إزالة من لا يزول.
إدوار حنين.
تمهيد.
إزالة لبنان من الخريطة السياسية ليست في مخطط الولايات المتحدة الأمريكية، بل العكس هو الصحيح. أما أن تكون إزالة لبنان في مخطط الاتحاد السوفيتي فقد يكون الأمر وارداً، وأما أن تكون هذه الإزالة في المخطط السوري الفلسطيني، وقد يكون العربي أيضاً، فهذا مما لا ريب فيه. وقد سعى السوريون والفلسطينيون والعرب إلى هذه الغاية بطرق شتى، متواصلين بمختلف الوسائل.
تحويل روح اللاجئ إلى روح المحتل
أولى هذه الطرق كانت في تحول روحية الفلسطيني اللاجئ إلى روحية المحتل، فأخذ يتصرف تصرف المحتلين. بازدياد تسلل الفلسطينيين إلى لبنان بعد سنة 1942 ازدياداً هاماً، بأن راحوا يقتنون مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وبأن أخذوا يلبسون ملابس مموهة مميزة، وينشئون مخيمات للتدريب، ويمارسون الخطف والقنص والسرقة ومختلف أنواع الاعتداءات، ويتسلطون على المواطنين في بيوتهم ومتاجرهم وحقولهم وفي الطرقات. ثم شنوا على اللبنانيين حرباً كثر فيها الموت والدمار والهجرة والتهجير، قصد إخلاء لبنان من سكانه وإشغال المطارح التي كانوا يشغلونها.
تخريب الاقتصاد اللبناني.
وعندما فشلت طريقتهم الأولى لجأوا إلى الثانية التي كانت تهدف إلى تخريب اقتصاد لبنان على الصعيد الصناعي والصعيد التجاري والصعيد الزراعي.
أما على الصعيد الصناعي فقد هدموا المعامل التي استطاعوا تهديمها، ونقلوا إلى الأراضي السورية ما استطاعوا أن ينقلوا من تجهيزات المعامل اللبنانية الأكثر حداثة، ثم ضربوا حصاراً على المعامل التي لم يقدروا أن ينالوا منها، فحالوا دونها ودون استيراد الآلات والمواد الأولية، وحالوا دونها ودون تصدير إنتاجها.
ضرب القطاع التجاري.
وأما على الصعيد التجاري فقد عملوا على ترويع المؤسسات المالية، فنفر من السوق البيروتية سبعون في المئة من المصارف والشركات ومكاتب رجال الأعمال التي لها فروع في جميع أنحاء الأرض، أو هي فروع لمراكز رئيسة منشأة في مختلف عواصم التجارة في العالم. ثم عملوا على سد منافذ الاستيراد وعلى تخويف العاملين فيها والمتعاملين مع التاجر اللبناني لحملهم على قطع التعامل معه.
خنق الزراعة اللبنانية.
يبقى الصعيد الزراعي. فمن المعلوم أن الزراعة الكبرى في لبنان تقوم على التفاح والحوامض، ومعلوم أن السوق الطبيعية للإنتاج الزراعي اللبناني هي البلاد العربية. فعمد المخربون إلى سد طرقات التفاح والحمضيات اللبنانية إلى الأسواق العربية، فأغلقت سوريا دروبها إلى الأردن والكويت والعراق والسعودية وإمارات الخليج. وبالمقابل فتحت الحكومات ولية هذه الأسواق أبوابها في وجه التفاح والحمضيات الواردة من تركيا واليونان وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا وأمريكا، وهي تصل إلى الأسواق العربية بأسعار تشجيعية حيث راحت تباع بأسعار لا تزاحم.
ثم أُنشئت للفلسطينيين بأموال مريبة شركات تتولى استيراد التفاح والحمضيات من الخارج، ثم تتولى توزيعها في الداخل بواسطة شاحنات مبردة، متخلية عن كل ما هو نتاج لبناني ومتعمدة خنقه بمضاربة الأسعار. مثل هذه الشركات أُنشئت بالعشرات على مختلف الأسواق العربية، وخُصّت بشاحنات مبردة تعد بالمئات، حتى قُضي على التفاح اللبناني بأن يبقى في أرضه، ومثله الحمضيات اللبنانية. وإذا المزارع اللبناني اليوم لا يعرف ماذا يعمل لاستنبات مواسمه المقبلة، وقد بات لا يملك ثمن السماد والدواء وأجرة التبريد، ناهيك بكل شيء آخر.
محاولة طمس شخصية لبنان.
وإن إخفاقهم في هذا المجال أيضاً حملهم على اللجوء إلى وسائل كثيرة من شأنها أن تمحو شخصية لبنان المميزة، التي إن فقدها فقد حقه في نظام مميز، وفقد نظرة العالم إليه ومساعدة هذا العالم له.
فماذا يجعل من لبنان وطناً ذا شخصية مميزة؟.
أولاً مقامته الحضارية، وثانياً وجهته المسيحية، وثالثاً انفتاحته على العالم.
تشويه التاريخ والحضارة.
أما مقامته الحضارية المترقرة إليه من الإنسان الذي اكتشف واخترع الزراعة والبناء والكتابة والملاحة والزجاج والأرجوان، فقد عمد العاملون على تهديم لبنان إلى تشويه التاريخ بغية الحط من مقام الإنسان الذي توصل إلى هذه الاختراعات والاكتشافات التي هي ركن ركين في بناء الحضارات.
استهداف الوجه المسيحي للبنان.
وأما وجه لبنان المسيحي فقد أراد له هذا الوجه الذين بنوه، لأن أكثر الذين بنوا لبنان الحديث من أتباع المسيحية. على أن لبنانيين يريدون بالرغم من ذلك أن لا يكون لبنان مسيحياً بل أن يكون لجميع أبنائه مسيحيين ومسلمين سواء بسواء، ولكنهم يأبون أن يكون المسيحي في لبنان منتقص الكرامة والحقوق، كأن يكون ضمنياً.
فحاول العاملون على تهديم لبنان أن يخضعوه إلى حكمهم بدس عناصر غريبة في صفوف اللبنانيين على يد التلاعب في سجلات النفوس وإدخال التزوير إليها، بغية إغراق الأكثرية الأصلية التي هي فيه في خضم أكثرية جديدة ليست هي من أبنائه، ولا مطلب لها منه غير مطلب سادتها.
ضرب انفتاح لبنان على العالم.
بقيت انفتاحته على العالم. ولبنان المنفتح هذا جعله منفتحاً انتشار أبنائه تحت كل السماء في القارات الأربع. فاللبناني الضيف في أمريكا يصعب عليه أن لا يستضيف في بلاده مضيفه هناك.
وجعله منفتحاً طلاب المعرفة، فقد أرسل هو أبناءه لتلقي العلم في روما وفي باريس، وقدمت إلى ربوعه الإرساليات الأجنبية من فرنسية وإنجليزية وإيطالية وأمريكية. كما جعله منفتحاً أن يكون قد فرض على نفسه أن يتكلم أبناؤه لغة حية على الأقل إلى جانب اللغة التي يتكلمون في ديارهم.
الدعاية ضد لبنان.
فماذا كان للمخربين أن يفعلوا؟ لقد ذهبوا إلى العالم يقولون إن هذا المارد المنتشر نسله في جميع أنحاء الأرض ليس لبنانياً، إن هو إلا عربي. واشتروا في هذا السبيل جرائد وإذاعات وعملاء.
ثم عمدوا إلى مواطأة من قبل أن يواطئهم، فغيروا أسماء أندية كثيرة وجمعيات كثيرة، واشتروا جرائد كثيرة، وأنشأوا دور نشر ومحطات إذاعة وتلفزيون على يد لبنانيين متواطئين، تمجد كلها وتسبح باسم العرب والجاليات العربية ونشاطاتهم، وتعمل على النيل من اللبنانيين الناشطين.
خاتمة.
هذه طرق ووسائل من الطرق الألف التي في يدهم، والتي حاولوا أن ينجحوا بواسطتها. ولكن ليس كل ما في يدهم قد استُعمل إلى الآن، فللمستقبل أشياء مستقبلية أخرى قد تكون هي الأجدع.
ولكن في وجدان اللبنانيين وعياً أتم وصموداً أكمل، وعند اللبنانيين عن كل مسألة جواب.
إدوار حنين.
دير عوكر، الثلاثاء 21 حزيران 1983.
من فصلٍ إلى فصل.
إدوار حنين.
موقف لبنان وموقف العالم.
هذا الفصل كان فصل توقيع الاتفاق بين لبنان وإسرائيل وإجازة إبرامته من قبل المجلس النيابي اللبناني، وهو الآن ينتظر التنفيذ. أصحاب الشأن الأولون وأصحاب الشأن الثانويون والمراقبون، شرقيين وغربيين، يكادون يكونون مجمعين على أن هذا الاتفاق إن لم يجر تنفيذه يظل معلقاً ويُعتبر ملغاة وكأنّه لم يكن.
العقبات القائمة أمام التنفيذ.
أما العقبات القائمة في وجه تنفيذته فهي:
أولاً: يعتبر لبنان أنّه لن يقدم على تنفيذ ما هو وارد في الاتفاق إن لم تنسحب من أرضه كلياً الجيوش الغريبة الثلاثة: الفلسطينية والسورية والإسرائيلية.
ثانياً: إسرائيل تعلن أن الانسحاب الفلسطيني السوري الكلي إن لم يسبق انسحابة جيوشها فإن جيوشها لن تنسحب.
ثالثاً: الولايات المتحدة الأمريكية، وهي شريك أصلي في الاتفاق بمثابة الفريق الثالث، تنظر إلى موقف لبنان وإسرائيل وكأنها توافق على ما يعلنان، غير أنها تؤكد أن الانسحاب السوري الفلسطيني سيحصل في وقت قريب.
رابعاً: أما سوريا فتربط انسحاب جيوشتها بانسحاب الجيوش الإسرائيلية، على أن يجري هذا قبل ذاك، وكأنها كفيلة بأن انسحاب الجيوشت الفلسطينية سيقع تبعاً لانسحاب جيوشتها.
خامساً: وأما العرب فيحاولون حلحلت الموقف السوري باتجاه اللين.
سادساً: والاتحاد السوفيتي الذي يعمل للتعقيد قابع في مكانه ينتظر أن يُستدعى إلى طاولت الحلول، وهو مؤمن بأن لا حل للمعضلت اللبنانية ولا للقضيت الشرقية إلا بوجوده.
تشاؤم المراقبين.
يبقى أن المراقبين ما زالوا يراقبون، وأن التشاؤم مما سيكون بات غالباً عليهم، ومن حسن الحظ أن هذا التشاؤم لم يبلغ بعد حدود اليأست.
مواقف الأطراف المختلفة.
فما هي المواقف؟
لبنان يسعى مخلصاً إلى تهيئت أجواء صالحة للتنفيذ.
إسرائيل تتفرج على لبنان يقلع شوكت بيده.
أمريكا ناشطة لتذليل العقبات.
أوروبا تساند الولايات المتحدة الأمريكية، قلبها على لبنان وعينها على إسرائيل، وهي لا تبدي في سبيل الحل أي نشاط مميز، تريد الخير ولا تدري كيف تحققه؛ نيتت حسنت ولكنها غير مدعومت بعمل مفيد.
سوريا تستمع إلى الاتحاد السوفيتي بأذن وبأخرى إلى الوسطاء الأمريكان، وستقف بالنتيجة حيث تكون مكاسبتها راجحة.
أما العرب فيرون في حل المعضلت اللبنانية حلاً للمعضلات التي تتهددهم إذا بقيت المعضلت اللبنانية معقدت لا تقترب من حل.
وأما الاتحاد السوفيتي فهو يعقّب ويحرض وينتظر.
بين الحل السلمي والحل العسكري.
والآن إلى ما يكون المآل في نظر العارفين.
القضيت اللبنانية وقد انفصلت عن القضيت الشرقية لن تعود فتلتحم معها، كما أنها لا يمكن أن تبقى بعيدة عن الحل. في نظرهم أفضل الحلول هو الحل السلمي، وهو الحاصل.
أما إذا ظهر أن العارفين لم يعرفوا فماذا سيكون؟
لا بديل عن الحل السلمي غير الحل العسكري. فهل ستقع حرب في الشرق الأدنى، أم يثمر ويستمر العمل في سبيل الحل السلمي؟
البحث عن طريق آخر.
الاستمرار في الطريق المرسومت للوصول إلى الحل السلمي يكاد يكون نافلت، فلا بد من العثور على طريق أخرى. هذه الطريق الأخرى تعينها اعتبارات لا يجوز فيها التناغم والتلاين والتحايل، أهمها المشابهت بين الجبارين: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي.
ففي المواجهت بين الجبارين:
إما تفاوض فتعاون على وضع الحل السلمي،
وإما عسكر يقارع عسكراً آخر في سبيل حل عسكري.
دروس التاريخ.
في سابق الزمان كان التفاوض بين أوروبا وروسيا غالباً ما يقترن بالغايات المنشودة. مثال ذلك معاهدت باريس لاختتام حرب القرم سنة 1854، ومعاهدت القسطنطينية سنة 1861 التي نشأ عنها بروتوكولت المتصرفيت للبنان.
ولم تكن روسيا آنذاك الجبار العالمي، ولا كانت في مواجهت جبار عالمي أول ليواجه الخوف خطاه وخطاه.
ميزان القوى في العصر الحديث.
أما اليوم، وفي وجه الاتحاد السوفيتي، الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى جانب كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة مجموعة ضخمة من الدول والشعوب. وإن كلتي الجبهتين تملكان من العدت الحربية النووية ما يستطيع أن يهدم العالم بساعات قليلة.
فهل يمكن أن يُستبعد الحل السلمي ليفسح المجال أمام الحل العسكري، فيكون الجباران كلاهما في رأس ضحايا التنازل والنزال؟.
خاتمة.
التطلع والحالت هذه محتومت أن تتوقف عند طاولت مفاوضات يكون على رأسها من هنا الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى رأسها من هناك الاتحاد السوفيتي، وبين هذا وتلك العالم يسمع ويرى ويشهد.
في الثلث الأخير من العام المنصرم 1981
في الثلث الأخير من العام المنصرم 1981 مرّ لبنان بقطوع طلع، والحمد لله، سالماً منه. لقد كان الفضل في ذلك إلى حنكة القائد وحكمته ومتانة أعصابه.
إنها شركة ناصيف ورئيف جبور التي منها شركة سنّ وجبور، وشركة شيخ بطرس الخوري وجبور، وعشرات من الشركات التي يضم إليها اسم جبور كضمانة من حيث الخبرة الاقتصادية والتجارية، وكقوة من حيث المتانة والمال والسمعة، وتفرد من حيث القيادة والإدارة وتوجيه الأعمال.
شركة ناصيف ورئيف جبور منها عناصر عدة: شركة المطاحن الكبرى، ومرفأ سلعاتة، وشركة الزيوت ومشتقاتها، وشركة الشرق الأوسط للعلف، وشركة الدواجن، وشركة ليكوجاز، وشركة صوفيم، وتبرجة بيتش ليبانون، والتي من متفرعاتها في العالم مؤسسات تعنى بإنتاج القمح والذرة والصويا، وتعنى بتصديرها على يد شركات نقل بحرية تملكها شركة جبور إلى جميع أنحاء العالم.
وهي مؤسسات تعنى، في جملة ما تعنى به، بالتصنيع والتوضيب والتجارة والشحن. أهمها، بالإضافة إلى الشركتين اللتين في جنيف ونيويورك، شركات في اليونان، في البرازيل، في الأرجنتين، في الأوروغواي والباراغواي، وفي غيرها من أنحاء العالم.
هذه الشركة، شركة ناصيف ورئيف جبور، التي أجمعت تقارير الخبراء وتقارير المصارف المختصة على أن موجوداتها تزيد على المليار ليرة لبنانية، وأن العائلات التي تعيش في إطارها يزيد عددها على 3500 عائلة، وأن الأموال المتعاملة معها تربو إلى عشرات مليارات.
هذه شركة الركن في الاقتصاد اللبناني. عُمِل في الثلث الأخير من العام الفائت على إغراقها. ولو أن العاملين للإساءة وفي كوفي تحقيق إساءتهم إليها لكان ظهرت على الأرض اللبنانية، إلى جانب التفجير، عمليات جديدة هي التفجيرات الاقتصادية التي تميت فلا يعود ميتها يبعث حياً.
لعل السعي إلى الإغراق كان بفعل المؤامرة التي ما زالت تنقض على لبنان، فكادت تودم بالمؤسسة الدستورية، وهي وها هي اليوم تهم بالانقضاض على أكبر مؤسساته الاقتصادية: شركة ناصيف ورئيس جبور.
لو استطاعت مؤامرة مستمرة على لبنان أن تودي بها، وبالمقدار الذي استطاعته في المؤسسة الدستورية والوطنية، لكانت حدثت زلزلة لم يسبق لها مثيل في العالم، وفي عالم المال اللبناني تحديداً. وهي زلزلة كانت توقفت من جرائها معامل كثيرة وأعمال كثيرة، وكانت سدت من جرائها مرتزقات لا تحصى ولا تعد.
هذا فضلاً عن المؤونة الصامتة التي كانت، لو تمت المؤامرة، قد قضي عليها بالانقطاع، في وقت أن انقطعت نقطة الماء على المستفيدين منها، انقطعت وشائج من حياتهم واضطربت فرائض الرحمة.
الحمد لله ثم الحمد لله على السلامة. لكن السلامة لم تكن لتحصل لولا وعي تلقائي من كبار رأوا العاصفة تهدر، فراحوا يقيمون في وجهها السدود.
أهم هؤلاء الكبار الذين تصدوا للعاصفة الرئيس إلياس سركيس والرئيس سليمان فرنجية والجبهة اللبنانية ونخبة مميزة من رؤساء المصارف ورجال الأعمال.
وسلامة لم تكن لتحصل لو لم يتبين أن موجودات شركة ناصيف ورئيف جبور بإمكانها أن تغطي المطلوب منها أضعافاً مضاعفة. وهي لم تكن لتحصل لولا قيادة رئيسها الحكيمة الحازمة المميزة التي تجلت في الظرف العصيب بأفضل فضائلها.
فناصيف جبور الذي جرّ من قرنيه الازدهار إلى هذه الشركة وتفرعاتها في لبنان وخارج لبنان، والذي كان لها الضمان والقوة والتفرد، فقدر أن يرد عنها الأنواء.
هو هو الذي، منذ أن أحس الريح الشمالية تعصف بشراعه عصفاً أهوج، انتصب العملاق في وسط اليم المضطرب، صاداً بصدره الجبل تلك الريح الجمحاء، وقدر بقوة من عنده ومن لدن ربه أن يحطم رأسها.
فسلمت السفينة، وسلم هو وسلم ما هو وسلم ما معهما آلاف المنتفعين من هذه الشركة الفريدة.
أما إذا كانت محاولة الإغراق هذه تنسب إلى غير أهل المؤامرة، فإن نفس القائمين بها يشبه، كما الأخت أختها، نفس المتآمرين. وإنه لا خبثة لأن نفسهم صادر عن أهل البيت لا عن أهل التآمر على البيت.
فيا أحبائنا المتزاحمين على الكسب، إن الكسب مشروع مشروع، ولكن الكسب لا يجيء في تحطيم المؤسسات التي تكسب. إذا أُغرقت شركة ناصيف ورئيس جبور لا يعني أن مكاسبها تحولت إليّ أو إليك، فشجرة الدر عندما تقطع ينقطع الدر معها، وهو أول ما ينقطع لو تعلمون.
ماذا في الغربية؟
هذا الذي يجري في بيروت الغربية شارع مثله وأشدّ في بيروت الشرقية. فالأشرفية التي أقيمت على ذوي المدافع لم تقعد بعد، إلا أن الذين أقحموا الأشرفية في أتون النار لم يستطيعوا أن يحملوا إليها الفتنة الأهلية، ولن يستطيع ذلك مقحمو الغربية في أتون مشتعل.
وسيبقى المتقاتلون في الغربية أحزاباً وتجمعات وتكتلات، وسمر لفيفها من الطوائف العائشة في الغربية وجندها من حيث ما كان.
المتقاتلون في الغربية لا يهمهم أن يهدأ أو لا يهدأ، وإذا ما همهم فلا يهمهم أن يهدأ على أيدي اللبنانيين أصحاب البيت. لذلك يتراكضون إلى دمشق حتى لكأن دمشق في نظرهم هي التي تشعل النار وهي التي تطفئها.
وقد يكون نظرهم في موقع صحة فيكونون على حق. أما لماذا جيش الردع يصلح للفصل بين المقاتلين ولا يصلح الجيش اللبناني للفصل بينهم فهذا أمر لا يعرفه إلا الراسخون في العلم.
هذا الذي يجري في بيروت الغربية جانب من جوانب المعاملة التي تجري في لبنان من الحد إلى الحد. فهل يعي الغالبون والمغلوبون ذلك؟ وهل يرعون؟
موسم الوفود
موسم الوفود الحزبية والبرلمانية الذي بدأ يغل منذ سنة 1975 قد فاطمه ولم يحن بعد وقت رجوعه.
في أخبار الصحف أن وفداً برلمانياً فرنسياً وصل إلى بيروت يوم الاثنين 9 كانون الثاني 1982، ويوم الاثنين ذاته وصل إلى بيروت أيضاً وفد برلماني هولندي. كلاهما جاء في رغبة الاستطلاع.
كان الأمر مقبولاً بل مرغوباً فيه لو أنه حصل عند اندلاع المغامرة على لبنان يوم عتمت وكالات الأنباء على بواعثها ووقوعاتها وأهدافها، ويوم وضع كاتم على فم لبنان فبدا وكأنه في غيتو مسدود النوافذ.
أما وقد استطاع لبنان أن يفك الحصار عنه فجاء من جاء وراء وسمع من سمع فقد باتت الرؤية جلية فيه، وبات الاستطلاع في غير زمانه.
القادمون إلينا للاستطلاع يشبه لهم أنهم يرسلون في هذه المهمة لا لخدمة لبنان بل لخدمتهم هم، لخدمة أنفسهم، فتعطى لهم فيزا إلى بيروت كما تعطى مكافأة للتلميذ العاقل.
هؤلاء القادمون إلى لبنان للاستطلاع فليوجهوا أنظارهم شطر واشنطن وموسكو، هناك مهب العاصفة، وهناك يجرون استطلاعاتهم فينجحون.