ملحمة الانقاذ.
ادوار حنين.
في حياة اللبنانيين ثلاث ملاحم :
ملحمة البناء .
ملحمة الانتشار اللبناني .
وملحمة الإنقاذ.
أما ملحمة بناء لبنان، المستمرة ابدا ، فقد بدأت منذ ان عزم قوم من أهل الجبل على العيش ، احرارا - كراما ، على قمم جبالهم ، وفي مغاور اوديتهم، وسهول شطانهم.
فبنوا أول بيت في الدنيا ليحرروا انفسهم من الوحش، والحر، والقر، والاعتداء، ومن الانتقال القسري من مطارح اشتغالهم ، واعمالهم إلى المغاور
وأحدثوا أول شراع للتفلت، بواسطته ، من عبودية المكان الضيق ، والجار المؤذي ، وللاتصال بشعوب الأرض المتمادية الأطراف، على متنوع طبائعها وعاداتها .
وابتكروا الحرف ليطلقوا لكلمتهم العنان .
وليقهروا النسيان الظالم .
واستمرت ملحمة البناء يوم عاد قوم منهم آخرون فعزموا على ان يكونوا احرارا في معتقداتهم، فقاموا من سهل اباميا وجوارها ، إلى جبال لبنان، على دفعتين :
الأولى : عند احتدام الخصام بين اليعاقبة والنساطرة ، فأرادوا ان يحافظوا على نسطوريتهم والثانية : عند بدء الدعوة الاسلامية ، فأرادوا ألا يصبحوا ذميين.
ثم توالت فصول هذه الملحمة عندما راح اللبنانيون يفتون الصخور ويعلقون مكانها الجنائن .
وينشئون الاديار، والكنائس ، والمدارس . والمطابع ، وينفتحون للعالم الغربي، ويفتحون مغالق ديارهم للتيارات الروحية والفكرية والفنية العالمية. ويتدرجون على دروب المدنية . والحضارة، والتقدم، والرقي .
وأما ملحمة الانتشار، فبدأت طريقها مع قدموس واوروب، واليسار، وأوبالينوس . وزينون واقليدس و مارينوس ، و تيرانس . فحملوا معهم الأبجدية إلى الغرب، وكانوا على اساس المذاهب الفكرية والفلسفية ، والعلمية . والشعرية التي انطلقت، من بعدهم. في العالم.
ثم توالت هذه الملحمة :
في الغرب، على يد الصهيوني ، والحصروني والحاقلاني، والباني، والمطوشي والجمري والقريري، والسماعنة، الذين انشأوا المكتبات ونظموها في حواضر أوروبة وبخاصة في الفاتيكان، وباريس . واسبانيا (الاسكوريال) . وألفوا . وترجموا ، ووضعوا الجداول والفهارس والشروحات للمؤلفات الرئيسة.
وفي المشرق، مع الشيخ لطف الله العاملي الذي أنشأ القصور، والمساجد، والساحات ، في عهد الشاه عباس في اصفهان، وفي غيرها من المدائن الإيرانية .
حتى جاءت الهجرة الأخيرة، فأخذ انتشار اللبنانيين في العالم يتسع في القرن التاسع . بدأ بالبشعلاني ، حتى صارت لنا احزاب وجمعيات في الولايات المتحدة الأميركية، والبرازيل (النهضة اللبنانية) في الأرجنتين، والمكسيك ، وكندا . ومصر (الاتحاد اللبناني). وفي باريس (اللجنة اللبنانية ) .
رافقتها رابطات ادبية ، الرابطة القلمية في الولايات المتحدة والعصبة الاندلسية في البرازيل .
ثم انطلقت لنا جرائد ومجلات في جميع انحاء الدنيا :
في الولايات المتحدة : الهدى . مرآة الغرب . الشعب، النسر البيان، السمير، الأخلاق . الاصلاح، والاتحاد.
في البرازيل: أبو الهول المناظر ، الافكار المنارة. في لبنان، الدليل، والمرسل.
في الأرجنتين: السلام، الزمان، المرسل. الاتحاد اللبناني ، الحياة، الاصلاح، والأحوال.
في المكسيك : الشرق الخواطر .
الاعتدال ، الرفيق ، القسطاس ، والأمير.
في مصر : الاهرام، المقطم، الهلال، المقتطف، الشقاء، والحقوق.
وفي غيرها من بلاد اوروبة وآسيا، وافريقيا.
وتجيء ملحمة الانقاذ .
وهي هذه .
وانها الثالثة في الترتيب الزمني .
غير ان مصير الملحمتين السابقتين مرتبط ارتباطاً وثيقاً . بمصيرها . فاذا ما نجحت بقيت الأوليان ، وان فشلت تعرضت الملحمتان السابقتان إلى انتكاسة رهيبة .
ملحمة الإنقاذ هذه أوجبتها الاخطاء التي اخذت تتراكم ، منذ فجر الاستقلال.
وزادت في توجبها السنوات الثماني المشؤومة.
فلبنان الذي نتولى ، اليوم، إنقاذه، مس الكثير من خصائصه ، ومن مقومات وجوده. فهو لم يعد واحة للأمن ، المستقر.
لم يعد وطنا للحرية المتعافية .
لم يعد السيد المطلق على أرضه .
لم يعد الجسر الذي يتنقل عليه ، بسلامة ذهابا واياباً ، خير من وما في هذا المشرق وخير من وما هم وراء البحار.
لم يعد المركز المالي الخامس بين دول الأرض. لم يعد المقعد المطمئن للمؤسسات الاقتصادية، والفكرية والفنية، والحضارية.
لم يعد العنصر الفاعل في أداء الخدمات.
لم يعد لأهله، وحدهم، فكثرت فيه المطامع ، وتكدس على أرضه لاغرباء ، مسلحين وغير مسلحين ، إرهابيين وشذاذا ومتمردين على الانسانية والعدالة .
لم يعد ساحة سلام ، فاصبح ساحة احتراب بين العقائد المتضاربة ، بين المصالح المتناقضة ، وبين الخلافات الدولية والعربية المتصارعة التي وجدت على أرضه مسرحاً لها رحباً تتعارك فيه .
وأصبح مقرا للصحافة العربية التي لا تستطيع ان تمارس حريتها في بلادها ، فراحت تقتنص من الحرية المتوفرة فيه مناسبات لتشن حروبها فيه ، وبعضها على بعضها الآخر ، حينا ، وعلى لبنان بالذات ، حيناً آخر .
لم يعد رسول سلام بين اشقائه على ما تعود ان يكون ، فجعل منه «أشقاؤه » الفدية عن أمنهم وسلامتهم ، وسلامة مؤسساتهم ، وحكامهم .
لم يعد اللسان الذرب الذي يدافع عنهم .
والمعين الامين الذي يحمل قضاياهم في صدره ،
فيجوب عواصم السياسة والمحافل الدولية الكبيرة .
لم يعد صندوق مالهم ، ومصيف عيالهم ، والمجال الأحب للتخفيف من أثقالهم .
حتى لكاد يفقد وجهه اللبناني - اللبناني ووجهه الحضاري ، ومبررات وجوده في نظر العالم المتطلع ، بوعي اليه.
فما ان سنح له الظرف - ولكل ظرف جانب كئيب !! - حتى الدفع الانقاذ نفسه .
وللنهوض من الحصيض الذي كان قد وصل اليه .
فتوجبت ملحمة الإنقاذ هذه التي قرر ان يخوضها. بمجمل قواه غير مبال بالمصاعب والمتاعب، والأخطار.
ذلك ان العمل الملحمي عمل بطولي.
واقوى البطولات هي البطولات الصامتة - الصامدة - المتوثبة.
من هنا ، بدأ عزم اللبنانيين على ان يواصلوا تحقيق ملحمتهم الثالثة ، التي كانت احدى طلائعها رحلة الرئيس الشيخ امين الجميل الى الأمم المتحدة ، وواشنطن وباريس ، والفاتيكان، وروما ، والتي ستكون فصولها التالية :
تغييب جميع الجيوش الغربية عن أرض لبنان ،
تحديد عدد الغرباء المقيمين عليها تحديداً حصرياً .
إعادة الأمن ، كاملاً ، اليه ، على ان يكون حماية جيشه، فتعود سيادة الدولة كاملة اليها .
ثم وضعه على طريق العادة التي ألف.
فحققت ازدهاره و هناءه ، استكمالاً لمسيرته الفذة . وتمكينه، بعد ذلك، من تحقيق تطلعاته المستقبلية التي تجعله في طريق التطور الرصين - الهادئ للوصول الى مصاف الدول المجندة لخدمة الانسان على الأرض.
ملحمة الإنقاذ التي تكتب فصولها ، اليوم ، لن تكون الملحمة اللبنانية الأخيرة ، بل تكون توطئة للملحمة الكبرى التي تهدف الى جعل لبنان. هذا البلد الصغير، كبيرا بين الكبار في الدنيا، ليتمكن من أداء الرسالة التي حملها ، منذ فجر الانسانية ، والتي لن يتخلى عنها ما دام وجوده قائما في الوجود.
دیر عوکر.
الاثنين ٢٥ تشرين الاول ۱۹۸۲.
ادوار حنين.