هذه الأثمال البالية التي تخطر في الطرقات تنتأ منها الأعناق والأرجل والأيدي، كانها القضبان، لون سمرة من فرط الجفاف، ويدوي الجوع من تلافيفها .
هذه الأكواخ القذرة التي يعشش فيها البؤس والمرض والهزال، حتى شعاع الشمس يقدر ويعتل في جنباتها.
هذا الجائع إلى العلم وهو لا يملك ثمن العلم.
هذا المريض الذي لا تطول يده دواء الداء.
هذا الذي ينام على الطوى، ويعول من عطش وجوع.
هذه اليد التي تمد.
والكبرياء التي تذل.
والشرف الذي يسفك.
هذا الفقر الذي يستدعي الخطيئة هلى حد قول أوسكار ويلد:
من خلال الأزقة التي لا تبلغ إليها الشمس يتسلل الفقر ذو العينين الجائعتين فتجد في أثره الخطيئة وهي مشوهة الوجه تفح منها رائحة النتن".
هذا الفقر
هو تلك النعمة التي نذر لها نفسه قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرون والتي عاد فشكر الله عليها ساعة وفاته.
قد يقول قائل: من لم يفتقر إلى رغيف، أو دواء، أو رداء.
من لم يكن له ولد بليت أثمالهم وحفوا وتحرقوا على المرض والجوع.
أي معنى لفقره ؟
وما قيمة الفقر الذي نذر له نفسه الذي كان يتنقل من حبروية إلى حبروية أعلى؟
من سفارة إلى وزارة
حتى ادرك رأس الكنيسة فصار أغنى أغنياء الأرض
وقد يكون ذلك صحيحًا.
ولكن. رب فقر يفرضه على نفسه غنى يكون أشد إيلامًا من فقر تنزله الحاجة بالآخرين.
فالذي ينام على جوع، بحكم الحاجة، لا يجوع أكثر من الذي ينام بحكم الطاعة على جوع.
وقد يكون هذا أشد جوعًا من ذاك.
لقد سمعت الكثير في موضوع الفقر والفقراء.
سمعت ريتر ماريا ريكلي يقول:
الفقر نور محيي يلتمع في قرارة النفس.
وسمعت ترويز " يقول:
الفقر أنيل نبلاء الأرض وأقدمهم، قلة الذين يستحقونه.
وسمعت فيفا كاند يقول:
الفقراء وكلاء الله على الأرض.
وكنت قد قرأت الأمير منابر الكنيسة بوسوية منذ ما يزيد على الثلاثين سنة، خطابه الشهير في موضوع:
عظة الفقراء السامية في الكنيسة
ففي كل ما سمعت وما قرأت لم ترتعش نفسي بمقدار ما لمست من ارتعاشها أمس.
يوم قرأت ليوحنا الثالث والعشرين قوله:
إنني أشكر الله على نعمة الفقر التي نذرت لها نفسي.
اللهم أعطنا أن نستحق نعمة الفقر لتغتسل فيها نفوسنا.
فنقترب منك طاهرين مطهرين.