الجمعية اللبنانية للعلوم السياسية التي يقود خطاها بحكمة واقتدار الدكتور بشير العريضي جعلت مؤتمرها الثالث المنعقد اليوم، على موضوع الرأي العام والحياة السياسية في لبنان.
ان يشغل الرأي العام بالرأي العام، ثلاثة أيام متواصلة وأن يقال لهذا الرأي العام ما يجب أن يقال فيه، وأن تكون الصراحة شأننا معه وطريقنا عليه، قد تكون هنا بدعة الدكتور العريضي وطرافة البحث.
الواقع ورأي الناس في الواقع، شيئان اثنان.
وأن ما يشغل الناس ليس هو الواقع بمقدار ما هو الرأي الذي يطلق فيه حتى أن الأمر الذي ينشرح له الناس، أو ينزعجون منه، ليس الواقع بالذات إن هو إلا تصورهم لهذا الواقع، تفكيرهم فيه، والرأي الذي يشكلون خياله.
فمعركة السويس شيء والرأي الذي كون حول معركة السويس شيء آخر.
واقع الوحدة الثلاثية شيء ورأي الناس في الوحدة الثلاثية شيء آخر.
ما تعنيه نتائج الانتخابات البلدية، غدًا، شيء. وما سيكون رأي الناس في تلك النتائج شيء آخر.
من هنا أهمية القول. من هنا أهمية الجريدة، والراديو ، والتلفزيون ووسائل النشر جميعا. ومن هنا أهمية الحرية التي تصون الكلمة، والصورة وكل ما ينقل بواسطة الصورة والكلمة.
وبنسبة ما تنمو وسائل القول والنشر بنسبة ذاك يهون الواقع أمام ما ينشر عن الواقع ويذاع أكثر منا تأثرا بالحوادث والحدثان التي فيها يكون القول، وعنها يذاع ما يذاع.
وخير دليل على ذلك، في الزمن الاخير ، موبلز وصوت العرب، وإن ما يصح قوله، اليوم، كان صحيحا في كل يوم. حتى أن "ماركوريل" (121) - 180) قد قال: "وأعلم أن الأشياء بما هي في الرأي العام أكثر مما هي في الواقع والرأي أنت مسؤول عنه. "
وبعد ستة عشر قرنا قال شمفور: "الرأي العام سيد العالم"
أما ماذا قال المؤتمرون، أمس، بهذا الصدد، وما الذي سيقولونه اليوم وغدًا، فهذا ما سيكون لنا رأي فيه عندما يعلن. وأما الذي لا نجد مندوحة من أن أن نقوله، نحن، في الموضوع فهو هذا: ليس الرأي العام تفكيرا معينا، بل الرأي العام كان ذو تفكر. وهو كائن مركب. فلا بد من أن يظل تفكيره مركبا. وهذا يعني: إن تفكير الرأي العام حصيلة تفكر فردي ينطلق من الفرد والعشرات، والمئات والآلاف، والملايين، فيفعل ويتفاعل. ثم تكون الحياة للأقوى. وهو التفكير الأقوى - صوابيًا كان أو غير صوابي - الذي يكتل الكثرة حواليه فيصبح رأيا عاما.
ليس من حق الدولة والحالة هذه وهي التي تملك وسائل لا يقوى على مثلها الفرد، أن تزرع في الناس رأيا أيا كان هذا الرأي. وإنما من واجب الدولة أن تعود الناس على أن يكون لهم رأي. ومن واجبها : أن تضع بين أيدي الناس عناصر التقدير لتشكيل رأي صائب.
ثم من واجب كل واحد من قادة الرأي أن يدرك مسؤوليته في القيادة. فلا ينقاد. وفي قول الحقيقة، فلا يشفق في قولها، على ضعف الإنسان والرأي الذي يسود العالم هو الرأي الحر. أما الرأي الموجه فمكتوب له الموت، حتف وجهه، قبل أن يترعرع ويشب.
بو براهيم.