تلخيص رواياته – موقفه من التاريخ.
شوقي، أمير الشعر بالأمس، هو أمير الشهرة اليوم. يكاد لا يخلو قطر عربي ممن يلهج باسمه أو يتغنى بشعره. ولهذه الشهرة أسباب متنوعة، أهمها أن شوقي نظم المدائح في أعاظم الرجال من ملوك وأمراء وسراة، فعرفه الرجال العظام. وقال المراثي في شخصيات بارزة محبوبة، فانتشرت بين الخاصة والعامة.
ثم إنه لم يدع حادثة مهمة تقع إلا بعث فيها قصيدة تسير سير الحادثة في المجتمعات والأندية وعند الأفراد. وقد عرفه الصغار ببعض القصائد التي أودعها حكايات ذات مغازٍ وعبر، عرّب معظمها عن شاعر الفرنجة المشهور لافونتين. ولم يقف عند هذا الحد، بل استخدم شهرة المغني محمد عبد الوهاب لتوسيع نطاق شهرته، فأوحى إليه بقصائد مثل: «يا جارة الوادي»، و«أنا أنطونيو»، و«خدعوها»، و«تلفتت». فوقعها هذا بأنغام سحرية، وأنشدها بصوت شجي.
وكان شوقي قد استخدم من قبل شهرة أبي العيون وأم كلثوم، اللذين تغنيا بقصائد عديدة له، منها: «وحقك أنت المنى والطلب»، و«أفديه إن حفظ الهوى أو ضيّعا». فتسرب اسم شوقي إلى حيث تسربت أسماء هؤلاء المغنين وأسطواناتهم، إلى بلاطات الملوك وأكواخ الفقراء، وإلى دور العائلات ودور الملاهي.
ولم يكفه كل هذا، بل رغب في المزيد، فقام في آخر حياته بإنشاء روايات تمثيلية شعرية، فكان لنا:
مصرع كليوباترا.
مجنون ليلى.
قمبيز.
علي بك الكبير.
عنترة.
وألحقها برواية نثرية هي «أميرة الأندلس».
وسنتحدث الآن عن شوقي والتاريخ، تاركين إلى وقت آخر الحديث عما سوى هذا المظهر، لنوفي كل مظهر من مظاهره العديدة حقه.
وصف الروايات وتلخيصها
فلنأتِ، قبل كل شيء، على وصف هذه الروايات واحدة واحدة، وعلى تلخيصها بإيجاز، ليتاح للقارئ أن تكون له عنها نظرة إجمالية تمكنه من متابعة النقد وتذوقه.
مصرع كليوباترا
رواية تمثيلية شعرية في أربعة فصول.
ملخصها أن أنطونيوس، القائد الروماني الأكبر، وأحد الثلاثة الذين سلمت إليهم زمام الأمور في روما، وهم أنطونيوس وأوكتافيوس وليبيد، تعشق كليوباترا ملكة مصر، وراح به حبه إلى الجحود بفضل روما والتطوع في خدمة هذه الملكة القادرة.
فحاربا جنباً إلى جنب في موقعة أكتيوم البحرية، وموقعة الإسكندرية البرية. فكان أن خانت هذه حبيبها مرتين متواليتين، فدفعته إلى الفرار. وصحبه أوروس من المعركة الثانية إلى مكان أمين، حيث تلقى أنطونيوس، كذباً، خبر انتحار كليوباترا، فعجل بالانتحار. وكان أوروس قد سبقه إلى ذلك فانتحر.
وإذ اتفق لكليوباترا أن رأت حبيبها في نزاعه الأخير، وتأكدت نية أوكتافيوس المنتصر في استصحابها إلى روما، لجأت هي أيضاً إلى الانتحار، تخلصاً من الأسر، ولحوقاً بحبيبها أنطونيوس.
وقد تبعتها إلى الموت وصيفتها شرميون. أما هيلانة فقد نجت بمساعي حابي وأوتوبيس، فتم هكذا النصر لأوكتافيوس.
ويحق لنا أن نسمي هذه الرواية «مجزرة المحبين» أو «مصارع العشاق». وقد ضم شوقي فيها إلى الحوادث التاريخية حوادث أخرى من إنتاجه، فجاءت رواية داخل رواية.
أما مجمل هذه الحوادث، فهو أن حابي، أحد أمناء مكتبة قصر كليوباترا الثلاثة، أحب هيلانة وصيفة الملكة. وكانت هذه مولعة به، إلا أن حبها للقيام بواجب الخدمة الأمينة نحو مليكتها كان يمنعها من الاجتماع به والتقرب منه.
ولما لم يفت الملكة ما كان بين هذين العاشقين من مودة وارتباط، رغبت في جمعهما إلى الأبد بالزواج.
إلا أنها كانت عالمة بما لها عند حابي من بعض الحقوق، وما كان عليه هذا من الخروج عن الطاعة. لكنها تغلبت أخيراً على عاطفة الانتقام، وزوجته من هيلانة.
وكان أن انتحر أنطونيوس وكليوباترا وأوروس وشرميون، وآل القصر إلى الخراب. فجاء حابي وأخذ هيلانة، وذهبا معاً إلى حيث يقضيان عيشة هادئة هنيئة، في الحقول التي وهبتهما إياها الملكة في سهول طيبة.
وهنا يكون الختام.
مجنون ليلى
الرواية الثانية من روايات أحمد شوقي الشعرية، وهي ذات خمسة فصول.
ملخصها أن قيس العامري، مجنون ليلى، تعلق بليلى منذ كان صغيراً، فجن بحبها. وإذ كان قيس شاعراً، أخذ يتغزل بليلاه ويشيد بها، فسار شعره بين القوم سيراً سريعاً بعيداً.
وكان العرب يعدون عاراً أن يتغزل شاعر بنسائهم، فنقم عليه آل ليلى، ووالدها المهدي، فحرموا عليه فتاتهم. فتشرد قيس في مغارب البادية ومشارقها، ويقال إنه وصل إلى الشام، ينشد الغزليات والفراقيات، ولا يصحو إلا إذا ذكرت له ليلى.
وكانت ليلى كثيرة الحب له، إلا أنها فضلت التضحية بحبها على التضحية بشرفها وشرف ذويها، فتزوجت ورداً، متخلية عن قيس المجنون.
ولم يقف شوقي عند هذه الخاتمة، بل تعداها، فأوقفنا تجاه قيس وورد، زوج ليلى، يتحدثان عنها، وتجاه قيس وليلى بعد زواجها، وتجاه موت ليلى وتعازي القوم لأبيها ومراثي الشعراء فيها، ومنها مرثاة قيس المجنون.
ولم يأتِ على الختام إلا بعد أن شط وابتعد عن صميم الموضوع في فصلين كاملين.
قمبيز
وهي الرواية الثالثة من روايات شوقي الشعرية، وجاءت في ثلاثة فصول.
ملخصها أن قمبيز، ملك الفرس، طلب الزواج من نفريت ابنة أمازيس فرعون مصر. فأبت هذه، وأحب والدها ألا يعاكسها في رغباتها. إلا أن خطر هذا الرفض كان عظيماً، إذ إن مصر كانت مهددة بانتقام قمبيز.
وأدركت نيتيتاس، ابنة الفرعون أبريس المقتول، مقدار هذا الخطر على عرش آبائها، فطلبت أن تحل محل نفريت، فتفتدي مصر بنفسها. فلم تجد معارضة، فأقيمت الأفراح في بلاط فرعون، وانصرف القوم بأميرة مصر إلى بلاد فارس.
ولم تطل إقامتها هناك، حتى جاء فانيس، القائد في الجيش المصري الملتحق بالجيش الفارسي، وأطلع قمبيز على الخديعة. فثار هذا، وجند جيشاً، وزحف قاصداً مصر، فأعمل فيها الحريق والقتل والنهب.
وما إن استقر له الأمر حتى علم بخبر انتحار نفريت. فجن، وتجلى جنونه بأن أخذ يقتل كل من رآه. فوقعت نقمته على فانيس الخائن، وعلى قائد جيشه الأكبر، وكان شيخاً، وعلى أبيس، العجل المقدس وإله النيل.
أما هو، فقد اعترته رؤيا أذهلته فانتحر.
وهكذا انتهت الرواية بحداد المصريين على مليكهم ومليكتهم وإلههم أبيس، وحداد الفرس على مليكهم وقائد جيوشهم.
علي بك الكبير أو دولة المماليك
الرواية الرابعة من روايات شوقي الشعرية، وهي، كالتي تقدمتها، ذات ثلاثة فصول.
ملخصها أن محمد بك أبو الذهب، متبنى علي بك الكبير وأحد أمراء المماليك، خرج على أبيه وولي نعمته، فناصره كثير من المماليك. وإذ أدرك علي خطورة الأمر، فر من مصر ساعة اقترانه بالأمة آمال، ولجأ إلى ظاهر العمر في عكا، واستنجده على الثائرين فأنجده.
وقد شهدنا ما كان من أمر النجدة، إذ وقع ظاهر في قبضة الخارجين، وقتل مراد بك علياً، واستتب الأمر لمحمد بك أبي الذهب.
إلا أن هناك حادثة غرامية جرت إلى جانب الحادثة التاريخية. وهي أن آمال، الأمة التي تزوجها علي بك الكبير، والتي عرضها والدها للبيع مع رفيقتها أم محمود، كانت عزيزة النفس أبية، فتمردت على أبيها مصطفى الدرجي الذي رغب في بيعها، وعلى أم محمود، وعلى كل من جاء يساوم على ثمنها. فرق لها علي وتزوجها.
وكان مراد بك قد تعلق بحبها، إلا أنها ظلت تبدي له النفور، إباءً منها، ولأنها لم تكن ترضى عيشة الجواري في بيوت الأمراء والملوك.
وظلت آمال في قصر علي آمرة ناهية، معرضة عن مراد بك، إلى ما بعد الحرب التي ذكرناها، يوم أقر مصطفى الدرجي، قبل أن تميته جراحه، بأنه والد مراد بك، وأن آمال هي ابنته أيضاً.
وختمت الرواية بأن أعلم مراد آمال أنها أخته لأبيه مصطفى. فانتشر الخبر بين القوم حتى بلغ محمد بك أبا الذهب. فبكت آمال زوجها علياً، وبكيا معاً مصطفى. ثم أنعم عليها محمد بك بقصر علي المعروف بقصر المطاط، ووعدهما بحياة رغيدة هانئة.
وهكذا تم التعارف بين الآخرين.
عنترة
وهي الرواية الخامسة والأخيرة من روايات شوقي الشعرية، وقد قسمت إلى أربعة فصول.
ملخصها أن عنترة، فارس الفرسان، ذلك العبد الأسود الذي صورته لنا الأسطورة بجلاء، أحب عبلة ابنة أمير الحي، فبادلته الحب. إلا أن زواجهما لم يتم بسبب رفض أبيها وإخوتها، لأسباب أهمها أن عنترة عبد وابن أمة.
فكانت العقدة في الحصول على رضا مالك. لذلك سعى عنترة إلى هذا الرضا بحماية القبيلة، والذود عن نسائها ومراعيها وكافة حقوقها، والظهور بمظهر المحارب الذي لا يشق له غبار.
وقد أدى هذه الأدوار خير أداء، ففتك بأنصار الأكاسرة والمناذرة فتكاً ذريعاً، وأبعد الغزوات عن قبيلته، وقاتل الغزاة حتى أفناهم.
إلا أنه لم يوفق إلى رضا مالك، الذي زوج ابنته من صخر، أحد سراة عامر. فما كان من عنترة إلا أن هاجم ركب العامريين الناقل لعبلة إلى زوجها، فاختطفها منهم وتزوجها، رغم أنف أبيها وذويها.
فصفا لهما جو الحياة، وعاشا هادئي البال. وكان عنترة قد فرض إرادته على صخر، فزوجه ناجية، رفيقة عبلة، التي كانت مغرمة به.
وهكذا انتهت الرواية بزواج المتيمين: عنترة من عبلة، وصخر من ناجية.
أميرة الأندلس
وهي الرواية النثرية الوحيدة التي وضعها شوقي بك. تتألف من خمسة فصول.
وهذه أيضاً رواية ذات واقعتين.
أما الواقعة الأولى فتطلعنا على حالة ملك إشبيلية المعتمد بن عباد، وعلى مصيره ومناوئيه، فنعلم أنه أُرغم على ترك الملك، وقيد إلى سجن مظلم في أغمات هو وعائلته الملكية.
وأما الواقعة الثانية فتطلعنا على حادثة غرام لها أول وآخر، وقعت بين بثينة ابنة الملك ابن عباد، وحسون بن أبي الحسن، تاجر إشبيلية الأكبر.
فنرى كيف تعرفت بثينة إلى حسون في سوق الكتب بقرطبة، فعلقت بهواه، وظلت على حبها له، حتى زارته متلثمة في بيته، فتعارفا وتوطد الحب بينهما.
ثم وقعت الحرب، فتم إنكار ابن عباد وأسره، وسبيت بثينة.
ولو تريث الناقد قليلاً قبل إطلاق حكمه، لما فاته أن شوقي في هذا المقام أيضاً يزعجه أن يخالف التاريخ، فيجاريه على مزاعمه واعتقاداته.
ذلك أن علماء التاريخ يقولون، كما قال عثمان المري، إن قيساً كانت به جنة، وإذا ذكرت له ليلى نشأ يحدث عنها عاقلاً لا يخطئ حرفاً.
والآن فلننظر إلى مظاهر هذا الجنون كما هي في مجنون شوقي ومجنون التاريخ، متبعين ذلك بنظرة إلى قيس العاشق وصفات عشقه، وما إلى ذلك من الأوصاف التي اتصف بها المجنون.
لقد جاء في شوقي، والكلام صادر عن ابن عوف:
ما باله يطأ التراب حافياً
ويقطع البيد ممزق الردا.
وجاء ما يوازي ذلك في التاريخ، وهو قول عثمان المري:
«كان قيس لا يلبس ثوباً إلا خرقه، ولا يمشي إلا عارياً. »
وجاء في شوقي أن أحداث الحي كانوا يأتونه وينشدونه الشعر والغزل، فيصدهم عنه راشقاً جماعاتهم بالحصى.
كما شهد بذلك ابن عوف عندما قال مخاطباً نصيباً:
انظر نصيب، ضجة وصبية
ورجل يرمي الصغار يا عمى.
أما ما كان يقوله الأحداث فهو:
قيس عصفور البوادي
وهزار.
قيس كشفت المذاري
وانتهكت الحرمات.
ويقابل ذلك قول عثمان المري:
«كان يلعب بالتراب والحجارة، ويأتيه أحداث الحي فيحدثونه عنها، أي ليلى، وينشدونه الشعر والغزل. »
كما ورد عن رجل من بني مرة أنه خرج إليه، فلما رآه قيس تناول حجراً ليرميه به.
وجاء في شوقي أن قيساً ترك الطعام والشراب. ويلاحظ شوقي ذلك على لسان زياد، كما تذكر إحدى الشخصيات:
زياد، ما ذاق قيس، ولا هما.
وقد جاء في التاريخ، في خبر عبد الجبار بن سليمان بن نوفل بن مساحق، عن أبيه عن جده:
«واختلط عقل قيس بن الملوح، وترك الطعام والشراب. »
وجاء في شوقي أن قيساً كان يهيم متشرداً في مغارب البلاد ومشارقها.
كما قال منازل:
نشرة منتظماً في البلاد
ومن لما ازداد النوى.
وقال جني من العفاريت، وكان من صحبة شيطان شعر قيس:
لقد ضل الطريق، أما تراه
يخبط باليمين وبالشمال.
وقد قلب الثياب عليه فجاً
على عاداتهم عند الضلال.
وشهد قيس على نفسه إذ قال:
رب، إلى أين انتهت بي السرى
وأي واد أنزلتني يا ترى.
أفي الشام أنا، لعلني جزته،
أم بالطائف، أم أين أنا.
وكان عثمان المري قد تكلم عن هيامه فقال:
«فهو يهيم. »
ولم يأت ذكر الشام في شعر قيس عرضاً، وإنما كان قد بلغ الشام في تشرده، وذلك على ما يرويه هشام بن الكلبي.
إذ وصل قيس إلى الشام، وكان يسأل من يمر به:
أمن نجد أنت؟
وقد جن قيس، فلم يفت أهله وأنسباءه هذا الجنون، نظراً إلى مظاهره التي رأيت.
ومن البديهي أن يقوم والد قيس، وكان لا يزال على قيد الحياة، بأمر شفائه مما هو فيه. وهكذا كان.
وقد أطلعنا شوقي على ذلك في قول زياد لابن عوف، عندما أشار عليه هذا أن يذهب بالمجنون إلى الكعبة للاستشفاء.
أرسل المقطع التالي ابتداءً من الأبيات التي تبدأ بـ «رويداً، بُنيّ. وسأتابع التنقيح مع ضبط الأبيات الشعرية سطراً سطراً.
وقد ضم شوقي إلى هذه المظاهر مظهر البكاء، فأسمعنا قيساً يقول:
وكم جدت على الرملة ولم أجد
على العشب دمعاً مثل دمعي.
يدمع مثل دمع الشَّكل مغروفاً
من القلب.
وهذه ظاهرة لم يتعب المؤرخون أنفسهم في إثباتها له، فضلاً عما قاله هو عن بكائه ودموعه.
وقد تجلى عشقه بعلامات أخرى، غير الجنون والإغماء والبكاء، أهمها الهزال والصفرة.
فقال شوقي في ذلك، والكلام صادر عن إحدى الشخصيات:
تأمل قيساً المعنى تجده
من الذوبان أصبح كالخيال.
وهاك ورداً يرى قيساً فيقول فيه:
أتعرف من هو؟
قيل:
قيس.
أفرده الغرام.
وقال منازل:
هو ابن الملوح، دلَّ الهزال عليه،
وتم اضطراب المطايا.
وقالت ليلى:
إني ما تراه كالفتى الذي
عرفت تحولاً وكثير اصفرار.
وهما صفتان، الهزال والصفرة، تحدث عنهما ابن مسكن فقال:
«وإذا معهم فتى أبيض طوال، أي مفرط الطول، ما رأيت أحسن منه من الرجال، على ما به من هزال وصفرة. وإذا هم متعلقون به، فسألت عنه فقيل لي: هذا قيس المجنون. »
وورد ذكرهما أيضاً في التاريخ، إذ قيل:
ولم يبق إلا الجلد والعظم عارياً،
ولا عظم لي إن دام ما بي، ولا جلد.
أما كيف كان يقوم المجنون بواجب هذا العشق، فقد قال مجيباً في رواية شوقي:
كم جنت ليلى بأسباب ملفقة،
أما كان أكثر أسبابي وعلاتي.
ويُشم من هذا البيت أنه كان كثير التردد إلى بيت ليلى، وأنه ألف الطريق إليه بأسباب مختلفة، ولم يكن يأتي بهذه الأسباب إلا في سبيل الاجتماع بها والتحدث إليها.
وقد أثبت التاريخ الشيء نفسه في قول رباح بن حبيب العامري:
«وكان المجنون، أول ما علق ليلى، كثير الذكر لها، وكثير الإتيان إليها، والعرب ترى ذلك غير منكر. »
وهو القائل:
وكان يأتيها في كل يوم، فلا يزال عندها نهاره أجمع.
أما ما تراه عند شوقي من إيفاد هذا وذاك إلى ليلى، فهو ناتج عن إهدار الخليفة دم قيس، إذ كان إذا عرض لآل ليلى قتلوه، فلم يعد قادراً على الوصول إليها بنفسه.
قال شوقي:
حلل السلطان بالأمس لكم
دم قيس، فما الذي تنتظرون؟
وجاء في «الأغاني»:
«ولم يسمح للمجنون بدخول الحي، وقال القوم: لا والله، لا يدخل المجنون منازلنا أبداً، أو يموت، فقد أهدر السلطان دمه. »
وليست هذه السفارات، كسفارة ابن ذريح وسفارة ابن عوف، من مخترعات شوقي، وإنما وردت في «الأغاني».
فقد جاء:
«التقى قيس بني عامر بقيس بن ذريح، وطلب إليه إبلاغ سلامه إلى ليلى. فمضى ابن ذريح حتى أتى ليلى، فلما استأذن عليها قالت له: حياك الله، ألك حاجة؟ قال: نعم، ابن عمك أرسلني إليك بالسلام. فأطرقت ثم قالت: ما كنت أهلاً للتحية لو علمت أنك رسوله. »
وهذا ما جرى فعلاً في رواية شوقي لابن ذريح، الذي نراه في الفصل الأول في المشهدين الأولين.
ولم تكن سفارة ابن عوف إلا تاريخية أيضاً. غير أن شوقي نسبها إلى ابن عوف، بينما قام بها في الحقيقة نوفل بن مساحق.
ونكتفي، لإظهار الدور الذي مثله هذا في رواية شوقي، بإيراد الحادثة كما جاءت في التاريخ.
فجل ما غيره شوقي في هذه الحادثة أنه مزج ما حدث لوليي الصدقات مع قيس، ونسب ذلك كله إلى رجل واحد هو ابن عوف.
هذا، وقد نسب شوقي إلى مجنون ليلى صفات خارجية كانت محببة إلى النساء، جمعها ابن ذريح بقوله:
وقيس، يا ليلى، وإن لم تجملي،
زين الشباب، وابن سيد الحمى.
وكلها صفات ذكرها ابن مسكن بقوله:
«وإذا معهم فتى أبيض طوال، ما رأيت أحسن منه من الرجال. »
وأتمها عثمان المري إذ قال:
«كان قيس أجمل الفتيان. »
وهكذا نرى تقيد شوقي المفرط بالتاريخ، وما لهذا في ذمته من أثر في إخراج رواياته، ولا سيما في إظهار شخصية قيس المصورة أعلاه.
أجل، إن قيساً مجنون، وهو مجنون على طريقته. ولم نطلب من شوقي يوماً أن يصوره لنا عاقلاً، ما دامت الحقيقة التاريخية تقضي بذلك. وإنما كنا نرغب إليه أن يصور هذا الجنون بطريقة فنية تعرف به، لا أن ينقل إلينا التاريخ وأسلوب التاريخ نقلاً مباشراً.
ولو فعل ذلك لكان مجنونه على غير ما هو عليه من الروعة والجمال والذوق الفني.
ولم يقل تقيد شوقي بالتاريخ في «علي بك الكبير» و«قمبيز» و«مصرع كليوباترا» و«أميرة الأندلس» عنه في «مجنون ليلى».
إلا أن شوقي، على ما شهدنا عنده من الاحتفاظ بالحوادث التاريخية، لم يكن يحسن دائماً المحافظة على الحقيقة التاريخية، أو قل على جوهر التاريخ.
وذلك ظاهر في «عنترة» على الأخص، عندما يصور لنا عنترة وعبلة وقد سرت فيهما روح قومية حية تدعوهما إلى الوحدة العربية، وعندما لا يحسن تصوير «السيد العربي» كما نسبه إلى مالك أبي عبلة.
فما مستند هذه الصورة من التاريخ؟
مما لا مراء فيه أن ذلك العربي، ربيب الصحارى الواسعة الممتدة الأطراف، الذي حكم عليه أن يعيش معتزلاً مع أفراد أسرته، لم يكن يحلم بالوحدة، ولا يشعر بتلك الروح القومية التي نسبت إليه.
وجل ما كان يفكر فيه أن يحمي قبيلته، ويحافظ على مراعيها ومواشيها، ويصون نساءها من السبي.
وإذا تم له ذلك، غالب جيرانه على مياه الآبار ومراعي الكلأ، ليؤمن حياة ماشيته المتعلقة بها حياته وحياة أهله.
وقد أخذ ابن خلدون بهذا الرأي في صفحات من مقدمته، حيث بين أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك، وأنهم إذا تغلبوا على أوطان عامرة أسرع إليها الخراب.
والتاريخ العربي بأجمعه كفيل بتبيان هذه الحقيقة.
وقد قال الأب لامنس اليسوعي ما يقابل ذلك في كتابه «مهد الإسلام»، وكتب في إحدى أعداد مجلة «المشرق»:
«إن البدوي رجل فردي، ولهذا لم يرتق قط إلى مستوى الحيوان الاجتماعي، فيؤلف نظاماً سياسياً واجتماعياً ثابتاً. وإن تلك الصفة الفردية وحدها تشرح ما نراه في البدوي من ضعف الإخلاص للمصلحة العامة المشتركة. »
ثم يضيف أن البدوي عاجز عن الارتفاع بنفسه إلى ما فوق فكرة الحي أو القبيلة، وعاجز عن تصور نظام اجتماعي أوسع وأرقى.
فالعربي، إذاً، بحسب هذا الرأي، فردي وفوضوي. ومن اجتمعت فيه هاتان الصفتان لا يمكنه أن يطمح إلى الوحدة، بل لا يستطيع أن يتصورها.
فأين نحن من الحقيقة التاريخية؟ وأين شوقي منها؟
ولم يكن شوقي في تصويره السيد العربي أقرب إلى الحقيقة التاريخية من تصويره الرجل العربي.
ذلك أنه أظهر مالكاً بمظهر اللؤم والدناءة، في حين أن هذا لم يكن من صفات السيد العربي، وإلا لما اختير سيداً، والعرب كانوا يتأنون كثيراً في اختيار ساداتهم.
فمن هو مالك في شوقي؟
سيد لئيم، حقود، خسيس النفس، لا هم له إلا قتل عنترة، فارس الفرسان وحامي القبيلة.
فهو القائل لسراة بني عامر، إذ طلبوا يد ابنته لصخر:
قولوا لصخر يقدم رأس عنترة
صداقاً.
وهو القائل لضرغام:
المهر يا ضرغام غال، فاجتهد.
اسمع إذن ما أصطفيه له:
المهر رأس عنترة.
أما التاريخ فيعلمنا أن الخسة واللؤم والدناءة ليست من صفات السيد العربي، وإنما هي صفات وسم بها شوقي مالكاً ظلماً.
أما صفات السيد العربي، كما ذكرها الأب لامنس، فهي الحلم والكرم والتجرد وخدمة القوم.
وقد جمعتها حكمة العامة في قولهم:
«سيد القوم أشقاهم. »
وقالوا أيضاً:
«سيد القوم خادمهم. »
فأين التجرد فيمن أراد أن يجرد رأس عنترة عن جسده تشفياً؟
وأين التضحية الدائمة فيمن يضحي بابنته، وبعنترة، حامي القبيلة الوحيد، في سبيل غاية شخصية؟
أرسل المقطع التالي ابتداءً من: «وقد يكون شوقي تعمد النقل" وسأتابع التنقيح بنفس الأسلوب.
غايته الفردية
وقد يكون شوقي قد تعمّد النقل في هذا الموقف أيضاً، فنقل الأسطورة فجاء «أبو عبلة» على الصورة التي ظهر بها في روايته.
فإن صحّ هذا الزعم جاز تخطئة شوقي في أمرين. أولهما اعتماده على أقوال الأسطورة المغلوطة من غير اكتراث بما للتاريخ من حقوق حتى على الروائي نفسه. وثانيهما إفساده روعة الأسطورة بالنقص منها والزيادة عليها حيث لا ينبغي النقص ولا الزيادة.
ثم إن شوقي جعل من عنترة رجلاً مستهتراً يجتمع إلى الفتيات ويغازل عبلة. ويذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين يصوّره مختطفاً لها من ركب بني عامر ليتزوجها قسراً. وكلها أمور لا تنسجم مع ما عُرف عن عنترة القائل:
أغضّ طرفي ما بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها.
وإذا غزا في الجيش لا ألقاها
وأغضّ طرفي عن محارمها.
على أن نقل التاريخ إلى الرواية قاد شوقي في بعض الأحيان ـ وهي قليلة جداً ـ إلى بعض المحاسن، منها أنه أحسن تصوير أخلاق المماليك وفساد بيئتهم في «علي بك الكبير». فرأينا الابن يثور على أبيه، والمأمور يخرج على طاعة آمره ويدبّر له الدسائس ثم يقتله. ورأينا الفساد مستشرياً حتى بات الصديق يخشى صديقه على امرأته أو أخته.
وقد نجح إلى حدّ ما في تصوير أخلاق الفرس والإسبان، وذلك في «قمبيز» و«أميرة الأندلس».
فنحن، كما ترى، لا نأخذ على شوقي مخالفته للحوادث التاريخية، بل كنا نودّ لو تصرّف فيها بحرية أكبر. وإنما نأخذ عليه مخالفته للحقيقة التاريخية نفسها، أي جوهر التاريخ وروحه. فقد جعل عبلة وعنترة من دعاة الوحدة العربية، وأوجد فيهما روحاً قومية يستحيل وجودها عند قوم كانت أبرز صفاتهم الفردية والفوضوية. كما صوّر «السيد العربي» عاقاً، لئيماً، حقوداً، وهي صفات لم يُعرف أن مالكاً، السيد العربي، اتصف بواحدة منها.
نتائج هذا الموقف
لم يكن موقف شوقي من التاريخ خالياً من النتائج. فقد قاده إلى الازدواج في بناء الرواية، وإلى مسائل أخرى تستحق البحث.
وأول ما يلفت نظر القارئ في روايات شوقي أنها تقوم غالباً على واقعتين في رواية واحدة. وقد ظهر ذلك جلياً في تلخيص الروايات السابقة. ولا يخفى أن هذه السمة كانت نتيجة تقيده المادي بالحوادث التاريخية. فالمؤرخون، مهما أطالوا الحديث عن واقعة من الوقائع، لا يقدمون مادة تكفي لإنشاء رواية تمثيلية كاملة، ولا سيما أن شوقي كان شديد المحافظة على الروايات التاريخية، فلا يكاد ينقص منها أو يزيد عليها.
فماذا يفعل شاعر يريد أن يبني رواية على الأحداث التاريخية وحدها؟ وأين يجد المادة اللازمة لمئات الأبيات التي تشكل رواية شعرية؟ لذلك عمد إلى ضم حوادث غرامية إلى الحادثة التاريخية، من غير أن تكون بينها وبينها صلة عضوية قوية. فجاءت الرواية الشوقية مؤلفة من واقعتين: واقعة تاريخية، وأخرى غرامية أخلاقية بعيدة عن التاريخ.
أما النتيجة الثانية، فهي أن الرواية الشوقية بدت أقرب إلى قصة للقراءة والمطالعة منها إلى عمل صالح للتمثيل والمسرح. ذلك أن شوقي سار فيها على طريقة المؤرخين، فربط الحوادث بأسبابها ونتائجها كما يفعل التاريخ.
فالمجنون يحب ليلى، فيطلعك شوقي على نشأة هذا الحب وتطوره ونموه ونتائجه من جنون وتشرد. وهكذا نجد أنفسنا أمام واقعة تولد وتنمو وتموت، من غير ذلك الصراع الدرامي الحاد بين الإرادات والعواطف المتعارضة الذي تقوم عليه المسرحية. فالرواية تمضي إلى النتيجة كما يمضي التاريخ، وأشخاصها أشبه بآلات تتحرك في سبيل تلك النتيجة.
ومن نتائج هذا الموقف أيضاً أن شوقي لم يمنح كل حادثة من حوادث رواياته القيمة الفنية التي تستحقها داخل العمل المسرحي، بل أبقى لها القيمة نفسها التي أعطاها لها المؤرخون وفقاً لقوانين التاريخ. وفي هذا خلط واضح بين الرواية والتاريخ، فالرواية التمثيلية شيء، والتاريخ شيء آخر، وبين حقيقة الواقع وحقيقة الفن مسافة كبيرة.
وهكذا نرى هذا الشاعر المبدع مقيداً بالتاريخ في كثير من مواقفه.
عنترة شوقي وعنتر غانم
وهل ينبغي أن نذكر بين مصادر شوقي ما كان لـ«عنتر» غانم من تأثير في «عنترة» شوقي؟
يكاد قارئ الروايتين يجزم بأن شوقي لم ينقل عن غانم نقلاً مباشراً، لما بين العملين من فروق كثيرة. غير أن المتأمل فيهما يلمس أثر غانم في طريقة تركيب الرواية، وفي تناول الموضوع، وفي بناء العقدة وحلها.
فكيف نظر غانم إلى الموضوع؟
عنتر، العبد الراعي وابن الأمة، أحب ابنة الأمير فبادلته الحب. لكن كيف السبيل إلى الزواج مع وجود هذه الفوارق الاجتماعية؟ كان على عنتر أن يأتي بأعمال بطولية تجعله موضع تقدير الناس، وتجعل سيد القبيلة مديناً له بجميله.
وهكذا كان. فقد دافع عن القبيلة وحقوقها، وصدّ عنها الغزاة. ولما كان مالك شهماً يقدّر المعروف ويجازي عليه، كافأ عنتراً بأن زوّجه ابنته عبلة.
أما شوقي فقد انطلق من العقدة نفسها، لكنه جعل مالكاً رجلاً ظالماً لا سبيل إلى استرضائه. وكانت النتيجة أن اختطف عنترة عبلة وتزوجها قسراً.
ولم ينجُ شوقي من تأثير غانم في مسائل أخرى. فقد جعل غانم من عنتر داعية إلى وحدة العرب، لكنها كانت فكرة مدمجة في صميم العمل الفني، فبدت خفيفة الأثر وخادمة للرواية. أما شوقي فقد علّق بهذه الفكرة وجعل عبلة، لا عنترة، بطلتها الكبرى، فجاءت الفكرة نافرة لا صلة وثيقة لها بالرواية ولا خدمة حقيقية للفن.
وأرى أن غانم كان أشد تأثيراً في شوقي مما يُظن، حتى إن بعض مظاهر هذا التأثير ظهرت في صورة معاكسة متعمدة.
ففي غانم، عنتر هو الذي يدعو إلى تحرير العرب، أما في شوقي فعبلة هي صاحبة هذا الدور.
وفي غانم يظهر مالك متحلياً بصفات السيد العربي من حلم وشهامة، أما في شوقي فيظهر لئيماً خسيساً ناكر الجميل.
وفي غانم يتزوج عنتر عبلة برضا أبيها والقبيلة، أما في شوقي فيتزوجها رغم إرادة الجميع.
وفي غانم يظهر عنتر بطلاً مقداماً عفيفاً كما صوّره التاريخ والأسطورة، فلا يجتمع بعبلة قبل الزواج ولا يحدّثها عن حبه. أما عند شوقي فإنه يجتمع بها مراراً ويغازلها، ثم يختطفها في النهاية من ركب بني عامر. وبذلك يبتعد عن صورة عنترة الحقيقية التي عبّر عنها بقوله:
أغضّ طرفي ما بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها.
فجاءت معاكسة شوقي لغانم مخالفة للحقيقة التاريخية كما يصورها التاريخ والأسطورة معاً. ولم تحقق ما أراده صاحبها، بل كشفت أثر غانم فيه سلباً وإيجاباً.
وقبل الانتقال إلى موضوع آخر، يجدر التوقف عند حادثة استغلها غانم ولم يتردد شوقي في استخدامها أيضاً، لما فيها من مثال واضح على أسلوبيهما في بناء الرواية.
ففي بداية الفصل الأول من «عنتر» لغانم يكون الحي قد تعرّض للسبي، ويكون عنتر قد أعاد عبلة ومن معها من السبايا. فنرى القوم يتحدثون عن بطولاته ومآثره.
وقد تأثر شوقي بهذا المشهد، فبنى عليه قسماً كبيراً من الفصل الأول في روايته. فنرى الحي يُسبى، وعبلة تدافع عن نفسها حتى تُؤسر، ثم يُستدعى عنترة لنجدتهم، فينهض بعد تردد، ويقاتل، ويحقق النصر، ويعيد السبايا، وتنتهي الأحداث حيث بدأ غانم روايته.
ولعل دافع شوقي إلى هذا التطويل رغبته في استيعاب ما ورد في «الأغاني» من أخبار عنترة، ومنها ما رواه ابن الكلبي من أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس، فاستاقوا إبلهم، فاستنجد شداد بابنه عنترة قائلاً له: «كرّ يا عنترة». فأجاب: «العبد لا يحسن الكرّ، إنما يحسن الحلاب والصرّ». فقال له شداد: «كرّ وأنت حر». فكرّ وقاتل قتالاً شديداً، فألحقه أبوه بنسبه.
ولم تُورد هذه الحادثة إلا لتوضيح طريقة شوقي في التأليف والتنسيق، وللدلالة مرة أخرى على مدى تقيده بحوادث التاريخ وقشوره.
أما الآن، وبعد هذا العرض للمصادر، فيمكن الانتقال إلى بحث آخر يتناول الجانب الفني في روايات شوقي، ومذهبه في الرواية التمثيلية، وما له وما عليه في موقفه من التاريخ.
شوقي والفن.
هل راعى شوقي الجانب الفني في رواياته التمثيليه ؟. مما لا مراء فيه ان شوقي لم يكن فنانا فيما خلفه لنا من الروايات المسرحية ان من حيث التنسيق وطريقة الخوض في الموضوع وان من حيث ابداع الاخلاق وحسن نسبتها الى اشخاص عليها مسحة وان قليلة من الحياة. وسيقف المطالع على كل هذا في بحثنا عن التنسيق وفيما سنعرض له من مذهب شوقي في التمثيل وفهمه لبعض المبادئ المسرحية. التنسيق. فيما يخص التنسيق يحصن بنا ان نميز بين التنسيق الخارجي والتنسيق الداخلي. التنسيق الخارجي. اما التنسيق الخارجي فعقيم. من الباديه ان الروايات التمثيلية تقسم الى مشاهد وفصول. الا ان شوقي احب ان يخرج عن المالوف في الغالب فيتبع بعض العصريين فاوجد ما سماه منظرا وهذا المنظر ليس بالمشهد ولا هو بالفصل. وشوقي يقسم رواياتي الى فصول فتاتي الواحدة منها في ثلاثة او اربعة او خمسه ومن ثم يقسم الفصل الى مشاهد.
على المعروف في هذا الفن ويدخل المناظر في الفصول فيقسم الفصل الواحد الى منظرين واحيانا الى ثلاثة كالفصل الاول من قمبيز والاول والاخير من اميرة الاندلس. وان هذه المناظر تتفوت بالطول تفاوتا غريبا فالمنظر الثاني من الفصل الثالث من قمبيز يتجاوز الى 290 بيتا في حين ان المنظر الاول من الفصل الثاني من عنترة لا يعلو عدد ابياته عن 19 بيتا والمنظر الاول من الفصل الثالث من قمبيز لا يتعدى الابيات التسعة. وهناك المنظر الثاني من الفصل الثاني والمنظر الاول من الفصل الثالث من عنترة يبلغ عدد مشاهد واحد منها 14 مشهدا بينما ان المنظر الثاني من الفصل الثالث من عنترة نفسها لا يعلو عن المشهدان كما ان المنظر الاول من الفصل الثالث من قمبيز محصورا في مشهد واحد. وكلها مبررات خارجيه يلجا اليها شوقي لعجزه عن حصر الحوادث في الفصول المعروفة العدد فيزيد فيها فعلا ويخشى قسمة الرواية الى سبعة او 10 او فصول على ما قد يكون بينها من التفاوت فيتهرب من لفظة الفصل لاجئا الى المناظر. وهو عجز فني فادح. ولو ان شوقي عرض نفسه للاتعاب التي يقاسيها المؤلفون المسرحيون في تنسيق رواياتهم وتنظيمها لكان سما ببعض مناظره الى درجة يبلغ معها الشهوه الفصل وهبط ببعضها الى مستوى المشهد. اما ما سوى هذه النقطة فيما يخص التنسيق الخارجي فكل ما عند شوقي عند غيره من المؤلفين المسرحيين. التنسيق الداخلي. وفيما يتعلق بالتنسيق الداخلي يجدر بنا ان ننظر الى الموضوع اولا والى الحوادث ثانيا باحثين هل كان الموضوع واحدا تاما طبيعيا وهل الحوادث جاريه نحو النتيجة ملتحمة. الموضوع. وحدة الواقعة قليلا ما كانت تستتب لشوق في روايته اذ اننا نرى في.
مصرع كليوباترا مثلا الى جنب الواقعة الكبرى وهي مصير المتحابين انطونيو وكليوباترا موضوعا اخر يمشي والاول جنبا الى جنب. فنرى حابي يتعشق هيلانة فتبادله هذه حبها فينمو هذا الحب ويزدهر ويفضي اخيرا الى زفاف هيلانه الى حادي كما راينا. وقد شهدنا ايضا في رواية علي بك الكبير عملين يجريان جنبا الى جنب وهما مصير علي الكبير ومناويه على ملكه اولا ومصير امال ومراد بك حتى معرفتهما اصلهما الواحد ثانيا. ولم تخلص اميره هنا الاندلس من تعداد المواضيع فهي ايضا ذات واقعتين نرى في الاولى منهما مصير المعتمد بن عباد بملكه وهو النفي الى اغمات والسجن ومصير بثينة وحسون من فراق طويل فتلاق فاقتران بشر اما فيما يخص اتمام الموضوع فلروايات شوقي اول واخر. الا انه يصعب القول انه يحسن اتمام رواياته. وقد يلاحظ القارئ ان خاتمة معظم رواياته التمثيلية الموت يستثنى من هذا الحكم اميره هنا الاندلس وعنترة. ففي مصر كليوباترا مثلا نرى الدماء تسيل وجثث الادميين تغطي ارض المسرح فنعرف في الاموات انطونيو وكليوباترا واوروس وشيرميون وهيلانة التي عادت الى الحياة بطريقة عجيبة. ولم تختم رواية مجنون ليله بغير الموت فتموت ليله حرقة والمجنون لوعة. ومثل هذا كل عن روايتي علي بك الكبير وكومبيز اذ يموت في الاول علي بك ومصطفى اليسرجي والد امال ومراد بك وفي الثانية فرعون امازيس ونفريت ابنته وفانيس القائد في الجيش المصري والملتحق بالجيش الفارسي وقائد جيوش الفرس الشيخ وبيس العجل اله المصريين واخيرا ينتحر قمبيز. اما الروايات التي تمت على غير الموت فقبيحة الخاتمة عقيمتها. وكنا نواد لو انه ختمها كاخوتها اذا لنجا من بعض ما وقع فيه جولان ذلك ان رواية تنتهي باختطاف عبلة من ركب بني عامر واحلال ناجية محلها فيتزوجها صخر على غير علم منه ويتزوج عنترة عملته ليست اوفر فنا من رواية ينهيها مؤلفها بالموت كما ان عودة بثينة من حيث كانت وزواجها حسونا ليست اقرب احتمالا واغزر فنا وروعة.
وما الذي دعا شوقي الى تحكيم الموت برقاب اشخاصه فيفنيهم ؟. لانه كان يعتقد ان الماساة يجب ان تختم بفاجعة او فواجع ؟ لا. اذ انه اوجد عنترة وكانت خاتمتها الزواج ولا عمري لم يكن الزواج يوما فاجعه هم من الفواجع او على الاقل لم يكونه مره هم في الرواية حيث كان يرمز دوما الى السعادة والنصر. وقد ختم اميرة الاندلس ايضا بالزواج. فما هو الداعي اذا ال؟ هذا ما لا يمكننا الجزم به وشوق على ما ترى من الاضطراب والقلق فلا يثبت على حال او يقر له قرار. على ان القارئ يلمس فيما تقدم عجز شوقي الواضح عن اتمام الروايه ال. ولما كان لابد للرواية من خاتمة جعل خاتمتها الموت وهو لعمر الخاتمه هنا الطبيعية لكل ذي حياة على وجه هذه الارض. اما ان يكون خاتمة جميع ابطال الرواية التمثيلية فهذا غير طبيعي. ويمكننا القول ان صفة مواضيع شوقي ليست الطبيعية اذ انه استعمل الخوارق في غير مكانه من رواياته شولاني في مجنون ليله مثلا يظهر المؤلف زمره من الشياطين بينهم الاموي شيطان شعر قيس. وفي عنترة من الماء الحربيه هو ما يعجز عن اقله الجن. هنا عنتره هنا ينازل المئات فيهزم المئات وهناك يقاتل ويناضل فلا يردعه عن قصده رادع مهما كان الامر صعب المنال ثم ان في روايات شوقي مفاجات كثيره مستنكرة منها اقتران صخر بناجي يهون معتقدا انها عبلة. من هذه ؟ عبلة ؟ من. بمن تزوجت اذا ؟. من التي تركت في الخباء. ومن ترى تكون في النساء ؟. ومنها اخوة امال ومراد بك في علي بك الكبير التي يظهرها مصطفى اليسرجي بعد اثبات عبوته لهما عند اخر ساعه هو من حياته. ودخول بثينة الى دار حسون بزي الرجال وفضح امرها اذ تقع قلنسوتها فتظهر ضفائر شعرها وتعرف وغير هذا كثير وكثير جدا. الحوادث. اما الحوادث وكيفية جاريها نحو النتيجة والتحامها فهذا ما سنتناوله في البحث.
فيما يلي. مما يجدر بذكر ان روايات شوقي التمثيلية على الاجمال كثيرة الحوادث ولا اظنني مبالغا ان قلت ان الرواية عند شوقي هي سلسلة حوادث متوالية متتابعة دون ما نظر الى الصلة الرابطة بينها والى الالتحام. ففي عنترة مثلا من الحوادث ما يكفي خمس روايات وفي اميرة الاندلس وقمبيز ومجنون ليله ما يكفي الثلاثين كما تنبئك اختصاراتنا الموجزه. اما الالتحام فليس من صفات حوادث هذه الروايات. اعني ان الحادثه هنا الاولى فيها لا تستدعي الثاني يهون وهذه الثالثة والرابعة. فما الذي حمل فانيس مثلا على الالتحاق بالجيش الفارسي وما الذي دعاه الى الفرس ليشي بينتيتاس؟ ليش شيء الا طيران الروائي الى اتمام روايته ؟ فضلا عن ان هذه الحوادث ليست جارية فجميعها نحو النتيجة اذ ماذا يفيد النتيجة في مصر كليوباترا مثلا ان يتزوج حاج هيلانة ؟ وماذا تفيد النتيجة ليلة الطرب التي اقيمت على شرف انطونيو في الخاص الملكي وقد استغرقت الفصل الثاني من الفه الى يائه ؟. وماذا يفيد النتيجه عن وقوف الشعراء والمغنيين على قبر ليلى لرفائها وماذا يفيد ما ظهر به ورد بعد زواجه منها. اعني كل ما قيل من الصفحه 103 فصاعدا ؟. وماذا يفيد النتيجة في علي بك الكبير ان يلتقي سعيد وحسينا ؟ ويبارز احدهما عليا فيغلب فتاتي الصفحات الممتده هو من 69 الى 79 بدون ما فائدة. ثم هناك اقسام بكاملها لا تفيد النتيجه شيئا اذ ماذا يفيد رواية مصرع كليوباترا ان يتعشق هذه لانا هون فيتحابان ويتعاهدان على الزواج ويتزوجان اخيرا تحت عناية الملكة ؟ وماذا يفيد رواية علي بك الكبير وجود امال التي تزوجها علي عرضا.
وظفر عليها المؤلف حوادث غرامية اين منها الحوادث التاريخية اذا ما قيست هذه لتلك. وماذا يفيد اميرة الاندلس ان نطلع على تاريخ ابن عباد كله وقت ولايته واسره ؟ او قل ماذا تفيدها حوادث بثينة وحسون ؟ ومن يدريك هل الرواية في هذه الحوادث او تلك اذ ان لهذه من الاهمية المطلقة المجرده ملك فضلا عن اهميتها النسبية تتعادل بالنظر الى سياق الموضوع ؟ وما الى ذلك مما لا مسبب له او مبرر. الاشخاص. بقي ان نتحدث عن الاشخاص في روايات شوق التمثيلية وعم اذا كانت اخلاقهم خطيرة ملائمة حقيقية ثابتة. في هذا المقام ايضا يقصر شوقي عن القيام بواجب الفنان المبدع. فهو وان لم يقصر في جميع المواقف فقد كسر في معظمها. وهو وان احسن تصوير اخلاق كليوباترا وقم بليز فقد قصر في تصوير اخلاق عنتره وعبلة وابن عباد وحسون وعلي بك الكبير ومن اليهم. هنا عنترة هل له في شوق شخصية ملائمه اون ثابتة ؟ لا. فهو يدعو الى الوحدة العربية ويمثل الروح القومية الحق هون ومع ذلك لا يلبث ان يفتك باخوانه بني لخم وانصارهم فيعمل فيهم القتل والضرب فيقضي على الكثير منهم ويبقي على اقلية تشتت هباء. فضلا عن ان العربي كما قدمنا فردي فوضوي لا تحمله روحه على المناداه هم بالوحدة والرضوخ للسلطان او مليك فرد يامر وينهي. فاين الملائمة !. وهو يصور مالكا السيد العربي خسيسا لئيما. وعبلة بطل هون الوحدة العربية الكبرى اليها. رحم الله الملائمة!. وعنترة عفيف سموح اذ يبقى على اعدائه المكسورين وامتعتهم وهو مستهتر اذ يختطف عبلة من ركب بني عامر. فاين الثبات ؟.
وقد صور المهدي ابا ليلى ابيا شريفا اذ يثور على قيس فيطلب الى السلطان هدره دمه. ثم عاد وصور المهدي خاملا جبانا لا يستنهضه داعي الشرف والاباء اذ يحرم على شعبه الهائج قتل من تجنى على فتاته. فاين الثبات ؟. واعطانا صورة لعلي بك الكبير اظهره فيها سديد الراي صائبه واين سداد الراي في ان يرفض معونة الوصول الروسي الذي قدم خدماته معونه له على مناوديه ومغتصبي عرشه. فاين الثبات !. هذا واننا لا نرى تفاوتا بيننا بين الاشخاص في حين ان التفاوت ضروري لان جمهور الحاضرين يعجبهم ان يروا شخصا متفوقا واخر مقهورا. كما اننا لا نرى في معظم روايات شوقي شخصا بارزا عن اقرانه يحبه الجمهور فيشعر بشعوره مهتما لهمه فرحا لفرحه. فشوق لا يكتفي في الرواية الواحد هون ببطل واحد انما يشحنها بالابطال. هذه علي بك الكبير. فعلي بطل ومحمود بطل ومراد بك بطل وامال بطلة ومن دونهم ابطال ولا تفاوت يذكر بين مقامات هؤلاء الاشخاص. وهكذا قل عن اشخاص اميره هنا الاندلس حيث تضيع بين بطولة بثينة وابي الحسن وابن حيون وحسون والملك ابن عباد. كل هذا ناتج عن اكثار الواقعات في الرواية الواحدة كثرة قاده اليها مذهبه في التاريخ. وقد لا تفرق اشخاص روايات شوقي عن الالات المتحركة اذ انها كالالات في سكناتها وحركاتها جولان فهي جارية ابدا الى الامام الى النتيجة فلا عقبة تصد ولا عثره هم ترد. الاحتكاك بين الايرادات المتعاكسة والعواطف المتناثرة ولا تردد نفساني داخلي في الارادة الواحدة. فاي مرة شاهدنا ليله يعلمها زواجها من ولد الما جديا فتقف امامهم مقابل هون بينما عليها وما لها وما الىها في النهايه الى حيث شقاؤها ولوعتها الى حيث مالت اخيرا دونما عراق داخلي ودون تمحيص او تدقيق.
اجل. اننا نعلم انها تحب قيسا ونعلم انها لن تتزوجها ونرى كل ذلك واضحا جليا في شوقي ولكننا لم نر جليا هذا الحب الذي فرض شوقي انه مبرهن عنه في ادمغة الحاضرين. فاهمل امر تبيانه ولم نر كراهتها لورد الذي استبدلته بقيس ولم نر الا انتصارا دون ما عراك على رغباتها وميولها اذ قبلت بوارد زوجا لها. راينا ما فيه الكفاية لابلاغ الرواية نهايتها. اما ان نكون شاهدنا ما فيه البرهان على مقدرة المؤلف وحسن ذوقه الفني ونقل الطبيعة البشرية الحية فهذا ما لا يمكننا الاكرار به. وهكذا فان على اشخاص شوقي لا يتاخروا دقيقة عن السير. الى الامام لئلا يخطئوا النتيجه هم فيخفق الروائي وتهوي الرواية. كل هذا على درجة من النقص ليست بحاجة الى برهان. مذهب شوقي في التمثيل. هذه كلمة ارسلناها في الفن عند شوقي فتناولنا فيها البحث عن الموضوع والحوادث والاشخاص ذولا واننا نردفها الان بكلمة عن مذهب شوقي في التمثيل بشر وقبل كل شيء ما هي الرواية التمثيلية في نظر شوقي ؟. هي كل شيء الا الرواية التمثيلية. ليست رواياته سوى مغالطات مسرحية شحنها بقصائد رنانة رائعة وعبيات محكمة صائبة. هذه رواياته فمنها ما يظهر عليها النفس الغنائي كمجنون ليله فلا نرى الا المجنون يتغنى بليلاه ويحدث عنها اين محل جولان يتذكر حين ان ايام صباح الاول اذ كان يلعب وليلى على سفح جبل التوباد فينشت قصيدته الرائعة. جبل التوباد حياك الحيا. وسقى الله صبانا ورعى. وحينا يلتقي ليلى فينجيها بقصيدة تفوق تلك يقول في مطلعها. تعالي نعش يا ليل في ظل قفره. من البيظ لم تنقل بها قدمان.
واحيانا تستولي صورة ليلى على مشاعره فتفقده رجله فيغمى عليه ثم يصحو منشدا. ليلى ! مناد دعا ليلى فخف له. نشوان من جنبات الصدر عربيد. وهي القصيدة الذائعة قصيت التي تغنى بها محمد عبد الوهاب في اسطوانته تلفتت. وما ان ننتهي من غزاليات قيس الا تاتي مرثيتا الغريض المغني وابن سعيد ومرثية المجنون نفسه في ليله مما يجعل الرواية غنائيه من اولها الى اخرها. ويظهر بعضها الاخر وعليها انفس الملحمي كعنترة وعلي بك الكبير ومصرع كليوباترا. فما اشبه عنترة فاتيكا باعدائه منشدا اناشيد النصري باخيل على فروق هامة طبعا بالنفس الشعري والسمو. وكان روايات شوقي التمثيلية قصص نسخت روايات تمثيلية اذ اسقطت منها كلمات قال وقالوا وقلت واستبدل فيها اثناء الاشخاص بشر ذلك انه كالروائي القصصي لم يراع في روايات التمثيليه الا الجانب الاخباري القصاصي مهملا كل ما يفرق هذه عن تلك. وعلى كل فان شوقي على المسرح من المناظر التي ان لم تثر اعجابنا فهي تثير عجبنا واستغرابنا وان العجب كالاعجاب يستفزنا الى درس هذه الظاهرة من مظاهره العديدة. ولا عمري ان شوقي على المسرح بحث احب الى النقدة. والقراء من شوق بين ايادي الامراء والملوك او شوقي على مقابر العظماء. او شوقي في محادثة الغواني. وما الى ذلك مما يمكن درسه في هذا الشاعر الكبير. اما طريقة شوقي في التمثيل فمضطربة اتفق عليها وجمهره هان روائيه الانحطاط كفولتار مثلا. فهو يستعيد عن الجوهر اي درس النفس البشرية بخزع بلات يتاثر منها الجمهور الا انها ليست من صفات التمثيل العالي. ترك شوقي الفن التمثيلي وكانه قد ادرك عجزه من قبيل درس النفس البشريه وتحليلها وفقه كنهها وفهمها وما في سبيل ذلك من العقبات فاكتفى.
بان جعل من الرواية سلسلة مناظر ومشاهد يصيب بها مخيلة الجمهور ويثير بها مشاعرهم وشحنها بالدعايات جاعلا من الاشخاص ابواقا ينفخ فيها كل ما يريد. وليس اهون على الناقد من اثبات هذه المقدمات. المفاجات. واي هون مشاهد ادعى الى الاثارة والتهيج بالمشاهد عنترة وقمبيز وعلي بك الكبير وما اليها. فماذا في عنتره سوى غارة ورد غارات تتم الغلبة فيها جميعها لعنترة. فنحن في طول الروايه بين رؤيه لصوص يغشون حي عبلة فتقاتلهم وتردي منهم اثنين وتثابر على الجهاد الى ان يتكاثر عليها اللصوص فيغلبونها على امرها ويحملونها هاربين ورؤيا هون عنترة يفتق باللصوص ويستعيد منهم السبيات. وعبلة وينازل منهم اسيد فيرضيه شولاني ثم تتوالى الحوادث على الترتيب. حيث نرى عنترة يفتقوا بقوم كانوا يقودون الهدايا لكثره وينتهر العبدين جولان ماردا وغضبان فيموت مارد خوفا ويفر الاخر مهرولا ثم تراه ينازل جماعة يتراسهم رستم موفدين للفتك بعنترة فيقطع هذا راس رستم ويفتك بمن معه ويفر الباقون. وهكذا الى النهاية فانه لا يفرغ من قتال الا ويعلق باخر وفي جميعها الغلبة لعنترة. ولم يكتف شوقي بخلق هذه المشاهد التي تفوز باستحسان السذج من الحاضرين وانما ادخل على روايته عددا ليس بالقليل من المفاجات وفيها الدلالة الكافي هون على ضعف عارضة المؤلف المسرحي. فانظر صخرا يتزوج ناجية اعتقادا منه انها عبلة التي يعشق ويحب عنترهون داخل الى حيث اجتمع القوم احتفاء بالعروس وفي صحبته امراة مقنعه هو المستترة فيتهامس القوم فيما اذا كان عنترة هو هذا الداخل ام احد سوى وبعضهم يعتقد ان عنترة قتل. فياخذ مكانه بين القوم ثم يزيح الستار عن وجهه.
امراته المقنعة فيشرق عليهم وجه عبلة كالشمس المنيرة عندها انفال الجمهور اجمعين. وحيرة صخر الذي كان يعتقد ان عبلة في خدره. ولم تفت شوقي المفاجات في اميرة الاندلس حيث اورد منها وافرط. هذه هي بثينة تيمم دار حسون مستترة متخفي في ثياب رجل فيفضح امرها اذ تقع قلنسوتها وتظهر ضفائر شعرها بشر وهؤلاء هم حسون وابو الحسن وابن حيون وبثينه ان يغادرون دار ابي الحسن في زي العساكر الشراكس هون وهذا ابن حيون نعرف فيه تواليا صياد السمك فالاديب والشاعر المجيد. فاليهودي المفرط غناه. وقد راينا مثل هذه المفاجات في علي بك الكبير بالدور الذي قام بتمثيله مصطفى اليسرى في والد مراد بك وامال المتكتم المتخفي وقد افشى سر ابوته ابان الموت بعد ان جرى بين ولديه امال ومراد بك من الحوادث الغرامية ما جرى. اما رواية قمبيز فدعامتها بالحجر الزاوية فيها تدبير مفاجاة قوية ذلك ان نتيتاس ابنة فرعون ابرياس المقتول تتقدم للاقتران من قمبيز موهمة انها نفاريت ابنهون فرعون امازيس التي رفضت الزواج من ملك الفرس الهمجي وما ان يكشف امر هذه الخديعة الا تفور ثائرة قمبيز فيحمل على مصر حملة شعواء معملا فيهما السيف والنار فيدنيها وتتم الرواية. الدعايه. ثم لا يخفى ما في روايات شوقي من الدعاية. شوقي ابن الفن لم يتجرد لخدمته في الروايات التمثيلية انما قرانا به فيها الدعاية فزاحمته على ملكه. فانك تجد في عنترة وعلي بك الكبير دعاية للوحدة العربية لمصر ولتاج مصر. وان لمكتفون باظهار الدعاية العربية فيتم لنا فيها البرهان على ما قدمناه.
يبدا شوقي دعايته العربية باثبات اصلنا العربي الواحد وذلك في جواب ظاهر العمر على قول محمد بك هذا. من فلسطين انت ظاهر ام من ارز لبنان ام لك الشام اصل ؟. حيث جاء كل هذا هناك مولاي اصل بشير واحد مجمع الرجال وفصل بشير عرب كلنا ومنطقنا الفصحى بشير وابائنا نزار واهل بشير واليك ما جاهرت به عبلة اذ قالت موجهة الكلام لبني لخم. ما نحن الا ابناء جنس بشير نحن بنو الشمس والسحاره بشير لا تحفلوا رستما دعوه بشير خلوه للفرس يسقروه بشير ولا يقاتل اخا اخوه بشير منكم ولا تخذلوا الديار بشير هذه تصريحات لم يكتف بها شوقي وانما عمل عمل الدعاة المحنكين فعرض الطرق التي تؤدي الى هذه الوحدة فنادى بالتحرر جعل منه الطريق الاول للوحدة العربيه من ذلك قول عبل هون. الى كم تهمون تحت النجوم بشير وتفترقون افتراق السبل ؟ بشير فنصفوا قطاعي رعتها الذئاب بشير ونصفه على البيد فوضى عمل بشير وليس لكم دولة في الوجود بشير وتسحبكم كالذيول الدول بشير الم على حوضكم قيصر بشير وكسرى على جانبيه نزل بشير ويحكم تحت نير الغريب بشير ومهمازه الادعياء الدخل بشير هم الامراء وقد يرتدون بشير بباب الاعاجم ذل الندل بشير سائل وما الذي ترمي اليه ؟. عبلة ارمي لتحرير العرب. سائل تحريرهم مما ؟. عبلة من القيد. سائل وكيف قيدوا. عبلة الفرس والروم استرقوا قومنا واستعبدوا. واليك دعوة اخرى من عبلة للغاية نفسها.
حشرتم تحت كل رايه بشير واسرجوكم لكل غايه بشير وسقتموا الملك والولايه بشير لكل كسرى وكل دارا بشير قبيلة تحت حكمه كسرى بشير وقيصر الروم دانا اخرى بشير اصبحتمو للغريب جفرا يركبه كل ما اغارا. ثم تصيح يا. يا لخم يا بني العرب بشير يا لخم حرمة النسب. وكان شوقي قد ادرك انه لكي يمكن التحرير فالوحدة العربية المطلقة يجب ان تسود المحبة والاشفاق العرب كلهم. وهذا ما صرح به عندما استوقفت عبله عنتره عن الفتك ببني لخم قائلة. رحماك عنتر لا تشم سيفا ولا بشير تطعن برمح وانشد وتمهل. وهي القائلة في مثل هذا. عنترة الباس خل سيفك بشير وعد لخما في الحي ضيفك بشير ما انت من ظلم القريب وهذه بشير لخم قرابنا الاداني فعد البشير بالامس تبني ركن قومك باذخا بشير واليوم تفعل فيه فعل المعول. وقول عبلة هذا الاخير يطلع القارئ على ان عنترة كان هو ايضا من انصار هذه الفكرة. هذا وقد جرى البحث عن اصل هذه الدعاية من التاريخ. اما ما دعا شوقي الى القيام بها فهذا ما نحن مظهرون. عديدة هي العوامل التي دعت شوقي الى اظهار عنتره وعبلة بهذا المظهر. اولها واهم اعزه المسرحي ثم زمن التاليف وتكفيره عن شعوبية له سالفة واقتدائه بشكري غانم. اما عزه فهو بادن تجاه درس النفس البشرية والولوش في عنف اسرارها لعدم عودها وكشف ماهيتها كما اشرنا اليه سالفا. ولزمن التاليف عمل في الدعاية اذ لا يخفى ان عنترة شوقي من منتجات.
سنة 1932 وهي الحقبة من الزمن التي تجددت فيها على اثر الحرب العالمية الكبرى روح القومية عند جميع الشعوب الخانعة الضعيفة فتسربت عن طريق العدوى الى الشعب العربي بواسطه رجاله الذين خالطوا الشعوب الاوروبية. والعام 1932 هو الذي شهد الدعاية العربية في ازدهارها اذ اوجدت المجلات والجرائد والمدارس والجمعيات في سبيل هذه الغاية. ولما كان الشاعر او الكاتب ابن بيئته تحتم على شوق الثائر التاثر بالبيئة ومجراتها على هواها. فكانت الدعايه هنا العربيه هنا بابها مظاهرها في عنترة كما رايت. وليس من المستبعد ان يكون شوقي قد فطن وقد طوى 70 من سنين الى ما فرط منه في السنين الخوالي من شعوبية فجد يكفر عنها وكان مجال هذا التكفير عنترة. وهناك عامل اخير اظنه هاما وهو تقليد غانم. فقط اظهرنا فيما سلف من مقابلة عنترتي شوقي وغانم ما كان من التاثير لهذا في ذاك. وليس من المستبعد ان تكون هذه الدعاية اثرا من تلك التاثيرات. شوقي وبعض المبادئ المسرحية. يبقى ان نبدي راينا في موقف شوقي تجاه الوحدات الثلاث. واحدة الواقعة وواحدة المكان ووحدة الزمان وخلط الماساة بالمهزلة وتفضيل المؤتمن على المناجاة واخيرا اتجاه الزينة المسرحية. اما الوحدات فلم يراع لها شوق جانبا. ومن حقه الا يعبا بالوحدتين جولان وحدة المكان ووحدة الزمان وقد ذهب في الرواية التمثيلية المذهب الذي اشرنا اليه. اما ان يهشم وحدة الواقعة تهشيمه لتينك الوحدتين فهذا ما لا نغتفره له ونحن نعلم انها دعامة الرواية الكبرى وشرط اولي من شروط 2000 فيها ولولاها لا ما توصل مؤلف روائي الى تاليف رواية ذات شان بشر ولا حاجة للبرهان عما كان من خروج شوقي عن وحدة المكان والزمان فان كل مطالع يتحقق ذلك فور تصفحه اي رواية من رواياته.
الا اننا لا نعتب على شوقي في هذا الخروج ولسنا ممن يخطئونه في فعلته هذه. اذ ان من نظر الى الرواية التمثيلية بعين شوقي فصنع لها مال القصه من قواعد وشروط وشحنها بالحوادث الكثيرة والاشخاص الكثيرين وتعتمد تصوير حقبه من الزمن كاملة واستعاد عن اخبار المؤرخين او الروائيين بمشاهد وادخل المهزله على الماساة لعلما ان الغرابة الظاهرة في ان يرضخ لهذه القواعد المقيده لا في ان يتحرر منها. المهزلة والماساة. اما فيما خص مزج المضحك بالمبكي وادخال المهزلة الى الماساة فهذا ما لم ينج منه شوقي وقد يكون خلطهما نتيجة لازمه لمنهجي في الرواية التمثيلية اذ ان كل حقبة من الزمن تتهادى بين الاشهر والسنين من حياه رجل ما فيها ايامها الباسمة وايامها القاتمة العابسه وكل رواية تشتمل على عدد كبير من الاشخاص كروايات شوقي يجب ان يكون فيها الضاحك والباكي. ولو انه فعل العكس لكان وقع في خطا عظيم وخرج عن الطبيعة التي فيها مسرة وجمهره للحاضرين. وليست ليلة الخمر والجمر التي احييتها كليوباترا في قصرها بين يومي المعركة التي نشبت على اسوار الاسكندرية لتنتقل من هذا القبيل. انها زيادة من زوائد الرواية وانها خروج عن الموضوع وكل مهما شئت في مخص ذلك اما ان ينتج فسادها عما فيها من مضحك مازج ما في الرواية من مبك فهذا ما لا نسلم به. ومن كل ما تقدم نستنتج ان روايات شوقي التمثيلية هي من نوع ما يسميه الافرنج بالدراما والدراما فرع مستقل من فروع التمثيل العديدة فليس هو بالمهزلة وليس بالماساة وعندما هو مزيج من هذه وتلت. المؤتمن والمناجاة. وفيما خص المؤتمن والمناجاه. يجب القول ان شوقي فضل المؤتمن على المناجاه. فاكثر من استعمال الاول واقل حتى الاجحاف من استعمال الثاني. ولولا عراق شابه بين المدرسيين والمجددين فيما خص هذه المساله لما كنا تعرضنا لها نظرا لتفاهتها اذ انه ليس في حكم المؤلف ان يستبدل المؤتمن بالمناجاة او العكس لمجرد التمذهب. وانما هي مسالة يجب ان يراعى في هالمقام فيجود عليه المؤلف تارة بالمناجاة قابدا عنه المؤتمن وتارة بالمؤتمن محتفظا بالمناجاه وكل ذلك حسب مقتضى الحال. لقد عاب المجددون على المدرسيين مؤتمنهم قائلين بجموده التام المنافي سنن الحياه واذا والحياة في مناجاتهم على رغم التكلف البادي فيها طرحوا بالمؤتمن جانبا مستعدين عنه بالمناجاة حتى تورطوا في مبالغات غير طبيعية. والحق يقال ان شوقي لم يقع فيما انتقد على المدرسيين في استخدامه المؤتمن جولان ذلك انه عرف ان يحسن ادواره وان يخصه ببعض الاهميه هم فينشله مما كان فيه. فما قولك باوروس ذاك الذي علم سيده انطونيو كيف تموت الاحرار وما قولك به لانا هون وشرميون عوصيفتي وزياد ظل المجنون ؟ او ليسوا على قسط وافر من الحياة ؟ بلا. الا ان شوقي لم ينصف جميع مؤتمنيه فاشحف بحق تني وصيفة الملكه نيتيتاس وعفراء جارية ليلى وغيرهما اذ جعلهما باهتي الالوان والشخصية.
يتناول النص علاقة أحمد شوقي بالتاريخ في مسرحياته الشعرية، ويخلص إلى عدد من الأفكار الأساسية:
أولاً: شوقي والتاريخ
يرى الكاتب أن شوقي كان شديد التعلق بالمصادر التاريخية، حتى إنه نقل كثيراً من الوقائع والشخصيات كما وردت في كتب التاريخ، ولا سيما في مسرحياته:
مصرع كليوباترا
مجنون ليلى
قمبيز
علي بك الكبير
عنترة
أميرة الأندلس
ويعتبر الناقد أن شوقي لم يمنح نفسه حرية كافية في إعادة تشكيل المادة التاريخية فنياً، بل بقي أسير الروايات التاريخية في كثير من الأحيان.
ثانياً: دقة شوقي في تصوير الشخصيات
يؤكد النص أن شوقي التزم إلى حد كبير بما ورد في المصادر القديمة، وخاصة في شخصية قيس بن الملوح (مجنون ليلى)، إذ نقل مظاهر جنونه وعشقه كما وردت في كتب التراث:
التشرد في الصحراء.
تمزيق الثياب.
الإغماء عند ذكر ليلى.
الهزال والصفرة.
كثرة البكاء.
التردد إلى ديار ليلى.
لكن الناقد يرى أن هذا الالتزام أضعف الجانب الفني، لأن شوقي نقل الوقائع أكثر مما أعاد خلقها درامياً.
ثالثاً: مخالفة الحقيقة التاريخية
رغم تمسكه بالأحداث التاريخية، يتهم الكاتب شوقي بأنه خالف أحياناً روح التاريخ وجوهره، ومن أبرز الأمثلة:
تصوير عنترة وعبلة كداعيين إلى الوحدة العربية والقومية، وهو أمر يراه الناقد بعيداً عن طبيعة المجتمع القبلي الجاهلي.
تصوير مالك والد عبلة بصورة الرجل الحاقد والظالم، بينما يرى الناقد أن صورة السيد العربي في التاريخ كانت ترتبط بالحلم والكرم والشهامة.
رابعاً: نتائج هذا الموقف
أدى اعتماد شوقي على التاريخ إلى نتائج فنية عدة:
ازدواج الحبكة: إذ تجمع المسرحية بين قصة تاريخية وأخرى غرامية منفصلة نسبياً عنها.
ضعف الطابع المسرحي: فالمسرحيات أقرب إلى قصص تاريخية للقراءة منها إلى أعمال صالحة للعرض على المسرح.
هيمنة السرد التاريخي على حساب الصراع الدرامي.
خامساً: تأثير «عنتر» لغانم
يرى الكاتب أن مسرحية عنترة لشوقي تأثرت إيجابياً وسلبياً بمسرحية عنتر لغانم:
تشابهت العقدة الأساسية في العملين.
لكن شوقي تعمد في مواضع كثيرة معاكسة معالجة غانم للشخصيات والأحداث.
ومع ذلك بقي أثر غانم واضحاً في بناء المسرحية وطريقة صياغة الصراع.
الخلاصة
يخلص النص إلى أن أحمد شوقي كان مخلصاً للتاريخ في نقل الوقائع والشخصيات، لكنه أحياناً أهمل «الحقيقة التاريخية» أو روح العصر الذي يصوره. كما أن هذا الالتزام الشديد بالمصادر التاريخية جعل مسرحياته أقرب إلى السرد التاريخي منها إلى الدراما المسرحية المتكاملة. ومع ذلك تبقى هذه الأعمال محطة مهمة في نشأة المسرح الشعري العربي وتطوره.