البلدان التي حملت على ظهرها الحضارات منذ أن الإنسان في ممدودة على الأرض وعلى رأسها جميعًا : لبنان وهو يعيش من ذلك منقطعًا عن ماضيه، لأن ماضي لبنان إما مغمور في بطن الأرض، وإما قد أغلق عليه في الخزائن.
أما ما كان مغمورا فُقد، ولا تزال أيدي العلماءتنبشه، فراحت تنفض عنه التراب منذ عقود بدايات القرن العشرين، حتى تكشفت لنا حضارات خمس في أنطلياس وبيبلوس وصيدون وصور وعنجر وبعلبك.
ثم جمعت لنا بعض ما يدل عليها في متحف تتعهده يد تستحق الإكرام والتبجيل.
وأما ما هو مغلق عليه في الخزائن، فقد أفرج عن بعضه الأقل. والبعض الأكثر ما زال في غربة مؤلمة.
وإن أكثر ما يؤلمنا اقترابه ذاك الذي تختزله دور الكتب في باريس وإسبانيا والقاهرة، وروما، والفاتيكان، ولندن، وفلورنسا، واسطنبول.
في النفس اللبنانية حنين على أصولها البعيدة، وهو حنين المرء إلى مهده.
فلن تهدأ لواعج النفس قبل أن يجمع الله بينهها وبين أصولها.
وعلى صعيد المادة: لو كان لاحدنا ثروة مرشوشة في عالم كثير الغليان، فماذا كان يصنع ؟!
في الحرب العالمية الماضية تعرّضت لندن إلى وابل من القنابل استمر شهورا طوالاً، فسلمت أشياؤها فيها بفعل العجب.
وباريس لم تنج من بعض.
وقد كانت روما والقاهرة مهددتين.
ومثلهما اسطنبول.
أما فلورنسا - حيث لنا من الوثائق فوق ما لنا في غيرها - فقد أصيبت بجراحات أليمة.
حتى أن دار الوثائق الوطنية (أركيفيو ناسيونالي) قاربت أن تصاب بالقنابل التي نزلت على الجسر القديم (بونتي ماكبو)، فهدته، وهو مقابل لدار الأركيفيو" التي تجمعت فيها الوثائق اللبنانية.
قديما كان يصعب أن تتخذ التدابير الاحترازية.
أما وقد صار من الممكن اليوم، ان نصور جميع ما لنا من الوثائق، بجميع طرائق التصوير، في جميع انحاء الأرض، كما صار ممكنا جمعها في نسخ كثيرة تحفظ في مطارح كثيرة المتحف الوطني) دار الكتب الوطنية، دور الكتب في الجامعات الثلاث، متحف بيت الدين، وفي أقبية مسلحة بوادي قنوبين.
وصار ممكنا أن يكون النسخ والتصنيف، والتبويب، والنشر بإشراف علماء لبنانيين.
فلماذا نحجم ؟!
حتى إن بعض الوثائق الهامة يجب أن تحفظ أصولها في دينا، بنتيجة مفاوضات حكيمة، واتفاقات بين الدول المعنية ولبنان.
نعرف أن بعضا من المؤرخين اللبنانيين الذين نثق بعلمهم، وصدقهم، وإخلاصهم كالأستاذ يوسف ابراهيم يزبك والدكتور أسد رستم في الزمن الاخير، قد انصرفوا إلى بعض هذه الدور يستنطقون وثائقها في ما يعوزهم من شؤون.
غير أن هذا لا يكفى.
ذلك أن وسائل الفرد لا تستطيع ما تستطيعه وسائل الدولة.
فإلى مَ "توفر" الدولة نفسها، على هذا الصعيد؟
وقد أن لها أن تقدم ؟!