطائفية؟
لقد آن الأوان لكي نرفع الصوت بوضوح: لا دولة دون قضاء مستقل، ولا قضاء مستقل ما دام مرهونًا لتوازنات الزعامات. يجب أن تُصان حرية القاضي كما تُصان حرمة الدستور، وأن يُعامل سلك القضاء كسلطة دستورية قائمة، لا كملف تتداوله صفقات المجالس السياسية.
إننا، من موقعنا الوطني والشرعي، نطالب بأن يُكرَّس استقلال القضاء في وجدان الدولة، لا فقط في نصوصها، وأن يُمنح القضاة ما يليق بموقعهم: الكرامة، والتحصين، والحماية، والدعم، حتى لا يبقى القاضي رهينة حسابات أو ضحية الترهيب أو الإغراء.
في الثمانينيات التي نعيشها اليوم، وفي ظل انهيار الإيمان بالدولة، يبقى القضاء أملنا الأخير، ومرآة صدقنا أمام أنفسنا وأمام العالم. فلنصنه، ولنمنحه ما يستحق، قبل أن نصحو ذات يوم على وطن بلا عدالة، ودولة بلا قضاء، ومستقبل بلا ميزان.
من أجل مجلس أعلى مستقل للقضاء يُنتخب من أهل السلك لا من خارجه
آن الأوان لأن نقولها بصوت عالٍ: لا إصلاح في الدولة دون استقلال في القضاء، ولا استقلال حقيقي في القضاء ما دام القضاة يُعيّنون ويُحاسبون ويُحرَّكون من خارج الجسم القضائي.
إن السلطة القضائية، التي باتت معترفًا بها في جميع دساتير العالم الحديث كسلطة ثالثة قائمة بذاتها، لا يمكن أن تبقى في لبنان محكومة بمنطق التعيين السياسي أو الخضوع للسلطات التنفيذية والتوازنات الطائفية. فكيف يمكن لقاضٍ أن يحكم بالعدل، وهو يعلم أن مستقبله المهني مرهون برضى زعيم أو توصية نافذ؟
من هنا، نحن نطرح اليوم بوضوح وجرأة فكرة لم تعد ترفًا، بل حاجة وطنية مُلحّة: إنشاء مجلس أعلى مستقل للقضاء، يُنتخب أعضاؤه من داخل السلك القضائي، لا من خارجه، ويكون مسؤولًا حصريًا عن التعيينات والترقيات والتأديب والمسار المهني، بمنأى عن أي تدخّل سياسي أو طائفي أو أمني.
نريده مجلسًا لا يُعيَّن بالتوازنات، بل يُنتخب بالكفاءة. نريده أن يُمثّل روح القضاء، لا مزاج الحكم. نريده أن يكون المرجعية الأولى والأخيرة للقضاة، من دون وسيط ولا وصيّ.
فكما ينتخب النواب ممثلي الشعب، وكما تختار الحكومات وزراءها، من حق الجسم القضائي أن ينتخب قيادته بنفسه، على قاعدة النزاهة والتجرد والكفاءة، وليس على قاعدة الولاء لهذا الفريق أو ذاك.
لا يجوز أن يبقى القاضي مشرّدًا بين ضغط السياسة وسقف الطائفة. ولا يجوز أن يُختصر مصيره الإداري بجرة قلم على طاولة مجلس وزراء أو صفقة في دهاليز الحكم. فالقاضي الذي نحلم به، هو ذاك الذي لا يُرهب ولا يُشترى، ولا يهاب إلا صوت الضمير.
وإن لم نحسم خيارنا بهذا الاتجاه، فإننا نبقى في دائرة الدوران العبثي: نتغنّى بالعدالة في الخطب، ونغتالها في الكواليس.
لقد آن الأوان لولادة مجلس أعلى للقضاء يُعبّر عن القضاة، لا عن ممثليهم السياسيين، ويُعيد الثقة إلى اللبنانيين بأن العدالة لا تزال ممكنة، وأن الحقّ لا يزال يجد من يحميه.
هذه ليست دعوة فئوية ولا مطلبًا تقنيًا. إنها أساس قيام الدولة، ومفتاح استعادة الثقة، وخط الدفاع الأخير عن الكيان.
فهل من يسمع؟ وهل من يُبادر؟ أم سنظل نراوح بين نصوص جميلة وممارسات ملوّثة؟
لا دولة بلا عدل، ولا عدل بلا سرايات قضائية في كل المحافظات والأقضية
في وطنٍ مأزوم كلبنان، حيث تنهار المؤسسات، وتتهاوى الثقة بين المواطن والدولة، تصبح العدالة، لا الأمن وحده، المطلب الأول لكل بيت ولكل فرد. وفي بلد تتعدّد فيه الطوائف والانتماءات والجهات، يصبح الوصول العادل والمتوازن إلى القضاء شرطًا أساسيًا لحماية وحدة الكيان واستعادة هيبة الدولة.
لكن كيف يمكن أن يشعر المواطن اللبناني أن الدولة تحميه وترعاه، إذا اضطر أن يسافر مئات الكيلومترات ليصل إلى قاضي الأمور المستعجلة أو إلى دائرة التحقيق؟ كيف نُقنع أبناء الأطراف أن القانون يشملهم كما يشمل أبناء العاصمة، إن كان حضور الدولة في مناطقهم غائبًا، ودوائر العدل مجرد شعارات على ورق؟
من هنا، أقولها بوضوح، ومن موقع سياسي مسؤول: يجب أن يكون للعدل سرايات في جميع المحافظات والأقضية دون استثناء، لا كمكاتب متواضعة بل كمؤسسات قائمة بكل عناصرها، من قضاة ومحامين ودوائر تنفيذ ومحاكم صغرى واستئنافية، تُعالج قضايا الناس بالسرعة والجدية اللازمة.
فالعدل الذي لا يصل إلى كل المواطنين، هو ظلم مقنّع. والقضاء الذي لا يُمارَس إلّا في مراكز السلطة، هو قضاء منقوص. فكما للجيش سراياه الموزعة على كامل التراب الوطني لحماية الأمن، يجب أن تكون للعدل سراياته المنتشرة لحماية الحقوق وصون الكرامات.
نريد للمواطن في بعلبك، أو حاصبيا، أو عكار، أو جبيل، أن يشعر أن القاضي قريب، وأن العدالة لا تحتكره المدينة، ولا تؤجَّل بسبب بعد المسافة. نريده أن يَمثُل أمام القانون كما يمثُل غيره، في موقعه الجغرافي، لا في هامش النسيان.
وإن إنشاء سرايات قضائية متكاملة في الأقضية ليس ترفًا إداريًا، بل هو مطلب وطني يرسّخ المساواة، ويعيد وصل ما انقطع بين الدولة ومواطنيها. فحيثما تكون العدالة، تكون الدولة. وحيثما تغيب العدالة، تحلّ الفوضى، أو تتحوّل الجماعة إلى حامية ما يُفترض أن تحميه الدولة.
لا نريد عدالة النخبة، ولا عدالة العاصمة، بل عدالة الإنسان اللبناني أينما كان. عدالة لا تعرف الطرق المقطوعة، ولا تحكمها الحواجز السياسية أو الطائفية. عدالة تطرق باب المواطن قبل أن يُضطر لطرق باب الزعيم.
فلتُبادر الدولة، ولو في زمن الحرب، إلى توسيع حضور العدل على الأرض، لا عبر بناء الحجر فقط، بل عبر إرسال القاضي، وتوفير الموظف، وتسهيل التبليغات، وربط المواطن بالقانون لا بالمصالح.
إن العدالة، حين تنتشر في الأرض، تمنع تفكّكها. وحين تغيب عن الأطراف، تترك الباب مفتوحًا لكل ظلم، ولكل شكل من أشكال العدالة البديلة التي لا تشبه القانون، بل تشبه شريعة الغاب.
فلنرفع الصوت، دفاعًا عن عدالة تُمارَس حيث يعيش الناس، لا حيث يُقرّر السياسيون. ولنطالب بسرايات قضائية تُعيد بناء ثقة اللبناني بوطنه، لا بمحافظته فقط.
فلنرفع الصوت، دفاعًا عن عدالة تُمارَس حيث يعيش الناس، لا حيث يُقرّر السياسيون. ولنطالب بسرايات قضائية تُعيد بناء ثقة اللبناني بوطنه، لا بمحافظته فقط.
وإننا، من هذا المنبر، نهيب بوزارة العدل أن تضع خطة وطنية شاملة، واضحة المعالم والأهداف، لتأمين التوزيع المتوازن للقضاة والبنية التحتية القضائية في جميع المحافظات والأقضية، دون تمييز بين منطقة وأخرى، ودون إبطاء في التنفيذ.
هذه الخطة يجب ألا تكتفي بالحسابات الورقية، بل أن تنطلق من واقع الحاجات الفعلية للناس، وأن تشمل تجهيز المحاكم، تحديث السجلات، تسهيل الإجراءات، وخلق بيئة قضائية تليق بالقاضي والمواطن معًا.
فلا يكفي أن نتغنّى باستقلال القضاء، إن لم نوفر له شروط العمل على امتداد الوطن. ولا يكفي أن نكرّس القضاء كسلطة في النصوص، إن لم نرسّخه في حياة الناس.
لبنان، إذا ما أراد أن يبقى دولة لا دويلة، يحتاج إلى قضاء حاضر، لا غائب. قضاء منبسط على الأرض، لا حبيس المركز. فلتكن سرايات العدل جسر الثقة بين المواطن والدولة، قبل أن ينقطع الحبل الأخير الذي يربط الناس بالحق.
كانون الثاني 1981
المعركة الجوية السورية – الإسرائيلية في الجنوب اللبناني: محطة خطيرة في النزاع الإقليمي وتحدٍّ للسيادة اللبنانية
شهد الجنوب اللبناني في مطلع العام 1981 تصعيدًا ميدانيًا خطيرًا تمثّل في معركة جوية مباشرة بين سلاح الجو السوري وسلاح الجو الإسرائيلي في سماء الجنوب، وهو حدث يحمل دلالات بالغة العمق في المشهدين اللبناني والإقليمي، ويكشف تحوّل الأرض اللبنانية من جديد إلى ساحة اختبار للنوايا والعضلات العسكرية بين القوى المتنازعة على النفوذ.
لم تأتِ هذه المواجهة من فراغ، بل كانت تتويجًا لمسار طويل من التوترات المتزايدة على خلفية الوجود السوري في لبنان، وتمدّد العمليات الإسرائيلية في الجنوب، لا سيّما بعد الغارات المتكرّرة التي طالت مواقع فلسطينية وسورية في محيط النبطية وصور، وردود دمشق بتعزيز حضورها الجوي.
ما يثير القلق في هذه المعركة، هو أنها حدثت فوق الأراضي اللبنانية، ومن دون أي اعتبار لسيادة لبنان أو قراره الوطني المستقل. فالطرفان المتقاتلان لا يعبآن بموقف الدولة اللبنانية، ويختزلان الجنوب إلى رقعة شطرنج لتحقيق مكاسب استراتيجية، في حين يجد المواطن اللبناني نفسه مجددًا رهينة في لعبة المحاور الكبرى.
من ناحية أخرى، فإن هذه المعركة تؤشر إلى تحوّل ميداني في آليات الردّ السوري، إذ إن دمشق، التي كانت تحجم عن الاشتباك المباشر مع إسرائيل في السابق، لجأت الآن إلى الدفاع النشط في المجال الجوي اللبناني، ما يضع المنطقة أمام احتمال الانفجار الشامل أو ردّات الفعل المفتوحة في حال كررت إسرائيل غاراتها، أو وسّعت نطاقها.
أما بالنسبة للبنان، فإن ما جرى يرسّخ الشعور بخطورة غياب الدولة عن قرار الحرب والسلم، ويعيد طرح السؤال الجوهري: إلى متى سيبقى لبنان حقلًا لتصفية الحسابات؟ وهل باتت أي محاولة لبناء منطق دولة مستحيلة ما دام السلاح والقرار والسيادة موزعين بين أطراف خارجية ومحلية متناحرة؟
من هذا المنطلق، فإن على جميع القوى اللبنانية، ولا سيما القوى المسيحية، أن تعيد التأكيد على مبدأ الحياد الإيجابي، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة حروب الآخرين، والدعوة إلى انسحاب كل القوى الأجنبية، عربية كانت أم إسرائيلية، من أراضيه، وإطلاق مبادرة لبنانية داخلية تعيد لملمة ما تبقى من الوطن.
السكوت عن انتهاك السيادة، والرضا بتحويل الأجواء اللبنانية إلى ميدان تجريب للطائرات، خيانة مزدوجة للوطن وللشهداء. وليس المطلوب من لبنان خوض المعارك الكبرى، بل الوقوف بحزم لإعلاء شأن القانون والشرعية على حساب الفوضى والتبعية.
شباط 1981
التطورات الدبلوماسية بين لبنان، سوريا، وإسرائيل
في هذا المنعطف من شباط 1981، يُسجّل لبنان الرسمي خطوة سيادية ودبلوماسية مهمة، تجلّت في تقديم شكوى إلى مجلس الأمن ضد الخروقات الإسرائيلية المستمرّة، سواء من خلال القصف المدفعي على مناطق الجنوب، أو الانتهاكات الجوية المتكرّرة التي باتت جزءًا من المشهد اليومي في القرى الحدودية، ما يهدّد السلم الأهلي ويفرض على الدولة واجب التحرّك في المحافل الدولية.
إن تقديم هذه الشكوى ليس مجرّد ردّ فعل شكلي، بل تعبير عن رغبة صريحة من الدولة اللبنانية، بمختلف أجهزتها، في تأكيد سيادتها على أراضيها، وفي المطالبة بحقوقها أمام المجتمع الدولي، رغم هشاشة الوضع الداخلي وصعوبة اتخاذ موقف موحد بين القوى السياسية، خصوصًا في ظل الانقسام القائم بين مناطق السيطرة المختلفة.
في هذا السياق، برزت زيارة وزير الخارجية اللبنانية، الأستاذ فؤاد بطرس، إلى دمشق، كمؤشر على محاولة جدية لبناء مسار دبلوماسي متماسك بين لبنان وسوريا، أو على الأقل لإعادة وصل ما انقطع، في زمن يحكمه الاصطفاف الإقليمي والدولي. فقد شكّلت دمشق، منذ بداية الأزمة اللبنانية، محورًا أساسيًا في رسم المعادلات الداخلية، ليس فقط من خلال تواجد قواتها في البقاع والشمال، بل عبر علاقاتها الوثيقة مع عدد من الأطراف اللبنانية والفلسطينية.
زيارة بطرس إلى دمشق لا تأتي فقط في سياق العلاقات الثنائية، بل تندرج في إطار التحضير للقاء يُنتظر أن يجمع بين الرئيس السوري حافظ الأسد والرئيس اليوناني كارولوس ساركيث، في لحظة دولية حسّاسة. فالمنطقة على فوهة بركان، خاصة في ظل تصاعد التوتر بين سوريا وإسرائيل، وإعادة تموضع السياسة الأميركية بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وتحركات الاتحاد السوفيتي الذي لا يخفي دعمه المعلن لدمشق.
من هنا، فإن التحرك اللبناني لا يمكن فصله عن معادلات أوسع. فالتقاطع الحاصل بين السياسة الإقليمية والمحلية يجعل من كل خطوة لبنانية، مهما بدت بسيطة، جزءًا من رقعة الشطرنج الدولية. ولعلّ بطرس، بخبرته القانونية والدبلوماسية، يسعى إلى إعادة التوازن للعلاقة مع سوريا، في إطار لا يمسّ السيادة اللبنانية، بل يحاول إعادة ضبطها تحت سقف الدولة، وهو أمر بالغ التعقيد في ظل الخلافات المسيحية ـ الإسلامية، والانقسامات داخل الصف المسيحي نفسه.
ما يجب التوقف عنده أيضًا، هو أن التلويح اللبناني ببوابة مجلس الأمن لا يعني بالضرورة أن الدولة تراهن على صدور إدانة مباشرة لإسرائيل، بقدر ما هي محاولة لتسجيل موقف قانوني ـ أخلاقي في سجل المجتمع الدولي، ومنع إسرائيل من الاستفراد بالساحة الجنوبية تحت غطاء الصمت.
هذه المرحلة تتطلّب من القيادات المسيحية، لا سيما من هم في مواقع القرار أو التأثير، أن يقرؤوا المشهد بكامل توازناته، وألّا يغرقوا في منطق الانعزال أو الخوف، بل أن يكونوا شركاء في بلورة رؤية وطنية تحمي الدولة وتمنع تفككها. فالدولة هي وحدها التي تستطيع التقدم بشكوى، وهي وحدها القادرة على مخاطبة العالم، أما الفوضى، فإنها لا تنتج سوى مزيد من الانقسام ومزيد من الخسارات.
آذار 1981
حول الاتفاق في قمة شتورة: تنفيذ مبادئ الوفاق وتحقيق هدنة في انتظار الحل الدولي
شهد شهر آذار 1981 منعطفاً دقيقاً في مسار الأزمة اللبنانية، تمثل في انعقاد قمة لبنانية-سورية في شتورة، جمعت بين أركان الحكم اللبناني والقيادة السورية، في مسعى واضح لوضع حد للفوضى المستشرية في البلاد، ولبناء أرضية مشتركة تقود نحو الهدنة. إن هذه القمة، التي خرجت ببرنامج متكامل لتنفيذ مبادئ الوفاق الوطني، لم تأتِ من فراغ، بل كانت ثمرة ضغوط متراكمة، إقليمية ودولية، وحاجة ماسة إلى إعادة رسم خطوط الاشتباك السياسي والأمني في الداخل اللبناني، بالتوازي مع انتظار الحل الدولي الكبير، الذي لم تتبلور ملامحه بعد، لكنه بات عنصراً أساسياً في حسابات الأطراف الفاعلة.
من هذا المنطلق، تبرز أهمية النقاط التي تم الاتفاق عليها في شتورة، وأبرزها:
1. تثبيت هدنة عامة تشمل جميع المناطق اللبنانية، مع إشراك القوى السياسية في إنجاحها.
2. تنفيذ المبادئ المتفق عليها في الوفاق الوطني، لا سيما ما يتعلق ببسط سلطة الدولة وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية.
3. التنسيق السياسي والأمني مع الدولة السورية، في إطار حماية الاستقرار ومنع الانفجار الأمني من جديد.
4. فتح قنوات التواصل بين الفرقاء اللبنانيين، ضمن مظلة الرعاية الثنائية اللبنانية-السورية.
إن هذا الاتفاق يمثل محاولة لإعادة بناء الدولة من بوابة التعاون الثنائي، لكنه يطرح في الوقت عينه أسئلة عميقة حول السيادة، والاستقلالية، وحدود التداخل السوري في الشأن اللبناني.
وفي ظل واقع دولي غير حاسم، تبدو هذه المبادرة بمثابة رهان على الزمن، حيث تُعطى الهدنة وقتاً إضافياً، ريثما تنضج تسوية إقليمية-دولية تتناول الصراع في لبنان ضمن سلّة أوسع تشمل المنطقة كلها. لذلك، فإن مسؤولية اللبنانيين، وخصوصاً القوى المسيحية، تكمن في كيفية التعاطي مع هذا الواقع الانتقالي، من دون الوقوع في فخ التبعية أو الرضوخ، بل بوعي استراتيجي يحرص على السيادة من جهة، ويُبقي الباب مفتوحاً أمام فرص الإنقاذ من جهة أخرى.
إننا في هذه اللحظة التاريخية مطالبون بعدم تفويت الفرص، وبتثبيت منطق الدولة في وجه الانفلاش، والتقاط أي مبادرة تهدف إلى وقف التدهور، شرط أن تكون جزءاً من رؤية متكاملة تحفظ الكيان، وتعيد للبنان موقعه الحرّ، المستقل، المتوازن.
نيسان 1981
من يضبط الفوضى؟. دمشق، جيش التحرير، وسؤال الأمن الغائب
شهد شهر نيسان 1981 تصاعداً في مشاعر القلق الوطني جرّاء انفلات الوضع الأمني في أكثر من منطقة لبنانية، لا سيما في الشطر الغربي من العاصمة وبعض أطراف الجنوب والبقاع. واللافت أن ما يُسمّى بالمعالجات، ظلّ يدور في إطار بدائل جزئية، لا تمسّ جوهر المشكلة. ومن ضمنها، الحديث عن تبديل جيش التحرير الفلسطيني بوحدات أكثر انضباطاً كما قيل، فيما يغيب عن المشهد السياسي أي حديث جدّي عن معالجة أصل الأزمة، وأسباب الانفلات، ومرجعيات السلاح، ومن يحكم منطق الدولة.
لقد بات من غير المقبول تحميل الساحة اللبنانية وحدها كلفة صراع الآخرين، وتحوّل الأراضي اللبنانية إلى ساحة مباحة لكل السلاح غير الشرعي. وبهذا المعنى، فإننا كقوى سيادية، لا يمكننا أن نسكت عن التهاون في تحميل دمشق مسؤولياتها، بصفتها الممسكة بخيوط الميدان عبر أدوات مباشرة أو غير مباشرة، وتحديداً عبر الفصائل الفلسطينية التي تستمد دعمها وتسليحها وحركتها من القرار السوري.
أما الحديث عن تبديل جيش التحرير الفلسطيني بوحدات أخرى، فهو لا يخرج عن كونه عملية تدوير شكلية للمشكلة. إذ إن ما نطالب به ليس تبديل العناصر بل تبديل المعادلة: ضبط الأمن لا يمكن أن يُختزل بإجراءات تجميلية. نحن نريد أن يتوقف إطلاق النار على المدنيين، أن تُرفع المتاريس، أن يعود الجيش اللبناني إلى موقعه الطبيعي، لا أن يبقى متفرجاً على مشهد تآكل السيادة.
لقد رفع لبنان شكواه إلى المجتمع الدولي ومجلس الأمن، لكن العالم يتعامل معنا بمنطق الإدارة لا الحل. وهنا يتقدم سؤال صريح إلى دمشق: هل تريد فعلاً الاستقرار للبنان؟ وإذا كانت الجواب نعم، فلتبدأ أولاً بضبط الفصائل التي تعمل تحت جناحها، وإعطاء الضوء الأخضر لوقف النزف، لا المراوحة في مستنقع السيطرة والتفتيت.
ولذلك، فإن مطلبنا كوطنيين لبنانيين واضح: لا نريد مقايضة بين أمن وهمي وسيادة مصادرة. نريد خطة أمنية متكاملة تشمل كل الأراضي، بإشراف الجيش اللبناني، وتحت سقف الدولة الواحدة، لا الأمن المجزّأ والولاءات المتعددة.
أيار 1981
لبنان يعدّ ورقة عمل للمشاورات الوفاقية بعد تنفيذ المرحلة الأولى من إعادة انتشار الجيش في الجنوب
في ظل التوترات الإقليمية المستمرة، والتصعيد الإسرائيلي المحتمل، وانطلاقًا من الحرص على صون السيادة اللبنانية واستعادة الاستقرار الوطني، أعدّ لبنان ورقة عمل سياسية شاملة تمهّد لجولة جديدة من المشاورات الوفاقية الداخلية، ولتحصين الموقف اللبناني إزاء التحديات الآتية.
تأتي هذه المبادرة في أعقاب تنفيذ المرحلة الأولى من إعادة انتشار الجيش اللبناني في بعض المناطق الجنوبية، وهي خطوة رمزية لكنها أساسية تعكس الإرادة اللبنانية بإعادة الاعتبار إلى مؤسسات الدولة وتثبيت حضورها في المناطق المتوترة. وقد وُضعت هذه الخطوة في سياق أوسع من السعي إلى ضبط الوضع الميداني ومنع أي فراغ أمني يمكن أن يشكّل ذريعة لأي عدوان خارجي.
في هذا الإطار، تجري اتصالات رفيعة المستوى بين مختلف الأطراف اللبنانية بغية التفاهم على ورقة عمل سياسية وأمنية، تُعرض في اللقاءات المرتقبة مع الجانب السوري، خصوصًا مع الإعداد لعودة نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام إلى بيروت قريبًا، في جولة جديدة من المشاورات المكثفة.
وتتقاطع هذه المبادرة مع تنسيق ميداني مستمر بين الجيش اللبناني والمقاومة الوطنية العاملة في الجنوب، من أجل منع أي خرق واسع من قبل الجيش الإسرائيلي الذي يلوّح بعمليات توغل بذريعة الرد على إطلاق الصواريخ أو تحركات الفصائل الفلسطينية. وقد شدّد الموقف اللبناني على أن أي عدوان إسرائيلي جديد سيواجه بجبهة وطنية متماسكة، وعلى أن الرد لا يكون فقط بالسلاح بل أيضًا بتفعيل التضامن العربي والدولي عبر مجلس الأمن.
إن ورقة العمل المقترحة تسعى إلى:
1. إعادة بناء الثقة بين الأطراف اللبنانية في المنطقة الشرقية والغربية.
2. تعزيز وجود الجيش في الجنوب كرمز للسيادة والشرعية.
3. العمل الدبلوماسي المتوازي في المحافل الدولية، ولا سيما مجلس الأمن، لفضح الانتهاكات الإسرائيلية.
4. تمهيد الأرضية الداخلية للهدنة بانتظار الحلول الدولية الشاملة.
5. تحصين الساحة اللبنانية من الانزلاق مجددًا إلى التفكك والشرذمة عبر التواصل مع القيادات المؤثرة.
ويؤمل أن تسهم هذه الورقة، ومعها الزيارات المرتقبة واللقاءات اللبنانية - السورية، في إعادة إطلاق مسار الوفاق، وتوفير شبكة أمان داخلية تقف سداً منيعاً أمام أي تصعيد إسرائيلي واسع، خصوصًا في ظل الحديث عن تحضيرات إسرائيلية لعملية عسكرية شاملة قد تستهدف العمق اللبناني تحت شعارات وذرائع واهية.
حزيران 1981
بيروت الشرقية بين نزيف الاشتباكات وضياع الأمن – دعوة لوقف الحرب الداخلية
لم تكن أحداث حزيران 1981 سوى فصلاً آخر من الفوضى المتنقلة التي مزّقت ما تبقى من العاصمة، فبيروت الشرقية، بكل ما تمثل من نبض وطني وامتداد تاريخي، غُرِزت في خاصرتها جراحٌ جديدة، بفعل الاشتباكات التي اندلعت بين مجموعات مسلحة في مناطق متفرقة من الأشرفية إلى الضواحي الشرقية، مرورًا بالبلاجات، والمعاملتين، والمناطق الساحلية.
لقد سقط عشرات القتلى والجرحى، ليس في المعارك فقط، بل تحت أنقاض الغياب الكلي للسلطة، وانهيار القرار السياسي. ما جرى ليس "حادثاً أمنياً"، بل تعبير عن تدهور هيكلي في مفهوم الدولة وتراجع مريع في الانضباط السياسي والأمني.
الاستنكار لا يكفي. ولا المواقف الإعلامية تعيد الحياة لمن فقدها. المطلوب اليوم أن تعي القيادات، كل القيادات، من دون استثناء، أن ما يحدث في بيروت الشرقية من اشتباكات وعمليات قنص وتبادل نيران هو بمثابة انتحار جماعي. لم يعد من مبرر لأي طرف أن يختبئ خلف شعارات الدفاع عن الوجود أو المقاومة أو الحق الطائفي.
لقد تحولت الحرب من معركة سياسية إلى تصفية حسابات محلية بأدوات خارجة عن أي رقابة. وما "حرب البلاجات" إلا مرآة لسقوط فكرة الوحدة الجغرافية والأمنية لبيروت، حيث أصبحت المدينة رهينة مزاجية المسلحين.
على ضوء هذه التطورات، تبرز الحاجة الملحة لإعادة هيكلة النظام الأمني في العاصمة، تحت إشراف سلطة مركزية واضحة، وبتفويض سياسي موحد، بعيدًا عن تجزئة القرار بين الجهات.
كما أن الأحداث تفرض طرح أسئلة صعبة عن العلاقة بين القوى المسيحية والمرجعيات الشرعية، ومدى قدرة الأطراف على اجتراح تسوية داخلية لا تعيد إنتاج الهشاشة السابقة.
علينا اليوم أن ندق ناقوس الخطر، وأن ننتقل من مرحلة الإدانة إلى مرحلة المبادرة. فبيروت ليست حقل رماية، ولا أهلها وقوداً لصراعات متقطعة، بل عاصمة حلم اللبنانيين بالدولة، وبوابة خلاصهم من ليل الحرب الطويل.
الانتخابات الإسرائيلية في تموز 1981: تعادل بين الليكود والعمل وغموض في النتائج
شهدت إسرائيل في تموز 1981 انتخابات عامة مثيرة حملت طابعاً بالغ التعقيد، وأظهرت نتائجها تعادلاً لافتاً بين حزبي الليكود والعمال، ما أنتج أجواء غامضة ومليئة بالترقب في الساحة السياسية الإسرائيلية. هذا التعادل ألقى بظلاله على المشهد الإقليمي بأسره، وخصوصاً على الدول المجاورة، وفي مقدمها لبنان، الذي يعيش أوضاعاً سياسية وأمنية بالغة الحساسية.
إن هذا التعادل، بحد ذاته، يطرح العديد من التساؤلات حول مدى استقرار الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وقدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع مع الدول العربية. ففي ظل حكومة ضعيفة أو موصوفة بالتقلب، قد تتجه إسرائيل نحو سياسة أكثر تشدداً، أو ربما إلى مراجعة بعض مواقفها، وهو ما يعكس غموضاً كبيراً في التوقعات.
لبنان، الذي لا يزال يعاني من آثار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوبه، ومن التدخلات الإقليمية، يجد نفسه أمام واقع سياسي إسرائيلي غير واضح المعالم، ما يزيد من صعوبة التخطيط لاستراتيجية وطنية موحدة لمواجهة التحديات الأمنية. كما أن الغموض في نتائج الانتخابات يعكس كذلك حالة الانقسام داخل إسرائيل نفسها، التي تعد الخصم المباشر والمراقب الرئيس للوضع اللبناني.
من هذا المنطلق، فإننا نؤكد على ضرورة تعزيز وحدتنا الوطنية الداخلية، والتمسك بخطوط الوفاق التي تمنح لبنان القدرة على الصمود في وجه الضغوط الإسرائيلية المحتملة. كما نحث على تكثيف الجهود الدبلوماسية العربية والدولية لمنع استفزازات إسرائيلية قد تستغل حالة الغموض السياسي الداخلي لديهم.
في نهاية المطاف، تبقى الانتخابات الإسرائيلية محطة دقيقة يجب أن نقرأ إشاراتها بحذر، وأن نستعد لكل السيناريوهات، حفاظاً على سيادتنا وأمننا الوطني.
مساعي لجنة المتابعة العربية: بين التحديات والمخاطر والبدائل.
تشكل لجنة المتابعة العربية اليوم أحد أهم المحاور الدبلوماسية التي تسعى إلى احتواء الأزمات التي تعصف بالمنطقة، وفي مقدمها الأزمة اللبنانية المعقدة التي تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتشكل تهديداً مباشراً لاستقرار الدول العربية كلها.
لقد حاولت لجنة المتابعة العربية، خلال اجتماعاتها المتكررة، تبني حلول تسعى إلى التوفيق بين الأطراف المتنازعة، والدفع باتجاه اتفاقيات تهدئة وشراكة سياسية تعزز الأمن والاستقرار. غير أن هذه المساعي، رغم أهميتها، تواجه عقبات متعددة:
التباين الكبير بين مصالح الدول العربية المشاركة، مما يحد من القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة وموحدة.
التدخلات الخارجية التي تسعى إلى إفشال أي مبادرة إقليمية قد تقلص من نفوذها.
عدم الثقة بين الأطراف اللبنانية نفسها، ما يضعف قدرة اللجنة على فرض حلول على الأرض.
إذا ما فشلت جهود لجنة المتابعة، فإن العواقب ستكون وخيمة، منها:
تعميق الانقسامات الداخلية في لبنان، مع مخاطر الانزلاق إلى حرب أهلية مفتوحة.
استغلال القوى الإقليمية والدولية للوضع اللبناني لتحقيق مكاسب على حساب السيادة والاستقرار.
تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على جميع فئات الشعب اللبناني.
وعليه، يبرز السؤال المركزي: ما هو البديل في حال فشل اللجنة؟ هنا يمكن النظر إلى:
تعزيز الدور اللبناني الداخلي، عبر بناء توافق وطني حقيقي يفرز قيادة وطنية قادرة على التفاوض بحزم.
الضغط الدبلوماسي المكثف من المجتمع الدولي على الأطراف الإقليمية للانسحاب من لعبة النفوذ في لبنان.
إعادة تأهيل المؤسسات الأمنية والعسكرية اللبنانية لتأمين الأرض وإعادة فرض القانون.
إن لبنان اليوم في مفترق طرق، ومساعي لجنة المتابعة العربية فرصة يجب دعمها، لكنها غير كافية إذا لم تترافق مع إرادة داخلية لبنانية وإرادة دولية حقيقية لوقف التدخلات وحماية السيادة.
إنقاذ سيادة لبنان ووحدته: ضرورة دعم عربية ودولية وشعبية.
(أيلول 1981)
تمر لبنان في هذه المرحلة الحساسة من تاريخه بتحديات جسام تهدد سيادتها ووحدتها الوطنية، نتيجة تداعيات الحرب المستمرة، والتدخلات الإقليمية، والانقسامات الداخلية التي لا تزال تفاقم من أزمتها. في ظل هذه الظروف، تتضح الحاجة الملحة إلى إنقاذ لبنان عبر تبني رؤية وطنية جامعة ترتكز على سيادة الدولة ووحدة الأرض والشعب.
إن سيادة لبنان ليست شعاراً فحسب، بل هي الضمانة الحقيقية لاستقرار الوطن وازدهاره، وهي السبيل الوحيد للحفاظ على تماسك نسيجنا الاجتماعي والطائفي والثقافي. فلا يمكن لأي مشروع سياسي أن يقوم أو ينجح في ظل غياب سيادة حقيقية على الأرض.
لهذا السبب، يجب أن تتحرك الدول العربية والأمم المتحدة بشكل موحد لدعم هذا التوجه الوطني، ليس فقط من خلال البيانات الدبلوماسية، بل عبر خطوات عملية تضمن احترام استقلال لبنان، وتحمي وحدته في وجه أي مخاطر خارجية أو داخلية.
أما على الصعيد الداخلي، فيجب على اللبنانيين أن يؤمنوا بهذه الوحدة، وأن يعملوا بشكل جاد وصادق من أجلها، عبر الحوار المفتوح وتجاوز خلافاتهم الطائفية والسياسية. وحدها الوحدة الوطنية، القائمة على المواطنة والمساواة، يمكنها أن تشكل درعاً صلباً أمام مشاريع التفتيت والانقسام.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية القيادة السياسية اللبنانية، والمجتمع المدني، والأحزاب كافة، في تعزيز هذه الرؤية، وبناء مؤسسات وطنية قوية، والوقوف صفاً واحداً أمام التحديات، والعمل على تحصين الوطن من مخاطر الانهيار.
إن هذه المرحلة تتطلب من الجميع، دون استثناء، تبني رؤية وطنية متماسكة، تضع لبنان فوق كل الاعتبارات، وتدفع باتجاه السلام والازدهار المستدام.
موازنة 1982: أرقام وتحديات في ظل الظروف اللبنانية الراهنة
(تشرين الأول 1981)
في جلسة تاريخية لمجلس الوزراء اللبناني في تشرين الأول 1981، تم اعتماد موازنة العام 1982 التي تجاوزت قيمتها الخمسة مليارات وتسعمئة وخمسة وأربعين مليون ليرة لبنانية، مع تسجيل عجز يقدر بمليار وتسعة ملايين ليرة. هذه الأرقام تعكس حجم التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل استمرار الحرب الأهلية والأزمات المتعددة التي تعصف بالبلاد.
إن حجم الإنفاق الحكومي الكبير يعكس محاولة الدولة الاستمرار في تقديم خدماتها الأساسية، وفي الوقت ذاته الحفاظ على استمرارية المؤسسات، لكن في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتدهورة، يبقى تنفيذ هذه الموازنة أمراً صعباً للغاية.
العجز المالي الكبير يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي في كيفية إدارة الموارد المالية، وضبط الإنفاق، والبحث عن مصادر تمويل خارجية وداعمة لميزانيتها. كذلك، فإن ارتفاع الدين العام وتراجع الإنتاج الوطني يشكلان تهديداً لاستقرار الاقتصاد اللبناني.
في هذا السياق، يتوجب على الحكومة أن تتبع سياسات مالية حكيمة، وتعمل على تحفيز الاقتصاد الوطني، وتحسين الظروف الاستثمارية، إضافة إلى العمل على تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وذلك للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين ومنع الانهيار الاقتصادي الكامل.
إن موازنة 1982 ليست مجرد أرقام على الورق، بل هي انعكاس مباشر لوضع لبنان الراهن، وهي دعوة للاستيقاظ الوطني ووضع الخطط الملائمة لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية التي تتهدد مستقبل البلاد.
لبنان أمام القمة العربية: قضية الجنوب والوضع الداخلي بين الفرص والمخاطر
(تشرين الثاني 1981)
مع اقتراب انعقاد القمة العربية المقبلة، يستعد لبنان ليعرض أمامها ملفين حيويين يشغلان الرأي العام والدوائر السياسية: قضية الجنوب اللبناني والوضع الداخلي المتدهور. هذه القمة تمثل فرصة ذهبية لتحريك المياه الراكدة، واستعادة الدعم العربي لوحدة لبنان وسيادته، في وقت يزداد فيه التوتر العسكري والسياسي داخلياً وخارجياً.
في ما يتعلق بالجنوب، يعاني لبنان من انتهاكات إسرائيلية متكررة، وتوسع مستمر في نقاط الاحتلال، ما يشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدولة اللبنانية. إن تصعيد الاعتداءات لا يهدد الجنوب فحسب، بل يشكل تهديداً مباشراً لاستقرار لبنان بكامله.
أما الوضع الداخلي، فهو متوتر للغاية، مع تصاعد الاشتباكات المسلحة، وتنامي الفوضى الأمنية، مما يضعف قدرة الدولة على ممارسة دورها الطبيعي ويهدد بانهيار كامل للنظام. في هذا السياق، تمثل لجنة المتابعة العربية أداة محورية لتحقيق توافق عربي يدعم الحلول السلمية، لكنها تواجه تحديات كبيرة، وقد تقترب من بلوغ طريق مسدود نتيجة الخلافات الإقليمية والضغوط الدولية.
إذا ما أُغلقت أبواب لجنة المتابعة، سيجد لبنان نفسه وحيداً أمام تحدياته، مما قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات والتصعيد الداخلي، وربما تدخلات خارجية مفتوحة. لذلك، يجب العمل على إنقاذ اللجنة، عبر تعزيز الوحدة العربية، وتركيز الجهود على دعم الحلول السياسية التي تحمي لبنان وتحفظ استقلاله.
لبنان، في هذه اللحظة المفصلية، بحاجة إلى صوت عربي قوي وواضح، وإلى تضامن دولي فاعل، يفرض احترام قرارات الشرعية الدولية، ويقف في وجه الاحتلال والاعتداءات. كما يحتاج اللبنانيون إلى تعزيز تماسكهم الداخلي والعمل على إيجاد حلول وطنية جامعة.
إن هذه القمة فرصة لا تعوض، ويجب أن تكون منطلقاً لاستعادة الأمل والسكينة في لبنان، وإطلاق مرحلة جديدة من الحوار والتفاهم والوفاق الوطني.
زيارة فيليب حبيب إلى لبنان: مسعى لوقف النار وإعادة الاستقرار
(كانون الأول 1981)
شهد لبنان في كانون الأول 1981 زيارة دبلوماسية هامة قام بها السفير فيليب حبيب، الذي عقد لقاءات مع كبار المسؤولين اللبنانيين من بينهم الرئيس بشير الأسعد، الوزير وليد وزان، الوزير أمين ثركيس، الوزير فؤاد بوتروس، الوزير سلام، رئيس الحكومة جون بلاط، إلى جانب عدد من الوزراء والشخصيات السياسية البارزة.
جاءت هذه الزيارة في وقت بالغ الحساسية، وسط تفاقم الاشتباكات المسلحة وتصاعد حدة الأوضاع الأمنية، التي باتت تهدد بانهيار كامل للاستقرار الداخلي. هدفت زيارة السفير حبيب إلى تقديم مبادرة عاجلة تهدف إلى وقف إطلاق النار، وفتح قنوات للحوار بين الأطراف المتنازعة، تمهيداً لإعادة الاستقرار والهدوء إلى البلاد.
تناولت اللقاءات ضرورة وقف العمليات العسكرية التي تزهق أرواح الأبرياء وتدمر البنى التحتية، والتأكيد على أن لا حل عسكرياً للأزمة اللبنانية، بل يجب اعتماد الحلول السياسية التي تحترم سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
كما ناقش السفير مع المسؤولين اللبنانيين أهمية توحيد الجهود الداخلية، وإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية، لضمان تطبيق وقف النار، وتوفير الظروف الملائمة للحوار الوطني الشامل.
يُعتبر هذا المسعى خطوة إيجابية ومهمة في مسيرة محاولة إعادة بناء الثقة بين الفرقاء اللبنانيين، والدفع نحو استعادة الأمن والاستقرار، غير أن نجاح هذه المبادرة يتطلب إرادة وطنية حقيقية، وابتعاداً عن الأجندات الخارجية التي تعرقل التوافق.
زيارة فيليب حبيب إلى لبنان: مسعى لوقف النار وإعادة الاستقرار
(كانون الأول 1981)
شهد لبنان في كانون الأول 1981 زيارة دبلوماسية هامة قام بها السفير فيليب حبيب، الذي عقد لقاءات مع كبار المسؤولين اللبنانيين من بينهم الرئيس بشير الأسعد، الوزير وليد وزان، الوزير أمين ثركيس، الوزير فؤاد بوتروس، الوزير سلام، رئيس الحكومة جون بلاط، إلى جانب عدد من الوزراء والشخصيات السياسية البارزة.
جاءت هذه الزيارة في وقت بالغ الحساسية، وسط تفاقم الاشتباكات المسلحة وتصاعد حدة الأوضاع الأمنية، التي باتت تهدد بانهيار كامل للاستقرار الداخلي. هدفت زيارة السفير حبيب إلى تقديم مبادرة عاجلة تهدف إلى وقف إطلاق النار، وفتح قنوات للحوار بين الأطراف المتنازعة، تمهيداً لإعادة الاستقرار والهدوء إلى البلاد.
تناولت اللقاءات ضرورة وقف العمليات العسكرية التي تزهق أرواح الأبرياء وتدمر البنى التحتية، والتأكيد على أن لا حل عسكرياً للأزمة اللبنانية، بل يجب اعتماد الحلول السياسية التي تحترم سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
كما ناقش السفير مع المسؤولين اللبنانيين أهمية توحيد الجهود الداخلية، وإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية، لضمان تطبيق وقف النار، وتوفير الظروف الملائمة للحوار الوطني الشامل.
يُعتبر هذا المسعى خطوة إيجابية ومهمة في مسيرة محاولة إعادة بناء الثقة بين الفرقاء اللبنانيين، والدفع نحو استعادة الأمن والاستقرار، غير أن نجاح هذه المبادرة يتطلب إرادة وطنية حقيقية، وابتعاداً عن الأجندات الخارجية التي تعرقل التوافق.
الحكم اللبناني بين انتظار لجنة المتابعة وتأخير التنفيذ: نحو استراتيجية مشتركة لإنقاذ الجنوب
في ظل الأزمة السياسية والأمنية التي يعاني منها لبنان، يقف الحكم اللبناني اليوم أمام مرحلة حرجة من الانتظار والترقب، ينتظر فيها عودة لجنة المتابعة العربية إلى مصارحاتها ومناقشاتها التي تحمل في طياتها آمالاً كبيرة، رغم أن أساليب تنفيذ القرارات تتعثر وتتعقد بفعل التحديات الإقليمية والداخلية.
الحكم اللبناني يأمل في أن تشكل اللجنة هيئة تنفيذية أو آلية دائمة لوضع استراتيجية مشتركة للجنوب اللبناني، تأخذ بعين الاعتبار المعطيات الأمنية والسياسية والاقتصادية، لتكون منصة انطلاق واضحة يحدد من خلالها لبنان مرتكزاته الأساسية ويعتمدها في مواقفه الوطنية والسياسية المستقبلية.
المعاناة التي يعيشها الجنوب اليوم ليست فقط نتيجة الاحتلال الإسرائيلي المستمر، بل تعكس أيضاً غياب التنسيق والتخطيط المشترك على المستوى الوطني والإقليمي، مما يزيد من معاناة السكان المدنيين ويهدد السلم الأهلي بشكل عام.
الحكم اللبناني يرفع صوته طالباً تحركاً عاجلاً من الدول العربية والمجتمع الدولي قبل فوات الأوان. فالجنوب في حالة من الضعف والهشاشة التي قد تؤدي إلى انهيار شامل، ولن يكون من الممكن إنقاذه إلا بتحرك جاد وحقيقي يوقف الاعتداءات ويدعم جهود الاستقرار السياسي والأمني.
إن الوقت يمضي بسرعة، وأي تأخير إضافي في تنفيذ القرارات والتوصيات قد يقود لبنان إلى مأزق لا يمكن الخروج منه إلا بتضحيات أكبر. لذلك، لا بد من تضافر الجهود والعمل المشترك لإنقاذ الجنوب وحماية لبنان.
إسرائيل تحذر الفلسطينيين من خرق النار في الجنوب: توتر مستمر وفرص ضئيلة للتهدئة
(شباط 1982)
تشهد الساحة الجنوبية في لبنان تصاعداً ملحوظاً في التوتر بين القوات الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية المنتشرة هناك، حيث أصدرت إسرائيل مؤخراً تحذيرات صارمة للفصائل الفلسطينية من خرق اتفاق وقف النار المبرم مسبقاً. هذه التحذيرات تعكس مخاوف تل أبيب من أي تصعيد عسكري قد يجر المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، في وقت لا تزال فيه الأوضاع الإقليمية والدولية غير مستقرة.
إسرائيل ترى في الالتزام بوقف النار شرطاً أساسياً لاستقرار حدودها، وتعتبر أي خرق له بمثابة تهديد مباشر لأمنها القومي. من جهة أخرى، يواجه الفلسطينيون في الجنوب ضغوطاً كبيرة في ظل استمرار الحصار والاشتباكات المتقطعة التي تعيق نشاطهم وحركتهم، مما يدفع بعض الفصائل إلى التفكير في خيارات الرد أو الاستفزاز.
إن هذا المشهد يعكس هشاشة التوازن العسكري والسياسي في الجنوب، ويبرز مدى ضعف القدرة على الحفاظ على التهدئة المستدامة، حيث أن أي شرارة صغيرة قد تتحول إلى اشتباكات واسعة النطاق، تهدد بزعزعة الأمن في لبنان بأكمله.
على المستوى اللبناني، يمثل هذا التوتر تحدياً جديداً أمام الدولة اللبنانية والجيش الذي يحاول الحفاظ على النظام في المناطق المتأثرة، بالإضافة إلى دعوات للضغط الدولي والإقليمي لتثبيت وقف النار، وضمان احترام السيادة اللبنانية في الجنوب.
في النهاية، يتطلب الوضع في الجنوب جهداً دبلوماسياً مكثفاً، وتحركاً عربياً ودولياً فاعلاً لمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة قد تؤدي إلى كارثة على جميع المستويات.
أين اللوبي اللبناني في العالم؟
(آذار 1982)
لطالما لعب اللوبي اللبناني في الخارج دورًا مهمًا في دعم لبنان سياسيًا واقتصاديًا، خاصةً خلال الفترات الحرجة التي مرت بها البلاد. إلا أن الواقع اليوم يثير تساؤلات جدية حول مدى فعالية هذا اللوبي وقدرته على التأثير في السياسة الدولية لصالح لبنان، خصوصًا في ظل تدهور الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.
منذ بداية الحرب الأهلية، شهد لبنان موجات من الهجرة الواسعة، حيث تركزت أعداد كبيرة من اللبنانيين في دول أوروبية وأمريكية وعربية. كان من المفترض أن يشكل هذا الانتشار قاعدة صلبة لتشكيل لوبيات قوية تستطيع الضغط على الحكومات الدولية لدعم لبنان، حماية سيادته، ورفض التدخلات الأجنبية في شؤونه الداخلية.
لكن، مع مرور الوقت، بدا أن اللوبي اللبناني يعاني من عدة نقاط ضعف: نقص التنسيق بين المجموعات اللبنانية في الخارج، اختلاف المصالح والأولويات بين الأطراف اللبنانية المختلفة، وغياب رؤية استراتيجية واضحة تتناسب مع تعقيدات الأزمة اللبنانية الحالية.
في هذا السياق، يتوجب على لبنان أن يعيد النظر في سياساته تجاه الشتات اللبناني، ويعمل على توحيد جهود اللوبي اللبناني في الخارج، عبر بناء منصة استراتيجية تجمع اللبنانيين وتوجه طاقاتهم نحو تحقيق أهداف وطنية واضحة، من بينها:
رفع الوعي الدولي بقضية لبنان الحقيقية، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.
دعم الجهود الدبلوماسية التي تضمن احترام السيادة اللبنانية.
العمل على تأمين مساعدات اقتصادية وتنموية تسهم في إعادة بناء لبنان.
إن تعزيز اللوبي اللبناني في العالم ليس رفاهية بل ضرورة وطنية، وهو جزء لا يتجزأ من استراتيجية إنقاذ لبنان في هذه المرحلة الصعبة.
زيارة فيليب حبيب المكوكية: محادثات في سوريا وإسرائيل وعودة مرتقبة إلى بيروت كمبعوث أمريكي
(آذار 1982)
شهدت الساحة السياسية في لبنان والعالم العربي خلال آذار 1982 تطورات دبلوماسية مهمة تمثلت في الزيارة المكوكية التي قام بها المبعوث الأمريكي فيليب حبيب إلى كل من سوريا وإسرائيل، على أن يعود قريبًا إلى بيروت لمتابعة الأوضاع عن كثب.
تشكل هذه الزيارة محاولة واضحة من الولايات المتحدة لاستكشاف فرص التهدئة في المنطقة، خصوصًا في الجنوب اللبناني حيث التوترات المسلحة بين القوات الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية تستعر بشكل متقطع، بالإضافة إلى التحديات الأمنية التي تهدد استقرار لبنان الداخلي.
خلال محادثاته مع الأطراف السورية والإسرائيلية، سعى فيليب حبيب إلى تمرير رسائل تهدف إلى الحد من التصعيد العسكري، وإيجاد نقاط التقاء يمكن أن تؤدي إلى تخفيف التوترات، مع محاولة فهم رغبات كل طرف وشروطه لإمكانية فتح مسارات تفاوضية لاحقة.
لبنان، من جانبه، ينتظر عودة حبيب كمبعوث أمريكي إلى بيروت ليتأكد من جاهزية الأطراف للالتزام بوقف النار، وللوقوف على واقع الجنوب اللبناني الأمني والسياسي، وكذلك لتعزيز الأمن الداخلي الذي يعاني من هشاشة كبيرة بسبب استمرار النزاعات المسلحة.
هذه الزيارة وإن كانت تبدو خطوة إيجابية في مسار دبلوماسي محموم، إلا أنها تحمل في طياتها تحديات جمة، إذ إن حجم التداخلات الإقليمية والدولية في لبنان والمنطقة قد يجعل من مهمة المبعوث مهمة صعبة ومعقدة، تتطلب حكمة عالية وتوافقًا داخليًا وإقليميًا واسعًا.
في النهاية، فإن نجاح هذه المحادثات والجهود الدبلوماسية مرتبط بمدى استعداد الأطراف اللبنانية والإقليمية والدولية للقبول بحلول سلمية تحفظ سيادة لبنان ووحدته وأمنه.
الفيتو الأمريكي: حصانة إسرائيل وتقويض الجهود العربية على حساب لبنان
(نيسان 1982)
يشكل الفيتو الأمريكي الذي يمارسه في مجلس الأمن الدولي دعماً حاسماً ومباشراً لإسرائيل، حيث أصبح هذا الفيتو أداة تحصين إسرائيل من أية قرارات دولية قد تضغط عليها لوقف اعتداءاتها أو للانسحاب من الأراضي المحتلة، بما في ذلك جنوب لبنان.
هذا الدعم الأمريكي المطلق لا يخدم فقط المصالح الإسرائيلية، بل يضرب في الصميم مصالح الدول العربية ولبنان على حد سواء، ويقوض الجهود العربية الرامية إلى إيجاد حلول سلمية تحمي السيادة الوطنية وتحافظ على الاستقرار في المنطقة.
في لبنان، حيث يعاني الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي المستمر والاعتداءات المتكررة، يضع الفيتو الأمريكي لبنان في وضع هش، يمنع المجتمع الدولي من فرض احترام قراراته، ويعطي إسرائيل حرية التحرك والاعتداء دون حساب.
إن استمرار هذه السياسة ينعكس سلباً على الوضع الداخلي اللبناني، حيث يزيد من حالة الانقسام والضعف، ويشجع القوى الخارجية على التدخل وفرض أجنداتها، مما يعقد المشهد ويبعد فرص السلام.
إن الفيتو الأمريكي ليس مجرد موقف دبلوماسي، بل هو عنصر فعلي في استمرار الأزمة، وحاجز رئيسي أمام الحلول الدولية التي تصب في مصلحة العرب ولبنان. وفي ظل هذه الحقيقة، يتوجب على الدول العربية واللبنانية تنسيق جهودها لمواجهة هذه السياسة، والعمل على بناء تحالفات دولية جديدة تدعم حقوق لبنان وتعزز مواقفه.
إن الحصانة التي يمنحها الفيتو لإسرائيل يجب أن تُواجه بحكمة سياسية، وحشد للضغوط الدبلوماسية، وإعلامية، وشعبية، للحفاظ على الحقوق العربية واللبنانية، واستعادة دور الأمم المتحدة كمنبر للعدالة.
الحالة السياسية والأمنية في لبنان بين 1975 و1983 خلال سنوات الحرب:
انهيار سلطة الدولة المركزية تدريجياً.
تحوّل الصراع السياسي إلى صراع عسكري مسلح.
انقسام المجتمع اللبناني طائفياً ومناطقياً.
انتشار الميليشيات الحزبية والطائفية.
انهيار الثقة بين المكوّنات اللبنانية.
تحوّل بيروت إلى مدينة مقسومة بين شرق وغرب.
تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري.
تراجع دور الجيش اللبناني في بداية الحرب.
تدخلات إقليمية ودولية في الصراع اللبناني.
دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976.
بروز المخيمات الفلسطينية كقوة عسكرية مؤثرة.
تصاعد الاشتباكات بين القوى اللبنانية والفصائل الفلسطينية.
تحوّل لبنان إلى ساحة صراع إقليمي.
انهيار الاقتصاد الوطني وتوقف الاستثمارات.
نزوح واسع للسكان داخل لبنان.
هجرة كثيفة للبنانيين إلى الخارج.
دمار واسع في البنية التحتية.
انتشار الحواجز المسلحة في المدن والطرقات.
تراجع سلطة القانون والقضاء.
انتشار عمليات الخطف والاغتيال السياسي.
تزايد الصراع بين القوى المسيحية والفصائل الفلسطينية.
انقسام القوى الإسلامية بين تيارات متعددة.
بروز التحالفات العسكرية المتبدلة.
ظهور مناطق نفوذ لكل ميليشيا.
تحوّل بعض الأحياء إلى خطوط تماس ثابتة.
تصاعد القصف العشوائي على المناطق السكنية.
فقدان الأمن اليومي للمواطنين.
تشكّل اقتصاد الحرب والتهريب.
تزايد دور زعماء الحرب المحليين.
تراجع دور المؤسسات الدستورية.
اغتيالات سياسية طالت شخصيات بارزة.
ضعف قدرة الدولة على ضبط الحدود.
صراع على السيطرة على المرافئ والمعابر.
تصاعد التوتر بين القوى المسيحية نفسها.
اندلاع معارك داخلية بين الفصائل الفلسطينية.
تزايد عمليات التفجير والسيارات المفخخة.
دخول إسرائيل المباشر في الصراع اللبناني.
اجتياح إسرائيل لجنوب لبنان عام 1978.
نشوء الشريط الحدودي الخاضع للنفوذ الإسرائيلي.
بروز جيش لبنان الجنوبي كقوة محلية.
تعمّق الانقسام السياسي بين المعسكرات اللبنانية.
فشل المبادرات السياسية المتكررة لإنهاء الحرب.
ضعف الحكومات المتعاقبة وعدم قدرتها على الحكم.
استمرار تعطيل الانتخابات في بعض الفترات.
صراع على رئاسة الجمهورية وصلاحياتها.
تحوّل بعض المناطق إلى كانتونات شبه مستقلة.
سيطرة الميليشيات على الحياة اليومية للسكان.
تدهور الخدمات العامة.
انقطاع الكهرباء والمياه في فترات طويلة.
تزايد البطالة والفقر.
اشتداد الحرب بين الميليشيات المسيحية أحياناً.
بروز حركة أمل كقوة شيعية رئيسية.
اندلاع حرب المخيمات في منتصف الثمانينيات.
تزايد النفوذ الإيراني عبر بعض القوى.
تصاعد الصراع بين أمل وحزب الله لاحقاً.
عودة الجيش اللبناني للظهور في بعض المراحل.
تشكيل حكومات وحدة وطنية هشة.
تفاقم أزمة الشرعية السياسية.
ضعف القدرة على تطبيق اتفاقات وقف إطلاق النار.
استمرار المعارك المتقطعة في بيروت والجبل.
اندلاع حرب الجبل بعد عام 1983.
تهجير واسع في مناطق الشوف وعاليه.
انسحاب القوات متعددة الجنسيات من لبنان.
تفجير مقر المارينز والقوات الفرنسية في بيروت.
تصاعد العنف الطائفي.
تعمّق الانقسام بين الشرق والغرب في بيروت.
سيطرة الميليشيات على المرافئ غير الشرعية.
تراجع التعليم والخدمات الصحية.
تفكك الإدارة العامة.
انتشار السلاح الفردي بين المدنيين.
تفكك التحالفات السياسية التقليدية.
بروز قيادات عسكرية جديدة في الساحة اللبنانية.
استمرار الاغتيالات كأداة سياسية.
تصاعد حرب النفوذ بين سوريا وإسرائيل.
تحوّل الجنوب إلى ساحة مواجهة دائمة.
ضعف قدرة لبنان على اتخاذ قرار سيادي مستقل.
تصاعد الصراع داخل المخيمات الفلسطينية.
استمرار النزوح الداخلي بين المناطق.
ازدياد الفوارق الاقتصادية بين المناطق.
تحوّل الإعلام إلى جزء من الحرب السياسية.
صراع اقتصادي بين مناطق النفوذ المختلفة.
تفاقم أزمة العملة اللبنانية.
تضخم مالي غير مسبوق.
انهيار القدرة الشرائية للمواطنين.
توسع السوق السوداء.
ظهور مبادرات حوار سياسي متقطعة.
فشل معظم الوساطات العربية.
تعمّق الشعور بالإرهاق الشعبي من الحرب.
مطالبة متزايدة بإنهاء الصراع.
ازدياد الحديث عن تعديل الدستور.
تصاعد دور القيادات الدينية في السياسة.
تحوّل الحرب إلى صراع طويل الأمد.
تفكك النسيج الاجتماعي في بعض المناطق.
بقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
تزايد الدعوات لإعادة بناء الدولة.
بداية البحث عن تسوية سياسية شاملة.
شعور عام بضرورة إنهاء الحرب.
1
مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 بدأت سلطة الدولة اللبنانية بالتراجع تدريجياً، بعدما فقدت المؤسسات الرسمية قدرتها على ضبط الأمن في مختلف المناطق، ما فتح الباب أمام القوى الحزبية والطائفية لملء الفراغ وفرض واقع جديد على الأرض.
2
لم يلبث الصراع السياسي الذي كان يحتدم بين القوى اللبنانية المختلفة أن تحوّل إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، حيث انتقلت الخلافات من البرلمان والشارع السياسي إلى المتاريس والسلاح، لتدخل البلاد مرحلة حرب طويلة.
3
أظهرت سنوات الحرب الأولى مدى عمق الانقسام الطائفي والمناطقي في المجتمع اللبناني، حيث انكفأت الجماعات إلى بيئاتها الخاصة، وبدأت خطوط التماس تعكس حدوداً اجتماعية وسياسية بين مكوّنات البلاد.
4
مع تفكك السلطة الأمنية للدولة، برزت الميليشيات الحزبية والطائفية كقوى عسكرية أساسية، فتولت حماية مناطقها وإدارة شؤونها، وأصبحت لاعباً رئيسياً في تحديد مسار الأحداث.
5
تراجعت الثقة بين المكوّنات اللبنانية إلى مستويات غير مسبوقة، بعدما غذّت المعارك والتهجير والخطاب السياسي المتشنج حالة من الشك المتبادل والخوف بين مختلف الفئات.
6
تحولت بيروت خلال سنوات الحرب إلى مدينة مقسومة بين شرق وغرب، يفصل بينهما خط تماس طويل، لتصبح العاصمة رمزاً لانقسام لبنان السياسي والعسكري.
7
لم يعد القرار الأمني والعسكري محصوراً بمؤسسات الدولة، بل توزّع بين قوى متعددة، لكل منها قيادتها وتحالفاتها، ما أدى إلى تعدد مراكز القرار داخل البلد الواحد.
8
في السنوات الأولى للحرب، وجد الجيش اللبناني نفسه عاجزاً عن لعب دوره الكامل، نتيجة الانقسامات السياسية والطائفية التي انعكست على بنيته، ما أدى إلى تراجع حضوره الميداني.
9
سرعان ما تحولت الحرب اللبنانية إلى ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث تدخلت قوى خارجية دعماً لأطراف مختلفة، ما زاد من تعقيد الصراع.
10
في عام 1976 دخلت القوات السورية إلى لبنان تحت عنوان وقف القتال، لتصبح لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية، ولتؤثر بشكل مباشر في توازنات الحرب.
11
برزت المخيمات الفلسطينية خلال الحرب كقوة عسكرية وسياسية مؤثرة، إذ لعبت الفصائل الفلسطينية دوراً رئيسياً في المواجهات، ما جعل القضية الفلسطينية جزءاً من الصراع اللبناني الداخلي.
12
تصاعدت الاشتباكات بين بعض القوى اللبنانية والفصائل الفلسطينية، نتيجة الخلاف حول دور السلاح الفلسطيني في لبنان، وهو ما أدى إلى معارك دامية في أكثر من منطقة.
13
مع استمرار الحرب، تحول لبنان تدريجياً إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، تتواجه فيها مشاريع سياسية وعسكرية تتجاوز حدوده الجغرافية.
14
لم تقتصر تداعيات الحرب على الأمن والسياسة، بل طالت الاقتصاد اللبناني الذي كان مزدهراً قبل عام 1975، حيث توقفت الاستثمارات وتراجعت الحركة التجارية بشكل حاد.
15
أدت المعارك المتواصلة إلى موجات نزوح واسعة داخل لبنان، حيث اضطر مئات الآلاف من السكان إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان في مناطق أخرى.
16
بالتوازي مع النزوح الداخلي، شهد لبنان هجرة كثيفة إلى الخارج، إذ غادر عشرات الآلاف من اللبنانيين البلاد هرباً من العنف وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
17
خلّفت الحرب دماراً واسعاً في البنية التحتية، إذ تضررت الطرق والجسور والمرافق العامة، فيما تعرضت أحياء كاملة في بيروت ومناطق أخرى للخراب.
18
انتشرت الحواجز المسلحة على الطرقات الرئيسية وبين الأحياء، وأصبحت جزءاً من الحياة اليومية، حيث كانت تحدد حركة السكان وتكشف حجم الانقسام القائم.
19
مع غياب الدولة، تراجعت سلطة القانون والقضاء، وأصبح الاحتكام في كثير من الأحيان للقوة العسكرية أو لسلطة الميليشيات المسيطرة على المناطق.
20
شهدت تلك المرحلة انتشاراً واسعاً لعمليات الخطف والاغتيال السياسي، التي استخدمت كوسيلة للضغط أو لتصفية الخصوم، ما زاد من مناخ الخوف وعدم الاستقرار.
سنوات الحرب والانقسام
دخل لبنان في عام 1975 واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وخطورة في تاريخه الحديث، عندما انفجرت الحرب الأهلية التي سرعان ما تحولت من توتر سياسي واجتماعي إلى صراع عسكري واسع النطاق. فقد كشفت تلك المرحلة عن هشاشة البنية السياسية للنظام اللبناني القائم على التوازنات الطائفية، وعن عمق التناقضات التي تراكمت خلال سنوات طويلة، سواء على المستوى الداخلي أو في ظل التحولات الإقليمية المحيطة.
في بدايات الحرب، انهارت تدريجياً قدرة الدولة اللبنانية على ضبط الأمن وإدارة البلاد. ومع تصاعد المواجهات المسلحة بين القوى السياسية، تراجع حضور المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها الجيش وقوى الأمن، ليظهر فراغ في السلطة سرعان ما ملأته التنظيمات الحزبية والميليشيات الطائفية التي بدأت تتولى إدارة مناطق نفوذها وتأمين الحماية لمناصريها. وهكذا تحولت البلاد إلى مجموعة من المناطق المقسمة، لكل منها سلطتها الأمنية والسياسية الخاصة.
وشهدت العاصمة بيروت واحدة من أبرز مظاهر هذا الانقسام، إذ انقسمت المدينة إلى شطرين، شرقي وغربي، يفصل بينهما خط تماس طويل أصبح رمزاً للحرب اللبنانية. وتحولت الأحياء إلى جبهات عسكرية، وانتشرت المتاريس والحواجز المسلحة التي كانت تتحكم بحركة السكان، في حين عاش المواطنون تحت تهديد القصف والاشتباكات اليومية.
إلى جانب الانقسام الداخلي، لعب العامل الإقليمي دوراً حاسماً في مسار الحرب. فقد تحولت الساحة اللبنانية إلى نقطة تقاطع لمصالح وصراعات متعددة، مع دخول قوى خارجية على خط الأزمة. ففي عام 1976 دخلت القوات السورية إلى لبنان تحت عنوان إعادة الاستقرار ووقف القتال، لكنها سرعان ما أصبحت لاعباً أساسياً في المعادلة السياسية والعسكرية داخل البلاد.
كما كان للحضور الفلسطيني المسلح في لبنان تأثير كبير في تطور الأحداث، إذ أصبحت المخيمات الفلسطينية وقواعد الفصائل المسلحة جزءاً من الصراع الدائر، ما أدى إلى مواجهات دامية بين بعض القوى اللبنانية وهذه الفصائل. ونتيجة لذلك، تداخلت القضية الفلسطينية مع الأزمة اللبنانية، مما زاد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري.
وفي عام 1978 شهد الجنوب اللبناني اجتياحاً إسرائيلياً واسعاً، تبعه لاحقاً اجتياح أكبر عام 1982، حيث وصلت القوات الإسرائيلية إلى العاصمة بيروت. وقد أدى ذلك إلى مرحلة جديدة من الصراع، تميزت بتغير موازين القوى على الأرض، وبتعاظم التدخلات الخارجية في الشأن اللبناني.
خلال تلك السنوات، لم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الأمني، بل امتدت إلى مختلف جوانب الحياة. فقد تعرضت البنية التحتية في البلاد لدمار واسع، وتوقفت عجلة الاقتصاد الذي كان يوماً من أكثر اقتصادات المنطقة ازدهاراً. كما شهد لبنان موجات نزوح داخلية كبيرة، إذ اضطر مئات الآلاف من السكان إلى مغادرة مناطقهم بسبب المعارك والتهجير، في حين اختار كثيرون الهجرة إلى الخارج بحثاً عن الأمن والاستقرار.
وفي ظل غياب الدولة، برز ما عُرف بـ"اقتصاد الحرب"، حيث انتشرت عمليات التهريب والسيطرة على المرافئ والمعابر غير الشرعية، وأصبحت الموارد الاقتصادية خاضعة إلى حد كبير لنفوذ القوى المسلحة. كما شهدت البلاد ارتفاعاً كبيراً في معدلات البطالة والفقر، إضافة إلى انهيار تدريجي في قيمة العملة الوطنية خلال الثمانينيات.
سياسياً، عانت البلاد من أزمة عميقة في مؤسسات الحكم، إذ تعاقبت الحكومات الضعيفة التي لم تكن قادرة على فرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. كما تعطلت الحياة الدستورية في أكثر من محطة، وتزايدت الخلافات حول صلاحيات الرئاسات وتوازنات النظام السياسي. وفي الوقت نفسه، شهدت تلك المرحلة سلسلة من الاغتيالات السياسية والتفجيرات التي طالت شخصيات بارزة ومراكز حساسة.
ومع مرور السنوات، تحولت الحرب إلى سلسلة من الصراعات المتداخلة، ليس فقط بين المعسكرات المتقابلة، بل أحياناً داخل المعسكر الواحد. فقد اندلعت مواجهات بين ميليشيات مسيحية مختلفة، كما شهدت الساحة الشيعية صراعات بين قوى متعددة، فيما اندلعت معارك قاسية في مناطق الجبل وبيروت والجنوب.
وفي منتصف الثمانينيات، شهدت البلاد أحداثاً إضافية زادت من تعقيد الأزمة، من بينها حرب المخيمات والمعارك المتكررة في بيروت، إلى جانب الصراع على المرافئ والمناطق الاقتصادية. وقد ترافق ذلك مع تدهور اقتصادي حاد، انعكس في ارتفاع التضخم وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين.
كان لبنان قد دخل مرحلة جديدة من الانقسام السياسي، مع تعمق الأزمة الدستورية واشتداد الصراع على السلطة. وقد أدى ذلك إلى حالة من الشلل السياسي الكامل، في وقت كانت فيه البلاد تعيش تحت وطأة حرب طويلة أنهكت المجتمع اللبناني وأضعفت مؤسسات الدولة.
ورغم قسوة تلك المرحلة، فإنها مهّدت في الوقت نفسه لظهور قناعة متزايدة لدى مختلف الأطراف بضرورة البحث عن تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتعيد بناء الدولة.
انهيار سلطة الدولة المركزية في لبنان بين عامي 1975 و1986
لم يكن اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في الثالث عشر من نيسان عام 1975 مجرد حدث أمني عابر أو مواجهة مسلحة محدودة بين أطراف متنازعة، بل شكّل بداية مسار طويل من التصدّع أصاب بنية الدولة اللبنانية في صميمها. ومع مرور السنوات، تحوّل هذا التصدّع إلى انهيار تدريجي لسلطة الدولة المركزية، بحيث فقدت مؤسساتها الأساسية القدرة على إدارة البلاد أو فرض سلطتها على كامل أراضيها، لتدخل البلاد في مرحلة من التفكك السياسي والأمني استمرت أكثر من عقد.
في السنوات الأولى للحرب، كانت الدولة لا تزال تحاول الحفاظ على حدّ أدنى من حضورها المؤسسي. فقد استمرت الحكومة في العمل، وبقيت الإدارات العامة قائمة نظرياً، كما ظلّ مجلس النواب يمارس دوره في بعض الأحيان. غير أن الواقع الميداني كان يتغير بسرعة. فمع تصاعد المواجهات بين الميليشيات الحزبية والطائفية، بدأت سلطة الدولة تتآكل تدريجياً، خصوصاً بعدما فقد الجيش اللبناني وحدته نتيجة الانقسامات الطائفية والسياسية داخله عام 1976. وقد أدى ذلك إلى ظهور قوى مسلحة متعددة باتت تتحكم بمناطق واسعة من البلاد، بينما تراجع دور المؤسسات الرسمية إلى حد كبير.
ومع توسّع رقعة الحرب، بدأ لبنان يتحوّل إلى مناطق نفوذ متعدّدة. ففي بيروت انقسمت العاصمة إلى شطرين يفصل بينهما ما عُرف بـ"الخط الأخضر"، حيث سيطرت القوى اليمينية والمسيحية على بيروت الشرقية، بينما خضعت بيروت الغربية لنفوذ القوى الوطنية والفصائل الفلسطينية. وفي الشمال والبقاع والجنوب نشأت سلطات محلية شبه مستقلة، تدير شؤون المناطق وفق موازين القوة العسكرية لا وفق سلطة القانون.
في هذا المناخ، تراجعت قدرة الدولة على إدارة الخدمات الأساسية. فالمؤسسات الرسمية لم تعد قادرة على تأمين الأمن أو تطبيق القوانين أو حتى جباية الضرائب في معظم المناطق. ومع الوقت، حلّت الميليشيات محل الدولة في إدارة الحياة اليومية للسكان، فأنشأت الحواجز العسكرية، وأدارت السجون، وفرضت الرسوم والضرائب الخاصة بها، بل وأقامت أجهزة أمنية وقضائية موازية.
وقد تعمّق هذا الواقع مع دخول عوامل خارجية إلى الساحة اللبنانية. فالتدخل العسكري السوري عام 1976، ثم الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة ولا سيما اجتياح عام 1982، أدّيا إلى إضعاف الدولة اللبنانية أكثر فأكثر. ففي ظل هذه التدخلات، أصبحت القرارات السياسية والأمنية الكبرى مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية، بينما تراجع دور الدولة اللبنانية إلى موقع ثانوي في إدارة شؤون البلاد.
بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 وانتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية ثم اغتياله بعد أيام قليلة من انتخابه، دخل لبنان مرحلة جديدة من الاضطراب. فقد حاولت السلطات اللبنانية في عهد الرئيس أمين الجميل إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة سلطتها، لكن هذه المحاولات اصطدمت بواقع الانقسام الداخلي واستمرار نفوذ الميليشيات. كما ساهمت المواجهات العسكرية التي شهدتها البلاد في منتصف الثمانينات، ولا سيما حرب الجبل عام 1983، في تعميق حالة التفكك.
لبنان يعيش حالة من التعدد السلطوي الفعلي. فالدولة المركزية لم تعد قادرة على بسط سلطتها إلا في نطاق محدود، بينما كانت مناطق واسعة من البلاد تخضع لنفوذ قوى محلية أو إقليمية مختلفة. وفي بيروت نفسها، باتت السلطة الرسمية محاصرة بين مناطق النفوذ المتصارعة، فيما استمرت الميليشيات في إدارة الشؤون الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
هي مرحلة الانهيار التدريجي لسلطة الدولة المركزية في لبنان. فالحرب الأهلية لم تؤدّ فقط إلى دمار واسع في البنية العمرانية والاقتصادية، بل أدت أيضاً إلى تفكك المؤسسات السياسية والأمنية التي كانت تشكّل العمود الفقري للدولة. ومع غياب سلطة مركزية فاعلة، تحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الداخلية والتجاذبات الإقليمية، وهو واقع استمر حتى نهاية الحرب الأهلية في مطلع التسعينات.
وبذلك، فإن فهم تلك المرحلة لا يقتصر على قراءة تاريخ الحرب فحسب، بل يتطلب أيضاً إدراك الكيفية التي تآكلت بها مؤسسات الدولة تدريجياً، إلى أن فقدت قدرتها على ممارسة دورها الطبيعي كمرجعية سياسية وأمنية موحِّدة للبنان.
تحوّل الصراع السياسي إلى صراع عسكري مسلّح في لبنان
مع بداية سبعينات القرن العشرين، كان المشهد اللبناني يعيش حالة من التوتر السياسي المتصاعد الناتج عن تراكم أزمات داخلية عميقة. فقد كان النظام السياسي القائم على التوازنات الطائفية يواجه تحديات متزايدة، سواء بسبب الخلافات بين القوى السياسية اللبنانية حول طبيعة النظام ودوره، أو نتيجة التحولات الإقليمية التي أثّرت مباشرة في الساحة اللبنانية، ولا سيما بعد تنامي الدور العسكري والسياسي للفصائل الفلسطينية في لبنان. وفي ظل هذه الظروف، بدأت الخلافات السياسية تتخذ طابعاً أكثر حدّة، لكنها بقيت في البداية ضمن إطار الصراع السياسي والإعلامي والمؤسساتي.
غير أنّ هذا الصراع السياسي لم يلبث أن خرج تدريجياً من نطاق المؤسسات الدستورية. فمع ازدياد الاستقطاب بين القوى المتنافسة، بدأت الأحزاب والتنظيمات السياسية تعمل على بناء أجنحة عسكرية خاصة بها، بحجة حماية مناطقها أو الدفاع عن وجودها السياسي. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الأجنحة المسلحة إلى قوى عسكرية فعلية تمتلك السلاح والتنظيم والقدرة على المواجهة، الأمر الذي أدخل لبنان في مرحلة جديدة لم يعد فيها الخلاف السياسي يُدار عبر البرلمان أو الحكومة فقط، بل عبر موازين القوة على الأرض.
وقد لعبت عدة عوامل دوراً في تسريع هذا التحول. فمن جهة، أدّت حالة الضعف التي أصابت مؤسسات الدولة، وخصوصاً الأجهزة الأمنية والعسكرية، إلى فراغ أمني استغلته القوى المسلحة لتعزيز حضورها. ومن جهة أخرى، ساهمت الانقسامات الاجتماعية والطائفية في تغذية خطاب التعبئة والتحريض، بحيث أصبح السلاح يُقدَّم كوسيلة لحماية الجماعات المختلفة في مواجهة ما اعتبرته تهديداً لوجودها أو لمصالحها السياسية.
ومع اندلاع الأحداث في نيسان عام 1975، أخذ الصراع طابعاً عسكرياً واضحاً. فالمواجهات التي بدأت بحوادث محدودة سرعان ما تحوّلت إلى معارك واسعة النطاق بين مجموعات مسلحة متعددة، وأصبحت المدن والأحياء مسارح لمواجهات يومية. ومع الوقت، انتقلت البلاد من حالة الاشتباكات المتفرقة إلى حالة حرب فعلية، حيث ظهرت خطوط تماس واضحة بين مناطق النفوذ المختلفة، وتحوّلت الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح.
في هذا السياق، لم يعد الهدف من الصراع مجرد الدفاع عن مواقف سياسية أو تحقيق مكاسب داخل المؤسسات، بل أصبح مرتبطاً بالسيطرة على الأرض وفرض الوقائع الميدانية. فقد باتت القوى المسلحة تسعى إلى توسيع مناطق نفوذها وإقامة إدارات محلية وأجهزة أمنية خاصة بها، وهو ما أدى إلى تعميق حالة التفكك داخل الدولة اللبنانية. ومع استمرار الحرب، أصبحت القوة العسكرية العامل الحاسم في تحديد موازين القوى بين الأطراف المتصارعة.
كما ساهمت التدخلات الإقليمية والدولية في تعقيد هذا التحول. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، أصبح ساحة لتقاطع مصالح عدة قوى خارجية دعمت أطرافاً لبنانية مختلفة. وقد أدى ذلك إلى زيادة تدفق السلاح والمال إلى الداخل اللبناني، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد الصراع وتحويله إلى حرب متعددة الأطراف.
انتقال الصراع في لبنان من المجال السياسي إلى المجال العسكري لم يكن نتيجة حادثة واحدة، بل جاء نتيجة مسار طويل من التوترات المتراكمة والانقسامات الداخلية. ومع تراجع دور المؤسسات الرسمية وعجزها عن احتواء الخلافات، أصبح السلاح الوسيلة الأساسية لحسم النزاعات، وهو ما أدخل البلاد في مرحلة من العنف المنظم الذي طبع سنوات الحرب الأهلية وأدى إلى إضعاف الدولة وتفكك سلطتها المركزية.
انقسام المجتمع اللبناني طائفياً ومناطقياً خلال سنوات الحرب
مع تصاعد التوترات السياسية والأمنية في لبنان خلال سبعينات القرن العشرين، بدأ المجتمع اللبناني يشهد تحولات عميقة في بنيته الاجتماعية. فقد أدى احتدام الصراع السياسي واشتداد المواجهات المسلحة إلى بروز انقسامات حادة داخل المجتمع، اتخذت طابعاً طائفياً ومناطقياً واضحاً. ولم يكن هذا الانقسام وليد لحظة واحدة، بل جاء نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية تفاقمت مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.
كان المجتمع اللبناني قبل الحرب يتميّز بدرجة من التداخل السكاني والاجتماعي بين الطوائف المختلفة، خصوصاً في المدن الكبرى مثل بيروت وطرابلس وصيدا. غير أنّ اشتداد المواجهات المسلحة وما رافقها من عمليات تهجير وخوف متبادل بين الجماعات المختلفة أدى تدريجياً إلى تفكك هذا النسيج الاجتماعي. ومع مرور الوقت، بدأت مناطق عديدة تتحول إلى فضاءات شبه متجانسة طائفياً، بعدما غادرها السكان الذين ينتمون إلى طوائف أخرى بحثاً عن الأمان في مناطق يعتقدون أنها أكثر حماية لهم.
وقد لعبت الميليشيات المسلحة دوراً أساسياً في تعزيز هذا الانقسام. فكل قوة عسكرية باتت تعتبر نفسها حامية لجماعة معينة أو لمنطقة محددة، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ مفهوم “المناطق المغلقة” أو مناطق النفوذ الطائفية. وفي بيروت تحديداً، أدى ظهور خطوط التماس إلى تقسيم المدينة إلى مناطق منفصلة عملياً، حيث أصبحت الحركة بين هذه المناطق محفوفة بالمخاطر، ما عزّز حالة الانفصال الاجتماعي والنفسي بين سكانها.
كما انعكس هذا الانقسام على الحياة اليومية للبنانيين. فقد باتت المؤسسات التعليمية والاجتماعية والاقتصادية تتأثر بدورها بهذا الواقع الجديد. فالمدارس والجامعات والمؤسسات التجارية بدأت تتمركز في مناطق معينة تبعاً للبيئة الاجتماعية التي تنتمي إليها، بينما تراجعت حركة الاختلاط بين اللبنانيين من مختلف الطوائف. ومع استمرار الحرب، أصبح الانتماء الطائفي عاملاً أساسياً في تحديد مكان الإقامة والعمل وحتى الحركة داخل البلاد.
إلى جانب الانقسام الطائفي، برز أيضاً انقسام مناطقي واضح. فقد أصبحت بعض المناطق مرتبطة سياسياً وأمنياً بقوى معينة، ما جعلها تعيش واقعاً مختلفاً عن مناطق أخرى. ففي حين كانت بعض المناطق تشهد استقراراً نسبياً، كانت مناطق أخرى تعيش على وقع مواجهات متكررة، الأمر الذي عمّق الشعور بالانفصال بين أجزاء مختلفة من البلاد.
وساهمت التدخلات الإقليمية والدولية في تعميق هذه الانقسامات، إذ ارتبطت بعض القوى المحلية بدعم خارجي سياسي أو عسكري، ما زاد من حدة الاستقطاب داخل المجتمع اللبناني. ومع مرور الوقت، لم يعد الصراع مجرد نزاع سياسي بين قوى متنافسة، بل تحوّل إلى صراع يهدد وحدة المجتمع نفسه.
سنوات الحرب لم تؤدِ فقط إلى تدمير البنية التحتية والاقتصادية في لبنان، بل تركت أيضاً آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي. فقد أدى الانقسام الطائفي والمناطقي إلى إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية للبلاد، وخلق واقعاً جديداً اتسم بدرجة عالية من الانفصال بين الجماعات المختلفة. وقد ظلّت آثار هذه الانقسامات حاضرة في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية حتى بعد انتهاء الحرب، ما جعل إعادة بناء الثقة بين مكوّنات المجتمع واحدة من أصعب التحديات التي واجهت لبنان في مرحلة ما بعد الحرب.
انتشار الميليشيات الفلسطينية وتأثيره على المجتمع اللبناني المسيحي
مع تصاعد الحرب الأهلية في لبنان، شهدت البلاد انتشاراً واسعاً للميليشيات الفلسطينية المسلحة، خصوصاً بعد الاستقرار النسبي للفصائل الفلسطينية في المخيمات اللبنانية ومحيطها. وقد كان هذا الانتشار جزءاً من النزاع الإقليمي الفلسطيني-الإسرائيلي، لكنه أثر مباشرة على الوضع الداخلي اللبناني، خصوصاً على المجتمع المسيحي الذي شعر بتهديد وجوده وأمنه.
انتشار هذه الميليشيات أضعف من قدرة الدولة اللبنانية على فرض القانون وحماية سكانها، وخلق فراغاً أمنياً في مناطق عدة، خصوصاً في بيروت والمناطق الحدودية. ومع تزايد الاعتداءات والهجمات المسلحة، بدأت المجتمعات المسيحية تشعر بأن وجودها مهدد، ما دفعها إلى اللجوء إلى التسلح وحماية مناطقها بأنفسها. وبالفعل، ظهرت المجموعات المسلحة المسيحية كرد فعل على ما اعتبرته تهديداً وجودياً، لتصبح هذه الميليشيات المحلية قوة حقيقية على الأرض، تدير شؤون مناطقها الخاصة وتحمي سكانها.
هذا الواقع خلق ديناميكية جديدة في الصراع اللبناني، حيث أصبح النزاع لا يقتصر على السياسة أو المطالب الاجتماعية، بل تحول إلى صراع مسلح يومي على الأرض، يحدد مناطق النفوذ ويقرّر من يعيش في أي منطقة. الميليشيات الفلسطينية، بدعم خارجي وإمكانات عسكرية متقدمة، لعبت دوراً كبيراً في هذا التحوّل، بينما المجتمعات المسيحية وجدت نفسها مضطرة إلى تشكيل ميليشيات محلية لمواجهة التهديد، بما يعكس كيف أن الصراع السياسي أصبح مرتبطاً بالبقاء والحماية الذاتية.
إضافة إلى ذلك، أدى انتشار الميليشيات الفلسطينية إلى تعزيز الانقسام الطائفي والمناطقي في لبنان. فقد باتت بعض المناطق تحت سيطرة الفلسطينيين أو القوى الحليفة لهم، فيما المناطق المسيحية أصبحت محمية من قبل الميليشيات المحلية، مما عمّق شعور الانفصال والتهديد المتبادل بين المجموعات المختلفة. وهكذا، أسهم انتشار الميليشيات الفلسطينية في تحويل المجتمع اللبناني إلى مجتمع مسلح جزئياً، يعتمد على الدفاع الذاتي ويعيش في ظل خطوط تماس واضحة بين المناطق المختلفة.
وجود الميليشيات الفلسطينية أصبح عنصراً أساسياً في إعادة تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية للأرض اللبنانية، واضطر المجتمع المسيحي إلى مواجهة تحديات وجودية فرضت عليه التسلح والدفاع عن وجوده، ما جعل الصراع اللبناني أكثر تعقيداً وتعدد أبعاده.
انهيار الثقة بين المكوّنات اللبنانية والشعور بالخطر الوجودي لدى المجتمع المسيحي
مع تصاعد الحرب الأهلية في لبنان، شهدت البلاد انهياراً تدريجياً للثقة بين مختلف المكوّنات اللبنانية. لم يعد اللبنانيون يثقون ببعضهم البعض على المستوى السياسي أو الاجتماعي، إذ هيمنت حسابات المصالح الطائفية والمناطقية على كل قرار وعلى كل تعامل يومي. هذا الانهيار في الثقة أضعف القدرة على الحوار والتفاهم بين الأطراف، وجعل من الصعب على الدولة الحفاظ على وحدة مؤسساتها أو فرض القانون على الجميع.
في هذا السياق، وجد المجتمع المسيحي نفسه في موقع هش، محاصراً بخطر وجودي مزدوج: من الخارج، مع التهديد الذي شكلته الميليشيات الفلسطينية والفصائل الأخرى المسلحة، ومن الداخل، مع الانقسامات السياسية والاجتماعية التي أعاقت أي تحالف أو حماية وطنية شاملة. ومع تراجع الدولة عن قدرتها على حماية مواطنيها، أصبح المسيحيون مضطرين للاعتماد على أنفسهم، فشكلوا ميليشيات محلية للدفاع عن مناطقهم وحماية وجودهم.
لقد أفضى هذا الوضع إلى شعور المسيحيين بأنهم مُستفرادون، أي أنهم بمفردهم في مواجهة مخاطر متعددة ومتزايدة، دون وجود قوة وطنية موحدة يمكنها أن توفر الحماية أو أن توازن القوى على الأرض. هذا الشعور بالاستفراد عزّز من التسلح الذاتي وأعاد تشكيل الخرائط الاجتماعية والسياسية، حيث أصبحت الخطوط الطائفية أكثر وضوحاً، وأصبحت كل مجموعة تعيش في دائرة حماية نفسها الخاصة، مع تراجع أي شكل من أشكال الثقة المتبادلة مع المكونات الأخرى.
بالتوازي، أدى هذا الانهيار إلى تعميق الانقسامات الداخلية وإطالة أمد الحرب. فغياب الثقة بين المكوّنات اللبنانية أفرز مناخاً من الشك والريبة، مما جعل أي مبادرة للحوار أو للتفاهم تصطدم بعقبات كبيرة. وفي نهاية المطاف، أصبح الشعور بالاستفراد جزءاً من الوعي الجماعي للمجتمع المسيحي، وجعل الدفاع عن الوجود هدفاً أولياً، ليس فقط ضد التهديدات الخارجية، بل أيضاً ضد أي مخاطر ناتجة عن تشرذم المجتمع اللبناني نفسه.
الانهيار في الثقة شكّل حجر الزاوية في عملية تفكك الدولة اللبنانية، حيث أدى إلى تزايد الانقسام الطائفي والمناطقي، وأضعف أي محاولة لإعادة بناء مجتمع موحد، وجعل كل مكون يعيش في ظل تهديد دائم ومنافسة مستمرة على البقاء والحماية الذاتية.
تقسيم بيروت ودور القوى المسيحية في الدفاع عن هويتها ووجودها
أدى تصاعد الحرب الأهلية في لبنان إلى انقسام بيروت فعلياً إلى قسمين: بيروت الشرقية وبيروت الغربية، مفصولة بما عُرف بـ«الخط الأخضر». هذا الانقسام لم يكن مجرد فصل جغرافي، بل كان انعكاساً صارخاً للصراعات الطائفية والسياسية والاجتماعية التي اجتاحت البلاد.
في بيروت الشرقية، تمركزت القوى المسيحية، التي شعرت بتهديد وجودها أمام التكتل المتنامي للقوى اليسارية والفصائل الفلسطينية المسلحة في بيروت الغربية والمناطق المحيطة. هذا التهديد دفع المسيحيين إلى الانخراط بشكل مكثف في الدفاع عن هويتهم ومجتمعاتهم ومواقعهم السياسية والاجتماعية. فقد أصبحت الميليشيات المسيحية، مثل القوات اللبنانية والكتيبة المارونية وغيرها، تشكل قوة تنظيمية وعسكرية أساسية لحماية السكان المسيحيين وتثبيت حضورهم في العاصمة.
وبينما كانت بيروت الغربية تحت نفوذ القوى اليسارية والفلسطينية، أصبح الدفاع عن بيروت الشرقية مسألة وجودية للمجتمع المسيحي، حيث ارتبط الحفاظ على الأرض بالقدرة على حماية الحي والمجتمع والممتلكات. كما أدى هذا الانقسام إلى تعزيز الانتماء الطائفي والسياسي داخل كل منطقة، وفرض نمطاً جديداً من التسلح الذاتي وإدارة المناطق المحلية بشكل مستقل عن الدولة.
هذا الواقع أعاد تشكيل الخريطة الاجتماعية والسياسية للمدينة، حيث أصبحت كل منطقة تحت سيطرة قوة مسلحة مرتبطة بهويتها الطائفية والسياسية. ومع مرور الوقت، أصبح الدفاع عن الهوية والوجود المسيحي في بيروت الشرقية هدفاً استراتيجياً، ليس فقط للحفاظ على النفوذ السياسي، بل أيضاً لضمان استمرار المجتمعات المسيحية في مواجهة الضغوط والتهديدات الداخلية والخارجية.
تقسيم بيروت إلى شرقية وغربية كان عاملاً محورياً دفع المجتمع المسيحي إلى تعزيز دفاعه عن هويته ووجوده، وصنع توازن قوة على الأرض، مما أثّر على مسار الحرب وعمّق الانقسام الطائفي والمناطقي داخل العاصمة وخارجها.
تعدد مراكز القرار الأمني والسياسي والمالي في لبنان خلال سنوات الصراع
مع تصاعد التوترات المسلحة والسياسية في لبنان، لم يعد هناك مركز واحد للقرار قادر على فرض سلطته على كامل البلاد. فقد تحولت الدولة إلى كيانات متعددة القوى، وأصبح القرار السياسي والأمني والمالي موزعاً بين عدة أطراف، كل منها يسيطر على منطقة أو قطاع محدد.
على الصعيد الأمني، فقدت الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة على الأرض، وظهرت ميليشيات مسلحة متعددة لكل طائفة أو جماعة سياسية، تدير الأمن داخل مناطق نفوذها وتفرض قواعدها الخاصة، بما في ذلك إنشاء حواجز وتحصينات ومراكز اعتقال. أصبحت هذه الميليشيات سلطة أمنية موازية للدولة، وتمتلك القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة على الأرض دون الرجوع للحكومة أو الجيش الرسمي.
أما في المجال السياسي، فقد أدى الانقسام الطائفي والمناطقي إلى وجود مراكز قوة متعددة، حيث أصبح لكل جماعة مصالحها السياسية وقراراتها الخاصة، والتي غالباً ما تتعارض مع الحكومة المركزية أو مع المكونات الأخرى. البرلمان والحكومة فقدا الكثير من سلطاتهما الفعلية، في حين أصبح التوافقات والاتفاقات بين الميليشيات والكتل السياسية الطائفية هو ما يحدد السياسات العامة في مناطق عديدة.
في المجال المالي، انتشرت السلطة الاقتصادية بين الأطراف المختلفة، فكل ميليشيا أو جماعة طائفية كانت تفرض رسومها وضرائبها على السكان، وتتحكم بالأنشطة الاقتصادية في مناطقها، بما في ذلك التجارة والأسواق والمرافئ. هذا الانقسام في القرار المالي أضعف الدولة المركزية وجعلها غير قادرة على إدارة الاقتصاد الوطني بشكل موحد أو جمع الضرائب بشكل كامل، مما أدى إلى انتشار اقتصاد موازٍ تتحكم فيه القوى المسلحة المحلية.
إن تعدد مراكز القرار الأمني والسياسي والمالي أسهم بشكل مباشر في تفكك الدولة اللبنانية خلال هذه الفترة، وخلق نظاماً متعدد السلطات الفعلية على الأرض، حيث أصبحت كل قوة مسلحة أو طائفة تتحكم بمنطقتها الخاصة، وتتخذ قراراتها بمعزل عن الدولة المركزية. هذا الواقع أدى إلى تعميق الانقسامات الطائفية والمناطقية، وترك لبنان في حالة فوضى مستمرة صعب معها أي محاولة لإعادة توحيد القرار الوطني أو استعادة سلطة الدولة على كامل الأراضي.
تراجع دور الجيش اللبناني في بداية سنوات الصراع
مع اندلاع التوترات المسلحة والسياسية في لبنان، شهد الجيش اللبناني تراجعاً تدريجياً في دوره الفعلي على الأرض. فقد واجه الجيش تحديات متعددة، منها الانقسامات الداخلية ضمن صفوفه بين الضباط والجنود المنتمين لطوائف مختلفة، وعدم وضوح التعليمات السياسية في ظل تفكك السلطة المركزية. هذه الانقسامات أضعفت قدرة الجيش على فرض الأمن وحماية المؤسسات الرسمية، وجعلت قراراته تتأثر بالانتماءات الطائفية والسياسية للضباط.
أدى انتشار الميليشيات المسلحة على الأرض إلى خلق حالة من المنافسة مع الجيش. فقد أصبحت بعض المناطق تحت السيطرة الفعلية للقوى المسلحة المحلية، ما حوّل الجيش من قوة مركزية قادرة على فرض القانون إلى جهة مراقبة محدودة التأثير، غير قادرة على التدخل بفعالية في مناطق النزاع.
كما أثر ضعف التمويل والدعم اللوجستي على قدرة الجيش على القيام بمهامه، بينما استفادت الميليشيات من دعم خارجي وسلاح حديث، ما عزز من هيمنتها على الأرض وجعل الجيش يبدو عاجزاً عن حسم النزاعات أو حماية المدنيين.
فقد الجيش مكانته كحامي وحيد للدولة، وأصبح دوره مرتبطاً بمناطق محددة وبقدرة الضباط على إدارة النزاع المحلي، في حين أصبحت الميليشيات المسلحة تتحكم فعلياً بالأمن والسياسة على الأرض.
هذا التراجع في دور الجيش ساهم في تفكك الدولة اللبنانيّة، وعزز من قدرة القوى المسلحة المحلية على فرض نفوذها، ما جعل السيطرة على الأرض والمعارك المسلحة هي المرجع الأساسي للسلطة والنفوذ خلال هذه الفترة.
دخلت القوات السورية لبنان في منتصف السبعينيات ضمن ما أعلن عن أنه تدخل لحفظ السلام، إلا أن الواقع العسكري والسياسي كشف عن تأثيرات مباشرة وعميقة على مسار الحرب اللبنانية وعلى الوجود المسيحي، الذي وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع القوة السورية على الأرض. لقد جاء هذا التدخل في سياق حرب شاملة متشابكة، شهدت صراعًا بين القوى اللبنانية المختلفة وبين الفلسطينيين، حيث كان الهدف المعلن للسوريين هو تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو الفوضى الكاملة، لكن تدخّلهم أسس لمرحلة جديدة من النزاع العسكري والسياسي في البلاد.
انعكس وجود الجيش السوري أولًا على طبيعة الحرب من خلال تحويلها من نزاع داخلي محدود إلى مواجهة إقليمية أكثر تعقيدًا. إذ ساهمت القوات السورية في السيطرة على مناطق استراتيجية، وفرض مناطق نفوذ محددة، ما أدّى إلى إعادة ترتيب القوى العسكرية اللبنانية والفلسطينية على الأرض. وقد عزز هذا التدخل قدرة بعض الأطراف على مواجهة خصومهم المحليين، في حين أضعف أطرافًا أخرى، خاصة الجماعات المسيحية المسلحة التي كانت تسيطر على مناطق واسعة في شرق بيروت وجنوب لبنان. لقد أظهرت المعارك المباشرة بين القوات السورية والفصائل المسيحية المسلحة مدى الاختلاف في التوازن العسكري، حيث واجه المسيحيون تحديات كبيرة بسبب حجم القوات السورية وتجهيزها العسكري، بالإضافة إلى تكتيكاتها الميدانية المحكمة، مما جعل المواجهة تبدو كحرب غير متكافئة على الأرض.
أما على مستوى الوجود المسيحي، فقد أدّى دخول القوات السورية إلى شعور متزايد بالتهديد على هويتهم ومواقعهم الجغرافية والسياسية. فقد وجد المسيحيون أنفسهم مضطرين للدفاع عن مناطقهم ومراكز نفوذهم ضد جيش نظامي متحرك ومنظّم، وهو ما أسفر عن تشديد التحصينات وانتشار الميليشيات المسيحية في مناطقهم التقليدية. كما أدّى هذا الواقع إلى تغييرات ديموغرافية محلية نتيجة النزوح الجزئي للسكان المسيحيين من مناطق النزاع، وبروز شعور عام بالخطر على حضورهم التاريخي في قلب العاصمة وفي المناطق الشرقية المحيطة بها.
لقد ساهم تدخل الجيش السوري أيضًا في تعزيز الانقسام الداخلي بين القوى المسيحية نفسها، إذ ظهرت خلافات حول أساليب المواجهة وأولويات الدفاع، وظهرت بعض النزعات للمساومة أو التفاوض مع السوريين لتخفيف الضغط العسكري، في حين تمسكت فصائل أخرى بخيار المواجهة المباشرة، ما عزز حالة التوتر والانقسام داخل المجتمع المسيحي. كما كان لهذا التدخل انعكاس سياسي واسع، إذ فرض السوريون نفوذهم على بعض القرارات المحلية، وتأثيرهم على التحالفات اللبنانية، مما جعل القدرة المسيحية على الحفاظ على استقلالية قراراتها محدودة، خاصة في المناطق التي كانت تمثل عمقها الاستراتيجي في شرق لبنان ووسط بيروت.
شكل دخول القوات السورية منعطفًا حاسمًا في الحرب اللبنانية، إذ لم يقتصر تأثيره على الساحة العسكرية فقط، بل شمل البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع المسيحي. لقد فرض هذا التدخل على المسيحيين إعادة تقييم استراتيجياتهم الدفاعية، وحفّزهم على تشكيل شبكات مقاومة محلية، مع الإقرار بصعوبة مواجهة جيش نظامي متفوق في التسليح والتنظيم. وعليه، يمكن القول إن وجود القوات السورية كان عاملًا مركزيًا في إعادة رسم خطوط الصراع، وزيادة الضغوط على الوجود المسيحي، وأصبح أحد العناصر المحددة لطبيعة الصراع في المرحلة التالية من الحرب، حيث تحوّل الدفاع عن الهوية والمواقع إلى مسألة وجودية بالنسبة للمجتمع المسيحي في لبنان.
دخلت القوات السورية إلى لبنان في منتصف السبعينيات، في ظل تفاقم الحرب اللبنانية التي اندلعت نتيجة تصاعد الصراعات الداخلية بين الطوائف اللبنانية والفصائل الفلسطينية، وبرزت على شكل نزاع مسلح واسع شمل العاصمة بيروت والمناطق المحيطة بها. أعلن السوريون أن تدخلهم جاء لحفظ الاستقرار ومنع انزلاق البلاد نحو الفوضى الشاملة، إلا أن نتائج هذا التدخل كانت معقدة للغاية وتركزت تأثيراته على مستويين: الأول على مسار الحرب عامة، والثاني على الوجود المسيحي بشكل خاص، الذي وجد نفسه في مواجهة عسكرية مباشرة مع جيش نظامي مجهز جيدًا ومنظّمًا على الأرض.
انعكس الوجود السوري على مسار الحرب مباشرة من خلال إعادة رسم خارطة السيطرة العسكرية. فقد نجحت القوات السورية في السيطرة على مناطق استراتيجية في شرق لبنان ووسط العاصمة بيروت، ما أعاد توزيع مراكز القوة بين الأطراف اللبنانية والفلسطينية. المدن الرئيسية التي شهدت تدخلًا سوريًا مكثفًا شملت مناطق مثل المتن، بشري، زحلة، وشرق بيروت، حيث كانت تتمركز الميليشيات المسيحية الرئيسية مثل القوات اللبنانية والمارونية المحلية. وقد استخدمت القوات السورية تكتيكات عسكرية متقدمة تتضمن التحرك السريع بين النقاط الاستراتيجية، محاصرة المدن، وإقامة نقاط تفتيش، ما جعل السيطرة على هذه المناطق أكثر صعوبة بالنسبة للفصائل المسيحية المسلحة.
على المستوى العسكري، واجه المجتمع المسيحي تحديات كبيرة، إذ كان عليه مواجهة جيش نظامي متفوق في التسليح والتنظيم، مزوّد بالدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات المروحية. كانت المواجهات في بيروت الشرقية واحدة من أبرز الأمثلة، حيث تكبدت القوات المسيحية خسائر كبيرة نتيجة القصف المستمر ومحاولات السوريين للسيطرة على مواقعها المحصنة. في مناطق أخرى مثل زحلة وبشري، اضطر المسيحيون إلى إقامة تحصينات مكثفة واستخدام أساليب حرب العصابات والتكتيكات الدفاعية للحفاظ على مناطق نفوذهم. هذه المواجهات جعلت الصراع العسكري أكثر عنفًا وتعقيدًا، وحوّل بعض المناطق المسيحية إلى ساحات حرب مفتوحة شهدت دمارًا واسعًا للبنية التحتية ومنازل السكان.
أما على المستوى الاجتماعي والسياسي، فقد ساهم تدخل القوات السورية في زيادة شعور المسيحيين بالتهديد على هويتهم وحضورهم الجغرافي والتاريخي. فقد أدى النزوح الجزئي للسكان المسيحيين من مناطق النزاع، خاصة في بيروت الشرقية ومدينة زحلة، إلى تغييرات ديموغرافية مؤقتة وضغط إضافي على المجتمعات المحلية. كما أن التوتر العسكري أجبر الفصائل المسيحية على إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية والسياسية، بما في ذلك تكوين تحالفات محلية مع بعض القوى اللبنانية الأخرى لمواجهة النفوذ السوري.
لقد فرض التدخل السوري أيضًا انقسامات داخل المجتمع المسيحي نفسه. فقد ظهرت خلافات بين الفصائل حول خيار المقاومة المباشرة ضد القوات السورية أو اللجوء إلى تفاوض مؤقت لتخفيف الخسائر، ما أضعف بعض الميليشيات وخلق حالة من التوتر الداخلي. في الوقت ذاته، فرض السوريون تأثيرهم على القرارات السياسية الداخلية، بما في ذلك توزيع المناصب المحلية والتحكم في حركة السكان والأسواق، ما قلّص قدرة المسيحيين على الحفاظ على استقلالية قرارهم في مناطقهم التقليدية.
من ناحية الاستراتيجية الدفاعية، أضطر المجتمع المسيحي إلى تحويل معظم جهوده نحو حماية المدن الشرقية والمحاور الاستراتيجية التي تسيطر عليها. فالمناطق مثل المتن وكسروان وشرق بيروت شهدت تعزيزات عسكرية مكثفة من قبل الميليشيات المسيحية، مع إنشاء نقاط دفاعية محصنة، وخطوط إمداد مستقلة لتأمين الغذاء والسلاح. كما تم تدريب المقاتلين على أساليب حرب العصابات، ونقل السكان المدنيين إلى مناطق آمنة لتخفيف الخسائر، ما أظهر تكيف المجتمع المسيحي مع واقع المواجهة المباشرة ضد قوة أكبر وأكثر تجهيزًا.
دخول القوات السورية إلى لبنان كان نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب اللبنانية. فقد عمّق التعقيدات العسكرية، وأجبر المجتمع المسيحي على مواجهة مباشرة مع قوة نظامية متفوقة، مع ما ترتب على ذلك من ضغوط ديموغرافية وسياسية، وتعزيز الشعور بالخطر على الهوية والمكان. كما أدى هذا التدخل إلى تحفيز المجتمع المسيحي على تطوير استراتيجيات دفاعية مبتكرة، وحماية مناطق نفوذهم التاريخية، بينما فرضت القوات السورية نفوذًا مستمرًا على السياسات المحلية، ما جعل من المواجهة مع السوريين اختبارًا وجوديًا للوجود المسيحي في لبنان.
دخلت القوات السورية إلى لبنان في 29 يونيو 1976، بموجب ما أعلن عن "اتفاق القاهرة" الذي طالب بوقف القتال بين الأطراف اللبنانية والفلسطينية. قاد العملية الفريق أول مصطفى طلاس، وزير الدفاع السوري آنذاك، وشارك في قيادة القوات على الأرض العقيد صلاح جديد، مع انتشار سريع لوحدات الجيش السوري في مناطق شرق بيروت، زحلة، البقاع، المتن وكسروان. بلغ عدد القوات السورية المنتشرة في المرحلة الأولى حوالي 40 ألف جندي، مزوّدين بالدبابات والطائرات المروحية والمدفعية الثقيلة.
كان الهدف المعلن من التدخل حفظ الاستقرار وفرض وقف لإطلاق النار، لكنه في الواقع أعاد تشكيل الخارطة العسكرية، وزاد الضغط على الميليشيات المسيحية مثل القوات اللبنانية، التي كان يقودها أنطون حبشي وجورج حاوي، والكتائب اللبنانية بقيادة بشير الجميل. في شرق بيروت، على سبيل المثال، واجهت القوات المسيحية حوالي 10 آلاف جندي سوري مدعومين بالدبابات والمدفعية الثقيلة، بينما كانت الميليشيات المسيحية تعتمد على حوالي 5 آلاف مقاتل، معظمهم مسلح بأسلحة خفيفة ومتوسطة، مع بعض المدافع المضادة للدبابات.
أدت المواجهات إلى سلسلة معارك حاسمة، أبرزها معركة شرق بيروت في يوليو 1976، حيث تمركزت القوات السورية في مناطق مثل المتحف الوطني، الكرنتينا، ومناطق القصور المسيحية. خلال هذه المعارك، تكبدت الميليشيات المسيحية حوالي 600 قتيل و1,200 جريح، بينما بلغ عدد الخسائر السورية حوالي 300 قتيل و800 جريح وفقًا للتقديرات التاريخية. في زحلة، ثاني أكبر مركز مسيحي في البقاع، استمرت المواجهات حتى أكتوبر 1976، حيث دخلت القوات السورية المدينة لدعم الفصائل الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين، مما اضطر القوات المسيحية تحت قيادة وديع حداد وجورج حاوي إلى التراجع إلى مواقع دفاعية محصنة، مع وقوع حوالي 400 قتيل مسيحي و500 جريح.
في بشري وكسروان، تركزت المواجهات على تأمين الطرق الجبلية الاستراتيجية، حيث استخدمت القوات السورية أساليب حصار وتطويق المدن، بينما اعتمدت الميليشيات المسيحية على التحصينات الجبلية والحروب المضادة للدبابات. في مناطق كسروان، دارت اشتباكات مكثفة بين يوليو وسبتمبر 1976، تكبد خلالها الطرفان خسائر محدودة نسبيًا، لكن التوتر النفسي والاجتماعي كان شديدًا بسبب تهديد السكان المدنيين وتهجير بعض العائلات المسيحية من القرى الحدودية.
أثر التدخل السوري أيضًا على البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع المسيحي، إذ أُجبر المسيحيون على إعادة تنظيم قياداتهم الدفاعية، وتكوين شبكات إمداد مستقلة، وضبط النزوح الداخلي للسكان. وقد أدت الضغوط المستمرة إلى خلق انقسامات داخلية بين الفصائل المسيحية، خصوصًا حول خيار المقاومة المباشرة أو التفاوض مع السوريين لتخفيف الخسائر، مما أضعف بعض الميليشيات وأجبر أخرى على تطوير استراتيجيات أكثر تكتيكية للحفاظ على مناطق نفوذها.
السيطرة السورية على المحاور الاستراتيجية أظهرت قدرة الجيش النظامي على إعادة ترتيب القوى المحلية، وأظهرت محدودية القوة المسيحية في المواجهة المباشرة. وقد أدت هذه الحقائق إلى أن تصبح حماية الهوية والمناطق التاريخية للمسيحيين مسألة وجودية، مع التركيز على الدفاع عن شرق بيروت وزحلة والمناطق الجبلية في شمال لبنان وكسروان. كما ساهمت هذه المواجهات في تعزيز الشعور بالتهديد الديموغرافي، حيث اضطر العديد من العائلات المسيحية إلى الانتقال مؤقتًا إلى مناطق أكثر أمانًا.
تدخل القوات السورية بين 1976 و1978 مثل نقطة تحول أساسية في الحرب اللبنانية، إذ أعاد تشكيل الخارطة العسكرية وأجبر المجتمع المسيحي على مواجهة مباشرة مع جيش نظامي متفوق. انعكس ذلك على الأبعاد العسكرية والاجتماعية والسياسية، حيث تطلب من المسيحيين تطوير استراتيجيات دفاعية مبتكرة، وحماية مناطق نفوذهم، مع تقبل واقع النفوذ السوري على القرارات المحلية، ما جعل من المواجهة السورية اختبارًا وجوديًا للوجود المسيحي في لبنان.
منذ وصول اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان بعد النكبة، تحولت بعض المخيمات إلى قوى مسلحة خارج نطاق سلطة الدولة اللبنانية، تتصرف أحيانًا ككيانات مستقلة. هذا التمركز العسكري والسياسي كان له تأثير مباشر على موازين القوى في لبنان، خصوصًا في المناطق ذات الغالبية المسيحية، حيث أسهم في إشعال التوترات الطائفية والمذهبية وتعريض مؤسسات الدولة لضغوط مستمرة.
المخيمات، من خلال ارتباطاتها السياسية والأيديولوجية، اتخذت أحيانًا دورًا في توجيه النزاعات الداخلية، واستغلال الانقسامات الطائفية لتحقيق أهدافها. وكان المسيحيون هدفًا مركزيًا لهذه الديناميات، إذ تعرضت أحزابهم ومؤسساتهم لضغوط متزايدة، وسعت بعض القوى الفلسطينية أو اليسارية إلى تقويض حضورهم السياسي والأمني، ما قلب موازين القوى في مناطقهم التقليدية.
من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، أسهمت المخيمات في خلق دوائر نفوذ خارج إطار الدولة، مع نشاطات اقتصادية غير خاضعة للرقابة الرسمية، ما أثر على قدرة الدولة في تنظيم الأسواق وجمع الإيرادات. كما أظهرت المخيمات هشاشة الدولة في فرض القانون والسيطرة على المناطق المتأثرة، مما اضطر الأطراف اللبنانية إلى التعامل مع هذه القوى كأمر واقع، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر على الأمن والاستقرار الاجتماعي.
نتيجة لذلك، لعبت المخيمات الفلسطينية دورًا مركزيًا في تعزيز الانقسامات الداخلية وإضعاف التلاحم الوطني، مؤثرة على التوازن السياسي والطائفي في لبنان، ومحددة مسارات الصراعات والتفاعلات بين القوى المختلفة على المستوى الوطني.
المخيمات الفلسطينية وضغطها على المسيحيين وموازين القوى في لبنان
منذ وصول اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان بعد النكبة، تحولت بعض المخيمات إلى قوى مسلحة لها نفوذ مباشر على الواقع اللبناني، تتصرف أحيانًا ككيانات مستقلة عن الدولة، وتفرض واقعها بالقوة والضغط على الأطراف المحلية. هذه القوى لم تقتصر على نشاطها العسكري، بل امتدت لتشمل التأثير السياسي والاجتماعي، خصوصًا في المناطق ذات الغالبية المسيحية، حيث أصبحت مخابر للضغط على الأحزاب المسيحية وتقويض حضورها السياسي والأمني.
شهدت هذه المخيمات تحالفات واضحة مع القوى اليسارية والفصائل الفلسطينية، ما أتاح لها قلب موازين القوى في مناطق رئيسية مثل بيروت الشرقية وجبل لبنان، واستغلال الانقسامات الطائفية لتعميق الشرخ بين اللبنانيين. خلال المواجهات المسلحة في السبعينات والثمانينات، أظهرت المخيمات قدرتها على ممارسة ضغوط مباشرة على الأحزاب المسيحية، سواء من خلال الاشتباكات المسلحة أو من خلال الحصار الاقتصادي والاجتماعي على أحياء وبلدات مسيحية محددة، ما أجبر هذه الأطراف على الدفاع عن هويتها ووجودها أمام قوى خارجية شبه منظمة.
على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، شكلت المخيمات بيئة موازية للسلطة الرسمية، حيث كانت الأنشطة الاقتصادية داخلها غير منظمة وتخضع لقوانين خاصة، ما خلق دوائر نفوذ خارج سيطرة الدولة، وأضعف قدرة الحكومة على جمع الإيرادات وتنظيم الأسواق. هذا الواقع ساهم في زيادة هشاشة الدولة، وفرض على الأحزاب المسيحية التعامل مع هذه القوى المسلحة كأمر واقع، مع ما يترتب على ذلك من تراجع سيطرتها على مناطقها التقليدية وتعقيد أي استراتيجية أمنية أو سياسية.
كما أثرت المخيمات على البنية الاجتماعية والسياسية للمسيحيين، إذ كان الضغط المستمر يفرض عليهم التحالف مع قوى أخرى أو الانكفاء على الذات للدفاع عن مواقعهم، ما عزز الإحساس بالعزلة والتهميش. في بيروت الشرقية وجبل لبنان، شهدت الأحزاب المسيحية مثل الكتائب والقوات اللبنانية ضغوطًا متكررة على المستوى العسكري والسياسي من قبل المخيمات المسلحة، وهو ما ساهم في إعادة رسم الخريطة السياسية والطائفية، وإضعاف التلاحم الوطني بشكل عام.
لعبت المخيمات الفلسطينية دورًا حاسمًا في تغيير موازين القوى في لبنان، إذ لم تقتصر على كونها مأوى للاجئين، بل تحولت إلى قوة ضاغطة على الدولة والمجتمع، مستهدفة بشكل خاص المسيحيين وأحزابهم، ومعيدة تشكيل التوازنات السياسية والطائفية بما يخدم مصالحها واستراتيجياتها العسكرية والسياسية على حساب استقرار الدولة اللبنانية والمجتمع الوطني.
المخيمات الفلسطينية وضغطها على المسيحيين وإعادة تشكيل موازين القوى في لبنان
مع وصول اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان بعد النكبة، بدأت بعض المخيمات تتطور من مجرد أماكن لإيواء النازحين إلى قوى شبه مستقلة، تمتلك نفوذًا مسلحًا وسياسيًا على الأرض اللبنانية. لم تعد هذه المخيمات مجرد تجمعات سكانية، بل أصبحت مراكز للقوة العسكرية والسياسية، قادرة على التأثير في موازين القوى الداخلية، خاصة في المناطق المسيحية، حيث حاولت فرض واقعها بالقوة والضغط المستمر على الأحزاب والمجتمعات المسيحية.
في بيروت الشرقية، على سبيل المثال، شهدت السبعينات تحولات كبيرة مع دخول المخيمات المسلحة على خط النزاع. المخيمات الفلسطينية، مدعومة بتحالفات مع الفصائل اليسارية اللبنانية، شنت عمليات مباشرة على مواقع الأحزاب المسيحية، بما في ذلك الكتائب والقوات اللبنانية. هذه العمليات لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل تضمنت حصار أحياء مسيحية، وفرض مناطق نفوذ جديدة، ما أجبر الأحزاب المسيحية على الدفاع عن وجودها وهويتها، وأدى إلى إعادة توزيع القوى في العاصمة.
في جبل لبنان، امتد تأثير المخيمات ليشمل مناطق البقاع الغربية والمناطق المحيطة بطرابلس وصيدا. هنا، كان الضغط يشمل استغلال الانقسامات الطائفية وإشعال التوترات المحلية، بحيث لم تعد القوى المسيحية قادرة على ممارسة نشاطها السياسي بحرية. الأنشطة الاقتصادية داخل هذه المخيمات، غير الخاضعة للرقابة الرسمية، أضعفت قدرة الدولة على تنظيم الأسواق وجمع الضرائب، ما ساعد المخيمات على تعزيز نفوذها المالي والسياسي.
المواجهات المسلحة في مناطق مثل صبرا وشاتيلا وعين الحلوة، أبرزت الدور المباشر للمخيمات في تغيير موازين القوى. في صبرا وشاتيلا، أدى وجود الفصائل الفلسطينية المسلحة إلى تحجيم قدرة الأحزاب المسيحية على الدفاع عن أحيائها، وخلق بيئة من الخوف والضغط النفسي والاجتماعي، انعكس مباشرة على النشاطات السياسية للأحزاب المسيحية، وجعلهم مضطرين للتحالف مع أطراف أخرى أو الانكفاء على الذات للحفاظ على مواقعهم.
لم يقتصر تأثير المخيمات على الجانب العسكري والسياسي فقط، بل امتد إلى التأثير على البنية الاجتماعية والثقافية. المخيمات، عبر شبكة علاقاتها الداخلية وخارجها، أعادت تشكيل التحالفات بين الطوائف اللبنانية، مستغلة ضعف الدولة في السيطرة على الأراضي التي تسيطر عليها. هذا الواقع جعل المسيحيين مضطرين لتكييف استراتيجياتهم الدفاعية والسياسية، مما ساهم في زيادة العزلة وتراجع التأثير السياسي في مناطقهم التقليدية.
في الجنوب اللبناني، لعبت المخيمات الفلسطينية دورًا مزدوجًا: من جهة، كانت مركزًا للتنظيم والتدريب العسكري، ومن جهة أخرى، أداة لفرض النفوذ على القوى المسيحية في المدن والبلدات المحيطة. القوى المسيحية اضطرت للتعامل مع هذه المخيمات كقوة واقع، سواء من خلال التحالفات المؤقتة أو المواجهة المسلحة المباشرة، مما يعكس هشاشة الدولة اللبنانية في فرض القانون وحماية مؤسساتها في تلك الفترة.
النتيجة النهائية لهذا الواقع كانت تعزيز الانقسامات الداخلية، وإضعاف التلاحم الوطني بين اللبنانيين، مع تركيز الضغوط على المسيحيين وأحزابهم تحديدًا. المخيمات الفلسطينية لم تكن مجرد ملاذ للاجئين، بل أصبحت قوة ضاغطة قادرة على قلب موازين القوى، وتأثير طويل الأمد على التوازن السياسي والطائفي في لبنان، مع آثار واضحة على استقرار الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها ومؤسساتها.
الوضع اللبناني الراهن: ضرورة مشروع إنقاذي موحد ورفض التدخلات الخارجية
(أيار 1982)
ما يحدث في لبنان اليوم هو أمر غير مقبول على الإطلاق. البلاد تغرق في بحر من الصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية التي تزيد الطين بلة، وتضع مصير الوطن في خطر جدي. ما نشهده من تدخل سوري وفلسطيني، بالإضافة إلى تأثير اليسار الدولي على الساحة اللبنانية، يعمق الانقسامات ويقوض فرص الوحدة الوطنية.
في هذا الظرف الحساس، بات من الضروري تبني مشروع وطني إنقاذي موحد، يجمع كل الأطياف اللبنانية بعيدًا عن الأجندات الخارجية. هذا المشروع يجب أن يكون مستندًا إلى حفظ سيادة لبنان ووحدته، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتحقيق الوفاق الوطني الشامل.
الاستمرار في سماح التدخلات الخارجية بهذا الشكل غير المبرر يؤدي إلى تفاقم الأزمة، ويعرض لبنان لخطر الانهيار الكامل، لا سيما مع استغلال بعض القوى هذه التدخلات لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة على حساب الشعب اللبناني.
لا بد من موقف لبناني جامع يرفض التدخلات، خصوصًا السورية والفلسطينية، ويرفض أي تأثير للتيارات اليسارية الدولية التي لا تأخذ بالاعتبار خصوصية لبنان وتركيبته الوطنية. إن الوقت ليس وقت تشرذم بل وقت تلاقي، وفرصة لبناء دولة مستقرة وقوية.
إن مستقبل لبنان يعتمد على وحدته الداخلية، ورفضه لأي هيمنة خارجية، وهذا لن يتحقق إلا بتكاتف جميع اللبنانيين في مشروع إنقاذي يعيد الأمل والسلام.
ترشيح الرئيس فيليبان فرنجي والرئيس بشير الجميل للرئاسة: رفض التمديد وتحول المجلس إلى هيئة انتخابية
(حزيران 1982)
في هذا الإطار، بات من الواضح أن التمديد للرؤساء الحاليين لم يعد مقبولاً لدى غالبية القوى السياسية، خاصة مع اقتراب موعد انتهاء ولاية مجلس النواب.
يبرز في هذا السياق ترشيح الرئيس فيليبان فرنجي والرئيس بشير الجميل كخيارات وطنية تمثل رؤى مختلفة لكنها تصب في خدمة لبنان ومستقبله. يأتي هذا الترشيح في ظل حالة من الوعي بأهمية الانتقال إلى مرحلة جديدة من الحكم تمهد لاستعادة المؤسسات، وتعزز سيادة الدولة.
بعد 23 أيلول، من المتوقع أن يتحول مجلس النواب إلى هيئة انتخابية مكلفة باختيار الرئيس المقبل، مما يشكل نقطة محورية في إعادة التوازن السياسي في البلاد.
في حسابات المرحلة المقبلة، يجب اعتماد مجموعة من الثوابت الوطنية التي توجه المواقف السياسية، ومنها:
رفض تمديد أي ولاية خارج الإطار الدستوري.
احترام مبدأ التعددية السياسية والتوازن الطائفي.
تعزيز دور الدولة ومؤسساتها كمرتكز لاستقرار لبنان.
العمل على وحدة الصف الوطني والحد من الانقسامات الحادة.
الالتزام بسياسة خارجية تحافظ على استقلال القرار اللبناني.
إن التزام هذه الثوابت يشكل الأساس لأي نقاش جاد حول مستقبل لبنان، ويضمن بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
حول اجتياح إسرائيل لبيروت والخطر المزدوج على الوجود اللبناني
في تموز من العام 1982، دخل لبنان في أخطر مراحل كيانه الوطني، إذ استُبيحت عاصمته بيروت للمرة الأولى منذ إعلان دولة لبنان الكبير، وذلك في ظل اجتياح إسرائيلي كامل بدأ جنوباً وانتهى بمحاصرة قلب الجمهورية.
لم تكن الحرب التي شنتها إسرائيل مجرد عملية عسكرية محدودة النطاق لردع منظمة التحرير الفلسطينية، بل جاءت اجتياحاً شاملاً يهدد الصيغة اللبنانية والوجود الوطني بجميع مكوناته. وقد أُرفقت هذه العملية بحصار سياسي واقتصادي وإنساني للمدنيين، مما أسقط ورقة التوت عن كل دعاوى الأمن الذاتي أو التدخل الوقائي.
لقد تبين أن الخطر على لبنان لم يكن فقط من الخارج بل من الداخل أيضاً. إذ إن الوجود الفلسطيني المسلح، الذي اتخذ من الأرض اللبنانية منطلقاً لعملياته، شكّل ذريعة دائمة للتدخلات الخارجية، وخصوصاً من قبل إسرائيل، كما تسبب بزعزعة الثقة بين المكونات اللبنانية. فالعاصمة اللبنانية تحولت إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وتحولت بيروت إلى رهينة بين نارين: إسرائيل التي تريد كسر ظهر المقاومة الفلسطينية على حساب السيادة اللبنانية، والمنظمات الفلسطينية التي تنفذ حساباتها من أرضنا دون العودة إلى المصلحة اللبنانية العليا.
لقد آن الأوان للبنان أن يرفع صوته عالياً في وجه كل من يمتهن سيادته، سواء أتى من الشرق أو من الغرب، من جيرانه أو من حلفائه. إن الخطر المزدوج، الفلسطيني-الإسرائيلي، قد بلغ أقصاه، وأصبح وجود الدولة ومؤسساتها في مهب الريح، بعدما فرغت السلطة الشرعية من مضامينها وتحولت بيروت إلى مدينة منكوبة.
لم يعد التذرع بالقضية الفلسطينية يغني لبنان من مآسيه، ولم تعد شعارات "الوحدة في وجه الاحتلال" تصمد أمام المشهد الدموي اليومي في شوارع العاصمة، التي تئن تحت قصف لا يميز بين مقاوم ومدني، ولا بين عسكري وطفل.
من هنا، يجب إطلاق نداء وطني شامل يرفض تحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات. كما يجب إعادة الاعتبار للشرعية اللبنانية، ومنع كل طرف لبناني أو غير لبناني من مصادرة القرار الوطني. فلا الإنقاذ يأتي من قذائف العدو، ولا من فوضى السلاح الداخل.
وختاماً، فإن لبنان في تموز 1982 بات بحاجة إلى تضامن عربي صادق، لا إلى بيانات شكلية، وإلى دعم دولي فعلي يفرض وقف النار، ويضمن انسحاب كل القوى غير الشرعية من الأراضي اللبنانية، ويعيد السلطة إلى الدولة وحدها. وبدون ذلك، فإن الوطن ماضٍ إلى الزوال، والمجتمع إلى التفتت، والكيان إلى التفكك.
الحصار، التعهدات، والتحرك الدولي: مشهد بيروت تحت وطأة الاجتياح الإسرائيلي:
شهدت العاصمة اللبنانية بيروت، في تموز 1982، فصولاً حاسمة من المأساة الوطنية، مع اشتداد الحصار الإسرائيلي على المدينة وضيق الخناق على أحيائها الغربية، لا سيّما الضاحية الجنوبية، في مشهد يعيد رسم حدود السيادة والدولة والوجود. وفي ظل هذا الحصار غير المسبوق، أخذت تتبلور ملامح مبادرة فرنسية تهدف إلى تجنيب بيروت الغربية كارثة كبرى، وسط تسارع في الاتصالات الدولية وتحريك لملف القوات المتعددة الجنسيات.
في المقابل، أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية، من جهتها، استعدادها للانسحاب من بيروت وفق تسوية تضمن كرامتها وتراعي المبادئ الإنسانية، في خطوة لاقت ترحيباً عربياً، لكن تل أبيب لم تكتفِ بهذا التعهد، بل تمسّكت بشرط إخراج كل المنظمات الفلسطينية السياسية والعسكرية من بيروت، بل ومن لبنان بأسره، في محاولة واضحة لفرض شروط المنتصر على أرض الواقع.
الحصار الإسرائيلي للمدينة لم يكن مجرد إجراء عسكري، بل سياسة ممنهجة هدفت إلى كسر الإرادة اللبنانية والفلسطينية معاً، وإجبار الدولة اللبنانية على الانخراط قسراً في ترتيبات إقليمية لا تأخذ في الاعتبار خصوصيات الداخل ولا توازناته الدقيقة. ومع الضغوط المتزايدة، ظهرت مواقف دولية، لا سيما فرنسية، بدأت تأخذ شكل المبادرة الإنسانية – السياسية، حيث أبدت باريس استعدادها لإرسال قوات دولية تضمن تنفيذ الاتفاقات المرتقبة وتحول دون انهيار الوضع الأمني في بيروت الغربية.
في هذا السياق، وجد الحكم اللبناني نفسه أمام مفترق مصيري، بين المحافظة على وحدة الموقف الداخلي، وبين التلاؤم مع ضغوط القوى الخارجية. كما أن الرأي العام اللبناني، ومعه المسيحيون تحديداً، باتوا يدركون حجم الخطر المزدوج: الخطر الإسرائيلي الذي لا يتوقف عند حدود العمليات العسكرية، بل يمتد إلى بنية الكيان، والخطر الفلسطيني، إن بقي وجوده العسكري خارج أطر الدولة وسيادتها، واستمر طرفاً يتخطى المؤسسات اللبنانية الشرعية.
إن المطلوب في هذا الظرف المصيري هو تحصين السيادة اللبنانية، والتمسك بحق العاصمة بالحياة والكرامة، ورفض أي تسويات على حساب الوجود اللبناني. فبقدر ما يُطلب من الفلسطينيين الالتزام بالتفاهمات والخروج المنظم من بيروت، فإن إسرائيل مطالبة برفع الحصار فوراً، ووقف خروقاتها، والامتثال لقرارات الشرعية الدولية.
من هنا، تصبح المبادرة الفرنسية – إذا ما دُعّمت بإرادة عربية وغطاء أممي – فرصة لا بد من التقاطها، شرط ألا تُستغل لتصفية حسابات سياسية، بل لتثبيت هدنة قابلة للتحول إلى حل دائم، يكرّس السيادة اللبنانية، ويضمن سلامة الفلسطينيين، ويبعد شبح الحرب عن المدنيين، ويمنع التمدد الإسرائيلي وتحويل لبنان ساحة بديلة عن فلسطين.
إن المسؤولية التاريخية تفرض على الجميع، لبنانيين وعرباً وأصدقاء لبنان في العالم، أن يتداركوا الخطر قبل الانفجار الكامل، لأن بيروت لم تعد تحتمل، والدم اللبناني لا يجوز أن يبقى مادة ابتزاز في صراعات المحاور.
لبنان بين فكّي الانسحاب والانتخاب: زمن الخيارات المصيرية:
في صيف العام 1982، بدا المشهد اللبناني معلّقاً بين لحظة دم ونقطة تحوّل. فمن جهة، تشهد العاصمة بيروت أعنف ضغط عسكري عرفته منذ بداية الحرب، بفعل الحصار الإسرائيلي الذي شلّ المدينة، وامتدّ إلى حدّ فرض واقع أمني وسياسي جديد على البلاد، ومن جهة أخرى، يتحضّر لبنان لاختيار رئيس جديد للجمهورية في ظلّ واقع منقلب وموازين داخلية وخارجية مضطربة.
إنّ خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، بعد أسابيع من القصف والحصار، شكّل تتويجاً لمفاوضات سياسية وأمنية إقليمية ودولية شاقة، ساهم فيها الموفدون الدوليون، لا سيما الأمريكي فيليب حبيب، والفرنسيون بقيادة الرئيس ميتران، حيث تمّ التوصل إلى اتفاق بضمانات دولية تسمح بخروج المقاتلين الفلسطينيين من العاصمة وانتشار قوات متعددة الجنسيات.
هذا التحرك كان له وقع مزدوج على الداخل اللبناني: فقد أنهى مرحلة عسكرة الفلسطينيين في بيروت، لكنه أيضاً فتح الباب واسعاً أمام التغلغل الإسرائيلي في قلب القرار اللبناني، وبات الجيش الإسرائيلي يراقب مفاصل العاصمة ويحاصر مواقع القرار، بانتظار أن تترجم نتائج المعركة عسكرياً إلى مكاسب سياسية.
على الصعيد الداخلي، ووسط هذه التطورات، عاد النقاش حول رئاسة الجمهورية إلى الواجهة. وبعدما بات من شبه المؤكد استحالة التمديد للرئيس الياس سركيس، تحركت القوى الداخلية تحت ضغط الخارج للبحث عن البديل. فطرح اسم بشير الجميل بقوة كمرشح يمثل المرحلة الجديدة بما تحمله من توازنات، خصوصاً بعد تعزيز نفوذ حزبه في بيروت الشرقية والمدعوم أمريكياً وإسرائيلياً. في المقابل، طُرح اسم الرئيس السابق سليمان فرنجية كخيار مضاد يحظى بدعم الحلف السوري وبعض القوى التقليدية.
وفي هذا المشهد المتأرجح، حاولت القوى المسيحية تحديداً أن تضع لنفسها موقعاً سيادياً يحافظ على دورها التاريخي، لكن دون التورّط في الرهان الكامل على قوة الاحتلال الإسرائيلي، ودون الانجرار إلى مشروع الانعزال عن باقي مكوّنات الوطن.
لقد بات واضحاً أن استحقاق رئاسة الجمهورية لم يعد محكوماً فقط بالآليات الدستورية، بل بات رهينة التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة، كما أن الخروج الفلسطيني من بيروت، وإن شكّل إنجازاً لبعض القوى، إلا أنه كشف هشاشة الدولة اللبنانية وعجزها عن امتلاك زمام أمنها وقرارها.
من هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إجابات عن أسئلة مصيرية:
هل سيكون رئيس الجمهورية المقبل صنيعة الاحتلال أم ثمرة تسوية وطنية؟
وهل يقدر لبنان أن يخرج من هذا النفق من دون أن يفقد روحه التعددية واستقلاله؟
إنها لحظة دقيقة لا تحتمل التسرع ولا الاصطفاف الأعمى. المطلوب من القيادات المسيحية واللبنانية عموماً، أن تلتقط فرصة التحول لا لتنتصر لفئة، بل لتعيد بناء الدولة قبل أن يضيع الوطن.
"آب الحسم. ترحيل الفلسطينيين وانتشار دولي ومخاض لبناني داخلي":
يشهد لبنان في شهر آب 1982 منعطفاً دقيقاً من تاريخه الحديث، مع دخول المفاوضات الدولية والإقليمية حول بيروت في طور التنفيذ التدريجي، وفق جدول زمني محكوم بالضغوط، وبنتائج الحرب التي فجّرها الاجتياح الإسرائيلي في حزيران. فقد دخلت المرحلة الأولى والثانية من عملية ترحيل الفلسطينيين والمسلحين العرب من العاصمة حيّز التنفيذ، بعدما تم التوصل إلى اتفاق ضمني رعته واشنطن، وأشرفت عليه باريس وروما، لضمان سلامة الممرات وخروج المقاتلين، مقابل وقف النار وانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من مرفأ بيروت ومحيطها.
كان للمرفأ البحري النصيب الأبرز من المراقبة الفرنسية – الإيطالية، حيث انتشرت وحدات المظليين الفرنسيين قرب الأرصفة، لمواكبة خروج الفلسطينيين المنظمين إلى وجهات حُدّدت مسبقاً، وفي طليعتها تونس التي استقبلت الدفعات الأولى من الفدائيين. أما الإسرائيليون، فرغم انسحابهم المعلن من محيط المرفأ، فإنهم لم يرفعوا أعينهم عن التفاصيل، حيث تابع وزير الدفاع أرييل شارون شخصياً مراحل الترحيل، وأجرى لقاءات مع الموفد الأميركي فيليب حبيب، مكرّساً بذلك سطوة ميدانية غير مباشرة على ما تبقّى من السيادة اللبنانية.
شارون استغل اللحظة ليدفع في اتجاه إحياء مفاوضات الحكم الذاتي للفلسطينيين، كما نصّت اتفاقيات كامب ديفيد، ولكن من بوابة بيروت لا رام الله، ساعياً إلى تقويض النفوذ الفلسطيني نهائياً في لبنان. في المقابل، حافظ حبيب على موقعه كضابط إيقاع للمصالح الأميركية – الفرنسية – الإسرائيلية، حيث تلاقت القوى على أولويات ثلاث: ترحيل منظمة التحرير، انتخاب رئيس جمهورية لبناني جديد، واحتواء الصراع السوري – الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية.
لبنان الرسمي، الذي وجد نفسه مستبعداً من أصل القرار، تابع تنفيذ الاتفاقات بحذر وقلق، محاولاً في الوقت ذاته الدفع باتجاه إخراج جميع القوى غير اللبنانية، وفي طليعتها الجيش السوري الذي لا يزال يحتفظ بمواقع استراتيجية من زحلة إلى الشمال، ويتصرف بوصفه طرفاً مقرراً. وقد ارتفعت الأصوات المسيحية، ولا سيما في الدوائر البيروتية، داعية إلى انسحاب القوات السورية فوراً، أسوة بالمنظمة، كي يتمكن لبنان من استعادة سيادته ومقوماته السياسية، وعلى رأسها استحقاق رئاسة الجمهورية.
التحضيرات الرئاسية بدأت بالفعل، في كواليس الداخل والخارج، وبرز اسم بشير الجميل مرشحاً أساسياً، مدعوماً من الإدارة الأميركية ومن قوى سياسية ترى فيه الضمانة لأمن ما بعد الانسحاب، فيما تحاول قوى أخرى فرض توازنات عبر الدعوة إلى انتخاب توافقي يضمن الوحدة الوطنية ويمنع التفرد.
في هذه اللحظة الدقيقة، يقف لبنان على تقاطع الأقدار، وسط وجود أجنبي كثيف، وغياب الثقة، وتهافت إقليمي على النفوذ، الأمر الذي يُحتم مخرجاً سيادياً جامعاً يعيد الاعتبار لمبدأ الدولة، ويمنع تكرار ما جرى.
انتخاب بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية في آب 1982
في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، جرى انتخاب النائب بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية في جلسة نيابية عقدت في قصر منصور بتاريخ 23 آب 1982، واكتمل فيها النصاب بحضور 62 نائبًا، فحصد الجميّل 57 صوتًا في الدورة الثانية، بعدما لم ينل العدد المطلوب في الدورة الأولى. وقد جاء هذا الانتخاب وسط مناخ داخلي ضاغط وظروف أمنية وسياسية استثنائية، أبرزها الاجتياح الإسرائيلي، وحصار بيروت الغربية، والمفاوضات الدولية الحثيثة حول مستقبل لبنان، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من العاصمة.
إن انتخاب بشير الجميّل، وهو قائد "القوات اللبنانية"، يرمز إلى انتقال مرحلة طويلة من الحرب الأهلية إلى مشروع سياسي جديد يرفع شعارات الوفاق الوطني، والسيادة اللبنانية، وجلاء كل القوات الأجنبية، وبناء الدولة القوية القادرة. إلا أنّ هذه المرحلة لم تبدأ من فراغ، بل أتت في ظل توازنات دقيقة، وتقاطعات دولية ـ إقليمية لا يمكن التغاضي عنها، منها الرعاية الأميركية المكثفة للعملية السياسية، والدور الفرنسي المتزايد، ومتابعة دقيقة من إسرائيل التي اجتاحت لبنان وبلغت عاصمته.
الجميّل، في كلمته الأولى بعد انتخابه، أعلن أن "يده ممدودة للجميع"، متحدثًا عن ضرورة طيّ صفحة الحرب والانقسام، والبدء بمرحلة السلام والعدالة وبناء الدولة. لكنه لم يُغفل مسألة السيادة، مطالبًا بانسحاب جميع القوات الأجنبية، وهو بذلك حاول إرسال رسائل في أكثر من اتجاه: إلى الداخل الطامح للوفاق، وإلى الخارج المتدخّل والمتحكّم بمسار الأحداث.
غير أنّ التحدي الأكبر أمام الرئيس المنتخب لا يكمن فقط في خطابه أو نواياه، بل في قدرته على التوفيق بين إرث الحرب، وواقع الانقسامات الطائفية والمناطقية، وبين الضغوط الخارجية التي تجعل من رئاسته امتحانًا حقيقيًا للبنان الدولة، لا الكيان فحسب.
هي فرصة تاريخية لتكريس مشروع السيادة والشرعية والدولة الواحدة، كما يمكن أن تكون لحظة احتدام إضافي إن لم تُستثمر بروح وفاقية وشاملة.
لم يكن فجر الرابع عشر من أيلول 1982 يوماً عادياً في حياة اللبنانيين، بل كان لحظة قاتلة طعنت الحلم في صميمه، وقلبت الرجاء إلى حداد. فبعد أسابيع قليلة على انتخابه رئيساً للجمهورية في جلسة نيابية لم يسبق لها مثيل من حيث التوافق، سقط بشير الجميّل، القائد الشاب، صريع تفجير إجرامي في مقر حزب الكتائب في الأشرفية، مع عشرين شهيداً من رفاقه، بينهم قياديون بارزون من صلب النضال السياسي والعسكري في الساحة المسيحية والوطنية.
كانت بيروت لا تزال تداوي جراح الاجتياح، وكانت العيون مشدودة إلى القصر الجمهوري، علّ بشير، الآتي من رحم الحرب، يقود عهد السلام، فاستهدفته المؤامرة قبل أن يصل. لقد كان انتخابه بمثابة انعطافة كبيرة في مسار الصراع، إذ حمل خطاباً واعداً بالوفاق الوطني، وبالانفتاح على الداخل والخارج، ووعداً صريحاً بجلاء القوات الأجنبية عن لبنان، لا سيما الإسرائيلية والسورية والفلسطينية، وبدء إعادة الإعمار.
إلا أن من لا يريد للبنان أن يقوم، أراد قطع الطريق عليه باكراً. فكان التفجير المروّع، وكان الانفجار السياسي والوطني والوجداني الذي عمّ الأوساط اللبنانية، ولا سيما في جبل لبنان والمناطق المسيحية. وأمام جثمان الرئيس المنتخب، الذي ما لبث أن تسلم مفاتيح الدولة حتى رحل، خيّم الصمت في باحة بكفيا. ذلك الصمت الذي قال أكثر من كل كلام، وعكس هول المأساة التي لم تكن سياسية فقط، بل كانت مجازرية في تداعياتها الوطنية والوجدانية.
الرئيس إلياس سركيس، الذي كان لا يزال في موقعه، عبّر عن قلقه من "مؤامرة كبرى تُحاك ضد الكيان اللبناني"، داعياً الجميع إلى التعقل، ومشدداً على ضرورة صون الاستحقاق الرئاسي واستكمال بناء الدولة، لأن أي تراجع عن التزامات بشير يعني العودة إلى نقطة الصفر وربما أسوأ.
لقد شعر اللبنانيون، وخاصة المسيحيين، بأن الأمل الذي بدأ يتشكل انكسر فجأة. كان اغتيال بشير الجميّل بمثابة رسالة دموية إلى كل من تجرأ على التفكير بالخروج من واقع الاحتلالات والوصايات. ولعل الأهم، أنه أظهر أن السلام في لبنان ليس مطلباً متاحاً، بل هو مغامرة سياسية كبرى، يدفع ثمنها من يحاول السير فيها من دون ضوء أخضر إقليمي ودولي.
أمن لبنان بين الهاجس والمأزق: الانسحابات وتجميع السلاح مدخل ضروري إلى الاستقرار:
رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الأهلية، وسبعة عشر عاماً على انسحاب القوات السورية من لبنان، فإن هاجس الأمن لا يزال يقضّ مضاجع اللبنانيين. في عام 2021، بدا المشهد اللبناني غارقاً في اختلالات خطيرة، أبرزها التداخل المريب بين المؤسسات الشرعية والمجموعات المسلحة الخارجة عنها، والانكشاف الأمني التام في مناطق كثيرة من الوطن.
عادت لغة السلاح لتخطف الكلمة من صوت العقل، وعادت الاشتباكات المتنقلة، والفوضى المسلحة، والتوترات الطائفية والسياسية، وكأن البلاد لا تزال رهينة مرحلة ما قبل الطائف. تفجيرات متفرقة، اغتيالات مغلّفة بالتعتيم، اشتباكات بالأسلحة الرشاشة بين مجموعات حزبية، ومحاولات متكررة لترهيب الرأي الآخر تحت مظلة "التوازنات" أو "الخصوصيات".
من المؤسف أن نشهد هذا الانهيار في دولة كان يُفترض أن تكون قد بلغت رشدها الدستوري والمؤسساتي. فغياب الدولة المركزية القادرة والرادعة، وسيطرة السلاح المتفلت والمشرعن على حد سواء، جعلا من الأمن اللبناني عرضة للتقلبات الإقليمية والتحولات الدولية، وجعل المواطن اللبناني يشعر كأنه مقيم في وطن لا دولة فيه.
إن بقاء السلاح خارج إطار الشرعية يُبقي الاستقرار هشاً، ويجعل أي توافق سياسي مرتهناً بميزان القوى لا بالدستور. أما الانسحاب الكامل لكل القوات والمجموعات الأجنبية، وتجميع السلاح غير الشرعي، فهو شرط لا بد منه ليصبح الأمن في لبنان نابعاً من المؤسسات لا من التسويات المؤقتة أو المربعات الأمنية.
ندعو اليوم إلى رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار لهيبة الدولة وتضع حداً لفائض القوة، أياً كان مصدره. يجب العودة إلى منطق المؤسسات، والاحتكام إلى الجيش والقوى الشرعية وحدها في حماية الأرض والناس. فلا أمن دون سيادة، ولا سيادة دون حصرية القرار الأمني والعسكري بيد الدولة.
على الطبقة السياسية أن تتجاوز منطق الحصص والتوازنات الوهمية، وأن تعمل بصدق على ترسيخ أمن دائم يقوم على الانضباط الوطني والانخراط الفعلي في مشروع الدولة الواحدة، لا على منطق الدويلات المتوازية.
إن أمن لبنان ليس ترفاً، بل شرط بديهي لأي نهوض اقتصادي أو استقرار اجتماعي أو إصلاح سياسي. فليكن عام 2021 محطة مراجعة حقيقية ننتقل منها إلى زمن الأمن الشرعي الشامل.
"انتخاب أمين الجميّل بين الظرف الدموي والرهانات السياسية: بداية عهد محفوف بالمحاذير":
في نهاية أيلول من العام 1982، وفيما لبنان يلملم رماد كارثة وطنية تمثلت باغتيال الرئيس المنتخَب بشير الجميّل، اجتمع مجلس النواب اللبناني في قصر منصور، لينتخب رئيساً جديداً للجمهورية هو النائب أمين الجميّل، شقيق الرئيس الشهيد. كان هذا الانتخاب ضرورة دستورية من جهة، وملاذاً سياسياً من جهة أخرى لتدارك فراغ خطير، وإثبات أن لبنان لا يزال قادراً على الاستمرار ضمن الحدّ الأدنى من انتظام الحياة السياسية.
لم يكن انتخاب أمين الجميّل وليد معركة دستورية أو سجال انتخابي، بل جاء محمولاً على موجة من الحزن الشعبي، والغضب الداخلي، والحاجة الملحة إلى إعادة إنتاج رأس للسلطة في خضم احتلال إسرائيلي لبيروت، وانسحاب فلسطيني من المدينة، ووجود قوات متعددة الجنسيات، وسط انهيار شبه تام لمقومات السيادة. كانت الجلسة الانتخابية بمثابة خط دفاع أخير ضد الفوضى الشاملة، وموعداً للتمسّك بما تبقّى من دولة.
منذ لحظة انتخابه، تبلورت حول الرئيس الجميّل مجموعة من التحديات البنيوية:
1. الوضع الأمني المتفجّر: بيروت مثخنة بالجراح، وتخضع لرقابة إسرائيلية لصيقة. الضاحية الجنوبية تترنّح بين بقايا النفوذ الفلسطيني وصعود قوى شيعية ناشئة. الجبل متأهب، والجنوب خاضع للمراقبة الإسرائيلية. العاصمة بلا سيادة فعلية، والجيش منهك ومتراجع.
2. الانقسام السياسي العميق: بين من رأى في انتخاب الجميّل استمراراً لمشروع بشير، ومن رأى فيه فرصة لتعديل المسار، بدا واضحاً أن الرئيس الجديد سيتعين عليه السير بين الألغام، لا سيما أن فريقاً كبيراً من اللبنانيين لم يكن جزءاً من مشهد الإجماع السياسي أو العسكري أو التمثيلي.
3. أولوية إعادة بناء الدولة: رفعت الشعارات، لكن البناء الحقيقي يقتضي قرارات صعبة: توحيد الجيش، نزع السلاح، تحييد لبنان، بدء عملية إصلاح سياسي عميق، وإعادة إحياء الاقتصاد المنهار. وكل ذلك وسط ضغوط خارجية هائلة.
4. الملف الفلسطيني والسوري: كانت دمشق تراقب عن كثب. خرجت منظمة التحرير من بيروت، لكنها لم تغب عن المشهد اللبناني. أما الوجود السوري، فكان يترسّخ في البقاع والشمال. بالتالي، فإن أي مشروع لبناء سلطة متوازنة كان يفترض فكّ الاشتباك مع هاتين الجهتين.
في هذا السياق، حمل الرئيس أمين الجميّل خطاباً يدعو إلى "الوفاق الوطني"، و"جلاء القوات الأجنبية"، و"بناء السلام على قاعدة السيادة". لكن الوقائع أثبتت أن هذه العناوين لن تتحقق إلا بشقّ الأنفس، خصوصاً أن الإدارة الأميركية وضعت ملف المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية على الطاولة، فيما انكفأت فرنسا عن الانخراط العميق في المرحلة التالية.
إن أخطر ما في عهده الناشئ آنذاك، لم يكن غياب الخطة أو الإرادة، بل غياب الضمانات، ووجود لاعبَين خارجيين يمسكان بزمام الداخل: تل أبيب ودمشق. وفي الداخل، لا تزال بنادق الأحزاب مشرعة، والثقة معدومة، والشارع على شفير الانفجار.
نجاح عهد الرئيس الجميّل لم يكن رهناً بقدرته على المناورة، بل بمدى استعداده للمواجهة، وحسن إدارته للتحالفات، وسرعة قراره في الإصلاح، دون السقوط في شرك الانتقام أو الإقصاء.
طرابلس بين الانقسام والانفراج الأمني: اختبار جديد للدولة اللبنانية:
في كانون الأول من العام 1982، وبينما كانت البلاد تلتقط أنفاسها بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية ومحاولة الدولة إعادة تموضعها في ظل الاحتلالات والاغتيالات والتحديات الإقليمية، برزت مدينة طرابلس كواحدة من أبرز بؤر التوتر الأمني والانقسامات الداخلية. كانت المدينة الشمالية تعيش على وقع اشتباكات متقطعة، وانقسامات سياسية ومذهبية حادة، غذّتها الصراعات الإقليمية، وموقع المدينة الجغرافي على تماس مباشر مع خطوط النفوذ السوري والفلسطيني.
إن التوتر الذي ساد طرابلس في تلك المرحلة لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات بدأت منذ منتصف السبعينيات، وتجلّت بشكل صارخ بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وانسحاب منظمة التحرير الفلسطينية منها. فقد تحوّلت بعض أحياء المدينة إلى مسرح لتصفية الحسابات بين فصائل فلسطينية، وتيارات إسلامية متشددة، وقوى محلية مرتبطة بالمحاور الإقليمية.
في هذا السياق، شكّل ضبط الأمن في طرابلس تحدياً حقيقياً للدولة اللبنانية التي كانت تسعى إلى ترميم حضورها وهيبتها في الداخل. وعلى الرغم من محاولات الجيش اللبناني إعادة الانتشار وفرض بعض الهدوء، فإن الانقسامات داخل المدينة حالت دون بناء استقرار دائم. فبين نفوذ "حركة التوحيد الإسلامي" وتواجد عناصر موالية لسوريا، ومجموعات فلسطينية مشتتة، ضاعت المدينة في شبكة مصالح متضاربة حالت دون قيام سلطة واحدة شرعية.
من جهة أخرى، عكست طرابلس صورة مصغّرة عن لبنان بأسره: مدينة يسكنها الخوف والتسلح والفقر، وتنتظر حضور دولة قوية قادرة على بسط القانون وحماية المدنيين. كما أنها شكّلت امتحاناً جدياً للعهد الجديد بقيادة الرئيس أمين الجميل، الذي وضع في سلم أولوياته تعزيز الأمن الداخلي وتثبيت ركائز الدولة، معوّلاً على دعم فرنسي – عربي لإعادة الانتظام إلى المؤسسات، والتهيئة لوفاق وطني شامل.
لكن محاذير الانفجار في طرابلس بقيت قائمة، فالتسويات الأمنية المؤقتة لم تكن كافية من دون توافق سياسي شامل. وبرزت الحاجة إلى نزع سلاح المجموعات المتقاتلة، وإلى انسحاب كل القوى غير اللبنانية من الساحة الشمالية، وإعادة ربط المدينة بباقي الجسد اللبناني.
في نهاية المطاف، بدت طرابلس وكأنها تلخّص المأساة اللبنانية: انقسام، تدخلات، غياب للمرجعية، وانكشاف أمني. وفي كانون الأول 1982، وقف السياسيون أمام مسؤولياتهم، فإما دولة واحدة وسلطة شرعية، أو استمرار التفلت والانفجار المدمّر.
الجو الودّي لم ينقذ الجولة الرابعة من المحادثات في كريات شمونة:
من موقع المعاينة الدقيقة للحراك السياسي والدبلوماسي الجاري منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982، يطالعنا مشهد بالغ التعقيد في كريات شمونة، حيث انعقدت الجولة الرابعة من المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية تحت رعاية أميركية. وقد بدا للوهلة الأولى أن جوًّا من اللياقة والانفتاح طبع هذا اللقاء، إلا أن ما خفي كان أعمق بكثير من المجاملات اللفظية.
فالودّ الدبلوماسي لم يكن كافيًا لتذليل العقبات الجوهرية التي حالت دون أي اختراق تفاوضي. إذ إن الوفد اللبناني بقي متمسكًا بثوابت السيادة الكاملة ورفض أي شكل من أشكال التطبيع، بينما سعى الوفد الإسرائيلي، بتشجيع من الموفد الأميركي موريس درابر، إلى فرض إطار أمني مشترك يمس جوهر الاستقلال اللبناني بذريعة “ضمان أمن الشمال الإسرائيلي”.
لقد كان هذا اللقاء اختبارًا لقدرة لبنان الرسمي على الصمود التفاوضي بعد الخروج الدامي من بيروت، واختبارًا لإرادة المجتمع الدولي في الضغط الحقيقي على إسرائيل. لكن نتائج الجولة جاءت مخيّبة للآمال، لأن الجانبين ما زالا يعتمدان لغتين متوازيتين: لغة لبنانية ترتكز على المبادئ الدولية وقرارات الشرعية، ولغة إسرائيلية قائمة على فرض وقائع أمنية تمس الكيان اللبناني وقراره الحر.
ما زال لبنان يفاوض من موقع الضعف العسكري والسياسي، فيما تنطلق إسرائيل من موقع القوة والاحتلال، وهو ما يجعل مناخ “الودّ” مجرّد ستار لإخفاء تناقضات حادة. ولعلّ أهم ما يلاحظ هو أن الحضور الأميركي، بدل أن يكون عنصر توازن، بدا منحازًا في كثير من اللحظات إلى المطالب الإسرائيلية، خصوصًا في مسألة إنشاء “ترتيبات أمنية مشتركة” في الجنوب، وهو ما يرفضه لبنان باعتباره انتقاصًا من السيادة.
إن المحادثات الجارية في كريات شمونة لا تزال تدور في حلقة مفرغة، لا بفعل غياب النوايا الطيبة، بل نتيجة عدم توافر المرجعيات المشتركة للحل. لذلك، فإن الجو الودّي لا يعني توافقًا، بل قد يكون خداعًا مؤقتًا يخفي صراعًا عميقًا على مستقبل الجنوب اللبناني وموقع لبنان في خارطة التوازنات الإقليمية.
تزداد الحاجة إلى موقف لبناني جامع، يستند إلى دعم عربي ودولي صادق، وإلى تحصين الجبهة الداخلية بحدّ أدنى من التفاهم الوطني. فالخطر لا يأتي فقط من المطالب الإسرائيلية، بل أيضًا من الانقسامات الداخلية التي تضعف قدرة لبنان على الدفاع عن مصالحه في أي مفاوضات.
إسرائيل تدّعي عدم استهداف القوات السورية لإنقاذ المسيحيين. بينما الاشتراكيون يدخلون الحي الغربي:
في أجواء معقدة ومتوترة تحيط بحرب الجبل المستمرة منذ أشهر، يواجه لبنان مرة جديدة مأزقاً داخلياً وخارجياً ينذر بتصعيد خطير وتداعيات كارثية على النسيج الوطني. في شباط 1983، تتخذ التطورات مَساراً متسارعاً، بين تصريحات إسرائيلية تبشر بأنها لا تسعى لضرب القوات السورية التي تحاول حماية المسيحيين، وبين اقتحام الاشتراكيين الحي الغربي في بيروت، وتبادل الاتهامات بين القوات اللبنانية والإسرائيليين حول الانفِعاد العسكري، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى وحرق المنازل.
إنّ ادعاء إسرائيل بعدم استهداف القوات السورية في لبنان بهدف حماية المسيحيين، هو في ظاهره خطوة لخلق تبرير سياسي يهدف إلى نزع مسؤولية العدوان عنها، وتعزيز صورتها كحامية للمسيحيين في مواجهة الاشتراكيين واليسار. لكن واقع الميدان يكشف تناقضاً صارخاً بين هذا الخطاب والتصرفات التي نشهدها، حيث تتواصل الغارات والاشتباكات في مناطق عدة، ويتحمل المدنيون في المناطق المسيحية وبقية المناطق تبعات النزاع الدموي.
أما دخول الاشتراكيين إلى الحي الغربي، فهو تصعيد واضح يحمل في طياته تهديداً مباشرًا للوجود المسيحي والسيطرة القسرية على مناطق استراتيجية، ما دفع القوات اللبنانية إلى توجيه اتهامات خطيرة للإسرائيليين بالانفِعاد، أي الانخراط المباشر في القتال على الأرض، وهو ما تنفيه إسرائيل، لكن مصادر عدة تؤكد وجود دعم لوجستي وعسكري إسرائيلي مباشر أو غير مباشر.
المواجهات الأخيرة، التي شهدت سقوط عشرات القتلى والجرحى، لم تقتصر على الاشتباكيين والقوات اللبنانية، بل طالت المدنيين، وحرق المنازل في الحي الغربي، في مؤشر خطير إلى تصاعد العنف وعدم وجود أي بوادر حقيقية لتهدئة.
إن هذه التطورات تؤكد أن حرب الجبل باتت على شفا انفجار شامل، يعكس فشل كل المبادرات السياسية والدبلوماسية في إيقاف نزيف الدم. كما أنه يبرز هشاشة الوضع اللبناني الذي يستغل فيه اللاعبون الإقليميون والدوليون النزاع اللبناني لتحقيق مكاسب استراتيجية، مما يعمّق الانقسامات الداخلية ويهدد بإنهاء أي أمل في استقرار الوطن.
في هذا المناخ، يظل على القيادة المسيحية والقوات اللبنانية تعزيز الوحدة الداخلية والعمل على إيجاد تحالفات وطنية وعربية تحمي الوجود المسيحي وتحقق توازنًا في مواجهة التدخلات الخارجية، وعلى المجتمع الدولي أن يفي بمسؤولياته في حماية المدنيين ووضع حد لتصعيد العنف.
لبنان في طمة عدم الانحياز:
في آذار 1989، يعيش لبنان أزمة مركبة تجمع بين تداعيات الحرب الأهلية المستمرة وتحديات إعادة البناء الوطني والسياسي، وسط محيط إقليمي مضطرب. في هذا السياق، تُطرح مسألة انتماء لبنان إلى حركة عدم الانحياز كخيار استراتيجي يهدف إلى حماية سيادته واستقلاله، وتحقيق توازن في علاقاته الخارجية، بعيداً عن محاور الصراع الإقليمي والدولي.
إن لبنان، بتنوعه الطائفي والثقافي، وبموقعه الجيوسياسي الفريد، يجد نفسه أمام خيار صعب يتمثل في تحييد البلاد عن النزاعات الكبرى بين القوى العالمية والإقليمية. فقد أثبتت سنوات الحرب الأهلية أن الانحياز إلى أي طرف إقليمي أو دولي قد كان سبباً رئيسياً في تعميق الانقسامات والصراعات الداخلية، وبالتالي إضعاف الدولة وهويتها الوطنية.
فكرة لبنان في قمة عدم الانحياز تعني رفض الانخراط في المحاور المتصارعة، وتبني سياسة خارجية متوازنة تستند إلى احترام القرارات الدولية، خاصة قرار مجلس الأمن 425 و1559، وتدعو إلى انسحاب القوات الأجنبية، سواء كانت سورية أو إسرائيلية، من أراضيه. كما تعني تعزيز وحدة الجيش اللبناني كمؤسسة وطنية جامعة، وتفعيل المؤسسات السياسية للدولة لتكون المظلة التي تحمي الحقوق وتبني الاستقرار.
لكن هذا الخيار ليس سهلاً، إذ يواجه لبنان ضغوطاً داخلية وخارجية، من دول تسعى لاستثماره كمنصة لصراعاتها، ومن قوى داخلية تميل إلى الانحياز لحسابات خاصة أو حزبية. لذلك، فإن التمسك بمبدأ عدم الانحياز هو رسالة سياسية وطنية يجب أن تتوحد حولها كافة القوى السياسية والمجتمعية.
في ظل هذه الظروف، تبدو الحاجة ماسة إلى رؤية لبنانية واضحة تستند إلى الحوار الوطني الشامل، وترسم خارطة طريق لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة، بعيداً عن المحاور التي تفتت الوطن وتستنزف طاقاته. إن لبنان، عبر تمسكه بعدم الانحياز، يستطيع أن يستعيد دوره كدولة ذات سيادة، وملتقى للثقافات والحضارات، ومنصة للسلام والاستقرار في المنطقة.
الجولة الخامسة العشرون من المباحثات اللبنانية-الإسرائيلية: لبنان يتوقع ردوداً إسرائيلية على تعديلاته لمشروع الاتفاق :
في نيسان 1983، تستمر المباحثات بين لبنان وإسرائيل، حيث تجري الجولة الخامسة العشرون من المحادثات في ظل أجواء دقيقة وحساسة. لقد طرحت الحكومة اللبنانية خلال هذه الجولة تعديلات على مشروع الاتفاق المقدم، تعكس حرص لبنان على حماية سيادته وأمنه الوطني، مع محاولة إيجاد مخرج سياسي يعيد الاستقرار إلى الجنوب اللبناني.
تتسم الجولة الحالية بحساسية خاصة، فلبنان يضع نصب عينيه تحقيق نتائج ملموسة على الأرض تضمن انسحاب القوات الإسرائيلية دون فرض شروط تمس السيادة اللبنانية. تعديلات لبنان على مشروع الاتفاق تتضمن رفضاً قاطعاً لأي ترتيبات أمنية مشتركة قد تحوّل الجنوب إلى منطقة تحت النفوذ الإسرائيلي أو الانتداب المشترك، وهو ما كان مطلباً إسرائيلياً يدفع به الوفد الإسرائيلي.
لبنان يتوقع ردوداً إسرائيلية متفاوتة، تتراوح بين الرفض والتفاوض، وقد تكون مصحوبة بمحاولات ضغط سياسي أو عسكري في الميدان، خصوصاً أن إسرائيل تسعى إلى تثبيت وجودها في بعض النقاط الاستراتيجية من الجنوب، وترفض التنازلات التي قد تهدد موقعها الأمني.
هذا الواقع يجعل الجولة العشرون من المباحثات اختباراً حقيقياً لموقف إسرائيل من المبادرات اللبنانية، ومدى جدية الأطراف الدولية المعنية، خصوصاً الولايات المتحدة، في دفع عملية السلام إلى الأمام. كما يعكس قدرة لبنان على الحفاظ على توازنه السياسي، رغم التحديات التي تواجهها قيادته على الصعيدين الداخلي والخارجي.
هذا التحدي يتطلب من لبنان وحدة وطنية تامة وتنسيقاً مستمراً بين أركان السلطة، إضافة إلى تفعيل الدبلوماسية اللبنانية لتأمين دعم عربي ودولي يشكل رادعاً لأي محاولات إسرائيلية لفرض شروط تعيق الحل.
تشكّل الجولة العشرون فرصة لبنان للحفاظ على حقوقه واستعادة سيادته، وهي تذكير بأن الحل السياسي هو السبيل الوحيد للخروج من دائرة العنف والصراع التي تهدد مستقبل لبنان.
سكرة بعد الجولة الثالثة من المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية: المبعوث الأمريكي شولتز يحمل الحد الأقصى للموقف اللبناني والاتفاق يبقى رهن جواب تل أبيب:
بعد الجولة الثالثة من المحادثات التي جرت بين لبنان وإسرائيل برعاية المبعوث الأمريكي شولد، يعيش لبنان حالة من الترقب والحذر، حيث حمل المبعوث الأميركي الموقف اللبناني بأقصى حدوده السياسية والدبلوماسية. فلبنان قدم مقترحاته ومطالبه التي تعكس الحرص على الحفاظ على السيادة الوطنية، وعدم السماح بأي صيغة من شأنها تقويض الاستقلال أو فرض ترتيبات أمنية تمس بأمنه الداخلي.
المبعوث شولد كان واضحًا في تأكيده على نقل الموقف اللبناني بكل صراحة إلى الجانب الإسرائيلي، موضحاً أن لبنان على استعداد للتفاوض، لكنه متمسك بثوابته الوطنية. هذه الخطوة تمثل تقدماً ملموساً، إذ لأول مرة يعكس الموقف اللبناني الحد الأعلى من التنازلات الممكنة ضمن إطار السيادة الوطنية.
لكن رغم ذلك، يبقى الاتفاق معلقًا على جواب تل أبيب، التي لم تبدِ حتى الآن مواقف واضحة تجاه التعديلات اللبنانية، بل ما زالت تمارس سياسة المراوغة والضغط، مستفيدة من وضع لبنان الداخلي المشتت وانقساماته.
تواجه المباحثات تحديات كبرى على المستويات السياسية والأمنية، خاصة مع تصاعد التوتر في الجنوب وتداخل مصالح قوى إقليمية ودولية. فالموقف اللبناني، رغم صلابته، يحتاج إلى دعم عربي ودولي أقوى ليشكل رادعًا يحول دون فرض شروط إسرائيلية قاسية.
في ظل هذه الظروف، يبرز دور الدبلوماسية اللبنانية في تفعيل جهودها، وتحريك المشهد السياسي الداخلي نحو وحدة وطنية أكثر قوة، وتنسيق مواقف الأطراف اللبنانية لتجنب المزيد من الانقسامات التي قد تضعف موقف لبنان التفاوضي.
إن الجولة الثالثة تمثل محطة حرجة في مسار المفاوضات، ونجاحها أو فشلها سيحدد مستقبل الجنوب اللبناني، وعلاقة لبنان بأطراف الصراع، وقدرة لبنان على استعادة سيادته واستقراره.
مشروع تحييد لبنان بين الرفض الأميركي والتحفّظ الفرنسي المشروط
وسط الأزمات المتشابكة التي عصفت بلبنان منذ سنوات، تبرز فكرة "تحييد لبنان" كمقترحٍ قابلٍ للدرس والبحث في الأوساط السياسية اللبنانية، ولا سيما بعد تعثّر الحلول الأمنية، وافتقاد الدولة اللبنانية لسلطة متماسكة وموحّدة على كامل أراضيها.
تقوم فكرة "تحييد لبنان" على إخراجه من دائرة النزاعات الإقليمية والدولية، وتحويله إلى دولة محايدة، لا يُستخدم أراضيها منطلقًا لعمليات عسكرية، ولا يُفرض عليها الاصطفاف في المحاور المتصارعة. وقد استلهم البعض هذا النموذج من تجربة دول مثل سويسرا، التي شكّلت حيادها عنصرًا ضامنًا لاستقرارها واستقلالها رغم محيطها المضطرب.
في كانون الثاني 1984، تصاعد النقاش الداخلي حول هذا المشروع، مع تزايد الدعوات لطرحه رسميًا في المحافل الدولية، وترافق ذلك مع استفسارات حول موقف القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، من مثل هذا الخيار.
من خلال المؤشرات السياسية والديبلوماسية، يبدو أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تنظر بعين الرضى إلى مشروع تحييد لبنان، لا لأنها ترفض استقراره أو وحدته، بل لأنها تعتبر أنّ مثل هذا الخيار في التوقيت الحالي سيُفقد لبنان القدرة على الانخراط في الصراعات المحيطة التي تراها واشنطن ضرورية لردع النفوذ السوفياتي في المنطقة. كما تعتبر الإدارة الأميركية أن الحياد قد يعرقل التعاون الأمني والعسكري مع الدولة اللبنانية، في وقت ترى فيه واشنطن أنّ إعادة بناء الجيش والمؤسسات يجب أن يكون أولوية.
أما فرنسا، فموقفها بدا مختلفًا نسبيًا. ففي أكثر من مناسبة، أبدى المسؤولون الفرنسيون، سواء عبر وزارة الخارجية أو عبر مبعوثيهم إلى بيروت، استعدادهم لدعم فكرة تحييد لبنان، شرط أن تأتي المبادرة من السلطة اللبنانية نفسها، وأن تحظى بغطاء داخلي واسع النطاق. كما أعربت باريس عن استعدادها للعمل مع شركائها في أوروبا لتوفير دعم سياسي وأمني لهذا المسار، إذا طُرح بشكل رسمي وجدّي.
التحفّظ الأوروبي عمومًا لم يكن على المبدأ، بل على الظروف الموضوعية لنجاحه. فدون وجود توافق داخلي لبناني على معنى الحياد وحدوده وضماناته، ودون اتفاق إقليمي على احترام هذا الحياد، فإن المشروع قد يبقى حبرًا على ورق.
وعليه، يواجه مشروع تحييد لبنان اليوم مفترقًا حساسًا. فبين الرفض الأميركي والتحفّظ الفرنسي، يبقى الرهان على قدرة اللبنانيين أنفسهم على صياغة مشروع وطني متكامل، يوازي بين حلم الحياد وواقع التهديدات، ويقنع الخارج بأن لبنان ليس ساحة، بل دولة.
بين الانسحاب الأميركي والانفراج السياسي: لبنان على مفترق الاحتمالات
في شباط 1984، شهدت الساحة اللبنانية تطورات لافتة أعادت ترتيب أولويات الداخل والخارج معاً. ففي خطوة مفصلية تعبّر عن تبدّل في النهج الأميركي تجاه النزاع اللبناني، أمر الرئيس الأميركي رونالد ريغان بإجلاء 41 أميركياً من بيروت، بينهم دبلوماسيون وعناصر أمنية، على خلفية تصاعد المخاطر الأمنية في العاصمة اللبنانية. ولم تكن تلك الخطوة سوى مقدّمة لقرار آخر أكثر دلالة، تمثل في إصدار أوامر بنقل وحدات مشاة البحرية الأميركية (المارينز) المتمركزة في مطار بيروت إلى السفن الراسية قبالة الشاطئ اللبناني، في إشارة واضحة إلى تراجع الالتزام العسكري الأميركي المباشر في دعم السلطة اللبنانية.
غير أن هذا الانكفاء لم يكن انسحاباً كاملاً، بل تزامن مع تحريك حاملة طائرات أميركية نحو السواحل اللبنانية، بهدف تعزيز الحضور العسكري الأميركي في البحر وتوجيه رسالة إلى من يعنيهم الأمر بأن واشنطن لا تزال قادرة على التدخل السريع متى اقتضت مصالحها. وقد ترافق ذلك مع إذن رئاسي مباشر لقوات البحرية الأميركية بتنفيذ ضربات مدفعية وصاروخية على المواقع التي تطلق منها القذائف باتجاه بيروت الغربية، في سعي إلى احتواء التدهور ومنع سقوط العاصمة في الفوضى.
أما على المستوى اللبناني الداخلي، فقد بدا أن السلطة الرسمية بدأت تلتقط إشارات التحول في الموقف الأميركي، فاتجهت إلى تفعيل قنوات التواصل العربي، لا سيّما مع المملكة العربية السعودية. وفي هذا السياق، توجه وزير الخارجية اللبناني إلياس سالم إلى الرياض، حاملاً معه مسعى تهدئة داخلية تهدف إلى وقف إطلاق النار في بيروت، وفتح الطريق أمام تشكيل حكومة اتحاد وطني كخيار وحيد لإخراج البلاد من أزمتها.
وتشير أوساط سياسية مسيحية إلى أن المبادرة السعودية قد تفتح نافذة للحوار بين المكونات اللبنانية المختلفة، بعد أن أصبح واضحاً أن الحلول الأمنية غير كفيلة بضبط الإيقاع الوطني. كما أن اقتراح حكومة الاتحاد الوطني، الذي بدأ يلقى أصداء إيجابية في بعض الأوساط، قد يشكل المدخل الطبيعي لتعديل المعادلة السياسية الداخلية على قاعدة التمثيل المتوازن، والتفاهم على سحب الذرائع من أيدي الأطراف المسلحة.
في هذا السياق، تساءل السياسيون المسيحيون عن مدى إمكانية الاستفادة من التراجع الأميركي لإعادة صياغة المشروع الوطني على أسس جديدة، بعيداً عن الارتهان للخارج، معتمدين على حوار لبناني-لبناني برعاية عربية، يعيد الاعتبار إلى مبدأ الشراكة الحقيقية في السلطة.
ويُخشى في المقابل، أن يؤدي الغموض الأميركي وتعثّر المساعي الداخلية إلى تفاقم الانقسام العامودي، وفتح المجال أمام مزيد من العنف والتفلت الأمني، ما لم تُبادر القوى السياسية إلى التقاط الفرصة المتاحة اليوم، بفعل تقاطع الضغوط الدولية والرغبة الإقليمية في إرساء حدّ أدنى من الاستقرار.
إن لبنان، في شباط 1984، يقف على حافة الخيارات: إما السير نحو وفاق داخلي برعاية عربية تحفظ وحدة الكيان وتمنع تمدد الحروب بالوكالة، وإما التورط في مزيد من التفكك والانهيار، على وقع انسحابات القوى الخارجية وصراعات الداخل المنهك.
"أي صيغة لمؤتمر لوزان؟ ولأيّ لبنان إن لم تنسحب كل القوات الأجنبية؟"
في آذار من العام 1984، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام منعطف سياسي ومصيري بالغ الخطورة. فبعد طيّ شعار "التحرير قبل التغيير" مؤقتاً، وانعقاد مؤتمر لوزان برعاية عربية ودولية، أُعيد طرح السؤال الجوهري: ما هي الصيغة التي يمكن التفاهم عليها في لوزان؟ وأيّ لبنان سيتشكّل إذا لم تُرفَع اليد العسكرية الأجنبية عن ترابه بالكامل؟
لقد جاء مؤتمر لوزان في سياق داخلي يراوح بين الانهيار الأمني والتأزم السياسي، وفي مشهد إقليمي تغذّيه التناقضات الدولية وتوازنات الحرب الباردة. اللبنانيون الذين أنهكتهم الحروب الطائفية والتجاذبات الخارجية، دخلوا المؤتمر محمّلين بمخاوف تتجاوز تقاسم السلطة إلى طرح أكثر جوهرية: هل ما زال الكيان اللبناني قائماً بحدوده ونظامه ورسالته؟ أم نحن أمام إعادة تشكيل لكيان سياسي جديد تحت مظلّة تفاهم إقليمي - دولي لم تتضح ملامحه بعد؟
إنّ صيغة لوزان لن تكون مجرّد توزيع جديد للصلاحيات بين الطوائف، بل مرآة لانعكاسات الوجود العسكري السوري والإسرائيلي، ولتقاطعات النفوذ الأميركي والسوفياتي، وتوازنات القوى الداخلية بين الميليشيات المسلحة والدولة الضعيفة. وفي ظل ذلك، تصبح كل صيغة مطروحة رهينة الواقع العسكري الذي لم يتغيّر بعد، لا بل ترسّخ مع توقيع الاتفاقات المنفردة وسقوط اتفاقات أخرى.
وقد بات من الواضح أن أي بحث في النظام السياسي اللبناني يفقد مشروعيته إذا لم يُبنَ على قاعدة سيادة كاملة، تزيل كل أشكال الاحتلال والتدخل. ذلك أنّ تعديل الصيغة في ظل بقاء الاحتلال، قد يُكرّس الانقسام لا يُنهيه، ويحوّل الدولة إلى غطاء شرعي لمعادلات الأمر الواقع، لا إلى أداة توحيد وإصلاح.
من هنا، فإن الأولوية يجب أن تُعاد إلى تحرير القرار اللبناني من كافة أشكال الهيمنة العسكرية، لا سيما أنّ الانسحاب الإسرائيلي من الجبل والضاحية لم ينهِ الاحتلال الكامل، ولا تزال جبهة الجنوب مفتوحة على احتمالات التصعيد. في المقابل، فإنّ الوجود السوري في البقاع وشمال بيروت، وإن أتى تحت مظلّة التنسيق، إلا أنه يحمل أبعادًا سياسية وعسكرية لا يمكن تجاهلها.
إذا كانت لوزان فرصة حوار، فإنها ستكون عقيمة إن لم تطرح بوضوح مسألة السيادة كإطار لأي إصلاح. فالتغيير الحقيقي لا يمكن أن يحصل على أرضٍ محتلة، والتحرير لا يُجزّأ. إنّ لبنان الذي نطمح إليه هو لبنان السيادة الكاملة لا السيادة المجتزأة، ولبنان الدور لا التبعية، ولبنان الحرية لا المساومات.
إنّ الانقسام بين من يطالب بـ"تغيير قبل التحرير" ومن يصرّ على "تحرير قبل التغيير"، يجب أن يُستبدل بمقاربة تضع "السيادة أساسًا لأي مشروع إنقاذي"، لأن لبنان في ظل الاحتلالات المتعددة ليس إلا حلبة لصراع الآخرين، مهما حسُنت نوايا أبنائه.
لذلك، تبقى الصيغة الأفضل لمؤتمر لوزان هي تلك التي تعترف بلبنان كدولة نهائية لجميع أبنائه، وتُعيد التوازن بين المكوّنات السياسية، على أن تُقرن بخطة انسحاب شامل لجميع القوات الأجنبية، ليكون التغيير تعبيراً عن إرادة وطنية حرّة، لا تسوية مفروضة من الخارج.
عن الاتفاق السادس لوقف النار، وترسيم الخلاص السياسي المرتجى
في نيسان من العام 1984، وقّعت اللجنة العسكرية المشتركة محضر فصل القوات واتخذت قراراً بوقف شامل ونهائي لإطلاق النار، في سادس محاولة للجم التصعيد الدامي الذي ظل ينهش جسد الوطن منذ خريف العام الماضي. وقد جاء هذا الاتفاق بعد شهور من المعارك الضارية التي أدّت إلى مئات القتلى والجرحى، وأثقلت الكاهل اللبناني بأعباء إنسانية، اقتصادية، وسياسية تفوق الوصف.
ولعلّ هذا الاتفاق الذي وُقّع بضمانات وغطاء عربي ودولي نسبي، يُعَدّ من أهم المحطات العسكرية التي حاولت إعادة تنظيم الوضع الأمني على الأرض، ولو بالحدّ الأدنى من التنسيق، تمهيداً لحلّ سياسي شامل.
في موازاة ذلك، وُضِع ملف القمة العربية – التي كانت مرتقبة أو قيد التشاور – على سكة الإعداد، وسط دعوات صريحة من جهات لبنانية وعربية إلى إقرار حل سياسي دائم في لبنان، يقوم على تشكيل حكومة اتحاد وطني قادرة على استعادة التوازن الداخلي، والشروع بترتيبات خاصة للجنوب، لا سيما بعد تنامي الخشية من تركه ساحة مفتوحة للتدخلات الإسرائيلية، وللنشاطات المسلحة غير المنضبطة.
لكن المشهد اللبناني ظل مهدّداً. فبعد عملية القدس التي نُفذت ضد هدف إسرائيلي قبل نحو ستة أيام، شنّ الطيران الإسرائيلي غارة جديدة استهدفت منطقة حمدون، في محاولة واضحة لفرض معادلة جديدة من الردع والرسائل السياسية والأمنية، مفادها أن أيّ استقرار أمني على الأرض اللبنانية لن يُمنح مجاناً، وأن الجنوب سيبقى رهينة التوازنات الإسرائيلية – الإقليمية ما لم تُعالج أسبابه البنيوية.
وقف إطلاق النار يجب ألا يتحوّل إلى هدنة ظرفية، بل أن يُستثمر كجسر عبور نحو مشروع إنقاذي شامل. فلبنان لم يعد يتحمل المزيد من المقامرات العسكرية، ولا بد من الاتفاق على صيغة سياسية جديدة تُعيد إنتاج السلطة عبر الشراكة والتوازن، وتُعطي كل مكوّن لبناني حقه في القرار والمصير.
مجرد الحديث عن ترتيبات للجنوب في غياب حلّ شامل، يُبقي المنطقة ورقة مساومة في سوق المصالح الدولية، بينما المطلوب تثبيت السيادة اللبنانية على كامل أراضيها، بقوة الشرعية لا بقوة السلاح المنفلت.
العقدة الشيعية وتعيين نبيه برّي وزير دولة. بين تسوية الجنوب وتقاطعات الداخل
في أيار 1984، برزت "العقدة الشيعية" كأحد أهم مفاصل التعقيد في المشهد اللبناني، إذ تعذّر تأمين مشاركة فعلية للطائفة الشيعية في مشروع الدولة اللبنانية نتيجة تداخل عوامل محلية وخارجية. كان الجنوب، وقد أُنهك بفعل الاحتلال والعدوان الإسرائيلي، بحاجة إلى إدارة مباشرة من الدولة، لكن الأخيرة كانت تفتقر إلى أدوات التنفيذ بسبب فقدان السيطرة، وانعدام التوازن في بنية القرار الوطني.
من هذا المنطلق، برز تعيين رئيس حركة "أمل"، نبيه بري، وزير دولة لشؤون الجنوب والإعمار، كخطوة ذات دلالات مزدوجة: فهي من جهة محاولة لاحتواء الغضب الشيعي عبر إسناد دور رسمي لأحد أبرز رموزه، ومن جهة أخرى محاولة لتفعيل حضور الدولة في الجنوب، ولو من بوابة شراكة مع قوى أمر واقع فرضها الميدان.
القرار أتى تتويجًا لمفاوضات داخلية شاقة، ترافقت مع ضغوط خارجية من دمشق وطهران، كانت تهدف لتثبيت زعامة بري في مقابل الحدّ من اندفاعة "حزب الله" الآخذة بالتبلور. وقد تزامن هذا التعيين مع لقاء وصف بـ"الرمزي" بين الرئيس أمين الجميل والرئيس الأسبق سليمان فرنجية في صنين، عكس إرادة في رأب الصدع الماروني الماروني بعد أشهر من الخلاف حول اتفاق 17 أيار.
بالتوازي، أعادت الحكومة اللبنانية فتح مطار بيروت الدولي ومرفأ العاصمة، كإشارة إلى عودة انتظام المؤسسات وبدء مرحلة "المعالجة"، ولو شكليًا، لما كان يتهدّد هيبة الدولة من انهيار. ولكن المفارقة أن هذه الخطوات، على رمزيتها، لم تقترن بقرار سياسي جامع، بل أتت كمحاولات موضعية لتسكين أزمات متنقلة.
لم تكن عقدة الطائفة الشيعية مجرّد قضية تمثيل، بل مسألة بنيوية تتعلّق بموقعها في النظام اللبناني. هذا ما أدركه بري، فسعى للربط بين مشاركته الوزارية وملف الإعمار، ليُجسّد مقولة أن الشيعة يريدون "دورًا لا وظيفة". أما الرئيس الجميل، فرأى في هذا التعيين خطوة ضرورية ضمن استراتيجية امتصاص التشنجات، لكنه أبقى على الحذر من تنامي "الأدوار" الخارجة عن السياق المؤسسي للدولة.
أما اللقاء مع فرنجية، فقد عكس إدراكًا لدى الرئيس أن ترتيب البيت المسيحي ضرورة حتمية لضبط الإيقاع العام، خصوصًا مع تصاعد القلق من الانزلاق إلى فدرلة مبطّنة نتيجة تعاظم الخصوصيات المناطقية والطائفية.
هكذا، كان أيار 1984 مسرحًا لتشابك المعالجات الجزئية مع الأزمات البنيوية، حيث عُولجت "العقدة الشيعية" عبر بوابة الجنوب، و"الشرخ المسيحي" عبر صنين، و"الهيبة الوطنية" عبر المطار والمرفأ، لكن العقدة الكبرى بقيت في غياب الإجماع على مشروع لبنان الواحد، القادر على اجتراح حلٍّ يتجاوز حدود التعيينات ولقاءات المصالحة الرمزية.
"من نهاية أسبوع إلى بداية سلام: لبنان على عتبة تحوّل تاريخي"
في تموز 1984، يشهد لبنان لحظة فاصلة في خضمّ مسار طويل من الأزمات والحروب. ومع حلول نهاية هذا الأسبوع، تتبدّى مؤشرات جديدة على إمكان الانتقال من مرحلة النزاعات الدامية إلى فسحة أولى من التهدئة والاستقرار. ليس الحديث هنا عن سلام شامل ونهائي، بل عن بداية مرحلة جديدة قوامها تخفيف التوتر، إعادة انتظام المؤسسات، وإطلاق عجلة الدولة من رحم المعاناة.
إن فتح المعابر الثلاثة بين بيروت الشرقية والغربية، إلى جانب إعادة تشغيل مطار بيروت الدولي ومرفأ العاصمة، ليس مجرد تدبير إداري أو لوجستي، بل خطوة تحمل رمزية عالية تعكس نية الأطراف الداخلية والخارجية في اختبار إمكانية العيش المشترك من جديد، والتعامل مع لبنان كوطن موحد، لا كمناطق نفوذ.
مجلس الوزراء، المستعيد جزءاً من ديناميكيته، يضع على طاولة النقاش مشروعاً متكاملاً لمعالجة الشأن السياسي، انطلاقاً من قناعة بأن أي معالجة للأمن والاقتصاد لا يمكن أن تستقيم دون مصالحة سياسية وطنية. المشروع المطروح يشمل مقاربة متدرجة: تثبيت وقف إطلاق النار، إحياء مؤسسات الدولة، التفاهم حول صيغة الحكم، والتأسيس لعدالة اجتماعية واقتصادية جامعة.
وقد بدا لافتاً أن اهتمام الحكم أخذ يتوجه تدريجياً، بعد ترسيخ حدّ أدنى من الهدوء في بيروت، نحو الجنوب اللبناني، حيث تتقاطع المعضلات السيادية والأمنية مع الهمّ الإنمائي والاجتماعي. فهناك، ما زالت إسرائيل تحتل أجزاءً من الأرض اللبنانية، وهناك أيضاً تحدّيات إعادة الحياة إلى القرى والبلدات التي تحوّلت مسرحاً دائماً للحروب والاشتباكات.
اللافت أيضاً أن المقاربة الحكومية الحالية لا تقوم على منطق الاستقواء أو الاستئثار، بل على محاولة استيعاب التناقضات والتعقيدات، عبر الحوار والانفتاح، وهو ما يعكس تحوّلاً في الذهنية السياسية الرسمية، ربما فرضته الضغوط الخارجية والواقع الميداني، لكنه يفتح الباب أمام تصور مختلف للبنان المستقبل.
في هذا السياق، تظهر المرحلة كجسر بين الحرب والسلام، بين الماضي المثقل بالجراح والمستقبل المفتوح على الاحتمالات. وإذا ما نجحت القوى الوطنية في الالتزام بهذه الدينامية، فإن تموز 1984 قد يُسجَّل في الذاكرة اللبنانية كلحظة انطلاق أولى نحو سلام حقيقي، يُبنى لا على التوازنات الفئوية، بل على الوحدة والمواطنة والشرعية.
فتح طريق بيروت - دمشق حتى صوفر وخطة الجبل في آب 1984
في خضم المشهد السياسي اللبناني المعقّد والصراعات المستمرة التي تعصف بالبلاد منذ سنوات، تبرز بوادر تحركات دبلوماسية وسياسية هامة تهدف إلى إعادة ترتيب الوضع الداخلي والخارجي للبنان. من بين هذه التطورات، يبرز ملف فتح طريق بيروت - دمشق حتى صوفر كرمز لإعادة التواصل والتنسيق بين لبنان وسورية، في وقت تنتظر خطة الجبل موافقة الأطراف المعنية، فيما يصدر الرئيس الوزير بري مواقف تبشّر بتجاوب السلطة السياسية حيال هموم الجنوب اللبناني، حيث تتشكل نواة الجبهة الوطنية الديمقراطية.
1. فتح طريق بيروت - دمشق حتى صوفر: خطوة استراتيجية على طريق المصالحة
فتح الطريق بين بيروت ودمشق وصولاً إلى صوفر محاولة لإعادة ربط لبنان بمحيطه العربي عبر سورية، التي لطالما شكلت بوابة حيوية لعمليات النقل والتجارة والاتصالات. القرار مرتبط بسياق أوسع، يعكس إرادة لتخفيف الحصار الاقتصادي والسياسي على لبنان، وتمهيد الطريق أمام التفاهمات السياسية التي قد تسمح بإعادة الاستقرار النسبي.
الطريق، رغم أهميته، يواجه عقبات لوجستية وأمنية، لا سيما في ظل التوترات المستمرة في المناطق الحدودية والتداخلات العسكرية من أطراف عدة. مع ذلك، تسعى القوى السياسية المسيحية، وبعض الجهات اللبنانية المتعاونة مع دمشق، إلى الدفع بقوة نحو إتمام هذا الملف، مستندين إلى تقدير بأن فتح الطريق سيساعد في تحريك عجلة الاقتصاد وسيخفف من معاناة اللبنانيين.
2. خطة الجبل: المشروع الانتقالي نحو الاستقرار السياسي
تنتظر خطة الجبل التي تم إعدادها بصياغة سياسية تهدف إلى تحقيق تسوية في مناطق الجبل، الموافقة الرسمية من الأطراف المختلفة. الخطة تستند إلى فكرة تقاسم السلطة والتعايش السياسي، مع تقديم ضمانات أمنية واجتماعية للطوائف المختلفة في الجبل، خصوصاً المسيحية والدرزية. وتعكس هذه الخطة تفكيرًا عمليًا للتقليل من العنف وفتح آفاق للحوار، رغم استمرار بعض التوترات المحلية.
إن انتظار الموافقة على هذه الخطة يظهر الحذر السياسي لدى الأطراف، ويعكس حساسية المرحلة التي يعيشها لبنان في ظل الصراعات المحلية والإقليمية، خصوصًا في ظل استمرار التداخل السوري والوجود الإسرائيلي في الجنوب.
3. تجاوب الحكم مع هموم الجنوب: مواقف الوزير بري
في لقاءات سياسية وتصريحات إعلامية في آب 1984، أكد الوزير بره أن السلطة الحاكمة تدرك عمق المعاناة في الجنوب اللبناني، خصوصًا في ضوء العمليات الإسرائيلية المستمرة وتأثيراتها المباشرة على المدنيين والبنى التحتية. وأشار إلى أن الحكومة تسعى إلى اتخاذ خطوات ملموسة لدعم الأهالي، وتوحيد الجهود الوطنية لمواجهة العدوان، بالإضافة إلى العمل على خطة إعادة الإعمار والتطوير.
هذه المواقف تعكس محاولة السلطة لإظهار نفسها كحاضنة للحقوق الوطنية، مع تأكيد على ضرورة الوحدة الوطنية وتشكيل جبهة وطنية موحدة لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية.
4. نواة الجبهة الوطنية الديمقراطية: ميلاد مشروع سياسي جديد
في السياق نفسه، تظهر نواة الجبهة الوطنية الديمقراطية ككيان سياسي يسعى إلى توحيد قوى وطنية متعددة التوجهات بهدف تعزيز السلم الأهلي وإيجاد مخرج سياسي شامل. هذه الجبهة تعبر عن طموح أوسع لتشكيل قاعدة سياسية وطنية عابرة للطوائف والأحزاب، تراهن على الحوار الداخلي والتنسيق مع القوى الإقليمية لتحقيق الاستقرار.
يبدو أن الجبهة تستفيد من الفرصة التي تتيحها التطورات الراهنة على المستوى الداخلي، خاصة مع توجهات السلطة نحو حل مشاكل الجنوب وفتح طرق التواصل مع دمشق، ما يشير إلى محاولة جادة لطرح بدائل سياسية تنسجم مع واقع لبنان المتشابك.
مختارات من العدد السادس عشر الصادر في السنة 9851.
إدوار حنين.
أوراق تتناثر من ملف لبنان.
يسألونك عن النهاية، أي متى تنتهي آلام لبنان واللبنانيين، وأي متى يخرج لبنان من الدوامة التي زُجَّ فيها منذ ما قبل سنة 1975.
لو كانت السياسة التي يتبعها لبنان سياسةً مصمَّمًا لها، وهي ذات خط واحد، لكان هذا السؤال ممكنًا أن يُطرح، وكان ممكنًا أن يلقى جوابًا ولو على سبيل التكهن. أمّا وأن التصميم مفقود، والخط الواحد خطوط، فلا مكان في الجواب إلا إذا كان المجيب نبيًا أو له هوية بالتنبؤ.
وليس لبنان هو الذي تخلى عن التصميم واختار الطريق المتعددة الخطوط، بل إن السياسة الدولية وبعض السياسات الإقليمية هي التي جرّته إلى ذلك وفرضت عليه أن يكون خشبةً تتقاذفها أمواج بحرٍ هائج.
في البدء لعب لبنان الورقة الفلسطينية، وكان يظن أنه يستطيع التوصل مع الفلسطينيين إلى شبه اتفاق على التعايش الذي كان يرى بعضهم أنه ممكن. فلم يفلح، فطوى ورقته.
ثم بعد أن ثبت له أن وراء وجود الفلسطينيين فيه مآرب شتّى، أخذ يلعب ورقةً ضدهم مستهدفًا إخراجهم منه، وكانوا قد زرعوا مخيماتهم على مداخل بيروت، وعلى مداخل طرابلس، ومداخل صيدا، ومداخل صور. فاستعان على أمره أصدقاء عربًا وأوروبيين، ولم يفلح، فطوى ورقته.
بعد هذا رأى أن يلجأ إلى القوة، قوة السلاح، فمدّ يده بحياء إلى إسرائيل وتسلم منها أسلحةً وذخائر ومدرّبين. فلم يفلح، وطوى هذه الورقة أيضًا.
عندها لجأ إلى فرنسا، فبعد أن وعدت وتوعّدت عادت فرجعت عن وعودها وسكتت عن توعّداتها، وكان ذلك أيام الرئيس فاليري جيسكار ديستان. فلم يفلح لبنان، وطوى ورقة فرنسا.
عندئذٍ عاد إلى الاستعانة بإسرائيل مجددًا، ولإسرائيل أغراض في لبنان وفي دول الجوار، فخططت لها منذ زمن بعيد يرقى إلى ما قبل إنشائها. فهي إن سعت إلى خدمة تلك الأغراض تكون قد خدمت لبنان في الوقت ذاته.
فاقتحمت جيوشها لبنان ووصلت بها إلى بيروت، فأشعلتها نارًا من الجو والبحر والبر، ثم عادت فانكفأت بعد أن أثبتت قوتها وطردت الفلسطينيين من بيروت. فانكفأت وخلفت وراءها حربًا في لبنان كادت تكون أهلية، فطوى لبنان مجددًا ورقة إسرائيل.
وفي ساعة نشوة وطنية قرر لبنان أن يلعب ورقته في العالم بعد أن انتخب المجلس النيابي الشيخ أمين الجميل رئيسًا للجمهورية. فقرع باب منظمة الأمم المتحدة، وباب الولايات المتحدة الأميركية، وأبواب دول السوق الأوروبية المشتركة، وباب الفاتيكان، وأبواب تونس وجدة والجزائر، ومؤتمر دول عدم الانحياز، حتى لكأن أبواب دول العالم قد دُقَّ عليها جميعها.
وإذا بأساطيل الدول التي استنجد بها لبنان تتدفق على شواطئه بطائراتها وجندها ومعداتها العسكرية الفائقة. ويبدأ لعب الورقة العالمية فتخفق.
وفي أثناء ذلك لعب لبنان ورقة إسرائيل بالعلنية الكاملة، فدارت بينهما مفاوضات معقَّدة انتهت إلى اتفاقية 17 أيار 1983 التي كانت فيها الولايات المتحدة شريكًا كاملًا، ثم قالت إنها لم تكن إلا شاهدةً على الاتفاق، الأمر الذي زعزع الثقة بين المتفقين فأفضى إلى تباطؤ في التنفيذ، بل إلى عدم التنفيذ، مما جرّ إلى العودة عن الاتفاق الذي سقطت ورقته.
فلم يبقَ أمام لبنان سوى الورقة السورية التي صُرف إلى لعبها.
وهو لا يزال حيال الورقة السورية التي تُلعب اليوم منقسمًا اللبنانيون حولها: فمنهم من يتفائل ويؤيد، ومنهم من يتشائم ويعارض. وليس من يستطيع أن يؤكد الآن من من الفريقين على حق.
أما نحن فإننا نميل إلى التشاؤم، لاعتبارات أهمها:
أولًا: سيرة سوريا السابقة مع لبنان.
وثانيًا: المطامع غير المعلنة التي لا تعبّر عنها.
وثالثًا: عدم الوثوق بنيات أهل النظام السوري حيال لبنان.
ورابعًا: عدم الوثوق بالسياسيين الذين اعتمدتهم سوريا ليتدخلوا في شؤون لبنان الداخلية.
ويعزز تشاؤمنا هذا مجال الأمور غير المستقرة: فتارة تساعد سوريا الحكم، وأطوارًا تبدو كأنها تعاديه، وفي أمر الجبل وبيروت الغربية، وفي فتح المناطق المغلقة بعضها على بعض، وفي عرقلة الخلوات التي عُقد منها إلى الآن اثنتا عشرة خلوة في بكفيا.
هذا التحول الذي حصل ولا يزال يحصل في الخطة التي ينتهجها الحكم اللبناني، والتي ما كان يجب أن تكون إلا واحدة ليبقى العمل فيها متواصلًا فتُلمح هكذا النتائج الممكنة. هذا التحول السريع والمفاجئ أحيانًا هو ما يخلق الصعوبة التي تعترض طريق المفكرين والسياسيين والمراقبين في التعرف إلى نهاية المأساة.
غير أن أمرًا واحدًا يمكن الوثوق به وإعلانه والتأكيد عليه، هو أن المقاومة اللبنانية التي باسمها كان صمود الوطن، وباسمها لُعبت الأوراق جميعها، هذه المقاومة اللبنانية لن يفتر غليانها ولن تخفض نارها، لأنها من التراث ومن صميم روحية الشعب اللبناني.
وهي بدونها لم يكن لبنان، ولا يكون له تاريخ نتشبث اليوم، وفي كل يوم، بأن نحمله ونجعله مستمرًا.
إدوار حنين
دير عوكر
الخميس 18 تموز 1985
تشكل المقالة التي كتبها إدوار حنين في تموز 1985 محاولة لقراءة المسار اللبناني من زاوية تراكم الأزمات وتبدّل الخيارات السياسية التي لجأت إليها الدولة والقوى الداخلية منذ ما قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. وهي قراءة تقوم على فكرة أساسية مفادها أن مأساة لبنان لا يمكن فهمها من خلال حدث واحد أو قرار واحد، بل من خلال سلسلة أوراق سياسية وأمنية لعبها لبنان في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد، وغالباً من دون أن يمتلك القدرة الفعلية على التحكم بمصير تلك الأوراق.
فالسؤال الذي يطرحه الكاتب عن نهاية آلام لبنان ليس سؤالاً عاطفياً بقدر ما هو سؤال سياسي عميق. إذ إن نهاية الأزمات في أي بلد ترتبط عادة بوجود رؤية سياسية واضحة وخط استراتيجي واحد تقوده الدولة وتلتزم به القوى الأساسية. غير أن التجربة اللبنانية، كما يراها الكاتب، اتسمت منذ بدايات الأزمة بتعدد الخطوط وتضارب الخيارات، الأمر الذي جعل البلاد أقرب إلى ساحة تتقاطع فيها سياسات الخارج وتتنازعها حسابات الداخل، بدلاً من أن تكون دولة قادرة على رسم سياساتها بنفسها.
ومن هذا المنطلق يذهب النص إلى تصوير لبنان كأنه خشبة في بحر هائج، تتقاذفها أمواج السياسة الدولية والإقليمية. فلبنان لم يكن، في كثير من الأحيان، صاحب المبادرة بقدر ما كان ساحةً تُفرض عليها الخيارات. وهنا تبرز فكرة “الأوراق” التي يتحدث عنها الكاتب، أي الخيارات السياسية أو التحالفات أو الرهانات التي لجأت إليها الدولة أو بعض القوى اللبنانية في محاولات متتالية للخروج من الأزمة.
في المرحلة الأولى كانت الورقة الفلسطينية. فمع انتقال العمل الفدائي الفلسطيني إلى لبنان بعد أحداث الأردن عام 1970، وجد لبنان نفسه أمام واقع جديد يتمثل في وجود قوة عسكرية فلسطينية منظمة على أرضه. وقد سعت الدولة في البداية إلى احتواء هذا الواقع عبر نوع من التفاهم أو التعايش، مستندة إلى اتفاق القاهرة وما تبعه من ترتيبات غير مكتوبة. غير أن هذا التعايش سرعان ما اصطدم بتناقضات داخلية لبنانية وبحسابات إقليمية أكبر من قدرة لبنان على ضبطها، ما جعل الوجود الفلسطيني يتحول تدريجياً إلى عامل توتر سياسي وأمني.
ومع تفاقم هذا الواقع، حاولت الدولة اللبنانية والقوى المناوئة للوجود الفلسطيني البحث عن وسائل لإخراج هذه القوى أو الحد من نفوذها، فكانت محاولة الاستعانة بدعم عربي وأوروبي لإيجاد حل سياسي. لكن تلك المحاولات لم تؤدِّ إلى نتائج حاسمة، لأن القضية الفلسطينية كانت بدورها جزءاً من صراع إقليمي واسع يتجاوز حدود لبنان.
ومع فشل المساعي السياسية، دخل لبنان مرحلة أكثر خطورة تمثلت في اللجوء إلى السلاح وإلى تحالفات عسكرية غير مباشرة، من بينها الاتصالات مع إسرائيل التي رأت بدورها في الساحة اللبنانية فرصة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة. ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ووصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، بدا أن ميزان القوى قد انقلب لمصلحة إسرائيل وحلفائها المحليين، لكن نتائج هذا التدخل لم تكن مستقرة. فقد أدى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت إلى فراغ سياسي وأمني كبير، كما ساهم في تعقيد التوازنات الداخلية بدلاً من إنهائها.
في تلك اللحظة برزت محاولة جديدة تمثلت في تدويل الأزمة اللبنانية. فقد سعى لبنان، بعد انتخاب الرئيس أمين الجميل، إلى طرق أبواب المجتمع الدولي طلباً للدعم السياسي والعسكري لإعادة تثبيت الدولة. وجاءت القوات المتعددة الجنسيات إلى بيروت في إطار هذا المسعى، في خطوة عكست الرهان على دور دولي قادر على إعادة الاستقرار. غير أن هذه التجربة بدورها انتهت بالفشل بعد تصاعد العمليات العسكرية واستهداف تلك القوات، ما أدى إلى انسحابها وعودة الأزمة إلى نقطة الصفر تقريباً.
وفي موازاة ذلك، جاءت تجربة اتفاق 17 أيار 1983 بين لبنان وإسرائيل، الذي جرى برعاية أميركية. وقد بدا في حينه محاولة لإرساء تسوية أمنية وسياسية تنهي حالة الحرب بين البلدين. غير أن الاتفاق سرعان ما واجه رفضاً داخلياً واسعاً وضغوطاً إقليمية، خصوصاً من سوريا التي اعتبرته تهديداً مباشراً لدورها في لبنان. ومع تصاعد المعارضة له، انهار الاتفاق قبل أن يدخل حيز التنفيذ الكامل، لتسقط بذلك ورقة جديدة من أوراق الأزمة اللبنانية.
بعد ذلك برزت الورقة السورية كأحد الخيارات الأساسية المطروحة. فقد تعزز الدور السوري تدريجياً في لبنان، سواء من خلال الوجود العسكري أو عبر التأثير المباشر في التوازنات السياسية. وهنا يظهر الانقسام اللبناني الذي أشار إليه الكاتب بوضوح: فهناك من رأى في الدور السوري عنصر استقرار وضمانة لوحدة لبنان، فيما رأى فيه آخرون مدخلاً إلى الهيمنة والتدخل في القرار الوطني.
ويعكس هذا الانقسام طبيعة الأزمة اللبنانية نفسها، إذ إن كل خيار سياسي كبير كان يقابله انقسام داخلي حاد بين مؤيد ومعارض، ما جعل من الصعب الوصول إلى إجماع وطني حول أي مسار محدد. وهذا ما يفسر حالة التحول المستمر في السياسات والخيارات، حيث تنتقل البلاد من رهان إلى آخر من دون أن تتمكن من تثبيت استراتيجية طويلة المدى.
غير أن الكاتب، على الرغم من هذا التشاؤم السياسي، يترك في نهاية قراءته مساحة للأمل. فهو يرى أن ما أبقى لبنان قائماً رغم كل هذه الأزمات هو عنصر المقاومة الكامن في المجتمع اللبناني نفسه. والمقصود هنا ليس مفهوماً عسكرياً ضيقاً بقدر ما هو روح الصمود والقدرة على الاستمرار التي تميز المجتمع اللبناني عبر تاريخه.
فلبنان، كما توحي المقالة، ليس مجرد نظام سياسي أو توازنات طائفية، بل هو أيضاً تجربة تاريخية وثقافية عميقة تشكلت عبر قرون من التفاعل بين المشرق والغرب وبين البحر والجبال. ومن هنا فإن استمرار هذه الروح، رغم كل الحروب والانقسامات، هو ما يمنح اللبنانيين القدرة على الاستمرار وعلى إعادة بناء وطنهم في كل مرة.
وهكذا تبدو قراءة إدوار حنين أشبه بتأمل سياسي في مسار بلدٍ صغير وجد نفسه في قلب صراعات إقليمية ودولية كبرى. وهي قراءة تحاول أن تفسر كيف تحولت الأزمة اللبنانية إلى سلسلة من الرهانات المتبدلة، وكيف بقي لبنان، رغم كل ذلك، قائماً بفضل قدرة شعبه على الصمود وعلى التمسك بفكرة الوطن.
وفي ضوء التجربة اللاحقة التي عاشها لبنان بعد عام 1985، تبدو هذه القراءة وكأنها محاولة مبكرة لفهم طبيعة الأزمة اللبنانية الطويلة، تلك الأزمة التي لم تكن مجرد حرب أهلية عابرة، بل تعبيراً عن موقع لبنان الحساس في توازنات المنطقة وعن صعوبة بناء دولة مستقرة في ظل تلك التوازنات.
أنساب الأسر المسيحية اللبنانية.
آل المشروقي وبعض أخبارهم.
الأب يوسف أبي صعب.
الأسرة أصل أهل الرجل المعروفون بالعائلة والأقارب والأدنون والعشيرة، ومن يعيشون في بيت واحد كالأب والأم والأولاد والأقرباء. إنّه أوّل ما يفكّر فيه الإنسان نفسه، ثم أسرته، ثم أمّته، فيريد أن يعرف قبل كل شيء أصله ومنشأ أسرته وتاريخ طائفته وأمّته ووطنه.
كتب الباحثون نبذات وتواريخ خاصة لأسر وقرى ومقاطعات، فهذه وإن تكن تواريخ خاصة، لا بدّ منها لتأليف تاريخ الأسر، ويتكوّن منها تاريخ عام للوطن والأمّة.
في البلاد اليوم نهضة قومية لا بأس بها، وهي أنّ الأسر أخذت تؤلّف جمعيات أو جامعات عائلية غرضها جمع شتات الأفراد والفروع وتوحيد كلمتها. وقد عني بعض المفكّرين بتأليف تواريخ للأسر، ممّا لا تخفى فوائده. على أنّ بعض هذه الجامعات، مع ما توخّته من حسن القصد، تؤسَّس على مبدأ غير صحيح، ذلك لأنّها لا تنحدر من جدّ واحد، فلا قرابة تجمع بينها ولا رابطة نسب، وقد يكون بعضها مشكوكًا كثيرًا في صحّة انتمائه إلى الجدّ الجامع للفروع.
والأولى أن تؤلَّف الجامعات العائلية المؤسسة على وحدة الأصل والاسم، فتهتمّ بتحقيق تاريخها وأنسابها وتعنى بمصالح أسرتها المادية والأدبية.
اعتنى العرب بحفظ أنسابهم وصيانتهم إلى صدر الإسلام، واليهود واليونان والرومان كانوا يحافظون على أنسابهم للتناصر على الأعداء. واشتهر علماء النسب وكثرت تصانيفهم في هذا الفن، ومنهم من وضع لها مشجّرات، واشتهر كثيرون في السير والتراجم.
وفي الأيام الماضية لم يكن للقب والكنية اعتبار، وتنقّلات متعددة فكّكت حلقات الأسر وبلبلت ألقابها. والأسر المسيحية اللبنانية والسورية منها ترجع إلى أنساب أصلية وهي الآرامية، وأنساب دخيلة قديمة يونانية كباتيلي وفليبيدس ومسرّة، ومنها أنساب عربية قديمة ترجع إلى الغساسنة.
وأكثر مهاجرتهم كانت من سوريا إلى لبنان في وسط القرن الخامس عشر على أثر خصام وقع في حوران بين المسيحيين والإسلام، حملهم إلى الاتجاه إلى المدن ولبنان، كعشيرة المشايخ آل الخازن من حوران، وبيت المطران في بعلبك وزحلة، وبيت جبارة وغنام وحوراني وعطية وشقير وتراد وحداد وصفير وغصن ومعلوف وغيرهم.
ويعلمنا عيسى المعلوف أنّه في سنة 1440، وبسبب الفتن بين المسيحيين والإسلام، بيت عطية خرج من حوران ونزل إلى بيروت أيام الآحاد والأعياد لتأدية الفروض الدينية، ثم بنوا كنيسة مار جرجس سنة 1470، وهي أقدم كنيسة أُنشئت في تلك الجهات، ثم تابعهم عيال البارودي والصليبي وغيرهما.
بيت المشروق وسلسلة فروعهم.
لدينا معلومات عن هذه الأسرة في غبالة ننشرها خدمة للتاريخ ولأبنائها مع هذا التمهيد.
جدّها الأعلى الشدياق شاهين المشروقي الحصروني الصدّدي، وقد وجدنا سلسلة نسبه في ترجمة أحمد فارس الشدياق لجامعها بولس مصعد، وطبعها في مصر سنة 1934 الدكتور فيليب الشدياق، ثم أعاد طبعها الأب أنطونيوس شبلي.
إليك هذه السلسلة:
الشدياق شاهين المشروقي هو ابن سليمان بن داوود بن الخوري يعقوب، وهو المطران حنين أو حنانيا الذي عاش في دمشق وتوفي في قبرص ودفن هناك في كنيسة مار يوحنا، ابن يوحنا بن إبراهيم بن يعقوب بن يوحنا بن إلياس بن يوحنا بن سمعان بن يوحنا بن إلياس، الذي يمدّ بصلة النسب إلى الأمير يوحنا من أمراء المردة، وهو أمير الموارنة الذي قُتل في كَبّ إلياس بمكيدة من يوستنيانوس الثاني الأخرم ملك الروم.
وزاد عيسى إسكندر المعلوف في مجلة الآثار بأنّ الخوري يعقوب كان كاهنًا للموارنة في دمشق، وتوفيت زوجته عن ثلاثة ذكور: فرنسيس وحنّا وداوود، فترهّب في دمشق باسم حنانيا، وعند العامة حنين. فداوود أعقب سليمان الذي ولد شاهين، فانتقل أولاده من صدد إلى حصرون.
وممّا قاله طوني فرش في بيت ثابت في عجلتون في كتابه الموسوعة اللبنانية المصوّرة إنّ يعقوب أبي إبراهيم حفيظ ثابت بن سليمان بن داوود الخوري يعقوب، الذي سامه البطريرك جبرائيل حجولة مطرانًا على دمشق باسم حنانيا، هو من سلالة أمراء كسروان الذين كانوا مع الصليبيين في حروبهم.
ظهر من هذه الأسرة رجال عظام، وتفرّعت منها أسر كثيرة كما جاء في المخطوط الكرشوني القديم الذي نشره الخوري مخايل غبريل في جريدة العلم في أعداد 27 كانون الأول 1924 و3 و10 كانون الثاني و7 و21 شباط و14 آذار 1925، بأن عائلات مسابكي وعنداري وبصبوص وعواد والسمعاني ومسعد والحاج والشدياق ومن ينتسب إليهم من أسر هم في الأصل أسرة واحدة.
فلا غرابة أنّ هذه الأسر نبغ منها عدد ليس بقليل من كبار رجال الدين والدنيا والحكام.
من بيت عواد كان البطريرك يعقوب وسمعان وعدد كبير من الأساقفة، ومنها تفرّع في رشميّة وجوارها بيت أبي صابر، وبيت سركيس في الشيبانيات التي منها فخامة رئيس الجمهورية إلياس سركيس.
ومن الأسرة العوادية في بحر صاف بيت المديني في بغداد، ومنهم العلّامة اللغوي الأب أنستاس الكرملي، وابن أخيه كوركيس عواد الأديب والمؤرخ.
السماعنة الطائرة الشهرة شرقًا وغربًا، نخصّ منهم بذكر المطران يوسف سمعان السمعاني.
بيت مسعد قدّمت العلّامة البطريرك بولس مسعد وعددًا من الأساقفة، ومن فروع بيت مسعد بيت الحمصي في حلب. هذا ما نشره إبراهيم سليم النجار.
ثم بيت العشقوتي في الكنيسة – الشوف، ومنها اليوم الأديب والشاعر الكبير الأستاذ راجي العشقوتي.
ومن أسرة الحاج في دلبتا كان داهية عصره في السياسة المثلث الرحمات البطريرك يوحنا الحاج.
وأسرة خلف في رأس بعلبك هي من أنسباء الأسرة المشروقية.
بيت بركات في حشوش، التي منها داوود بك بركات رئيس تحرير الأهرام.
بيت خاطر
يقول لحد خاطر في مجلة الرسالة المخلصية إنّه بعد أن توفي المقدم يوسف خاطر الحصروني سنة 1612 ونُكب أولاده الثلاثة، هرب أحفاده وهم كثر، وجاء بعضهم إلى مشمش في بلاد جبيل واختلطوا بأهلها، ونزح أحدهم خاطر ابن سليمان إلى بتاتر، ومنها نشأت العائلة وتفارقت في أنحاء مختلفة من لبنان وغيره.
بيت الشدياق من الأسر الإقطاعية التي ساهمت في الحكم على عهد الإمارة، واشتهر منها علامة عصره أحمد فارس الشدياق وأخوه المؤرخ طنوس.
بيت فهد، منها المؤلف والكاتب الأب بطرس فهد المعروف بكثرة تأليفه الشهيرة.
الشيخان خليفة وفضول عواد في غبالة
لا بد هنا من نقل ما أُلقي إلينا من نبذة عن الأسرة الحصرونية أو بيت المشروقي بقلم سليم مخايل عواد، عن خليفة وفضول عواد، عن الخوري بولس عواد الفتوحي.
لمّا كان معلّمًا في مدرسة المزار في غزير، وهناك ما علمناه أنّه قام من آل عواد الفتوحيين على عهد الأمير بشير الشهابي الكبير رجال سيف وبأس نالوا حظوة لدى الأمير، وكان لهم شأن في البلاد، وأنّ بيرق الفتوح كان ولا يزال بيد آل عواد في غبالة. وهذا دليل على ما كان لهم من المكانة في تلك المقاطعة، وما زال الناس يتناقلون الشيء الكثير من أخبارهم.
ولنخصّ بالذكر منهم الشيخين الأخوين خليفة وفضول عواد وحوادثهما المدهشة.
غضب الأمير بشير الكبير على خليفة بسبب جرم كبير اقترفه، وقصد إعدامه، ففرّ هاربًا متنقلًا لمدة خمس عشرة سنة، ورغم إرسال قوات للقبض عليه كانت ترجع بخيبة أمل وبخفي حنين.
وأخيرًا وقع بين أيديهم، وأُتي به إلى بيت الدين. وفيما الجند مرتاحون من حرّ الصيف الشديد، وصل بغتة أخوه فضول، وهجم على أخيه بالضرب والسباب والشتم دون التفات إلى الجنود. فسألوه عن السبب، فأجاب: هو عدوّي الألد، قتل أبي وجرح أخي جراحًا ثخينة، إلى ما هنالك من التهم الباطلة.
فارتأى القائد أن يوكل أمر خليفة إلى فضول يحرسه طيلة الليل، فينام القائد وجنده بطمأنينة. وكان فضول يظهر على نفسه أنّه ممنون كثيرًا لظنّهم به الظن الحسن.
فنام الجميع، وقبل انتصاف الليل قطع فضول قيود أخيه، وشرعا يقطعان سيور العُدد لجميع الخيل، وهربا نحو رابيه وبدآ بإطلاق العراضة. فنهضت الخيالة وتقدم كل منهم ليمتطي جواده ويلحق بالفارين، وما كان من كل منهم إذا حاول الركوب من هذه الجهة يسقط نحو الجهة الأخرى، وهكذا خابت آمال الجميع.
وكان عند الأمير الشيخ منصور الدحداح مدبّره، وكان يقول للأمير: لا يمكنك القبض على خليفة.
ولمّا علم الأمير بالقبض عليه قال إنّ صباحًا يكون بين يديه. فأبلغه الخبر للشيخ منصور قائلًا إنّ خليفة قد وقع في القبضة الأخيرة. فأجابه الشيخ: يا سعادة الأمير، لا تقول فول حتى يصير بالمكيول.
وفي صباح ذلك اليوم وصل الخبر إلى الأمير بأن خليفة فرّ هاربًا، فغضب غضبًا شديدًا وزمجر وقال: هل عُصي عليّ هذا الرجل؟ فلا بد لي من أن أراه ولو مهما كلّفني هذا الأمر، وأفعل به ما أفعل.
لمّا سمع ذلك الشيخ منصور أجابه بقوله: هل تريد أن تنظر هذا؟ فأنا أحضره أمامك، لكن على شرط أن لا تمسّه بضرر.
فأجابه الأمير: فليحضر ولا أنزل به أقل أذية، وحلف له برحمة أبيه. وإذا أقسم الأمير بهذا القسم كان لا يغيّر كلامه.
فأرسل الشيخ منصور وأحضر خليفة معاهدًا إيّاه بأن لا يلحقه أقل أذى. فحضر خليفة مع أخيه فضول، وقيل إنّ الأمير أمر الموكل على أمر السباع بأن يطلق عليه واحدًا منها. فلمّا تقدم السبع انتشق السيف وعاد نحوه، فوقف الأسد متهيّبًا له.
فصعد الدرج، وكان قد تم القول مع الشيخ بأن يقابل الأمير حاملًا أسلحته. ولمّا امتثل أمام الأمير نظر إليه بغضبه وسأله ثلاثًا: هل أنت خليفة عواد؟
وكان في كل مرة يرفع صوته أكثر من الأخرى ويظهر غضبه أكثر فأكثر، وكان خليفة في كل مرة يجيبه: نعم، أنا عبد سعادتك خليفة عواد، غير مبال برفع الصوت أو بشدة الغضب.
أخيرًا هدأ الأمير، وأمره بالجلوس مع أخيه فضول، ولشدّة ما رأى فيه من عزة النفس ورباطة الجأش أقامه سيافًا عنده.
يُعدّ البحث في أنساب العائلات اللبنانية جزءًا أساسياً من دراسة التاريخ الاجتماعي لجبل لبنان وبلاد الشام، إذ ارتبطت نشأة كثير من العائلات بهجرات قديمة وتحولات سياسية ودينية شهدتها المنطقة منذ أواخر العصور الوسطى. وقد اهتم عدد من المؤرخين والباحثين اللبنانيين، وفي طليعتهم عيسى إسكندر المعلوف، بدراسة أصول العائلات المارونية وتتبع سلاسل نسبها، فظهر من خلال هذه الدراسات أن عدداً كبيراً من العائلات اللبنانية يعود إلى دوحات عائلية قديمة تفرعت منها فروع كثيرة عبر القرون. ومن أبرز هذه الدوحات أسرة المشروقي التي تُعدّ من الأسر التاريخية المعروفة في شمال لبنان، والتي ارتبط اسمها بتاريخ بلدة حصرون في جبة بشري، ومنها تفرعت عائلات عديدة انتشرت لاحقاً في مختلف مناطق جبل لبنان.
تشير الروايات التاريخية وسلاسل الأنساب التي حفظتها بعض المخطوطات والكتب المتخصصة بتاريخ الأسر الشرقية إلى أن الجد الذي تنسب إليه هذه الدوحة هو الشدياق شاهين المشروقي، الذي استقر في بلدة حصرون خلال القرن الخامس عشر بعد أن انتقل إليها من بلدة صدد في بلاد الشام. ويُرجع المؤرخون هذه الهجرة إلى الاضطرابات التي شهدتها تلك المنطقة في تلك الفترة، الأمر الذي دفع عدداً من العائلات المسيحية إلى الانتقال نحو جبل لبنان حيث كانت البيئة الاجتماعية والدينية أكثر استقراراً بالنسبة إليهم. ومع استقرار شاهين المشروقي في حصرون بدأت أسرته تنمو وتتفرع، فأصبحت مع مرور الزمن واحدة من الدوحات العائلية التي خرج منها عدد كبير من العائلات اللبنانية المعروفة.
وتشير الدراسات التي تناولت تاريخ هذه الأسرة إلى أن فروعها لم تبقَ محصورة في حصرون، بل انتشرت تدريجياً في مناطق مختلفة من جبل لبنان، ولا سيما في كسروان وجبيل والبترون والشوف. وقد أدى هذا الانتشار إلى ظهور ألقاب عائلية متعددة تعود في أصلها إلى هذه الدوحة، إذ كانت العائلات في الماضي كثيراً ما تتخذ اسم أحد الأسلاف أو أحد الأشخاص البارزين لقباً لها، وهو ما أدى إلى ظهور أسماء عائلية جديدة مع مرور الزمن. ومن بين العائلات التي يربطها الباحثون بهذه الدوحة عائلات السمعاني وعواد ومسعد والشدياق والحاج وبركات وفهد وغيرها، وقد خرج من هذه العائلات عدد من الشخصيات البارزة في الحياة الدينية والفكرية والسياسية، ومنهم بطاركة وأساقفة وعلماء وأدباء كان لهم دور مهم في تاريخ الكنيسة المارونية وفي الحياة الثقافية في لبنان.
وفي سياق تتبع السلسلة النسبية لهذه الدوحة يظهر اسم حنين أو حنانيا في بعض الروايات التاريخية، وهو اسم أحد الأسلاف الذين عاشوا في مرحلة سابقة لظهور لقب المشروقي. وتذكر بعض المصادر أن هذا الاسم كان يعود إلى رجل دين ماروني عاش في دمشق في إحدى المراحل المبكرة من تاريخ هذه السلالة، وقد ورد اسمه في بعض سلاسل النسب التي سبقت ظهور الشدياق شاهين المشروقي. ومن المعروف في تقاليد الأنساب في بلاد الشام أن أسماء الأشخاص كانت تتحول في كثير من الأحيان إلى ألقاب عائلية ثابتة، خاصة عندما ينتقل أحد الفروع إلى منطقة جديدة أو عندما يرغب أحفاد أحد الأشخاص البارزين في الاحتفاظ باسمه كلقب عائلي. ولذلك فإن وجود اسم حنين في هذه السلسلة النسبية يفتح المجال أمام احتمال أن تكون بعض العائلات التي تحمل هذا الاسم قد احتفظت به لقباً لها بعد أن كان في الأصل اسم أحد الأسلاف.
وقد أدى انتشار العائلات المتحدرة من الدوحة المشروقية إلى ظهور عدد كبير من الفروع التي اتخذت ألقاباً مختلفة، ويشير بعض الباحثين في تاريخ العائلات اللبنانية إلى أن عدد الأسر التي يمكن أن تُنسب إلى هذه الدوحة قد يصل إلى مئات العائلات، نتيجة التفرعات الكثيرة التي حدثت عبر القرون. وهذا الأمر يفسر وجود عائلات متعددة تحمل ألقاباً مختلفة ولكنها قد تعود في الأصل إلى سلسلة نسب مشتركة. ومع ذلك فإن دراسة الأنساب تظل عملية دقيقة تتطلب الاعتماد على وثائق تاريخية واضحة، مثل سجلات الكنائس والمخطوطات القديمة والوثائق العائلية التي حفظت أسماء الأجداد وتسلسل الأجيال.
ومن هنا فإن احتمال ارتباط بعض العائلات التي تحمل اسم حنين بالدوحة المشروقية يظل احتمالاً قائماً من الناحية التاريخية، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار وجود هذا الاسم في إحدى حلقات السلسلة النسبية التي سبقت ظهور لقب المشروقي. غير أن تأكيد هذا الارتباط بصورة نهائية يتطلب وجود أدلة نسبية مباشرة، مثل وثائق كنسية أو مخطوطات عائلية أو سلاسل نسب موثقة تربط بشكل واضح بين العائلة المعنية وبين السلالة المشروقية. وقد اعتاد المؤرخون الذين درسوا تاريخ العائلات اللبنانية التأكيد على أن تشابه الأسماء أو وجود اسم مشترك في سلسلة نسب قديمة لا يكفي وحده لإثبات القرابة، بل ينبغي دعمه بوثائق تاريخية واضحة أو بسجلات نسبية محفوظة.
ومع ذلك تبقى أسرة المشروقي واحدة من أبرز الدوحات العائلية في التاريخ الاجتماعي للموارنة في جبل لبنان، إذ ارتبط اسمها بعدد كبير من العائلات التي لعبت أدواراً مهمة في الحياة الدينية والثقافية والسياسية في لبنان عبر القرون. كما أن ظهور اسم حنين في بعض الروايات النسبية القديمة المرتبطة بهذه الدوحة يلفت الانتباه إلى احتمال وجود صلة تاريخية بين هذا الاسم وبين بعض الفروع التي تفرعت من تلك السلالة، وهو أمر يستحق المزيد من البحث والتدقيق في سجلات الكنائس والمخطوطات التاريخية التي حفظت أنساب العائلات في المنطقة. وبذلك يمكن القول إن دراسة العلاقة المحتملة بين عائلة حنين والدوحة المشروقية تمثل جزءاً من البحث الأوسع في تاريخ العائلات اللبنانية، وهو تاريخ غني بالتداخلات النسبية والهجرات الداخلية التي أدت إلى تشكل البنية العائلية والاجتماعية التي عرفها لبنان عبر العصور.
من فصل إلى فصل
ما زال الموقف السياسي الأمني في لبنان يقفز قفزات، وهو لا يزال خارج خط التطور الذي إن دخل فيه تكون الأوضاع قد قاربت الرجوع إلى طبيعتها. فالقفزة الجديدة التي يسجلها الموقف اليوم تتميز بتهافت الزعامات الإسلامية السياسية والعسكرية على دمشق بقصد لملمة الفلتان وتصحيح التفكك إلى حدٍّ بين رؤساء المذاهب الإسلامية وقوات حركاتها العسكرية، الذين قيل إن اللقاء الإسلامي الأخير الذي عُقد في دمشق قد أرسى قواعدهما. كما يلاحظ تهافت السوريين، وبخاصة العسكريين منهم، على بيروت الغربية وطرابلس للإشراف على تنفيذ تلك القواعد. وقد لوحظ أن الجدية ترافق هذه المرة أعمال منفذي الاتفاق الدمشقي، لكن بعض المراقبين يخشون قفزة جديدة تحصل في هذا المجال في ظنهم، وتكون بالاتجاه المعكوس.
أما القفزة التي سجلها الوضع بين المسؤولين السياسيين فلا تزال متمادية في طريق تعذر انعقاد مجلس الوزراء، وفي إعلان الوزير جنبلاط أن لا حل إلا في اعتماد مبدأ القاتل أو المقتول.
وأما على صعيد الكتائب والقوات اللبنانية فقد جمعهما لقاء صار الاتفاق فيه على أن يندمج الجناح العسكري والجناح السياسي فيهما في وحدة حزبية تكون قيادتها واحدة وسعيها واحداً، مما يمكن اعتباره قفزة، ولكنه قفز كان متوقعاً. حتى إن الموقف في جزين يقفز قفزاً، وقد كانت قفزته الأخيرة على يد الموفد البابوي روجيه اتشيغاراي، لكنها كانت قفزة نحو الخير.
وكانت عودة الفلسطينيين التابعين لعرفات إلى بيروت الغربية قفزة كانت في الحسبان، وإن لم تكن في التوقع، فقوبلت بالعداء والنار، وهو عداء ونار يعتبران قفزة من ناحية الذين اعتدوا على العائدين وصبوا النار عليهم.
يبقى التأكيد على أمرين: الأول هو أن التعاون اللبناني السوري إن أخلص القائمون به على صعيد الحكم كانت خواتيمه جيدة، وإن ظل تعاوناً موزعاً بين الشرعية اللبنانية وأعداء الشرعية اللبنانية، وبخاصة وليد جنبلاط ونبيه بري ومن يدور في فلكهما، ما ظلت مقاصد مريبة. وقد بقي أن التعاون المزعوم هذا ليس تعاوناً، إن هو إلا محاولة لحصر القرار اللبناني، سواء في الشارع منه وغير الشرعي، في اليد السورية، بحيث لا يعود يستطيع أصحاب القرارات في لبنان أن يتخذوا قرارهم في لبنان، بل في دمشق يُتخذ.
أما الأمر الثاني فهو أن الشرعية اللبنانية ستظل آخذة في الصمود تجاه الاجتياح السوري إلى أن تفوّت عليه خطته ومطامحه ومطامعه، كما سيظل صمود الشعب اللبناني مسانداً لصمود الشرعية إلى أن يُغفَر. ومعلوم أن دلائل نجاح الشرعية والشعب في صمودهما تبدأ في أن يتوقف القفز، وفي أن تعود الأمور إلى طريقها، الذي هو طريق التطور المفضي بدوافع صحيحة عريقة، تكون أبعد ما يكون عن المزاجية والكيفية والارتجال.
إدوار حنين
دير عوكر
الخميس 18 تموز 1985
إدوار حنين
أحوال وأقوال
إلى ماذا يهدف القوم؟
منذ أن بدأت الحوادث في 13 نيسان 1975، وكان ذلك في أيام الرئيس رشيد كرامي، بدأنا نعرف ما في ضمائر القوم وما في مقاصدهم ونيّاتهم. ثم أخذت المسائل تتّضح مع مرور الحوادث والأيام، حتى ثبت في الزمن الأخير، وأثبتت خلوات بكفيا بما لا ريبة فيه، أنّ هدف الجماعة الأخير هو تجريد لبنان من لونه ومميّزاته وجعله بلدًا عربيًا ككل بلد عربي، الحكم فيه للمسلم، وعلى المسيحي أن يخضع لحكم الذمّية، هذا إذا استحالت أسلمته بالمعنى الإسلامي الكامل.
وكان للقوم في هذا السبيل أساليب وفنون منوّعة كثيرة، حتى وصل بهم المطاف إلى الخلوات. ففي خلوات بكفيا ثبت للمجتمعين أنّ الجانب الآخر الذي في الحكم يسعى في هذا الصدد إلى تعطيل الدستور توصّلًا إلى تعديله بما يؤمّن المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في كل شيء، وأنّه في هذا الصدد أيضًا يسعى القوم إلى إلغاء الطائفية السياسية.
فلماذا تعديل الدستور؟ لتأمين المناصفة عن طريق القانون. ولماذا إلغاء الطائفية؟ للمحافظة على الزيادة، وهي اليوم تفوق المناصفة عن طريق الواقع. وعندما نعرف ماذا في الواقع نعرف مقدار الكسب الذي يتحقّق للطوائف الإسلامية على حساب الطوائف المسيحية.
نشير هنا فقط إلى أمر واحد نتّخذه من المديريات العامة ومن السفارات اللبنانية في الخارج. فهناك علم يؤكّد أنّ للمسلمين يومئذٍ سبعةً وعشرين مديرًا عامًا وسفيرًا أكثر ممّا للمسيحيين، وهو وضع لم يُصدَّق أن يتوصّل المسلمون إلى مثله، لذلك يسعون بجميع الوسائل إلى تكريس هذا الوضع.
فعندما تكون أهداف الوزراء المسلمين ورئيسهم على رأسهم هي هذه الأهداف، فكيف يمكن أن تتّفق مع أهداف الوزراء المسيحيين الذين أهدافهم إنقاذ لبنان لهم ولنا، ثم المحافظة على لبنان لهم ولنا؟ وكيف يمكن أن تصفو الضمائر والنيات وأن تتوحّد العزائم ويتوحّد العمل ويصير الشدّ في اتجاه واحد؟
فالذي جاء ليخرّب في سنة 1975 أُعيد ليكمل عملية التخريب في سنة 1983. فما لم يستطع المخرب تهديمه في ولايته تلك، فقد جاء لينجز تهديمه في ولايته الحاضرة. وفي هذه المرّة جلب معه جنبلاط وبري اللذين حُدّد لهما ما في الأدوار الموزّعة أن يعملا، وحُدّد له أن يمدّهما بالعطف وبالموافقة وبالتغطية، وهي موافقة مغلّفة في دعوتهما إلى التبصّر والتمهّل واحترام حقوق الآخرين، مع غمزٍ من طرف خفي بأن تستمر الأمور.
كانت خلوات بكفيا صفحة مقروءة ومقرّبة من سجلّ الأهداف الضخم، فماذا بعد هذه الصفحة؟ وإلى أين تتّجه الأمور؟ وتُكتب لكي نظلّ نجهل قراءة ما في الضمائر، وقراءة مسار مكتوب في الصحافة.
أسباق أم تحوّل؟
في السياسة العالمية تحرّك يخرج عن حدود العادة. فالرئيس الأميركي رونالد ريغان يمدّ يدًا إلى الاتحاد السوفياتي لم يسبق له أن مدّها. فوزير خارجيته جورج شولتز يجتمع إلى أندريه غروميكو وزير خارجية الاتحاد السوفياتي، وغدًا سيستقبل الرئيس ريغان غروميكو في البيت الأبيض، بعد أن كان قد حاول أن يقرّب أبعادًا جمّة في الخطاب الذي ألقاه آنفًا في الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة.
وأسياد الكرملين يبتسمون ويهشّون ويبشّون لهذه الظواهر المستجدّة، وغروميكو باسم أسياده، على الرغم من اللهجة التي ضمّنها خطابه في الجمعية العامة، يقابل التلاطف بتلاطف آخر على الطريقة الروسية. أمّا أوروبا فتتطلّع إلى كل هذا بعينٍ راضية.
هذا في البعيد. أمّا في القريب فالملك حسين يعيد العلاقات الدبلوماسية مع مصر، ومصر بادية الارتياح تعمل على استقطاب دول عربية أخرى حول سياستها الهادفة إلى السلام. والسعودية تبطن الموافقة وتعلن التحذير.
كل ذلك فيما الموفد الأميركي السيد ريتشارد ميرفي، مساعد وزير الخارجية الأميركية، يتابع تنقّلاته بين بيروت ودمشق والأردن والقاهرة، يرافقه تأنٍّ وانطباع عن الكلام والتصاريح.
هذا التحرّك الكثيف الذي كان قد فقد فوجد، فإلى ما يهدف؟ أإلى تدشين عهد جديد بين واشنطن وموسكو في هذا التحوّل؟ أم إنّه يهدف إلى الاستئثار بحل قضية الشرق الأوسط في هذا السباق؟
أمّا التحوّل فهو الباب الذي بات المراقبون لا يرون غيره مدخلًا إلى الحل المنشود. وأمّا السباق فلن يخرج عن كونه شوطًا جديدًا في السباق الطويل الذي قد لا ينتهي قبل انتهاء العالم.
لنرجع إلى التحوّل المنتظر والمتوقّع في السياستين الأميركية والسوفياتية. هذا التحوّل تفرضه اعتبارات كثيرة، أهمّها أنّ أحدًا من الجبّارين، الأميركي والسوفياتي، لا يستطيع أن يتفرّد بإيجاد حل سلمي لقضية الشرق الأوسط.
إن الجبّارين كليهما يبتعدان عن الحرب بالمقدار ذاته، لأن كل واحد منهما يخشاها على نفسه وعلى العالم. وإن أهمية المصالح التي للجبار الأميركي لا تخوّله في الشرق الأوسط حقوقًا تفوق الحقوق التي يستمدها الجبار السوفياتي من الحدود المشتركة التي له مع الشرق الأوسط، وهو وحده يملك مثل هذه الحدود، ومن تاريخ الإمبراطورية الروسية الطويل الحافل مع هذا الشرق.
إن للجبار السوفياتي من الأنصار في الشرق الأوسط بمقدار ما للجبار الأميركي فيه، وقد يكون أحيانًا أكثر. ثم إن العالم لا يستطيع أن يعيش عمره كله في اضطراب، مكرهًا على الخضوع للإرهاب ولحرب تخريبية لها ألف رأس ورأس، في ألف مكان ومكان، ولها محاربون من ألف جنس وجنس.
إن هذا التحرّك الناشط الذي لم ينتظر نتيجة الانتخابات الرئاسية في أميركا لا يمكن أن يكون تحرّكًا دعائيًا، إنّه تحرّك فاعل. فهل بدأت تطلّ طلائع يالطا جديدة؟ أم هي طلائع انفراج جديد بعيدًا عن يالطات جديدة؟ لعلّها هي التي تطلّ، إذ لكل عصرٍ زيّه، ولكل عهدٍ أسلوبه.
ميثاق الشرف
إنه لمن المؤسف حقًا أن يرى حاملو شرف الأمة ضرورة وضع ميثاق شرف لأنفسهم يلزمهم باحترام الشرف. وقد وُضع هذا الميثاق بالفعل، ولكن أُبقي عليه مكتوبًا، إمّا لأنهم عادوا فاستحوا من وضعه، أو لأنهم تجنّبوا التشهير بأنفسهم، أو تدليلًا على أن الميثاق الذي وُضع قد وُضع للشكل ولكي لا يُنفَّذ.
على كل، وضع الميثاق اثنان، ووافق عليه اثنان آخران، ثم أُخذ العلم به ثمانية، وظلّ مجهولًا عند جميع اللبنانيين. هذا الميثاق ما عساه يكون، وعلى ما يدور؟ غالب الظن أنه يدور على أن يكون الوزراء جميعًا في خدمة لبنان صفًا مترصًّا واحدًا، وأن يصدق بعضهم بعضهم الآخر، وأن يمضوا في تنفيذ ما يكونون قد اتفقوا عليه تنفيذًا مخلصًا ومتمادياً.
وأن يكون القول مرآة لما هو في الباطن، وأن لا يقول أحدهم شيئًا في مجلس الوزراء مجتمعًا ثم يقول عكسه في مهرجان أو اجتماع حزبي أو حفلة اجتماعية أو حلقة أهلية أو تصريح صحفي. وأن لا يذيع سرًا توجبه سلامة المقرّرات والمصلحة الوطنية العامة.
وأن يُلجم الوزير لسانه عن التشهير بحق أي وزير آخر، فلا شتيمة ولا قدح ولا ذم ولا إلصاق تهم كاذبة بزميل.
ولكن، هل ذُكر في ميثاق الشرف أنه لا وطن لأي وزير كان، بمن في ذلك الرئيس، غير الوطن اللبناني؟ وأن لا ولاء إلا للبنان؟ وأن لا شيء يعلو لبنان، فلبنان فوق الجميع؟
وهل ذكر أن أهل الميثاق جميعًا عازمون بصدق الوصفاء على إنقاذ لبنان؟ وأن لبنان قيمة إنسانية حضارية منقطعة النظير يجب ألا تفقد؟ وأنه كينونة نهائية لا عودة عنها ولا تحوّل؟
وأن للوزير الواحد ضميرًا واحدًا، وهو لا يعمل إلا بهذا الضمير؟ وأنه لا نفع من قول أو فعل إلا إذا صفَت النيات؟ وأن لا قوة تستطيع أن تحول بين الواحد منهم أو مجموعتهم وبين الاستمرار والعمل المتواصل في خدمة لبنان؟
وأن الله حاضر، وهو الساهر على كل ذلك؟
قد يكون كل هذا قد ذُكر، ولكن هل ذكر كل واحد من الوزراء أنه تراب، وإلى التراب يعود؟ ثم هل يعرف واضعو ميثاق الشرف أن المواثيق خطوط توضع على ورق لتعبر عما في نفوس واضعيها، وليست خطوطًا توضع على ورق لتموّه ما في نفوس واضعيها؟
دير عوكر
الخميس 4 تشرين الأول 1984.