العدد رقم ١ - ١٩٨٠.
بقلم ادوار حنين.
ها نحن أولاء نعود إليكم مع فصل الشتاء لنقدم لكم عدد الفصول رقم 1
تقولون : ولكن الفصول رقم 1 صدر في الخريف السابق
فما بالكم تعودون بنا إلى البداية ؟!
قلنا : عدد الخريف كان العدد الصفر الذي درجت العادة على أن يصنع ويتلف فتشبثنا، نحن ببقائه !!
لماذا ؟ !
لأننا رأينا بعد الروية والدرس، أن نشرك القراء، جميع قرائنا في كيف يجب أن تكون مجلتهم. فطرحنا العدد الصفر بين أيديهم . لينظروا، معنا، فيه، لئلاً يبقى صنع المجلة وقفاً على أسرتها، وعلى المقربين من اصدقائهم. فانهالت علينا الملاحظات التي أخذنا بأكثرها، وكان هذا العدد الذي بين ايديكم، وقد سقط منه ۸۰٪ من العيوب، فلم يبق سوى القليل الأقل الذي سيسقط، هو أيضا، في دوره.
أوليس أننا اردنا الفصول، مجلة لجميع المواطنين، فبات عليها أن تكون وليدة ورشة وطنية يشارك فيها جميع العارفين ؟!
أما كيف كان ذلك ؟
فهكذا :
للفصول، كما لكل مجلة، ناحيتان :
الناحية التصورية والناحية الطباعية.
أما الناحية التصورية، فهي التي تولد مع المجلة في ذهن صاحبها وأما الناحية الطباعية، فهي التي تؤمن تحقيق التصور.
لقد نجحنا، نحن أهل المجلة في تصورها .
ولكن أهل الطباعة، الذين لجأنا اليهم، لم يوفقوا في تجسيد هذا التصور ولهذا أسباب كثيرة منها ما تعود المسؤولية فيه على الطابع ، ومنها ما كانت المسؤولية فيه علينا وعلى الطابع في آن.
لقد كنا نعرف كيف نريد فصولنا . ولكننا لم تكن تعرف كيف ندرك ذلك !! حتى أننا وضعنا انفسنا في حين على طريق صعب، وكأننا كنا نريد اكتشاف الطباعة الحديثة من جديد.
غير أن وقوفنا على المتداول من مستحدثاتها حملنا على اعتماد الطريق المطروقة من كبارها، فرأينا أخيرا اللجوء إلى مطابع الآباء اليسوعيين العاملة في بلادنا منذ السنة ١٨٤٨، بمعرفة ودقة واتقان، وحذق، وضمير آملين أن يقترن التصور بالواقع . . فتجيء الفصول، منذ عددها الرقم 1 منطبقة على تصور أصحابها في الهيكل، والشكل، والهندام. هذا الذي وصلنا إليه، في هذا العدد، لن يكون آخر طريق الاتقان، بل سنظل نواصل جهدنا حتى بلوغ الذروة، وليس هذا على الطابع المختار بالأمر العسير، إذا صدقت العزائم وستصدق بعد انتشار العدد الصفر.
هي هذه المحلة، ما هي طاقاتها، وامكاناتها، وماذا تستطيع أن تحقق، وقد رأوا متانة قاعدتها، وأن شروشها تمتد إلى عمق أعماق الفكر اللبناني الذي هو مشاع بين اللبنانيين أجمعين من أي صوب كانوا .
وكان سبق لكاتب هذا المقال أن قال في المؤتمر الصحفي الذي فيه أعلن صدور الفصول بتاريخ ١٧ تشرين الأول ۱۹۷۹، ما حرفيته :
لن تتوقف أسرة المجلة الا عند النص الموضوع، أيا كان واضع هذا النص، اذ يكفي ان يكون قد وضع في شأن لبناني حان وقت القول فيه.
وهذا يعني : أن لا طائفية في اختيار موضوع المقال، ولا في اختيار كاتبه .
فكل لبناني مدعو أن يقترح موضوعاً تصير فيه الكتابة، وأن يقترح اسم الكاتب الذي ينتقيه له.
بل هذا يعني : أن كل مقال يرد إلى الفصول ، بأي موضوع كان في الشأن اللبناني، له مكانا في فصولها. إذ لا يفضل كاتب كاتباً إلا في الجودة.
وغدا، سيكون في عمنا كما نريده، نحن، وكما تريدونه، انتم. كلي الصفاء، مرتاحاً إلى البقاء، وأبدا في طريق التقدم والارتقاء .
وبعد.
فنصل إلى الجوهر الجوهري :
بعد جولتي في الاميركتين، وفي افريقيا، وان بمقدار أقل، إن أحلاماً كثيرة تبخرت، وإن أوهاماً قد سقط عنها الغشاء، فصار بمقدورنا أن نعلن :
أن ليس صحيحا أن اللبناني الذي غادر لبنان، في حين من الأحيان، واستقر في أي مكان كان، هو ولد له بنون في مطارح استقراره . . . ليس صحيحا أنه، وولده، ما زالوا لبنانيين، كما اللبنانيون الذين بقوا مقيمين سواء سواء.
وليس صحيحا أن حنين هذا اللبناني، ما زال للموطن الأول، فكثيرون الذين طرحوا علينا السؤال، في أثناء جولتنا الأخيرة : إذا فقدنا جنسيتنا الأميركية لنستعيد جنسيتنا اللبنانية، نعرف. نحن ماذا نخسر، فهل تستطيع، أنت، أن تقول لنا ماذا نريح ؟
وليس صحيحاً أن اللبناني الذي يعيش، اليوم، وولده، في بلاد الانتشار، لم يتأقلم، بعد، بإقليمها: فإن بشرته، ولسانه، وقوامه، وبالتالي، ما في حنايا روحه وعقله، قد أدركتها الأقلية، بحيث أن هذا اللبناني العائش، اليوم، في كندا، أو استراليا، أو في كاليفورنيا، هو غير أخيه اللبناني العائش في المعاملتين، فكيف بالعائش في إهدن، وبشري، وتتورين. والعاقورة وفالوغا، والباروك ؟
غير أن الحلم الذي لم يكن حلماً، فلم يتبخر، والوهم الذي لم يكن وهما، فلم يسقط، هو أن لبنان هذا المتناقل إلينا على اكتاف ستة آلاف سنة، لم يزل واحدا واحدا بحجمه وهو مساحة روحية تزيد ولا تنقص) واحدا برنة صوته لبنان الأولي الأبدي الذي يجب أن يبقى)، واحدا يتشبت أبنائه في البقاء (ارضا للحرية والانسان)، وواحدا في تصاعده المطرد إلى مستقبل أفضل ولبنان وجد ليكون واحة للانسان لا زربية للبهائم فلبنان هذا الذي يحمله اللبنانيون المنتشرون، حيثما كان انتشارهم. كما يحملون رؤوسهم على اكتافهم، وحبهم في قلوبهم، إنه اليوم، في محنة. وجميعهم متطوعون لإنقاذه : من هنا يعرف لبنان من هو، ويعرف اللبنانيون.
لبنان هذا الذي نحمله جميعا في قلوبنا، ويحمله كل واحد منا. على طريقته، في وجدانه، لبنان هذا يجب أن يعرف البحث ما أصلاً، فيجه العالم معنا، ومن أجل أن يعرف كانت مجلة والفصول:
مجلة الفصول، ستظل تذكر بتاريخ لبنان المتمادي، في القدم، فتنشر صفحاته المطلوبة ليعرف.
وستظل تتولى نشر تراثه ليثبت كم هو أصيل في الحضارة - الانسانية . وكم قدم لاستمراريتها من تقدمات.
وستظل الفصول تعمل حتى يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
وستظل تسعى إلى أن يتأكد أن الأجيال اللبنانية الطالعة لن تبقى في دروبهم فخاخ، ولن تعود فتعترض مسيرتهم إلى السعادة، والبقاء الشريف حوادث كما التي حدثت في السنوات ١٨٤٠ - ١٨٦٠ - ١٩١٤ ١٨ - ١٩٢٥ و ۷۹/۱۹۷۳ المستمرة ابدا. ١٩٥٨
وستظل في الطليعة التي تقود حركة التفتيش عن صيغة لطمس الحرب المشتعلة، فتطلع لبنان من عالم الاقتتال إلى التألق في الوجود، فيكون وجوده آية.
غير أن مجلة الفصول ، يجب أن تبقى حرة، عزيزة، سيدة، لتبقي لبنان حرًا عزيزا سيدا.
فما دامت الفصول، تقوم على زنود اللبنانيين، على ضمائرهم وقلوبهم، على عقولهم، وتخيلاتهم، وتطلعاتهم.
ما دامت تقوم على فلس الأرملة، الذي يمنع عن أفواه البنين، ليلقم إلى الفصول، مع الدعاء بالعافية .
وما دام القائمون بها أحياء، وهؤلاء الأحياء احياء، حيثما كانوا في العالم.
وما دام ايمان جميع اللبنانيين هو أن يحيوا من أجل أن يحيا لبنان، بل أن يموتوا من أجل أن يحيا.
فلن يموت لبنان، لحظة واحدة، قبل أن نموت جميعاً.
أما وأن الذي كان سرا قد عرف.
أما وأن اعداءنا عرفوا أن لا حدود للصمود الذي يبدأ بتمسك اللبنانيين بلبنانهم، بأظافرهم، وأسنانهم تتحطم هي. ويتحطمون هم، ولا يتحطم .
أما وأن اعداءنا رأوا وتأكد لهم أن اللبناني المعاند، الصامد، يقاتل في سبيل لبنان، مع ألف من رفاقه، ثم هو يقاتل، وحده، فلا تتغير نوعية المقاتل الألف عن نوعية والمقاتل المفرد.
أما وأن اعداءنا، والذين كانوا اصدقاءنا، باتوا يعرفون معرفة اليقين أن معركة لبنان لن تنتهي الا بانتهاء آخر نفس في صدر آخر لبناني، في آخر قرية من لبنان وإيمان اللبنانيين ان ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر لبنان، ولإيمانهم الثابت أن اثنين لا ينتهيان : الله ولبنان ، فيجب أن يبقى لبنان .
في ظل هذه الحقائق اللبنانية يعمل اهل الفصول، على اصدار فصولهم، يسهل عليهم طريق المشقة أنهم مؤمنون بأنهم ولدوا ليشقوا، وأن الشقاء من أجل لبنان هو أطيب انواع الراحة.
فإن الذين قهروا الخنادق والحواجز الذين عصفوا هم في وجه العواصف وتعالوا هم على الشرور المتعالية.
أهل الفصول ، هؤلاء، لن يرزحوا تحت الأعباء الذميمة. من يرزح تحت ثقل الدينار لا يستحق أن يحمل الغار.
أحبائي، رفاقنا في هذه المجلة، تصميماً وكتابة وقراءة، ضعوا يدكم بيدنا ما دامت الطريق طويلة، وما دمنا عازمين على أن نروض وعرها، ونجتاز مفارزها، ونمضي حتى آخر فتر فيها .
فمن عاون أخاه عاونه رب السماء، في آن.
والذين تعاونوا ولو بالتشاور شاركوا بعضهم بعضهم الآخر، في عقوقم ، وشركة العقل خير أنواع الشركات، وهي التي تزدهر وتثمر .
فإلى آخر الدهر الداهر، إن شاء الله .
دیر عوکر.
ادوار حنين.
الأربعاء 7 تشرين الثاني ۱۹۷۹.
الموقف في فصل.
ادوار حنين.
من اليوم الذي طلع فيه العدد الصفر إلى يومنا الحاضر ماذا حدث، وماذا كانت نتائج ذلك ؟ في تعيين هذا يتعين الموقف في الفصل الأخير.
بادئ ذي بده فبأي ميزان تزن ؟
بالميزان العادي الذي اعتمدنا منذ بداية الحرب المشئومة على لبنان.
وهو الوجود الفلسطيني المسلح، والوجود السوري المحتل على الأرض اللبنانية.
هذان الوجودان هما المقياس الذي به نقيس وكل ما عدا ذلك فمن باب التلهي في المصير.
طبيعي ان الذي يجري في لبنان لا ينبع ، كله، من الأرض اللبنانية.
ان بعضه نتيجة انعكاسات الحوادث والحدثان التي تحصل في الدنيا.
وبخاصة في محيطه القريب، كزوال الاسرة البهلوية الحاكمة في ايران.
ومفاوضات السلام بين مصر وإسرائيل وتفاعلات قضية البترول. والصراعات القائمة في افغانستان.
لكل هذا بالاضافة الى تحركات العملاقين: الولايات المتحدة الاميركية، والاتحاد السوفياتي في كل اتجاه، اثر عميق بما يجري في لبنان. تحديد هذا الأثر يجيء يومه في زمن مقبل.
فما أبرز ما جد على الصعيد اللبناني، في الفصل الأخير من عمر المحلة ؟
اثارة القضية اللبنانية في مجلس الامن الدولي.
مؤتمر القمة العربية في تونس.
الوفود التي زارت لبنان.
بداية تحركات في الداخل.
وحرب الموارنة.
منذ ان بدأ حلم التدويل يراود الذهن اللبناني، في المسؤولين وغير المسؤولين، واجه اللبنانيون طرح القضية اللبنانية على منظمة الأمم المتحدة.
فحصل ذلك في مواقف عديدة أهمها خطاب السفير ادوار غره هذا الطرح الذي كان من نتيجته ان جاء القرار رقم ٤٢٥ الذي جزأ القضية وكان قراراً مبتورا، وضع علاجا للعدوان الاسرائيلي في الجنوب، ولم ينظر إلى العدوان الفلسطيني ولا الى العدوان السوري، في كل لبنان، فبدل أن يشفي الداء زاد البلاء. في الآونة الأخيرة، في هذا الفصل الأخير، عادت الحكومة، على يد وزير خارجيتها، فؤاد بطرس، وعلى يد سفيرها الدائم في الامم المتحدة غسان تويني، فأثارت موضوع الاعتداء وأشارت إلى أن في لبنان غير الجنوب، والى ان هذه الانحاء من لبنان واقع عليها اعتداء هي ايضا والى ان هناك غير الاسرائيليين من يعتدي على لبنان، والى ان الحل المسألة الجنوبية لا يكون، وحده، حلاً للقضية اللبنانية .
فؤاد بطرس وغسان توينى في خطاباتهما، وفى المناقشات التى اشتركا فيها لدى الامم المتحدة رفعا الغطاء، لأول مرة في مرجع دولي مسؤول، من القضية اللبنانية، فبانت حقيقتها، في كل ما يوجع، ويؤلم، ويقتضي له حل . فكان هذا آخر ما تميز به الموقف الخارجي في هذا الفصل.
وكان مؤتمر القمة العربية في تونس احدى الظاهرات التي سجلت جديدا في الموقف العربي .
قبل مؤتمر تونس كانت اليد لم توضع ، بعد، على الجراح، وكان كل ما يقال في المؤتمرات العربية، قمة كانت ام دون القمة ، تمويه على الحقيقة. وتغطية، ومواربة .
في اجتماع وزراء خارجية الدول العربية، في تونس، الذي انعقد قبل انعقاد مؤتمر الملوك والرؤساء بثلاثة ايام طرح فؤاد بطرس، وزير الخارجية اللبنانية، ورقة عمل لمؤتمر الملوك والرؤساء عين فيها المعتدي، وطالب بأن يحمل هذا المعتدي على الكف عن عدوانه . على ان تكون ورقة العمل اللبنانية البند الأول في جدول اعمال المؤتمر. ووقف بطرس عند ورقة عمله . قدم الرئيس سركيس ووقف الموقف ذاته وكان قد قرر برئاسته في بيروت). ثم قدم الرئيس الحص ووقف، في جانب الأولين، على سوية واحدة . وكان هذا الموقف الذي يقفه لبنان الرسمي لأول مرة، آخر ما تميز به.
على المجال العربي، هذا الفصل.
(أما المقررات التي اتخذت في مؤتمر تونس، سواء التي أبديت حولها تحفظات ام التي اعتمدت بدون ما تحفظ ، فهي ، كالعادة، في طريق التفشيل على يد لجنة المتابعة التي اخذت تتهرب من الاجتماع).
وقد تميز هذا الفصل بكثرة الوفود التي قدمت إلى لبنان للاستطلاع للتبين ولدرس الممكن - المجدي من الخدمات .
وكان أول هذه الوفود بعثة فيليب حبيب الاميركية، ووفد الرابطة اللبنانية الاميركية الـ «أول (ALL)، ووفد الكونغراس الاميركي. ثم وفادة الكردينالين كوك الاميركي، وروبان البولوني . وزيارة الوفد البرلماني الكندي فالوفد البرلماني الهولندي في ما عدا حضور البعثات الخاصة، وبعض الشخصيات العالمية.
يبقى ان بعض تحركات مربية اخذت تظهر، في هذا الفصل. على الصعيد الداخلي. وقد ظن انها افتعلت للإثارة بغية اعادة الاحتراب إلى الساحة الداخلية. من هذه التحركات الخطف المتبادل الذي حصل بين الكتائب واهل الشمال. الخطف والقتل الذي حصل، ولا يزال، في بدادون وحومال، وبليل، ووادي شحرور نسف التمثال والعمود الأثري اللذين كانا قائمين على مستديرة بيت مري . القنبلة التي انفجرت في بناء دار الفتوى في بيروت مع وقوع حوادث الاعتداء بالاغتيال والقصف والخطف، ووضع اليد والسرقة، وما اليها.
حتى ان اللعب بالحرب بين الموارنة بدأ بذر قرنيه بشكل مخيف. من هذا اللعب : تمادي الاثارة بين اهل الجبل وأهل الشمال. الانصراف إلى تعقيد سير المصالحة بين ابناء الصف الواحد التي ينبري لها رجال الخير محاولة شق جديد في الصف الماروني يصل إلى الكتائب والاحرار، وكاد يصل في الآونة الأخيرة إلى البطريركية والرهبنات الأمر الذي حمل الدكتور انيس فريحه على ان يوجه لي، مع احد اصدقائنا، هذا الكلام القاتل:
قلو لادوار الموارنة عمروا لبنان والموارنة راح يخربوا ما يخليون . . هذا التحريك الداخلي تميز، في هذا الفصل، بالخبث ، واللوم، والنفاق.
كان هذا أهم ما تميز به على كل صعيد، الفصل الأخير في لبنان. غير ان اموراً كثيرة بدأت تطلع رؤوسها من العمر، فبدأت تبرز. من اهم هذه الأمور:
ان أبدى الرئيس شمعون عدم رفضه للدخول في حوار مع الفلسطينيين والسوريين اذا رافقت الجدية استعدادهم، وتوافرت ظروف نجاحه.
ان تراءى الرئيس فرنجيه في مظهر الاصغاء إلى المصلحين والوسطاء في موضوع الحرب الناشبة بينه وبين الكتائب. قد يكون هذا هو الذي حمل الشيخ بشير الجميل على فتح مكالمة تلفونية مع زغرنا، وحمل الشيخ امين الجميل على ان يوجه اليه رسالة ميلادية مفتوحة .
ان تكون الولايات المتحدة الأميركية قد بدأت تعالج، مباشرة. مسألة توطين الفلسطينيين في جنوب لبنان على يد مبعوثها فيليب حبيب.
الذي قال الرئيس عادل عسيران في مسعاه : وان الهدنة الدائمة التي اقترحها السيد فيليب حبيب معناها التوطين».
ان بدأ يلاحظ المراقبون انفتاحاً كثيفاً من العالم على منظمة التحرير الفلسطينية من اجتماع لشبونه إلى زيارة اسبانيا، إلى زيارة فينا، إلى الزيارات المتتالية لموسكو، الى التلويح بزيارة فرنسا، وإلى الغزل القائم بين المانيا وايطاليا وانكلترا وبين هذه المنظمة الأمر الذي دعا السفير غاسن تويني الى ان يقول : أن منظمة التحرير الفلسطينية تحولت بعد انفتاح العالم عليها، إلى دولة واقعية . ربما الى اقوى دولة عربية. الى أقوى حكومة في العالم العربي.
ان تغلب التيار القومي، في الانتخابات التي جرت في حزب البعث السوري الحاكم، بين ثلاثة كانت تتقاسم الناخبين : التيار اليساري الذي يهدف الى تهديم لبنان بمزيد من العنف، والتيار المعتدل الذي يهدف في ضوء اقتناعه الى ان لا غنية للبنان عن سورية وسورية عن لبنان في حكم اصلاحي - متعاون - واع ، ثم التيار القومي الذي غلب وهو يهدف الى الحاق لبنان بسوريا.
ان انتقلت قيادة جامعة الدول العربية من مصر إلى تونس. فتبدل بمناخ الصحراء مناخ البحر الأزرق المتوسط، وان بدأ الصيد. مندوب الجامعة العربية، اتصالاته بالانعزاليين اركان الجبهة اللبنانية) الذين فهموا منه انه جاء الى امانة الجامعة ليعمل بضميره وباقتناعاته، وانه يؤمن بصوابية القضية اللبنانية.
في الضفة الثانية، لأول مرة، القول، بلسان احد رؤساء الحكومات السابقين: يمكننا ان نعتمد على العرب في خلق المشكلات لا في حلها .
وان اعلن الرئيس سركيس في واحد من خطبه شهير : اما خطة جماعية للحرب واما مساواة في الهدوء. فلا نصف حرب ولا نصف تسوية، لا نصف صمود ولا نصف جمود . ايها اللبنانيون .
ان مشكلة لبنان الحقيقية هي انه لا يريد ان يموت. وكل ما يعانيه. الآن من المصائب والويلات يفرض عليه هذا العمل الدائب - المرير الذي يضنيه. كل هذا في سبيل الحياة وسيحيا .
ادوار حنين.
أحوال وأقوال.
مأساة الجيش.
ضابط رقي وآخر لم يرق.
ليس في الأمر ما يقلق البال، وما يثير الخواطر ولو فرط بالمساواة.
وليس ما يقلق بال الشعب وما يثير الخواطر بأن يعطى ضابط اقدمياته، أو ان يحرم منها. ولو فرط بالعدل انما المهم هو ان لا يفضي ذلك الى خلخلة الأساس .
وحلحلة الأساس تبدأ في ان يرقى، وان يعطوا اقدميتهم، الذين خرجوا عن ولائهم للشرعية وللبنان. وفي ان يبعد عن الترقية ويحرموا اقدميتهم الذين والوا الشرعية ولبنان .
ولكن الأمر يستفحل، ويتعاظم، ويصبح مأساة اذا افضى كل ذلك إلى تهديم الجيش.
ويهدم الجيش إذا لم يعط ضابط مستحق حقه.
واذا أعطي ضابط غير مستحق حق غيره.
اذا هذا العطاء العشوائي، وذاك الحرمان، يقضيان الى رفع الأدنى الى فوق وانزال الاعلى الى تحت، فيصبح الأمر مأمورا، والمأمور أمرا، بدون ما سبب موجب سوى العشوائية .
اذا كانت من وراء العشوائية نية في خفض قيمة المخلصين لمؤسستهم ووطنهم، وفي رفع قيمة المسيئين لمؤسستههم ووطنهم.
واذا كانت نتيجة كل ذلك حمل المأمور الذي كان بالأمس أمرا على التمرد. اذ ذاك يتعطل الترتيب التسلسلي، ينتفي النظام، تعم الفوضى وينهد الجيش الا تعود منه جدوى، ولا يعود السياح الذي هو مبرر وجوده.
المسألة العالقة بين رئيس الحكومة، سليم الحص. وبين وزير الدفاع، جوزف سكاف، ليست من المسائل التي تقلق الشعب، لو لم تكن مسألة تحتوي ظلماء على اساءة للبنان.
انا لا يهمني ان يعطى العقيد انطوان بركات والمقدم طارق لحيم، والمقدم ابراهيم طنوس، والنقيب فرنسوا زين، وغيرهم ممن لجأوا إلى الحاكم أو ممن له يقرعوا بابها أن يعطوا حقهم، فكثيرون الذين هضمت حقوقهم، في هذه الفترة العصيبة بلبنان.
ولا يهمني ان يرقى، أو لا يرقى ، العميد نبيل قريطم إلى رتبة لواء مفضلاً على ستة من اقرانه لهم عليه الاحقية في الترقية .
ولا يهمني كل ما سكت عنه، في شأن الترقيات واعطاء الاقدميات لاصحابها، وكل من صرف النظر عن قضيتهم تفادياً، أو تراخيا، أو لعدم اكترات. اذ الذي يهمني هو ما يهم لبنان. وهو هذا الجندي الذي يعطي حياته لوطنه فلا يعطيه وطنه حقه .
هذا الجندي الذي يبذل من نفسه حتى النفس الأخير فتقبض عنه ترقية هزيلة مستحقة.
وهذا الجندي الذي يصارع اعداء بلاده حفاظاً على شرف بلاده، فلا يصان له شرف.
هذا الجندي كيف تريدون ألا ينزل في عمده ؟! وكيف تريدون ان يمتشق الطالعون عداء السيوف.
الا اطلعوا السيوف من اغمادها.
واعيدوا للطالعين قابليتهم في ان يمتشقوا السيوف.
دیر عوکر.
الجمعة ۲۱ ايلول ۱۹۷۹.