إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

الارشيف

ثلاث كلمات في المصالحة مع الذات.

ثلاث كلمات في المصالحة مع الذات.
قارئي العزيز.
أستميحك عذرًا إن جعلتك تحسب أنني، بكلماتي الثلاث في المصالحة مع الذات، قد سبرت غور نفسي أو نفسك، أو وقفت على أسرارها وخفاياها، فأنا لا أدّعي هذه القدرة ولن أدّعيها، حسب كلماتي أن تكون إشارات واضحة بعض الوضوح إلى أنّ الإنسان قد أخلّ بالتوازن المفترض أن يعدل بين الأعمدة الثلاثة التي تقوم عليها الحياة البشرية، عنيت :
"الفكر"، و" الفعل"، و"الشعور".
1. الحق أن "الفكر" قد تجسّد علمًا كشف ألغاز الطبيعة قدرًا لا يستهان به، استغلته التكنولوجيا، سيطرة على البر والبحر والفضاء، فقلّصت الأبعاد، واختزلت المسافات، وطوّعت الطاقات ، فبات الإنسان سيدًا للأرض وبعض (السماء)، أو ما شبّه له ذلك!.
والحق أن ما أنتجه الفكر معرفة، تقوقع مادية متوحشة استعبدت رب الفكر بدلاً من أن تركع متعبّدة في محرابه، فانتشى الطمع المادي نهمًا لا يشبع، واستشرى الجشع البشري واستحال أموالاً تكدّس في الخزائن، واستملاكًا للأرض عقارات ومساحات، وتسلّطًا للقوي على الضعيف يغتصب حقّه، وينتهك حريته، ويستبيح محرّماته/ فغدا الإنسان عبدًا ذليلاً لما فكّر واخترع، وتقّن وفعل، وأضاع نعظم قدرته على التحكّم بذاته.
2. أما "الفعل" فأصبح عبدًا مطواعًا ، ينفّذ ما يامره به سيده "الفمر"، دون مقاومة للتطاول، أو تبصّر بالنتائج، أو مساءلة عمّا ستؤول إليه حياة الإنسان الخاضعة لفكرٍ مادي وفعل غريزي، فإذا بالإنسان المعاصر "العارف العارف" يغدو فاعلاً سوءًا، وجاهلاً طبيعته ومعناها وما ينبغي أن تكون، إذ إن أطماعه أعمته عن رؤية ما ينبغي أن يرى من نواح غنسانية إيجابية تجعل المخلوق البشري مميزًا فعلاً عن باقي المخلوقات، أو هكذا يجب أن يكون!.
فعل خاطئ يخدم فكرًا ضالاً، فينقلب الفرد البشري مسخًا يحسب نفسه عملاقًا، ويظهر ضلال فكره واضحًا من خلال اعتداءاته على الأرض يصحّرها، والفضاء يلوّثه، والمياه يفسدها.
وخطيئة فعله أنه ينفذ كل ما ترغب فيه نفس أمّارة بالسوء عدوانًا على الأرض والسماء واعتداءًا على العباد والأشياء!.
3. وأما "الشعور" فقد تبلّد فابتعد عن المثل العليا التي تخلق نسيجًا خيّرًا يجمع بين الإنسان وأخيه الإنسان، فلم يعد الفرد البشري يحسّ بآلام الأفراد أو الجماعات من بني البشر ، وجاع ثلثا سكان الكرة الأرضية، فيما اكتفى قسم من الثلث الأخير، وأتخم الباقي حتى البشم!.
فانهارت ، على الصعيد الشعوري، كل القيم النبيلة، وفقد الإنسان المعاصر جل المشاعر الخيرة القمينة ، وحدها بجعل الإنسان يحترم ذاته ويتصالح معها أخلاقًا سامية، وتعاونًا بنّاءً وإحسانًا جميلاً!.
قارئي العزيز ماذا بقي من الإنسان؟
!.
أفلا ترى معي انه إذا ما استمر الإنسان على ما هو عليه من قوة في الفكر الضال ، وعدوانية في الفعل الخاطئ، وقسوة في الشعور "اللاإنساني"، سوف يؤدي به اختراعه لوسائل الدمار الشامل إلى محو كل غنجازاته، وتدمير ذاته، وتخريب حياته كلّها؟
!.
ألا ترى معي أنه مخطئ كل من يظن أن هذه النظرة إلى الإنسان المعاصر هي نظرة تشاؤمية وليست نظرة واقعية؟
!.
أنت وأنا وهو ونحن جميعًا ندرك أن الخلل الحاصل بين "الفكر" و"الفعل" و"الشعور" أمر خطير للغاية، وأن واجب كل مَن كان منّا قادرًا على تصحيح هذا الخلل ، أن يعمل على تصحيحه قبل فوات الأوان؟
!.
قارئي العزيز كلماتي الثلاث في المصالحة مع الذات ومع الآخر، ليست سوى إشارات ثلاث إلى أخطار مميتة علينا جميعًا أن نتداركها كي تستقيم حياتنا، ونطمئن إلى مستقبلنا فننعم بشيء من الراحة والسلام.
تعاظم الذات والتطاول على الآخر
"والعصر هو الساعة التي يهدأ فيها اضطراب الأنوار جميعها، لأن السعادة الذاهبة بددًا منشورة على مسالكها بين السماء والأرض، تتجه إلى الاستقرار في روح الضياء، وها غن السعادة تحوّل اضطراب النور إلى سكون".
كذلك قال زرادشت، كما أراد له نيتشيه أن يقول:
"وما عسانا نقول عن الإنسان؟
هل هو ذرة من الغبار تدبّ بعجز على كوكب صغير تافه، كما يراها الفلكي، أم هو كما يعتقد الكيميائيون ، كومة من المواد الكيماوية مجموعة بطريقة بارعة؟
أم الإنسان أخيرًا، كما يظهر لهاملت (بطل مسرحية شكسبير) شريف في العقل، لامتناه في القدرة؟
كذلك تساءل برتراند رسل، العالم الرياضي والفيلسوف الشهير.
أم هو كما رآه الشاعر العربي لا يقدر نفسه حق قدرها فقال مستغربًا :
وتحسب أنّك جزم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر؟
! أم لعل الإنسان هو هذه جميعًا؟
!.
وهل نرى الإنسان كما رآه بروتاغورس، فيلسوف الإغريق:
"مقياس الأشياء جميعًا، ما يوجد منها وما لا يوجد؟
" إن ما يدفعنا إلى محاولة فهم الإنسان ، هو أنه مخلوق معقد غريب، يتخبّط أحيانًا في ضياع مريع، ويجهد في تلمّس الخروج من ضياعه قبل أن يدمّره الخسر.
فالإنسان في خسر إن لم يمارس إرادته الحرّة في الاختيار:
فإما أن يستخدم قدراته العظيمة في الصالح فيسلم، وإما أن يستغلّها في الطالح فيدمّر.
طبيعتنا أخلاقية مزدوجة:
"فقد نكون اخلاقيين واجتماعيين وقد نكون لا أخلاقيين وعدوانيين .
والسر في الاختيار.
ولقد اخترت ناحية نفسية معيّنة، تسيء إلى صاحبها فردًا كان أم جماعة بما تنسج على بصيرته من غشاوة ، فيصاب بالغرور ويندفع متطاولاً على الآخرين ، فيخسر ذاته والآخرين، ويشوّه إنسانية أجمل ما فيها تواضع وتسامح، ذلك أن تعاظم الذات غرور أحمق، وخسران مبين، والتطاول على الآخر افتراء أخرق يصدر عن ذات جاهلة.
1. وما الذات سوى "العامل الداخلي" أو القوة أو الوظيفة الضابطة للحوافز والمخاوف والحسابات والموجهة لنا".
إنها الهوية و"الأنا" وهي العقل الذي يكبح جماح الغرائز، ويساعد القوة الحيوانية فينا على إشباع رغباتها بطريقة ترضى عنها الذات، ويرضى عنها المجتمع، وإلا فيكتبها أو يرجئها أو يتسامى عنها ويبدّلها.
ويتأثر "الأنا" بالعالم الخارجي، كما يتقيّد بدوافع العقل الباطن والضمير الأخلاقي، وهو أيضًا عقل الثقافة الحديثة ووعيها.
1. من هنا يبرز التحدي الأول:
تحدي الذات وصيانتها في عالمنا المعقّد والمتغيّر باستمرار.
فعلى الرغم من تعاوننا مع الآخرين، نجدنا مضطرين إلى الاعتماد على قدراتنا الذاتية ، والمحافظة على صحتنا الجسدية والنفسية، إذ إننا جسد ونفس يتفاعلان.
2. والتحدي الثاني هو غقامة العلاقات الطيبة مع الآخر.
فللعلاقات الاجتماعية تأثير كبير على التكيّف النفسي وتكوين الذات.
فالأحداث تبلغنا اليوم بسرعة فائقة لم نعرف لها من قبل مثيلاً:
(لم يعرف أهل مرسيليا بوفاة نابليون عام 1921، في جزيرة سانت هيلين ، إلا بعد مضي شهرين ، ومضت ستة أشهر قبل وصول الخبر إلى بقية أنحاء فرنسا).
أما اليوم فما يحدث في أية بقعة من بقاع الكون المتوسع باستمرار يؤثر في ذاتنا:
لقد لفّنا الخوف أيامًا، ونحن نرتقب ما قد يحدثه ارتطام مذنّب شوميكر – لفى، بكوكب المريخ البعيد.
ويتحدثون في هذه الأيام عن أوتوستراد المعلومات، ولست أدري ما قد يتحدّث عنه الناس في المستقبل عن حسنات التكنولوجيا وسيئاتها.
3. والتحدي الثالث الذي يواجه الذات هو عملية التكيّف بعامة.
فلا بد لنا من تحديد هويتنا.
وما الهوية سوى التعميمات التي نظلقها على أنفسنا وتستند إلى أفكارنا ومشاعرنا وسلوكنا السابق، ووعينا لتراثنا، وحضارتنا، ومستقبلنا، ووجودنا كمخلوقات بشرية.
4. هنا يظهر السؤال الأزلي:
من أنا؟
كيف أعي ذاتي فأهتدي؟
وكيف تتعاظم ذاتي فأضلّ سواء السبيل ! إذ إنه كثيرًا ما تتعاظم الذات فتصاب بجنون العظمة ونرجسية الشخصية.
وقد تصاب بالبارانويا حيث الهذيان وعدم الاتزان والهلوسة.
5. وقد يشتد الاعتداد بالنفس فنموهه بتواضع مزيف، ويرى المتعاظم نفسه الأذكى والأشرف والأجدر باحترام الآخرين.
وكثيرًا ما تختبئ أناه "المتعاظمة" خلف أقنعة من الطيبة والفضيلة .
اما في أعماق ذاته فيكمن الشعور بالعدوانية، وتربض أحاسيس الدونية والصغار.
وحين تقوى هذه المشاعر يظن صاحبها أن "سوبرمان" أو نبي، أو مخترع عظيم، فيتطاول ، ويبلغ به التطاول حد التحدّث عن موت الله:
هكذا فعل فردريك نيتشه حين مجّد القوة وجعل "السوبرمان" الهدف الأوحد للتطور التاريخي، إذ رأى أن أعظم الحقائق لا "يتعلّق بقوة" ألمانيا العسكرية، ولا بالاكتشافات العلمية الحديثة، بل بواقع أن الإيمان بإله النصارى قد تدهور على نحو شديد، وبان الله "قد مات"، وبان الله الإله الحقيقي هو في سريرة الإنسان، وفي قوّة طبيعية، وفي إرادته للقوة.
سأل زارا:
وما هو عمل القديس في هذا الغاب؟
فأجاب القديس:
إنني أنظم الأناشيد لأترنّم بها، فأراني حمدت الله، إذ أسرّ نجواي فيها بين الضحك والبكاء، لأنني بالإنشاد، والبكاء والضحك والمناجاة أسبّح ربي.
ومع هذا ، فما هي الهدية التي تحملها إلينا؟
.
فانحنى زارا مسلّمًا وقال للقديس:
أي شيء أعطيك؟
دعني أذهب عنك مسرعًا كي لا آخذ منك شيئًا".
وهكذا افترقا، وهما يضحكان كأنهما طفلان.
وعندما انفرد زارا قال في نفسه :
إنه لأمر عجيب!.
ألم يسمع هذا الشيخ في غابته بأن الله قد مات؟
!!!.
" 4. يقول رواة الأدب العربي ومؤرخّوه:
إن المتنبي الشاعر العربي العظيم شبّه نفسه بالأنبياء وإن كان لم يدّع النبوّة صراحة:
أنا في أمّة تداركها اللـ
هغريب، كصالح في ثمود
ما مقامي بأرض نخلة إلاّ
كمقام المسيح بين اليهود
والواقع أن نفس المتنبي كانت تشتهي بلوغ مراتب العظمة والتفوّق، فتفوّق ، وجعل من ذاته محورًا لإبداعه، ولكن نفسه شمخت وتعاظمت فتطاول على الناس اجمعين:
ودهر ناسه ناس صغار
وغن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهم
ولكن معدن الذهب الرّغام
أرانب، غير انّهم ملوك
مفتحة عيونهم، نيام
ولم تسلم جدّته من تعاظمه:
"ولو لم تكوني بنت أكرم والد لكان أباك الضخم كونك لي أمّا
ويتجلّى تطاوله على الآخر في قوله:
أي محل أرتقي؟
أيّ عظيم أتّقي؟
وكل ما خلق الله،
وما لم يخلق،
محتقر في همّتي،
كشعرة في مفرقي.
" 5. وما اطرف أحد عمالقة الشعر العربي المعاصرين ، سعيد عقل – أطال الله عمره سالمًا سعيدًا – حين تتعاظم ذاته فينفش شعره، وينسى شِعره، ويقول على طريقته:
"بدّي عقلن زحلة، وزحلن لبنان، ولبنن العالم"!!
6. وتتعاظم الذات أيضًا في غحدى مسرحيات الشاعر الإنكليزي كريسوفر مارلو (1564 – 1593) الذي عُرف بسمعة متهوّرة ومع ذلك وضع، بالإضافة إلى خمس مسرحيات عرفت له، مسرحية أخرى :
Tamburlain (أو تيمورلنك) التي تتعاظم الذات فيها فتتعدّى كل حدود التطاول على الآخر:
إنها سلسلة من المشاهد التي يمثل كل منها مرحلة من مراحل نهوض تيمورلنك من ضعة راع حقير من رعاة قبيلة بدائية متوحشّة، إلى مكانة الفاتح العظيم، "كلّ شيء أعظم من الحياة في مسرحية تيمورلنك"، إذ لم يكتف هذا الفاتح بغزو العالم ، بل ذبح جميع فتيات دمشق، واتّخذ من السلطان التركي مسندًا لقدميه، وعرضه في قفص محمول إلى أن تحطّمت جمجمته لارتطامها المستمر بجدران القفص فانبثق منها دماغه.
ونراه يحرق المدينة التي كانت تسكنها Zenocrate زوجته المقدّسة، فتحترق مع المدينة حتى الموت.
ونراه يقتل ابنه الوحيد لزعمه بأن ابنه جبان.
ونراه يشدّ ملكين إلى عربته وينهرهما صارخًا:
"هولا.
أيها الفرسان الآسيويان المدللان الخائرا القوى .
ماذا ؟
ألا تستطيعان السير سوى عشرين ميلاً في اليوم ولديكما هذه العربة الفخمة تجري في أثركما؟
ومثل هذا الحوذي العظيم تيمورلنك؟
!.
ونراه يستولي على مدينة بابل ويثقب جسد حاكمها بالنبال ثم يعمل على إغراق جميع سكانها في بحيرة.
يا إلهي! .
من قال إن التاريخ لا يعيد نفسه؟
فماذا جرى في الأرض العربية المحتلة، عبر عقود من الزمن الحديث على أيدي متعاظمين متغطرسين؟
!.
وماذا يجري في العديد من البقاع الأخرى من هذا الكوكب البائس؟
.
فكم من متعاظم ومتطاول على الآخرين فيهذا العالم المجنون، وكم أدى التعاظم إلى سفك دماء بريئة، وانتهاك حرمات مقدّسة، وإهدار كرامات؟
!.
1. كنت أبحث في إحدى مكتبات مدينة مونتريال في كندا، عن كتاب معين، حين لفت نظري مجلّد أنيق الإخراج رُكم بشكل هندسي، فوق طاولة كبيرة توسطت قاعة المكتبة.
ودنوت ، فإذا بالكتاب "شتيمة" سلمان رشدي.
اخذت الكتاب وقراته.
أستميحكم عذرًا إذا قلت:
إنّه ترجمة فرنسية لما نعق به غراب إنكليزي الهوية، ونفث فيه صلّ هندي المنشأ، وهوّمت عليه ضلالة مسلم مرتد.
وقرأت الأصل الإنكليزي أيضًا علّني أجد فيه ما يخفف من قرفي، فإذا بالأصل حثالة كالفصل:
ليس فيها من الأدب شيء، ولا من العلم شيء، ولا من الفن شيء، ولا من الجرأة الأدبية أي شيء.
إنّه مجرّد انتفاخ مسعور لذات موتورة، لا تقيم أي وزن للقيم الحضارية.
وهنا أتساءل :
متى كان الأدب شتائم، والفن تطاولاً على مقدسات يدين بها الملايين من البشر؟
ومتى كان الفكر ترهات وأباطيل؟
إن حرية الرأي مرتبطة بمسؤولية أدبية وعقلانية.
إنّها البحث عن الحقيقة والحق، فلا يجوز لأي عاقل أن يتّخذ من الأدب ذريعة لشتم الناس:
هذا هو الحق.
اما الحقيقة فهي التزام الموضوعية في البحث عن الحقيقة.
والبحث العلمي ، والفن الأدبي يمثلان قيمتين غنسانيتين حضاريتين، هما:
الحقيقة والجمال.
ففي الحقيقة جمال، وفي الجمال حقيقة، وفيهما معًا خير وعدل ومشاعر طيبة وصدق ووعي صحيح، ومكارم أخلاق، خارج هذه جميعًا يكون الكذب والقبح والتجني، وانتفاخ الذات، والتطاول على الآخر.
تلك هي ذات سلمان رشدي!.
***** 2. وهذه هي ذات أخرى ، تعملقت وتعاظمت وتطاولت على المقدسات:
هذا هو دايفيد كوريش، يخاطب الناس قائلاً:
أنا ابن الله، وانتم تعرفونني، ولا تعرفون اسمي.
لقد صُعد بي من الشمال، وتنطلق رحلاتي من شروق الشمس .
" هذا الكلام نفثه مخلوق حسب نفسه المسيح بن مريم عليه السلام فارتكب أسوأ الأفعال إجرامًا وتطاولاً على الآخر.
ففي الثلاثين من شهر كانون الثاني من العام 1987 (عام النفايات السامة في لبنان) أرسل رجل يدعى Vermon Wane Howell دعوة إلى أعضاء الكنيسة السبتية في جنوبي كاليفورنيا، جاء فيها:
"إن لي سبع أعين وسبعة قرون،واسمي هو كلمة الله، وامتطي جوادًا أبيض، وأنا هنا على الأرض لأبلغكم رسالة الملائكة السبعة.
" لقد صعدت من الشرق أحمل ختم الإله الحي، واسمي Cyrus.
وانا هنا لأدمّر بابل.
وأتيت بطريقة معاكسة لأفكاركم المسبّقة.
سأوبخكم لتهالككم على متاع الدنيا.
سأؤنّب بناتكم على عريهن وغرورهن يعرضنهما في بيت أبي، وأجعل ملائكتي تعرّيهن على مرأى من الجميع بسبب غرورهن الأحمق.
سوف يسيء الفتيان استعمال لطفي وكرمي.
سوف يزهقون روحين غير أني سأقوم فأخطف أرواحهم إلى الأبد.
وسوف يرثي كهنتكم لحماقتكم.
ورعيتكم الضالة سوف تمزقكم إربًا إربًا.
إستعدّوا لملاقاتي:
أنا الله ربّكم".
ذلك هو دايفيد كوريش David Koresh الذي ولد من أم كانت في الرابعة عشرة من عمرها، ونجار في العشرين، أساء معاملة ابنه، وقد تعرّض دايفيد لعمليات اغتصاب من قبل بعض المراهقين في مدرسته، واستعبدته العادة السرّية.
التحق دايفيد بمذهب فرع دافيديان، وأغوى زعيمته Lois Roden، البالغة من العمر آنذاك ثمانية وستين عامًا، وهو في الرابعة والعشرين، وانتزع القيادة من ابنها.
استولى دايفيد على نساء جميع الرجال من أتباعه، وهم من مختلف الطبقات الاجتماعية، وتزوّج العديدات من المراهقات، بحجّة أن الله يظهر عليه في المنام ويدعوه غلى الإنجاب منهن أمثالاً له ومثيلات.
والملفت أن أتباعه كانوا ينصاعون لإرادته انصياعًا اعمى، فجنّدهم ودرّبهم على فنون القتال، وجمع ترسانة من الأسلحة في قلعة محصّنة في جبل الكرمل في ولاية تكساس، حيث كانت تتم عمليات جنسية متوحشة وراء جدران تلك البقعةالمسيّجة التي اتخذها مقرًا له ولأتباعه.
وانتهت حكاية ذاته المتعاظمة بفاجعة رهيبة، إنتحر فيها احتراقًا حوالي ثمانين شخصًا من أتباعه من الأطفال والرجال والنساء ، وقتل عشرون من رجال الشرطة الفيدرالية الذين هاجموا المكان.
***** 3. ختم الشاعر الفرنسي جان دو لافونتين (1621 – 1695) خرافته:
"الضفدعة التي أرادت أن تصبح ضخمة كالثور" فانتفخت حتى انفجرت ، قائلاً:
"إن العالم مليء بالناس الذين ليسوا أكثر حكمة ووعيًا من هذه الضفدعة.
كل برجوازي يريد أن يبني مثل السادة الكبار وكل أمير صغير يبتغي أن يكون لديه سفراء.
وكل مركيز يريد أن يكون له غلمان وصفاء.
" أجل لقد صدق لافونتين:
غن العالم مليء بأشكال هذه الضفادع.
وما الأمثلة التي اوردناها إلا نماذج حيّة من هذا القبيل.
فمن الناس من يدمّر ذاته بذاته تعاظمًا وتعملقًا، ولا يكون التدمير جسديًا فحسب، بل كثيرًا ما يكون تدميرًا نفسيًا وخلقيًا واجتماعيًا أيضًا.
ومن هؤلاء من ينتهي بهم المطاف في المصحّات النفسية، أما الآخرون فهم بين معتدل في مطامحه ومطامعه، وبين مبالغ فيها، لا بأس على المعتدلين والمشكلة في المبالغين الذين يشكلون عبئًا فادحًا على أنفسهم ومجتمعهم:
إنذهم أولئك المتعاظمون الذين يتطاولون على الشرفاء من أبناء آدم وبنات حواء.
إنهم أولئك الذين يعيثون في الأرض فسادًا وينهبون خيرات البلاد، ويتاجرون بأرواح العباد، ويلوّثون التراب والماء والهواء.
وكل ذلك من أجل التسلّط ةالتعاظم والثراء.
ولم ينج من شرور التعاظم وآثامه صعيد واحد، فنالت الآداب والعلوم والفنون نصيبًا كبيرًا من التعدّي والتطاول.
انظروا إلى أولئك الذين يدّعون الشعر والإلهام فيرسلون بهذيانهم إلى بعض الصحف والمجلات، ويفسدون بطون المطابع والآلات.
إن مثل هذا النوع الرديء من الأدب المزعوم يفسد ذوق أجيالنا الناشئة، ويشوّه جمال الكلمة، ويمسخ عبقرية اللغة العربية الجميلة.
ولا يدرك أولئك المتطاولون الذين يحسبون أنفسهم كتابًا وشعراء وأدباء، أنّ شمخهم ورمٌ، وتضخم "اناهم" سقمٌ، وتعدّيهم على الشعر والأدب فعل مخذول، وعمل مرذول.
كتب زاهي وهبي الصحفي المعروف ، تحت عنوان "صورتهم لو يلحقونها" يقول:
تكاد النرجسية تكون مرادفًا أو رفيقًا دائمًا للشعراء والأدباء والفنانين ولا ضير، ما دام الأمر في حدوده الممكنة والمعقولة، لأن الإيمان بالذات شرط من شروط الإبداع.
أما أن تتحوّل النرجسية مرضًا يودي بصاحبه إلى التهلكة، وبروح كل شاعر أو شويعر، كل كاتب أو كويتب يبحث عن صفحة ماء راكدة، يرى فيها صورته ، ويلقى بنفسه غليها كما فعل "نرسيس"، فتلك مسألة أخرى.
هذه النرجسية المفرطة تكاد تقتلنا، تكاد تحوّل ثقافتنا إلى مجرّد أبواق إعلامية تكاد تغرقنا جميعًا.
" 4. صدقت يا زاهي.
وأنا أقول:
في الرسم والموسيقى والغناء أيضًا، حدّث ولا حرج.
جميل أن نتسلّى بقسط من هذه التعبيرات عن مشاعرنا المكبوتة، شرط أن تبقى مجرّد تسلية شخصية، اللهمّ إلا ما يظهر عند بعضهم مما يمكن من بذور الموهبة ثمرًا طيبًا.
واما سقط المتاع فينبغي أن يسقط في القاع.
وأقول أيضًا:
هنالك المختالون والمحتالون والطواويس من كل لون وشكل وحجم وقياس.
لعلّ مثل هؤلاء المتعاظمين ينتمون إلى برج القرد في تصنيف الفلك الصيني:
إذ إن مواليد هذا البرج، على ذمّة الصينيين، يعانون من مركب العظمة الذي يمنعهم من احترام الآخر، ويعرّضهم بالتالي للتباهي والأنانية والغرور، والغيرة من نجاحات الآخرين .
دور الولع والجشع في تدمير بنية المجتمع
لست أدري لماذا أسمع بين الحين والحين صدى كلمات الفيلسوف الألماني المثالي جوهان غوتليب فيخته، آتية من مشارف القرن التاسع عشر تتردد بهدوء:
"إنما فلسفتنا تاريخ قلبنا" فتلقى أذنًا مصغية وفؤادًا صغيّا.
ولست أدري لماذا أُدعى إلى التحدّث في موضوعات فلسفية فأستجيب راضيًا مرضيًا.
قد يكون أرسطو هو السبب؟
فهو الذي أسس ، بعد أن عاد من بلدته Stagira إلى أثينا في العام 335/ 34 قبل الميلاد، مدرسته الفلسفية Lyceum مكانًا للمحاضرات والمناقشات العامة والتي سمّيت "الأيكات" The groves وكانت تقع في الضواحي المقدّسة لمعبد Apollo.
وإليها كان يلجأ سقراط يتأمّل ويفكّر، وهناك كان أرسطو يتمشى في الـ Peripatos ، أي "الممشى" المغطّى بالأشجار، يحدّث طلابه عن الفلسفة ويناقشهم في أمورها وموضوعاتها.
وإلى جانب تلك الأحاديث كانت تقدّم محاضرات تقنية متخصصة لجمهور صغير من المستعمين، ومحاضرات عامة لعدد أكبر من المستمعين.
كما كان ينظّم مرّة كل شهر مأدبة خاصة، هي ندوة يجري خلالها تبادل الآراء بحرّية ، ويُختار أحد الأعضاء ليدافع عن موقف فلسفي معيّن، يُوجِّه إليه بقية الأعضاء اعتراضات نقدية.
اسمحوا لي أن أسارع فأؤكّد أن كل ما سأتكلّم عنه في هذا البحث ليس موجّهًا إلى أي شخص بذاته، أو سلطة معيّنة، بل هو دراسة موضوعيّة في النفس والاجتماع، قد تنطبق على كل من ابلي بدائي الولع والجشع في أي زمان ومكان، والله المستعان.
يحدّثنا التاريخ أن رجل الدولة الفيلسوف الروماني Boethius (480 – 524 م) لم يجد في سجنه الطويل في PAVIA (إيطاليا) قبل أن يعدمه الملك Theoderic في العام 524م.
عزاءً إلا الفلسفة إذ ظهرت عليه في المنام امرأة نبيلة أوحت له عيناها الجميلتان المتوقّدتان ذكاءً ، أن للفلسفة قوى تسمو كثيرًا على سائر قوى الطبيعة البشرية.
وما أدخل إلى قلب السجين الحزين عزاءًا وسلوانًا ، هو أن الفلسفة كشفت له في غمرة البؤس والقلق والخوف، أن متاع الدنيا متاع الغرور، وأن ملذّات الفانية لا توفّر السعادة لأحد.
وأن السعادة الحقيقية هي في الخير الأسمى الذي تقود إليه الفلسفة، وسبيلها إلى ذلك محبة الحكمة.
وليست محبة الحكمة سوى محبة الله والترفع عن الغرائز ومقاومة ميول الولع والطمع والجشع والأنانية والكراهية.
قد لا يكون الإنسان في أيامنا هذه في وضع أفضل من سجن Boethius ، وقد نكون احوج ما نكون إلى نور الحكمة ومحبة الله، وإلى فلسفة حقيقية توجهنا، وتكشف لنا عن الحقيقة علّنا نهتدي إلى طريقة تساعدنا على جعل أقوالنا تطابق أفعالنا.
أجل نحن في حاجة إلى هذا النضال الفكري الذي تفوق قيمته كل نضال، نستخدم فيه أداتي العقل واللسان، يوجّه الأول الثاني، ويشرح الثاني الأول، فنجاهد الحاكم علّه يستفيق فيرى حاجات الشعب الملحّة، ويستخدم الحوار الصادق، ويدرك أن الحرية تعني المطالبة بالحقوق، وأداء الواجبات، ونخبر من يعلم أن الطاغية، في مفهوم أفلاطون، هو حاكم يستخدم القمع لإسكات صوت الشعب المطالب بحقوقه، وأن الحاكم العادل هو الذي يمارس السياسة الصحيحة التي تؤمن لأبناء المجتمع "رعاية" لائقة وتُلغي سياسة الإذلال، وتستند إلى أخلاق توجهها، وحكمة تسدد مسارها.
وإذا كنّا لا نطمح إلى أن يكون رجل الدولة فيلسوفًا.
فإنّنا نطمح، في الأقل، إلى أن يفهم الحاكم أن السياسة الحق هي بناء حياة اجتماعية مبنية على العدل والكرامة والحريّة، فلا تتزعزع القيم الأخلاقية تحت وطأة الولع والجشع وشهوة التملّك، واحتكار السلطة والمال.
حيث يزداد الحاكم وبطانته غنىً فاحشًا، فيما يغرق السواد الأعظم من الشعب في فقر مدقع، فتتسع الهوّة بين الحاكم والمحكوم، الأمر الذي ينذر بتمزّق المجتمع، وانهيار بنياه.
إن الحكم العادل هو التعالي عن الصغائر والترفع عن الدنايا.
والحاكم العادل هو من يحقق الخير لذاته وللآخرين، ويتحلّى بالفضائل الخلقية والتوازن العقلي ، ويتحرّر من الولع والجشع:
ولع في السلطة والجاه ، وجشع في التملّك والمال.
الولع
فما هو الولع؟
إنّه في المفهوم العلم نفسي، حالة عاطفية معقدة، تطغى على كل ما عداها من العواطف والأفكار والأعمال ، وتُفضي إلى خلل دائم في التوازن النفسي، عصي على العقل وأدوات الضبط والتحكّم.
والمولَع في شيء يسعى للحصول عليه بعينه ولذاته دون أي اهتمام بأي شيء أو شخص آخر.
فالمولَع هو شخص فقد السيطرة على نفسه فغدا عبدًا لشهواته اللاإرادية وصار أسيرًا لدوافعه اللاواعية واللامعقولة.
والملفت أن وَلَع المُولع المهووس يكون انتظاميًا ومتماسكًا، يستقطب جميع القوى النفسية حول هدف واحد:
فتملّك الشخص العاشق لمعشوقه، أو الحصول على طابع البريد الذي يكمّل المجموعة، أو الهوس بجمع المال، أو الطموح الجانح إلى السلطة، قد يكون الهدف الذي يرتكز فيه ميل أعمى يخلق الفوضى واللاتوازن في النفس البشرية، إنّه تضخّم شاذ لميل معيّن يطغى على العواطف والميول الأخرى جميعًا ، ويقصي كل حكمة، ويقضي على كل فضيلة واعتدال، إنه انعكاس لكل اضطراب وسخف وإفراط.
أنواع الولع
وللولع أشكال وألوان:
فقد يكون الزهو الفارغ، وآليته الاعتداد بالنفس، وقد يكون الأنانية، أو الطموح الجانح أو البخل، أو الانتقام أو العنصرية أو التعصّب الديني.
وهنالك ولع في الحقد، أو التعسّف أو الشراب أو الأكل.
وكل نوع من أنواع الولع ، حالة أساسها التملّك وحب السيطرة، أو حالة من الغيرة والتعسّف لا يثنيها عن ضحيتها تضحية أو بذل.
فالولع تسلّط يكسف كل عالم روحي وأخلاقي، وكثيرًا ما ينتهي إلى الانتحار أو الجنون، ذلك أن هدف المولع كثيرًا ما يتحوّل إلى معبود يضفي عليه المولَع به قيمًا وهمية، ويصبح قوة ضغط جبارة لا تغتصب الميول الإنسانية الشريفة فحسب، بل تتحدّى العقل الإنساني برمته:
فولع العشق، مثلاً، ينطلق من غريزة الحفاظ على النوع والدوافع الجنسية وغريزة التملّك، وهذه كلّها في الأساس طبيعية إذا ما اعتدلت ، اما إذا انحرفت فطغت يغدو العاشق شديد الأنانية يفتقر إلى الكرم والتضحية، ويقوده ميله الجارف إلى تملّك محبوبه والسيطرة عليه أقسى ما تكون السيطرة.
ويشذّ الولع في العمل عن مفهوم العمل:
فالمرء يكد ويجتمهد من أجل النجاح، ولكي يحصل على حاجته من المال يستخدمه في قضاء حاجات مشروعة كبناء عائلة، أو تشييد مسكن، أو شراء سيارة، أو القيام بسفر.
ألأخ.
غير أن المولع في عمله يكرّس ذاته لعمله، كذلك شان المدمنين على العمل، الذين يهملون كل شيء آخر، ولا يوفرون الوقت الكافي للاهتمام بشؤون عائلاتهم ورعاية أولادهم، وفي ذلك خسران اجتماعي كبير.
وأما ولع التجميع فهو ما يصيب من يتهالك على جمع المال والاستزادة منه، يختزنه ولا ينفق منه على ما تقتضيه حاجات عائلته وحاجاته الضرورية.
وقد يستبد به ولع البخل فيسرق أو يقتل من أجل الحصول على المزيد من المال.
والمال أساسًا، وسيلة تؤمّن ضرورات الحياة، وتشبع حاجاتنا المشروعة.
أما حين يصبح المال هدفًا يجمع لذاته، يغدو تملكًا بشعًا، لا يهتم المولع به سوى في جمعه أو التوسّع فيه من أجل الربح الفائض واستخدام رأس المال بغية الحصول على قدر اكبر من المال، عندها تموت في قلب المولع بالمال جميع المشاعر الإنسانية، ويسود الشعور الطاغي بلذّة التملّك، تملّك الأرض والمقتنيات الأشياء.
مصدر الولع
فمن أين يأتي الولع؟
من عالم حيث تكمن فيه النزعات اللاواعية.
عالم اللاوعي والمحبة والكراهية، والود والرضى والحقد والضغينة.
إن خوف الطفل الصغير من الموت جوعًا، مثلاً، قد يكبت في الصغر لينمو في دهاليز العقل الباطن ثم يطفو، فيما بعد ، على سطح الوعي، بُخلاً ضارًا، أو توسعًا في الأعمال تدر أرباحًا خيالية تتخطى الحاجات والحياة إلى أبعد الحدود.
كما أن الطموح الجامح قد يكون رغبة لا واعية في التعويض عن شعور بالإذلال ، مدفون في اعماق اللاوعي ، منسي منذ الطفولة البعيدة.
وقد يظهر الهوس في تجميع المقتنيات نتيجة للتعويض عن سلسلة من الإحباطات اللاشعورية.
اما الولع في الشغل المتواصل فقد يكون عملية إعلاء تتمثّل باستبدال شيء بأشياء أخرى مرغوب فيها، وغير قادرين على حيازتها.
وفي مختلف الحالات، لا شفقة في الولع ولا رحمة.
إنّه استئثار ميل واحد تتمحور حوله كل الطاقات النفسية، ويمتلك الشخصية الإنسانية كلّها.
فيجعل المحاكمة العقلية الموضوعية أمرًا مستحيلاً ويحيل كل تفكير منطقي عملاً زائفًا ومتحيّزًا.
وإذا كان الولع مالكًا للنفس، فلأن المولع غير قادر على التكيّف وعلى إشباع رغباته الإنسانية المشروعة:
فالمقامر لا يستطيع التنبؤ بخرابه، والعاشق الولهان لا يعي ما قد يجلبه عليه عشقه الطاغي من فضائح، كما لا يتمكن المولع بتكديس الأموال والمقتنيات، من التفكير بالقيم والفضائل.
وهكذا يصبح المولع عبدًا لميل واحد مسيطر ، غذّاه اللاوعي ونمّاه على مدى سنين طويلة، فيفقد المولع كل شفافية وكل تحكم بالذات.
الجشع
ليس الجشع سوى شكل متطرف من أشكال الولع.
إنه تلهّف إلى الاقتناء والتملّك لا يشبع، إنه الحرص الشديد أو الطمع يبلى به المرء فيصبح جشعًا، أو تصاب به الجماعة فتصبح جشعة.
وإذا كانت الأنانية الفردية أو الجماعية، هي أصل الداء في الولع، فالأنانية هي ايضًا خادمة مخلصة للجشع، تدفع بالجشع، فردًا كان ام جماعة، إلى الاهتمام بالمصلحة الشخصية وحدها:
إنها الوَلع الذي يستأثر بكل منفعة تخدم الجشع.
فالأنانية ليست صفة مسلكية فحسب، بل تتخطى ذلك إلى التحكم بكل الشخصية الإنسانية ، ذلك لأن الأناني يجد متعة مسعورة في تملّك لا يشبع، على الرغم مما يمكن أن يكون عنده من مقتنيات.
تدفعه انانيته إلى أن يكون جشعًا ، فتتضخّم "أناه" بتضخّم ما يملك ويصبح مهووسًا بالسيطرة على الآخرين بغية تحقيق اهدافه وحدها:
فهو لا يحلم إلا بالقضاء على منافسيه، وفي خداع زبائنه، وتمكين زبانيته، واستغلال عمّاله.
فلا حدّ لرغباته التي لا ترتوي، ويحسد من يملك أكثر منه، ويخاف ممن يملك أقل منه.
وقد يخفي حقيقة مشاعره وراء ابتسامات مغتصبة، وإظهار العواطف المزيّفة، والكرم المشبوه.
ولا بد من الإشارة إلى أن الجشع ، كالولع، ليس صفة متأصلّة في الطبيعة البشرية، بل صفة يمكن التغلّب عليها.
ولا تعود قوتها إلى شدّة تأصّلها بقدر ما تعود إلى صعوبة المقاومة لدى ضعيف النفس ضد الضغوط الاجتماعية التي قد تجعل منه ذئبًا يتصارع مع بقيّة الذئاب في محيطه ومجتمعه.
وليس من المستغرب أن لا يدرك الجشع أن شهوة التملّك توسّع الفجوة بينه وبين الآخرين، بحيث يصبح مع قلّة من اعوانه طبقة قائمة بذاتها، في حين يصبح الآخرون طبقة أخرى أكثر ضعفًا وأشد بؤسًا ، فينشأ التناحر ، وتحلّ الفرقة محل السكينة، والحرب محل السلام، فيدمر الولع والجشع بنية المجتمع.
سلوك الجشع
يسعى الجشع إلى إيهام الناس بان ما هو خير لمؤسسته هو خير الناس أجمعين! .
والحقيقة أنه مستعد لتدمير كل شيء من أجل تحقيق مصصالحه الخاصة لأنه مولع بالاقتناء والتوسع، فلا يتورع من أجل ذلك عن معاداة الطبيعة وقهرها كي يحوّلها خادمة لأهدافه، لأنها تشعره بالامان، وتحميه من ضعف في نفسه.
وقد يستخدم آلاته في تدمير البيئة متسترًا باقنعة السعي إلى استغلالها للمنفعة العامة.
والأمثلة على ذلك لا تحصى ولا تعد.
ومن المؤسف أن تكون الأنانية سمة من سمات الأخلاق العملية في الزمن الحاضر.
ولما كانت الأنانية الصفة المميزة للجشع، فلا تورثه سوى النظرة الضيقة للأمور فيصبح الحاكم الجشع مثلاً ضيق الأفق ، فلا يرى سبيلاً إلى معالجة الهموم الاجتماعية الملحّة.
ومع ذلك، فالأنانية الجشعة، لا ترغم المجتمع دائمًا على التصدي لها مباشرة فيطوقها ويلجمها ليخفف من خطرها.
من آراء الفيلسوف الهولندي باروخ اسبنوزا (1632 – 1677) أن الصحة العقلية هي "إحدى تجليات الحياة القديمة، وأن المرض العقلي هو من اعراض الفشل في الحياة وفقًا لمتطلبات الطبيعة البشرية، ولكن إذا كان الشخص الجشع لا يفكر إلا في الأموال والممتلكات ، والشخص الطمّاح لا يفكر إلا في الشهرة، فإننا لا نعتبر أيًا منهما إنسانًا فقد عقله، وإنما هو شخص مزعج، غالبًا ما يثير فينا الاحتقار، ولكن في الواقع ليس الجشع او الطموح المبالغ فيه، إلا شكلاً من الجنون على الرغم من اننا – عادة – لا نعتبرها أمراضًا " كذلك قال سبينوزا Spinoza - Ethics, 4 perp.
44 (راجع :
إيرك فروم ، الإنسان بين الجوهر والمظهر، عالم المعرفة عدد 140، ترجمة سعد زهران، ص 100).
ويطلعنا علم النفس أيضًا على أن الجشع يستتر خلف قناع من العطف يخفي وراءه استغلالية بشعة، فيختلف ، والحالة هذه، مظهره المعلن عن حقيقة الدوافع التي تحرّك سلوكه.
وقد علمنا التاريخ أن الحاكم الجشع يفقد بعد حين من حكمه، شعبيته بين مواطنيه.
لأنه يسعى إلى السيطرة على الأرض ومن عليها.
في عام 1086 م.
استولى وليم الفاتح على إنكلترا، فأمر بإجراء عملية جرد لكل ما على الأرض من موجودات ومصادر طبيعية وبشرية، ولم يستثن عدد الغزلان الموجودة في القفار.
لقد أراد أن يعرف من كان يملك قطعة الأرض هذه أو تلك، وكم كانت تساوي من المال، ومقدار المنتوجات؟
وكم كان يستطيع فرضه من الضرائب، وكم كانت مساحة الأراضي، وما عدد العائلات التي تشغلها، وعدد الفلاحين والقطعان.
ألخ.
وكانت هذه الجردة فريدة من نوعها في كل اوروبا، فلا عجب إن لم ترق لسكان البلاد، فأطلقوا عليها إسم "كتاب الدينونة" المخيف Domes day Book ذلك أنها ذكّرتهم برسوم يوم الدينونة المنقوشة على جدران الكنائس (David Mc Dowall, An Illustrated History of Britain, Longman, 1989, p:
25) وقد اعتبر وليم الفاتح نفسه المالك الوحيد للبلاد فمنح أرضًا لنبلائه الذين ساعدوه على غزو إنكلترا وأقام بذلك نظام الإقطاع، الذي تكرّر عبر العصور، قديمها وحديثها، متخذًا أشكالاً وصورًا متنوعة.
ولا يخفى على أحد أن جشع التملك يولّد غيرة قاتلة لدى الأشخاص الذين يتنازعون الملكية.
فلا عجب أن تكون العلاقات التي يسودها نمط التملك الجشع علاقات مشحونة بالصراعات والخصومات التي ترهق البلاد وتثقل على العباد ، لما يسيطر عليها من اعمال المنافسة ومشاعر التناحر والتنافر والخوف.
ولما كان التملك يرتكز أساسًا على الإحساس بالهوية:
اي الإحساس بان المالك هو ما يملك ، فالنتيجة الحتمية لهذا الإحساس ازدياد الرغبة في تملك أكثر، يمتد إلى اللاحدود.
وللجشع هذا أشكال وألوان، فمن التوسع في الاقتناء ، ورغبة التاجر الجشع في مزيد من الأرباح ، إلى نهم دون جوان في امتلاك النساء (ليت لجميع النساء فمًا واحدًا، إذن لقبلته واسترحت).
وهو عند صائدة الرجال قلق دائم وتحفّز أبدي للاصطياد.
ذلك أن الجَشِع نهِمٌ أبدًا لا يشبع، وجوعه يختلف عن الجوع الفيزيولوجي الذي يتحكّم به شعور بالاكتفاء تحدده حالة الجسم الفيزيولوجية، في حين أن لا حدود لجشع النفس، فداخلها فراغ لا تستطيع المادة أن تملأه.
ولعل وهم الخوف من فقدان الشيء المكتسب، يدفع بالخائف إلى السعي للاستزادة في الاقتناء، كي يقيم حصنًا ضد الخسارة المتوهمة.
جشع الدول
ويصيب الجشع الامم كما يصيب الأفراد.
فالأمم التي تبنى على قواعد التملك والجشع تشن الحروب على البلدان الضعيفة ذات الموارد الغنية بغية الاستيلاء على خيراتها.
وقد تعمد إلى وسائل أخرى كالحصار الاقتصادي، أو التهديد بالحرب، أو الابتزاز.
وكثيرًا ما نرى تحالفات تنشأ بغية النيل من دول ضعيفة بسلاحها ، قوية بمواردها.
وينطبق القول في حروب الدول على الحروب بين الطبقات والطوائف، والحروب بين المستغلِّين والمستغَلّن، حيث يسعى الأقوياء في مجتمع الجشع إلى الحصول على الامتيازات التي تمكنهم من استغلال من هم دونهم طبقيًا، ووسائلهم إلى ذلك أبشع من اهدافهم:
فالعنف والابتزاز والإغراء والرشوة وإفساد الضمائر هي بعض هذه الوسائل، علمًا بان الوسائل قد تفشل في النهاية في تمكين المستغلين ، فيعمد المضطهدون إلى الإطاحة بالمضطهدين.
سلوك التملّك
وقد يعجب المفكر الواعي من سلوك التملك والجشع والاستهلاك.
وقف سقراط ذات يوم امام حانوت تُباع فيه مختلف انواع السلع، فقال "كم كثيرة هي الأشياء التي لا أحتاجها.
"!.
وأطلق بوذا اسم "الشهوة" على سلوك التملك الذي لا يهتم صاحبه إلا في الحصول على الملكية، والحق غير المحدود في محافظته على ما يملك.
وأبشع ما في هذا الأسلوب أنه يستبعد الآخرين ولا يقيم لهم أي اعتبار، فيعمد بشتى الطرق إلى الاحتفاظ بالملكية واستغلالها إلى أقصى الحدود.
إنه السلوك الذي يحوّل الناس والموجودات إلى أشياء مستعبدة تخضع لسلطة اخرى، وتُستبدل ميول المتملك جميعها بميل التملك وحده.
ويوحي التملك إلى المولَع به بانه جوهر قائم بذاته، فهو شخص لا يحول ولا يزول.
والواقع أن الملك والمالك زائلان، فيعمد المالك إلى ترسيخ وهو الخلود باستخدام اللغة بحيث يصبح اسم الشخص مرادفصا لصاحبه.
وقد يتسنى لمالك بان يطلق اسمه على مؤسسة أو عقار أو شارع، ولا يدري ربما، بأن كل من عليها فانٍ.
وبعد، إذا كان ما تقدم هو وضع الإنسان المولع والجشع وإذا كان هذا الوضع يشكل خطرًا على المجتمع ، فكيف نبني الإنسان الجديد؟
في مجتمع جديد؟
بناء الإنسان الجديد
أولاً:
على الإنسان أن يعي فعل الولع والجشع في تدمير المجتمع ليتجنبه.
وعليه، ينبغي أن يعيد تنظيم حياته، ويكرّس الجهود الإنسانية المشتركة، لإعادة بناء ذاته.
وعليه أن يجد حلولاً لمشكلاته المتراكمة، من خلال تخطيط جديد، تقوم التنمية فيه على أساس توفير الأسباب للحفاظ على الكرامة الإنسانية بواسطة توفير فرص العمل للجميع، وخلق مناخ نفسي عام ينشط الحوافز للإبداع في حقول العلم والفن والأدب، وجعل التكنولوجيا خادمة للإنسان، لا مستبدة به.
ثانيًا:
على الإنسان الجديد أن يعرف كيف يعيش بامان فيعمل على تغيير أساليب العيش بحيث تسود القيم الأخلاقية السامية ويتوافر للناس جميعًا انخراط في نشاطات إنتاج معتدل فيستهلكوا باعتدال.
ثالثًا:
على هؤلاء الناس أن يحبّوا الطبيعة فيحموها من اخطار التصنيع والتصحّر .
وإذا كان الإنسان لم يعرف بعد كيف يستفيد من الثورة الصناعية ونتائجها المادية الثقافية الهائلة في تحقيق بعض الراحة النفسية، فعليه أن يدرك أن فشله في ذلك يعود إلى جشعه العارم في إشباع رغباته، وأن يعي بان التهالك على الاقتناء لا يؤدي إلى العيش الهنيء.
رابعًا:
على الإنسان الجديد أن يدرك أن الانتاج المادي، والترويج له على النحو الذي نرى ونسمع ، لم يُنتج سوى التحكم بالأخلاق والأذواق وتسييرها وجهة استهلاك مجنون، فيقتل حرية الاختيار ويصبح البشر عبيدًا للسوق فيزداد عدد الفقراء، ويتخم الاغنياء.
خامسًا :
من الناس والدول من يحسبون انفسهم أنهم صور للسوبرمان المبتذل الذي خَلَت قوته من العقل.
فجرّدتهم سفاهة حلمهم من العنصر الإنسانية الأخلاقي الذي وحده يميّز الإنسان القادر عن الذئب الكاسر.
سادسًا:
من الناس والدول من ينظر إلى الشباب الذين يندفعون للتضحية بانفسهم من اجل قضية عادلة نظرة شك واتهام، فيصمونهم بالتخريب تارة والإرهاب طورًا ويتعامى المتهمون عن الأسباب التي تدفع بهؤلاء الشباب إلى العنف والتعصب وتدمير الذات والآخرين.
سابعًا:
على المؤسسات الدولية صاحبة القرار أن تلتزم بشرعة حقوق الإنسان، فتنفذ القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ، وتحترم حقوق الشعوب في تقرير مصائرها.
ثامنًا:
على الإنسان الجديد أن يعمل على أن يكون الانتاج سبيلاً لإشباع الحاجات الإنسانية الأساسية، وليس خادمًا للنظام الاقتصادي حرًا كان أم غير حر.
من هنا تأتي فكرة التضامن التي تعني إقامة علاقة صحيحة بين الناس أنفسهم من جهة، وبين الناس والطبيعة من جهة ثانية بحيث يحل التضامن محل الجشع فيعمل كل تنظيم اجتماعي لصالح الناس جميعًا.
وللتخفيف من شقائهم.
وهذا لن يتم إلا إذا تم الفهم بأن الاعتداء على الطبيعة أمر خطير، وبان التصرّف الإنساني اللامعقول يجعل الناس عبيدًا لولعهم وجشعهم وانانيتهم.
تاسعًا:
على الإنسان الجديد أن يدرك أهمية المشاركة بين الناس دونما غاية استغلالية، لأن حياة الإنسان هي العنصر المقدس ، وليس الأشياء او السلطة أو المال، لأن الجشع لا يولد سوى الشراهة والكراهية والانهيار.
علينا أن ندرك أن نظام الاقتصاد الحر لا يعني أن يغدو الإنسان نسيجًا من الشهوات الجامحة التي ليست سوى استجابة لجشع مريض.
عاشرًا:
على الإنسان الجديد أن يتسم بالواقعية، فيقدر الصعوبات حق قدرها، ويبذل الجهد لتذليلها.
وعليه أن يدرك أن مجتمعًا تتحكم به الأموال والاعمال، إنما هو مجتمع قائم على المقامرة المحفوفة بالمخاطر، وعلى جشع الربح المادي المتوحش، لا على الاهتمام بالإنسان.
فالاهتمام بالإنسان يتطلب تنمية لسمات الإيثار والغيرية والتعاون، ولا تنمو هذه الصفات الإنسانية إلا في ظل مجتمع يدرك القيم المستحبة فينمّيها، ويعي التصرّف المستهجن فينبذه، حينئذ فقط يتحرر الإنسان من الأنانية، وينبذ نمط الشخصية التسويقية ويحل محلّها نمط الشخصة المحبة المنتجة المبدعة.
حادي عشر :
على الإنسان الجديد أن يدرك أنه إذا أصبح المرء ذا شخصية تسويقية (أي سلعة في سوق الشخصيات) يصبح العالم الذي يعيش فيه بلا طعم ولا معنى.
ولا يستقيم العيش للناس، إلا إذا قام اتفاق عام يلغي الشخصية التسويقية للأفراد، ويعتمد المشاركة أساسًا للتعامل بين جميع أعضاء المجتمع.
ثاني عشر وأخيرًا:
قد يتبادر إلى الذهن أن ما أوردنا من أفكار، عصيّ على التحقيق ، او طوباوي المبنى والمعنى.
والحق أن العقبة الكأداء التي تعوقنا عن التقدم في مضمار بناء الإنسان الحضاري ليست في الفكر والتخطيط بقدر ما هي في الشعور بالعجز، والاستسلام لما يجري في مجتمعنا كانما هو قدر محتوم.
ويظهر العجز واضحًا حين يرى المرء الخطر أمامه فلا يحاول أن يتلافاه ، فيغدو بلا طاقة تحركه أو عقل يهديه.
المصالحة مع الذات ومع الآخر
هي من الحقائق المعقدة التي يصعب منالها لأن الإنسان معادلة صعبة.
ومع ذلك سأحاول التعامل مع هذه المعادلة، معتمدًا على الله، وعلى حسن طويتكم، وطول أناتكم.
كم سمعنا ونسمع هذه العبارة "المصالحة" تتردد على ألسنة الواعظين والمرشدين والسياسيين، من مختلف الفئات والاختصاصات!.
وكم توقفت عندها أحاول فهمها، وأتلمّس السبيل إلى تطبيقها فعلاً، إذ إنني منذ بدأت أعي الأمور، نوعًا، وأمارس العمل العام تعليمًا، وانشغالاً في النشاطات التربوية والاجتماعية والسياسية، كان وما زال، يحيّرني تصرّف الناس، فيما يتعلّق بأبسط امور حياتهم ، فكنت ألاحظ، كما يلاحظ الكثيرون، أن هنالك خصامًا مع الذات، يبرز من خلال السلوك البشري، ويكشف عن صراعات ذاتية، وصدام مع الآخر:
فنحن نظهر غير ما نبطن، ونفعل عكس ما نقول، ونريد لأنفسنا غير ما نرضى لغيرنا، ونتناحر باسم التنافس ونعتز "بالشطارة" ونتفاخر بالكسب، بصرف النظر عن مصادره ووسائله، متنكرين للقيم الإنسانية، مخالفين أحيانًا اخرى، التعاليم الاخلاقية التي اكتسبناها من البيت والمدرسة والدين والمجتمع.
وفي الواقع، كانت هذه الأمور التي تنطبق على تصرّف العديد من الناس ، تدفعني بقوة إلى النظر في الدوافع البشرية ، والبحث عن الأساباب التي تكمن وراء هذا الطلاق بين المعرفة والسلوك.
ولعلّ هذا ما جعلني أنكبّ منذ زمن بعيد، على دراسة الإنسان، من نواحي حياته الفكرية والتربوية والاجتماعية والسياسية.
وكنت كلّما توغّلت في متاهات البحث والتقصّي، كلّما ازددت شعورًا باغترابي، فارتبكت حيرتي، ولم أجد أجوبة شافية عن التساؤلات التي كانت تغزو فكري، حول الإنسان وصراعه مع ذاته، حول سلوكه وصدامه مع الآخر.
ولعل اكثر تلك الأسئلة إلحاحًا هو :
لماذا نحاول أن نجعل من الإنسان مشروعًا فاشلاً، وهو الذي جعله الله سبحانه وتعالى على صورته ومثاله، وخلقه في أحسن تقويم؟
فلماذا قتلنا سقراط، وصلبنا المسيح؟
لماذا احرقنا برونو حتى الموت، وحكمنا على غاليليو بالإقامة الجبرية حتى آخر لحظة من حياته، وهطذا ألف لماذا، لم أجد لها أجوبة شافية.
ولكي أتخلّص من بشاعة هذه الأفكار ، وأطرد شياطينها من ذهني وذاكرتي ومخيلتي، لجأت إلى التاريخ أسأله الحقيقة والعون والعبر، فرأيت كتب التاريخ، على تنوعها واختلافها وغزارتها ، تضج بدوي الأسلحة الفتاكة، وتتصاعد منها غبائر الحرب والدمار ، وتمتد أيادي السلب والنهب ، وتنبثق ألسنة اللهب المحرق، وتكاد ترشح بين يدي دماء غزيرة بريئة ، وتتناثر منها الأشلاء، فأرى الحضارات تنهار، وأشاهد الإنسان في أبشع صوره، وأشد ما كان يؤلمني أن هذه البشاعات كانت تسوغ بتعليلات ومفاهيم عقيمة كمفهوم "تناحر البقاء وبقاء الأصلح" وما شاكله من المفاهيم.
وكنت أسائل نفسي:
ألم يكن الإنسان بقادر على إيجاد وسيلة أفضل لبقاء ذلك الأصلح؟
ولا أخفي حقيقة أنني كنت أحس بسذاجتي لدى كل تساؤل من هذا النوع.
غير أن ما روته لي كتب التاريخ كان أقل أثرًا مما لحق بنفسي من ألم بسبب ما عشته في وطني من اهوال كنا في غنى عنها، إذ إن الصراع مع الذات والتصادم مع الآخر بلغا من العنف والبشاعة ما أطاح بالأقوى والأضعف.
والأفضل والأقل فضلاً فسادت الهمجية وأفلتت الغرائز من قيودها وعاد السؤال الرهيب يدق أبواب عقلي كما يدق أبواب عقول الناس جميعًا:
لماذا يسيء الإنسان إلى أخيه الإنسان بهذا الشكل الفظيع ؟
؟
!.
أستميحكم عذرًا إن كنت أعدت إلى اذهانكم صورًا نرغب جميعًا في دفنها.
غير أن المصالحة مع الذات ومع الآخر تقتضي المصارحة مع الذات ومع الآخر، فالمصارحة تؤدي إلى الحقيقة.
وقد تكون الحقيقة، أحيانًا، مُرّة المذاق، غير ان البحث الجدي يتطلب الصراحة التي تُفضي إليها .
وألتمس منكم صبرًا معي، على هذه الرحلة مع الإنسان، علّنا نجد معًا، جوابًا مقنعًا يمحو من نفوسنا آثار العدوان، ويجعلنا نجد تفسيرًا لما نفعل، نحن البشر، بأنفسنا وبسوانا، مما يتنافى مع القيم الإنسانية، فلربما ساعدنا تأويل أفعالنا على المصالحة مع الذات ومع الآخر.
من التاريخ السياسي، أيها الإخوة، إنتقلت إلى التاريخ الأدبي، باحثًا عن سلسبيل أنقى، أروي به عطش الفكر، وأغسل أثر الدماء.
ذهبت إلى الآداب أولّها، وربما أعرقها، فالتقيت سوفوكليس وإسكيلاس ويوريبيدس فقالوا لي :
إن العلاقة الأخلاقية بين الآلهة والإنسان، هي ما تشغل بالهم.
ورأيت المأساة عندهم تعالج سقوط الإنسان من سلطانه، إما بسبب علّة غير مشتبه بها، في خلقه، وإما بسبب خطيئة ارتكبها عن غير وعي بها.
فأوديبس الملك، مثلاً، ارتكب جريمة فظيعة بقتله والده والتزوج بامه، عن غير قصد أو دراية، فسقط، والآلهة هي التي سببت سقوطه، وهي على صواب وعدل.
فقأ أوديبس عينيه وهام في البراري حتى مات، وشنقت الأم زوجته نفسها.
وهكذا يرضى الجميع بالنتيجة، ويستسلم الجميع لما قررته الآلهة وقدّرته!.
واستوقفني سنيكا الروماني (4 ق.
م.
) – 65 م) ليقول لي إن الآلهة ما زالت مسيطرة كل السيطرة، إلا أن الإنسان مجبر على أن يرضخ لآلهته، ولكنه لا ينبغي عليه أن يعتقد أن تقبله لتلك القوانين هي العمل الصواب.
فإذا كانت الآلهة تحتكر السلطان، فإنها عاجزة عن أن تحتكر الفضيلة.
في استطاعتها ان تهزم الإنسان وتحطمه ، غير أن الإنسان يبقى شاعرًا في اعماق ذاته بانّه الأفضل والأسمى خلقيًا .
ومهما فعلت الآلهة ، أو قالت ، او قررت فأنا ، الإنسان، على صواب، وهي على خطأ، لأنني لم أرتكب إثمًا.
ويلحّ علي سنيكا بفلسفته الرواقية هذه قائلاً بان الإنسان حر الإرادة ، يعني ذلك أنه نشيط، فلا ينبغي عليه أن يستسلم للمصير، فالإستسلام هذا يعني "اللافعالية".
وتراني أهرب من سنيكا ومن صراعه مع الآخرين (مع الآلهة)، إلى عملاق أدبي آخر، يمسرح لنا حرية الإرادة وسلطة الاختيار من خلال الصراع مع الذات:
فأخطاء الفرد البشري في التصرف والسلوك تنبع من ذاته من تركيب شخصيته.
وهذه الأخطاء هي التي تؤدي إلى سقوطه.
فالبطل ماكبث مثلاً، يدمره طموحه ، لأن شخصيته ضعيفة، وعُطيل تعميه الغيرة عن الحقيقة، وهاملِت عاجز عن اتخاذ القرار.
وكان بمقدور هؤلاء جميعًا أن يكونوا شخصيات أفضل، لو انهم تعلّموا المصالحة مع الذات، فسيطروا على الهنات الموجودة في انفسهم، وكان بإمكانهم تحقيق ذلك، إذ إنه ليس هنالك قوة خارجية تحول بينهم وبين اختيار السبيل السوي – وما السبيل السوي سوى المصالحة مع الذات :
وهي بدورها تؤدي إلى المصالحة مع الآخر.
ذلك هو وليم شكسبير ، وتلك هي نظرته إلى الطبيعة البشرية.
واما مليم بلايك (1757 – 1827) فهو مليم آخر، هو شاعر ورسام، استخدم هاتين الموهبتين كي يصور لنا بشكل رمزي ، صراعاتنا النفسية الموجودة داخلنا، وهذه الصراعات لا تعرف المصالحة مع الذات، بل هي في حرب دائمة مع ذاتها.
ونسمع وليم بلايك يصرخ متسائلاً:
"ما العقل، وما سلطانه؟
ما التقاليد الاجتماعية وما نفعها؟
فالإحساس، بالتعاون مع المخيّلة، يستطيعان أن يجعلا الإنسان قادرًا على تحقيق ذاته.
ثم يصرخ بلايك بأعلى صوته قائلاً:
"أيها الإنسان ، تعهّد مخيلتك، ونمّ إحساسك، وأنا كفيل بانك سوف تدرك الحقيقة النهائية دونما مساعدة من العقل".
وحين اسمع قول بلايك أتخيّل أبا العلاء المعري يضطرب في اعماقه ويطل برأسه صائحًا:
أيّها الغرّ إن بليت بعقل
فاسألنه، فكل عقل نبي.
" تعلمون ان التاريخ الإنساني هو من صنع الإنسان نفسه، وقد وصف أرسطو الإنسان بانه حيوان عاقل، أو حيوان سياسي، صنع تاريخه، وكتبه مدوّنًا فيه أبشع انتصاراته.
هذا الإنسان وصفه أوغست كونت بأنه حيوان ذو تاريخ.
ولقد رأينا كيف أن هذا الإنسان غير متصالح مع ذاته ومع الىخر تاريخيًا، وغير متصالح مع ذاته أدبيًا.
فمرة كانت تسود في تصرّفه العقلانية، منتجة كثيرًا من الروائع الفكرية، وطورًا كانت تسيطر على أدبه الانفعالية، مولّدة أيضًا روائع إنسانية جميلة.
ولكنه في كل ذلك ، لم يستطع أن يؤمن لذاته السلام المنشود، والحياة المطمئنة.
وتعلمون أيضًا ان الفلسفة، وهي النتيجة الفعلية للعقل البشري الحائر ، لم تجد الأجوبة الصحيحة أو المريحة عن تساؤلاته حول الكون والمصير، والنفس والجسد، والبقاء والفناء، والحياة والموت.
وقد لجات الفلسفة ، في تسويغها لفشلها ، إلى قول يبدو لي ساذجًا ، وهو أنه ليس من عمل الفلسفة إيجاد حلول للمسائل المطروحة، بل إن عملها يتمحور حول طرح الأسئلة تلك.
وليس هذا التسويغ ، في نظري، سوى نتيجة لعجز العقل عن إيجاد الوسيلة المقبولة للتصالح مع الذات ، ومع الآخر، إذ إننا نرى من خلال ما كتبه الفلاسفة في الشرق والغرب، تناقضات ومشاحنات ، لم تتمخّض حتى الآن عن نتائج ملموسة ، تساعد الإنسان على العيش بسلام .
فالفلسفة التجريبية مثلاً، تناقض الفلسفة العقلانية، وفلسفة النرفانا والاستسلام تتصارع مع فلسفة الدعوة إلى لاقوة والعنف، والديمقراطية، في صراع مع حكم الفرد أو المجموعة الصغيرة الحاكمة إلى آخر ما هنالك من تيارات فلسفية أدت في معظمها إلى تحطيم الإنسان إما بالكسل والخمول والياس، وإما إلى تمزيقه بالعنف والحروب والتسلّط.
وكان وراء كل ذلك، وأساسًا لكل ذلك، صراعات في النفس البشرية، تخمد تارة وتضطرم طورًا، حتى تنفجر في النهاية أيديولوجيات متناحرة لم تحقق للإنسان اهدافصا إنسانيًة، تتغلّب فيها الإنسانية على الصفات الحيوانية ، إلا في حالات نادرة، لم تكن سوى ومضات سريعة في سماء الإنسانية الرجبة ، فكان يعود الظلام من جديد، وتعود أفكار البشر تتآكل من جديد، وتعود الحرب الذاتية تدمّر الأخلاق والقيم التي لا يمكن للإنسان أن يعيش إنسانيته لدونها.
إذا كان ذلك شان التاريخ والأدب والفلسفة، وعجزها مجتمعة عن خلق ظروف المصالحة مع الذات ومع الآخر ، فهل تمكن العلم من تحقيق ذلك؟
كلنا نعلم ان الجواب ليس مشجعًا.
وكلنا نعلم فضائل العلم وإنجازاته في الكشف عن بعض أسرار الكون والطبيعة، واستخدام الإنسان للمكتشفات العلمية، تكنولوجيًا، وكم سهّل على الإنسان أمور معاشه برًا وبحرًا وجوًا.
وكلنا نعلم كم أفاد العلم في الطب والاقتصاد ، والصناعة والزراعة، في الترفيه والعمران والحضارة.
ولكننا نعلم أيضًا أن هذه الإنجازات العلمية قد أدّت خدماتها في النواحي المادية اكثر مما عملت على بناء رفاهية إنسانية حقيقية، وأستطيع أن أزعم أن الآثار السلبية للعلوم والتكنولوجيا قد أخذت تتجمع حتى أخذت تبدو وكانها تتفوق على آثارها الإيجابية، كما أن استخداماتها في مجالات التدمير، أوسع وأعمّ، منها في مجالات التعمير.
فكيف يمكن ان نفهم أن الإنسان متصالح مع ذاته ومع الآخرين، إن نحن علمنا أن الإنفاق على التسلّح، مثلاً، قد بلغ في وقت من الأوقات، حوالي مائة وثمانين مليون دولار في الساعة الواحدة؟
وذلك خلال سنوات عديدة بلغت فيها حمّى التسلّح أوجها.
أو أن بناء طائرة مقاتلة حديثة يتطلّب من المال ما يكفي لدفع رواتب ثلاثماية ألف معلم ابتدائي لمدة سنة كاملة؟
أو بناء غواصة نووية يتطلب من المال ما يكفي لتزويد خمسين مدينة بمختبرات علمية – تعليمية؟
.
(كما جاء في تقارير منظمة الأونيسكو) فنتساءل هنا، كم ينفق العالم المتطور والعالم النامي معًا على الشؤون الثقافية والتربوية التي تهدف إلى بناء إنسانية الإنسان؟
.
كل ما أستطيع قوله، إنه لا سبيل إلى المقارنة ، رغم عدم توافر الإحصاءات الدقيقة لدي في هذا المجال.
إن فشل العلم، في تحقيق المصالحة مع الذات ومع الآخر، ينبغي ألا يثنينا عن الاستمرار في البحث العلمي، بل يجب ان يدفعنا إلى استخدام العلم من أجل إيجاد الصيغ الأفضل لتصرفات أفضل.
وبالتالي إلى مصالحة مع الذات، هذه المصالحة التي تكبر أهميتها حين يطالعنا شاعر لاتيني بقوله :
"إنني اعرف الخير، ولكنني أفعل الشر.
".
أو حين يقول فيلسوف معاصر "إن الواعظين الفصحاء ينجحون في جعل مستمعيهم يغيّرون رأيهم، ولكنهم لا يتمكنون من جعلهم يغيرون سلوكهم".
أليس هذا مناقضًا للمنطق، مغايرًا للذكاء؟
.
وماذا يحل بصرخة سقراط "أيها الإنسان، إعرف نفسك" ؟
!.
وماذا يكون مصير الرأي عند أفلاطون في أن من يعرف الخير سيفعله بالضرورة؟
.
وهل سيبقى رأي سقراط وأفلاطون معًا، بان الفضيلة هي نتاج المعرفة، والرذيلة من صنع الجهل، رأيًا متماسكًا؟
وكيف يدافع سبينوزا عن رأيه بأن الفكرة الواضحة توقف تقلبات الفكر ، وتصبح بالتالي قرارًا؟
.
وبكلام أبسط، هل يكفي ان أعرف جيدًا كي أتصرّف حسنًا؟
فأعيش راضيًا، وأرضي الآخر، فتغدو سمفونية الحياة أصفى نغمًا، وأكثر إمتاعًا؟
لست اعرف جوابًا مقنعًا عن هذه التساؤلات، ذلك لأن النفس البشرية تبدو لي أشد تعقيدًا مما ظن سقراط، واعتقد افلاطون، وقرر سبينوزا.
ولأن ملاحظة المخلوقات البشرية وتصرفاتها لا تطمئن كثيرًا، إذ إن الوعظ والإرشاد والعلم والمعرفة لم تؤد إلى انسجام كبير في الذات ومصالحة مع الآخر.
وهذا ما يجعلنا نوغل في البحث علّنا نكتشف الأسباب التي تكمن وراء فشل العلم والمعرفة في تمكنهما، وحدهما، من خلق مناخ إنساني يهدينا إلى السراط المستقيم.
ولقد دفعني هذا القلق حول مصير الإنسان ، بسبب خصامه مع ذاته ومع الآخر ، إلى مزيد من البحث والتقصي فسلطت هذه المرة سبيل علوم الأحياء، واكتشافات علماء الإحاثات والانتروبولوجيا.
فأرجو ان تتكرموا فتستمعوا لما سيقصّه علينا هؤلاء الحكماء.
كما أنني أدعوكم للسير معي إلى الوراء، بتراجع بسيط تبلغ درجته عشرين مليون سنة، وهي ما اكتشف أنها تكوّن عمر الإنسان على هذا الكوكب، حتى الآن.
وهو رقم يبدو كسرًا ضئيلاً بالنسبة لعمر الكون.
إن هذه الرحلة التي سنقوم بها معًا عبر الماضي السحيق ستعرّفنا إلى أشكال التطور التي طرات على الوعي البشري ومن ثم إلى ألوان تصرفه ، وأساب تناقضه، ومحاولات تكيّفه مع ذاته ومع المحيط الذي كان يعيش فيه.
تعالوا معي الآن نعد إلى بداية عشرين مليون سنة خلت، حتى نرى المجاري الكبرى التي سار فيها تطور هذا الدماغ البشري المسؤول عن تصرفاتنا وأفكارنا ومشاعرنا.
فمنذ عشرين مليون سنة تقريبًا، كان يعيش إنسان Driopithecus Africanus الذي كان حجم دماغه يبلغ ماية وخمسين سنتمترًا مكعبًا.
وقبل خمسة عشر مليونًا إلى ستة ملايين من السنين، كان يعيش إنسان Ramapithecus الذي لم يتمكن العلماء حتى الآن من تحديد حجم دماغه.
وقبل ثلاثة ملايين ونصف، ومليونين ونصف من السنين، كان يعيش إنسان Australopithecus Africanus وكان حجم دماغه قد بلغ أربعماية وخمسين سنتمترًا مكعبًا.
وقبل مليونين ونصف إلى مليون ونصف من السنين عاش إنسان Australopithecus Robustus وبلغ حجم دماغه خمسماية سنتمتر مكعب.
وقبل مليونين ومئتي ألف سنة، إلى مليون من السنين كان يعيش إنسان Australopithecus Boisci وقد بلغ حجم دماغه خمسماية وخمسين سنتمترًا مكعبًا.
أما إنسان Homo Habillis أو ما يسنى بالجمجمة (1470) التي اكتشفت عام 1972 في بحيرة Turkana في كينيا، فكان يعيش قبل مليونين ونصف، إلى مليون وست مئة ألف من السنين.
وقد بلغ حجم دماغه سبعماية وخمسين سنتمترًا مكعبًا.
وكان إنسان Homo Erectus يعيش قبل حوالي المليون ونصف المليون من السنين وقد بلغ حجم دماغه بين تسعماية وألف وثلاثماية سنتمترًا مكعبًا.
وجاء بعده الإنسان Homo Sapians الأول الذي كان يعيش قبل حوالي ثلاثماية ألف سنة وبلغ حجم دماغه ألفًا وأربعماية سنتمترًا مكعبًا.
ثم كان الإنسان Homo sapians sapians الحديث الذي كان موجودًا قبل أربعين ألف سنة وبلغ حجم دماغه بين ألف وألفي سنتمتر مكعب.
كان مسار هذا التطور من الصيغ التي وضعها العالم الأنتروبولوجي Richard Leakey وعمل على قياس أحجام الدماغ العالم Ralph Holloway وقد مكنانا من إلقاء هذه النظرة الخاطفة على الحقب التاريخية التي مرّ بها دماغنا ، حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم ونجدنا الآن مدفوعين إلى إبداء الملاحظات التالية:
1 – ينبغي أن نعود إلى العصر الجيولوجي الثلثي الأوسط (Miocene) كي نحدد السبب في تطور شكل الدماغ لدى الإنسان الأول (Hominoid) فقد كان أسلوب الحياة لدى أجدادنا الكرام، منذ خمسة عشر مليونًا إلى ستة ملايين من السنين، يتطلب طريقة للتفكير تختلف عن أساليب التفكير لدي معاصريهم من الحيوانات الأخرى.
2 – إن تمكن اجدادنا من الوقوف على أقدامهم ، وضرورة إيجاد مصادر جديدة للطاقة والتكيف مع حياة اجتماعية دائمة التغير والتطور (هذه الأمور الثلاثة) كان لها نتيجة غير مباشرة على دماغ الإنسان (Ramapithecus) كما على مظهره الجسماني.
3 – يفسر الفرق بين أحجام الأدمغة لدى الاشكال المختلفة من الإنسان بما كان يستجد عليه عبر السنين من زيادة كبيرة في المتطلبات التي كانت تثقل الدماغ، نظرًا للزيادة التي طرات على حجم القامة.
4 – إن الازدياد في حجم الدماغ يقابله ازدياد في نسبة الذكاء.
ومع ذلك، فليس هنالك، على ما يبدو، علاقة متبادلة، بين أهمية السعة الدماغية والعبقرية.
فحجم دماغ الروائي والكاتب المسرحي الروسي Ivan Jourgueniev (1818 – 1883) وحجم دماغ الكاتب الإنكليزي Jonothan Swift (1667 – 1745) بلغا حجمًا لافتًا وهو ألفا سنتمتر مكعب.
في حين أن موهبة الكاتب الروائي الفرنسي Anatole France (1844 – 1924) كانت تنبثق عن دماغ بلغ حجمه ألف سنتمتر مكعب فقط، أي عن دماغ بلغ حجمه ألف سنتمتر مكعب فقط، أي عن دماغ ليس أكبر حجمًا من دماغ الإنسان Homo Habillis (أو جمجمة 1470) وهذا يدل على أن درجة الذكاء وقوة التفكير تعتمد أساسًا على التنظيم الداخلي للدماغ، وليس على حجمه بشكل مطلق.
5 – أعطانا الله سبحانه وتعالى هذا الدماغ البشري مزوّدًا بقدرات وإمكانات مختلفة، كي نتمكن من التكيّف مع العالم الواقعي، فنتصالح مع الآخر ومع الذات في آن.
ويستطيع هذا الدماغ القيام بعمليات تحليلية للعالم الحقيقي، واستخراج النتائج منها.
كما يستطيع أن يخزّن المعلومات في حافظته الهائلة، ويتمكن أيضًا من تصوّر المستقبل.
6 – إن في إمكان العقل البشري أن يدرك بوضوح عملية انسياب الزمن، ويعرف كيف أن العالم الخارجي شيء موضوعي لا يتغيّر (نسبيًا).
بل الذي يتغيّر هو انفعالاتنا وخبراتنا.
كما أنّه يتمكن من ان يدرك أن العالم الخارجي هو ذو أبعاد أربعة، مضيفًا إلى الأبعاد الثلاثة المعروفة، بعدًا رابعًا هو العلاقة بين المكان والزمان.
7 – نحن نشترك مع الحيوانات الاخرى في ما لدينا من آليات الإحساس ، إلا أن القدرة على الكلام المحكي، والكلام بشكل عام ، هما خاصيتان نتميّز بهما عن سائر المخلوقات الأخرى.
كما ان تطوّر اللغة المحكيّة أثّر كثيرًا في زيادة حجم الدماغ البشري.
واللغة كما تعلمون، هي وسيلة تواصل وآلية تفكير واداة تمكن الإنسان من تحديد موقعه بالنسبة للكون.
8 – يتفرد الإنسان أيضًا، بالميل إلى حب الاستطلاع على نحو لا يشبع.
ولا يمكن لحب الاستطلاع أن ينمو ويتطور إذا لم يكن لدينا وعي وإدراك لما يدور حولنا.
9 – وبالإضافة إلى أن هذا الوعي هو ضرورة بيولوجية، فإنّه يسهل أيضًا عمليات التفاعل الاجتماعي.
"فإذا كنّا واعين انفالاتنا، نستطيع أن نفهم على نحو أفضل، سلوك الآخر وتصرفاته.
وإذا كنّا مدركين الحسابات الدقيقة التي نجريها ونستخدمها للحصول على فائد اجتماعية معينة ، يصبح في إمكاننا ضبط مناورات الآخرين والتحكم بها".
وإن هذا الوعي هو وعي للذات كما هو وعي للآخر، وبالتالي هو السبيل إلى المصالحة مع الذات ومع الآخر.
10 – يحتاج الإنسان إلى قدرات ذكائية كبرى من اجل التمكن من إقامة علاقات اجتماعية، ومن المحافظة على هذه العلاقات.
وذلك كلّه كي يحقق مناورات سياسية بغية تحسين مكانته الاجتماعية أو من اجل المحافظة على علاقاته مع شخص آخر، في احوال قد تتغيّر على نحو غير مرتقب.
11 – بين مليون سنة، ومايتين وخمسين ألف سنة، قبل عصرنا الحاضر ، ازدادت سعة الدماغ البشري بنسبة الثلث.
ولا يعود تفسير ذلك ، إلى قدرة الإنسان في ذلك الزمان على صنع الأدوات الحجرية، أو إلى التكنولوجيا بلغة عصرنا الحديث، بل إلى ازدياد التفاعلات الاجتماعية، وظهور ميل الإيثار بخاصة:
هذه الغيرية (أو حب مساعدة الآخرين) المتبادلة بين الأفراد.
كما يعود تفسير ذلك أيضًا إلى الميكانزمات النفسية والعاطفية المعقدة.
12 – وإن هذا التعاون بين اعضاء جماعة يضمهم هدف مشترك، يوجب على كل فرد أن يظهر قدرة على التحفّظ واللياقة، والإقناع والخضوع والتقبّل، والإحساس المرهف، والظرف.
على ان نضيف إلى هذه الخصال، الرغبة الواعية أو اللاواعية، في التأكّد من ان آلية الإيثار المتبادل تعمل على نحو جيد وملائم.
وانّ احدًا لن يكون مغبونًا أو مميزًا أو مفضلاً على الآخرين.
13 – وإذا كانت "الأنانية" مفيدة في إرضاء الذات، وهذا ميل طبيعي من أجل حفظ الذات عن طريق إشباع الميل إلى الغذاء والشعور بالأمن، والحفاظ على النوع، والطموح إلى السلطة، والحاجة إلى توكيد الذات، فإن الغيرية (أو الإيثار) هي الميل الذي يتجاوز حدود الذات، ويهدف إلى تحقيق القيم المثالية، فتكون الحقيقة هدف الكشف العلمي، ويكون الجمال هدف الإبداع الفني، والمبدأ الذي تستند إليه الفنون الجميلة على اختلافها .
ويكون الخير هدف الأخلاق، ويكون الله مصدر كل القيم السامية وأساسها.
14 – من المفيد أن نعلم أن لا "أنانية" صرف في طبيعة الإنسان.
فكل ميل هو ميل نحو شيء آخر، أو شخص آخر.
أي أن جميع ميول المرء هي ميول غيرية على نحو تلقائي (كما يقول Pradines) وكل ميل هو ميل نحو شيء يكمل النقص فينا، فتكون الغيرية هي ميل أساسي في الطبيعة البشرية، في حين تصبح "الأنانية" الصرف رذيلة الطبيعة البشرية، تسعى إلى اللذة لذاتها.
15 – إنّ في طبيعتنا البشرية "أنانية" وغيرية معًا.
فلا نيتشه (1844 – 1900) الذي يزعم أن الإنسان لا يحب إلا ميوله ذاتها (أي "أنانيته") ولا المعلم الأخلاقي La Rochefoucauld (1613 – 1680) الذي يرجع جميع الميول البشرية إلى "حب الذات" ، ولا فرويد (1856 – 1939) الذي يلخص كل الميول البشرية بالنرجسية (عشق الذات) ، ولا Jeremy Bentham (1748 – 1839) الذي لا يرى في الميول البشرية سوى "المصلحة الشخصية" ، ليس هؤلاء جميعًا على حق كل الحق، فأكثر الناس مصلحة أو "انانية" ليسوا مجردين تمامًا من بعض الغيرية والإيثار.
وإذا كانت الحاجات البيولوجية تستدعي ميولاً "أنانية"، فإن الميول نحو القيم السامية تطلق الفرد إلى ما وراء حدود ذاته بغية الوصول إلى هذه القيم التي تتجسّد بالعدالة والحق والخير والجمال.
وغذا كان لدينا ميل أساسي لتحقيق الذات، وبلوغ الرفاهية الشخصية، فإن لدينا أيضًا ميلاً أساسيًا للمشاركة في الحياة الاجتماعية والقيم الأخلاقية الأخر.
في الأساس ، كنا افرادًا ، ولكننا تطورنا إلى جماعات وهذا التطور جعل شخصيتنا الفردية شخصية اجتماعية مستعدة للمساهمة في التواصل الإنساني.
والمصالحة مع الذات تقضي بأن يعي الفرد البشري أن من لا يبتغي سوى مرضاة نفسه، يضل سواء السبيل.
لأنّه ينعزل اخلاقيًا ويموت نفسيًا.
كما تقضي المصالحة مع الآخر أن نعي اننا جزء من الجماعة، ولا يمكن للجزء أن يحيا منفصلاً عن الكل.
فالمحافظة على الجماعة هي بالنتيجة محافظة على الذات.
16 – إن نظام الإيثار المتبادل يؤمن على نحو بيّن ، فوائد جمّة للفرد الذي يستخدمه، كي تتمكن شبطة العواطف والانفعالات التي ترتبط بالإيثار من النمو في نفوسنا.
وقد نشأ ذلك النظام منذ زمن سحيق في القدم وهكذا، فإن الميل إلى محبة الآخرين الذين لا ينتمون بالضرورة إلى محيطنا القريب، هو ميل أساسي للحفاظ على علاقات الإيثار، ولكن! .
حين يرفض أحدهم أن يعامل بالمثل من يقدم له المحبة، فإن هذا الأخير ، الذي يشعر بالإهانة لأن شريكه لم يبادله حبًا بحب وإيثارًا بإيثار، يشعر أيضًا بالغضب والكراهية من جراء تصرّف مشين كذلك التصرّف .
فلا عجب أن يؤدي هذا الشعور بالعدوانية إلى سد الطريق في وجه الإيثار نحو من لا يستأهله، فتكون نتيجة ذلك كلّه، شعورًا بالذنب لدى من لا يحسن التصرّف، وبالتالي خصامًا مع الذات، وخصامًا مع الآخر.
17 – ولعل ما يبدو أشد بشاعة هو التظاهر بالمحبة والإيثار والتعاطف لدى بعض الافراد (أو الجماعات) ، على نحو واع، أو لا واع، وذلك بغية الأخذ من الآخر اكثر مما يقدمون هم من عطاء!.
إن هذه "الشطارة" قد تكسب صاحبها فوائد قصيرة الاجل، غير أن هذه الفوائد سرعان ما تزول ليحل محلّها الشعور بالريبة، وعدم الثقة لدى المخدوع أو المغشوش، فيصبح التصالح مع الآخر أمرًا عسيرًا، كما يصبح الضمير الأخلاقي، مهما بدا ميتًا، رازحًا تحت عبء الشعور بالذنب.
ويصبح التصالح مع الذات الطريقة الوحيدة لتطهير الضمير من أدران الآثام، وآثار العدوان الذي يأتي من الذات إلى الذات.
(وجد الباحثون أن جهاز المناعة لدى الإنسان يقوى فينشط لدى الذين يقومون بمساعدة الآخرين.
لقد قام هؤلاء الباحثون بقياس جهاز المناعة، قبل وبعد أن جعلوا بعض الأشخاص يشاهدون فيلمًا تظهر فيه الام Theresa تساعد الفقراء والمرضى وتعيش معهم في ظروف قاسية).
إن ما ذكرنا، حتى الآن، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية التكيّف التي لا بد منها لبقاء الإنسان واستمراره.
وما التكيّف بتعريفه البسيط، سوى قيام المرء بفعل ما هو صواب وحق، في مختلف الوضعيات والمناسبات.
وليس التكيّف وليد العقلانية وحدها، ذلك لأن عمل العقل عمل ضحل، لا يمكن له أن يساعدنا دائمًا على معرفة أنفسنا.
والغريب أن معظم العمليات العقلية هي عمليات ميكانيكية، آلية، "روتينية".
فلا بد ، والحالة هذه من الاستعانة بالحدس، والمشاعر الإنسانية النبيلة، التي بدونها يتحوّل الإنسان إلى مفكرة.
وبدون العقل والحدس والمشاعر الإنسانية السامية يعود الإنسان بهيمة متوحشًا.
يفتك بأخيه الإنسان بضراوة أشد وأعتى من ضراوة الوحوش، كما حدث عبر الحقب التاريخية كلّها، ويحدث اليوم في كثير من بقاع هذه الارض.
فإذا كان العقل قد تطوّر مع تطوّر التكوين البيولوجي لدى الإنسان، ونما بنمو العلاقات الاجتماعية، فقد أصبح مؤكّدًا أن أعمال العنف والحروب، قد صاحبت التقدم الاجتماعي.
وأصبح ملاحظًا أن العنف يزداد شراسة مع ازدياد التعقد الاجتماعي.
ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن العالم الذي ساعد دماغنا ، وبالتالي عقلنا، على التكيف مع مقتضيات حياتنا قد مضى وانقضى!.
فإذا بجهازنا العصبي قد تصادم مع متطلبات العصر الحديث الذي نعيشه اليوم، لكثرة ما ازدحم فيه من معلومات، ورافقه من تشابكات وتعقيدات اجتماعية.
واختلطت لدينا المفاهيم التربوية وغابت عن إدراكنا المتطلبات الصحية، فلوثنا ، وتلوثنا، واصطدمنا بذاتنا، وبالآخر، وقد أذكى حدة هذا الصدام والصراع تدخلنا في تكوين الطبيعة من اجل الحصول منها على مايرضى غرائزنا، دون مراعاة لقوانينها وأحكامها.
لقد تدخلنا في شؤون الإله وتعاليمه وحكمته، فأضعنا مناعة الجسد البشري، وعرضنا الجو الطبيعي للفساد ، وانتهكنا حدود "الأوزون"، فلم نتخاصم بذلك مع أنفسنا ومع الطبيعة فحسب، بل أغضبنا الله والأرض والسماء.
لقد أصبح اليوم شبه مؤكد أن اجدادنا الأقدمين قد أقاموا حياة تعاونية، حيث كان الأهل يشاركون في تربية الأطفال وتأمين الطعام، وتقاسمه.
وكل ذلك أدى إلى إقامة الأساس لنوع من العائلة، وإرساء القواعد لمجتمع أكثر تعاونًا وتماسكًا، فنمى لديهم الذكاء، وصاروا يفكرون ويتكلمون نوعًا أرقى من اللغة، ويكوّنون ثقافة ما.
ورافق ذلك اتساع في حجم الدماغ، فسادهم دماغهم على استخدام أدوات متطورة، وبناء الملاجئ، واختراع الثياب، واستخدام النار، وإقامة الاحتفالات، ودفن موتاهم في مقابر متقنة، وممارسة الشعائر اللازمة لذلك، مما يعني انهم بدأوا يعبرون عن الحياة الروحية.
ومما يثير الغرابة أن هذا التقدم في التنظيم الاجتماعي، وفي التفكير، واستخدام اللغة، وفي التطور الروحاني.
أن هذه الأمور جميعًا لم تمنعهم من اللجوء إلى استخدام العنف، حيث كانت الحروب عنصرًا مميزًا في حياة ذلك الإنسان القديم.
ومع تطور التفكير واللغة واستخدام الأدوات المتطورة ، أصبح ذلك الإنسان اكثر قدرة على التخطيط، والإدراك، والتعاون والتحارب.
ومع التقدم في تقنية الأدوات، أصبحت المساكن، وعمليات الاستيطان أكثر تعقيدًا.
ومع ظهور الفن وإتقان اللغة، أصبح قادرًا على التجريد واستخدام الرموز والابتكار.
وأدى ذلك كلّه إلى تكيّف أفضل:
فالحياة في جماعة، وانبثاق الذكاء الاجتماعي، ساعدا إنسان تلك العصور على التكيّف مع البيئة الطبيعية.
غير أن ذلك أدى أيضًا إلى التناحر من أجل الحصول على الطعام، والمحافظة على الشريك في الحياة الزوجية، وأماكن النوم، وغيرها.
ومع ذلك فقد استمتعت الجماعة بالحماية من غزوات الآخرين ولكنها ازدادت تنظيمًا في غزوها الآخرين.
اورد ذلك كلّه لأوضح أننا كنا ، وما زلنا، في تفاعل ذائم مع البيئة التي نعيش فيها، طبيعية كانت هذه البيئة أم اجتماعية، إذ إن أفكارنا ، وميولنا، وعاداتنا، تتأثّر ببيئتنا .
غير ان تكيفنا في العصر الحاضر ، ينبغي أن يكون غير تكيفنا بالأمس .
إن تكيفنا اليوم مبني على استراتيجية ماضية كانت قد ساعدت الكثيرين في الزمان الغابر على التكيف مع بيئاتهم، في عالم ولى وراح.
فلقد أنفقنا مدة طويلة جدًا من تاريخنا نعمل صيادين – جمّاعين للطعام، في بيئات بليستيسينية (العصور الحديثة الأقرب) وقد تكيفنا مع تلك البيئة ولكن تطورنا البيولوجي قد توقف منذ حوالي أربعين أو عشرين ألف سنة خلت .
أو إن تطورنا البيولوجي لم يعد قادرًا على اللحاق بتطورنا الاجتماعي الذي ازدادت سرعته بشكل هائل منذ اكتشفت المرأة الزراعة.
ومع توقف تطورنا البيولوجي ، أو بطئه الشديد، بقينا متخصصين في التعاون والتفاعل مع ظروف أجدادنا القدماء، أي أصبحنا متخلفين دومًا في التأقلم مع ذاتنا، نسعى إلى التكيف مع عالم مضى، وزمن انقضى.
أصبحنا نشبه كائنات حية ، أقدامها راسخة في الأرض، ولكنها تحاول أن تبلغ النجوم.
فلا عجب إن رأينا أنفسنا نترنح تحت ثقل من الضغط النفسي، فنصاب بالانهيارات الجسدية والعصبية، حيث أن القواعد التي نعتمد عليها في تكيفنا تتغيّر باستمرار.
ومما لا ريب فيه أن ما زودنا به من قدرات فيزيولوجية وعقلية ونفسية، قد اعيد تشكيله مرارًا ةتكرارًا بفضل الظروف البيئية التي عشناها خلال معظم التاريخ البشري.
غير ان الفروقات الفردية بين الكائنات البشرية تجبرنا على ان ننظر إلى فردية الفرد، إذ إن هنالك فرقًا في الطرائق التي يستخدمها كل منا في عملية التكيف.
صحيح أنه لم يكن مطلوبًا منا أن نكون كاملين، أو مجبرين على معرفة الكثير، بل إن المطلوب أن نفلح في تدبر أمورنا بقدر الإمكان، فتتضاعف نجاحاتنا مع مرور الزمن وتتراكم خبراتنا.
وصحيح أيضًا أننا كنّا، في الماضي السحيق، نتكيّف مع محيطنا دون وعي كاف لعملية ذاك التكيّف، ولكننا ومع تكاثر الأعصاب في دماغنا، ووفرتها ومصاحبة تقدم الفكر لها ، تقدمنا في عمليات الوعي والإدراك والاختيار ، فالتكيف الذي بدأ غير واع أصبح اليوم اكثر وعيًا، وأوفر حظًا في عمليات الخلق والإبداع وصار من المفترض، ان يكون بمقدورنا أن نتكيّف مع البيئة وأن نكيفها على نحو أفضل، لإشباع رغباتنا المشروعة.
ومع ذلك نتوقف لنتسائل:
لماذا نحن البشر، في خصام مع الذات، وصراع مع الآخر؟
.
ويمكن أن يكون الجواب في الأمور التالية:
أ – نحن نعلم ان شخصيتنا تتكون من نواح رئيسية ثلاث هي:
الشعور، السلوك والفكر.
ومع الأسف ، لا تتعاون هذه العناصر دائمًا، في التصرف الإنساني ، على نحو منسجم يحقق لنا تكيفًا سليمًا، تسوده الطمأنينة، ويخيم عليه السلام.
فردات الفعل الانفعالية ، مثلاً، تعمل بواسطة شبكة من الأعصاب ، مختلفة عن شبكة الأعصاب التي يستخدمها الفكر في عملياته، والتي هي مسؤولة عن الوعي وعن الاستجابات المبنية على العقل:
فلقد أثبتت الدراسات الحديثة للمخ واعصابه وآلياته ان المعلومات الشعورية (الانفعالية) التي تصل إلى الدماغ ، تدخل عبر شبكة أعصاب مختلفة عن الشبكة التي تأتي فيها المعلومات الأخرى.
فالانفعال يستخدم جهازًا منفصلاً عن المجاري العصبية التي تمر عبر الجهاز العصبي الطرفي، في طريقها إلى اللحاء الدماغي الذي تقيم في مراكز الإدراك والتفكير، والانفعالات، والحركات، والحواس.
يربط الجهاز العصبي الطرفي المخ والحبل الشوكي ببقية أقسام الجسم.
فهو إذن مجموعة الأنسجة العصبية التي تقع خارج المخ والحبل الشوكي.
أما وظيفته فهي جمع المعلومات من أعضاء الجسم المختلفة وتوصيلها إلى الجهاز العصبي المركزي.
ومن جهة ثانية، فهو يحمل المعلومات من الجهاز العصبي المركزي إلى تلك الأعضاء.
كما انه مختص بالاستجابات الانفعالية.
ومن اختصاصاته أيضًا، ربط الجهاز العصبي المركزي، بالمستقبلات والعضلات الهيكلية التي تساعد على الحركة الإرادية، كي يتمكن المرء من التكيف مع البيئة الخارجية).
وبما ان انفعالاتنا تسلك طريقًا خاصصا بها، فإنها تغيب عن مراقبة الوعي لدينا .
لذلك، تصبح هذه الانفعالات مصدر اضطراب في حياتنا.
وكثيرًا ما تتعارض مع مصالحنا الخاصة والعامة.
إذ تجعلنا نفقد السيطرة على انفسنا ، فنتشوّش ، ونضطرب، ونضل، ويصبح تصرفنا بعيدًا عن التعقل المطلوب من اجل تكيفنا مع انفسنا ومع المجتمع.
ب – وبسبب الفروق الفردية يختلف الناس، في تصرفاتهم، بعضهم عن بعض، إذ ليس لديهم التركيب العقلي ذاته.
فنلاحظ ، مثلاً، أن الذين يتمتعون بقدرات خاصة، لا يستخدمونها في المناسبات الملائمة.
واحد من هذه الفروق هو المزاج ، وهو يكوّن بعدًا أساسيًا من ابعاد الشخصية الإنسانية .
والمزاج ، أساسًا موروث.
ج – لذلك وبسبب هذه الفروق ، لا يحسن الناس الحكم، بعضهم على الآخر، فهم يفسرون التباين المزاجي (كالسرعة في العمل، والمحافظة على النظافة، أو العيش ف الفوضى) كأنما هي اعمال واعية.
غير ان هذه الصفات لا تعدو كونها صفات في الشخصية الإنسانية ، ليس لصاحبها سلطة عليها.
وإذا صحّ هذا الكلام، تقضي المصالحة مع الآخر أن نعلم أنّه من اجل أن نعيش في سلام مع الآخرين، لا بد من الاعتراف بأننا لا نستطيع أن نغير كثيرًا في سلوك زوجاتنا أو أزواجنا، أو أصدقائنا أو شركائنا وعلينا أن نتحلى بالصدق والصبر ونتحاشى لومنا للآخرين ومعاتبتنا الدائمة للأقربين والأبعدين ونعمل بنصيحة بشار بن برد وحكمته:
"إذا كنت في كل الأمور معاتبًا صديقك ، لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدًا، أو صل أخاك، فإنّه
مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى
ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه
فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها؟
كفى المرء نبلاً ان تعدّ معايبه!.
" وعليه فإن في استطاعة الوعي أن يجري بعض التغيرات المهمة ولكنه عاجز عن أن يغير بعض التصرفات "الروتينية" في بعض الاعمال العقلية الفردية الأساسية الرتيبة.
د – وقد نعجب حين نسمع أن العقل ليس منظمًا من اجل الفكر.
فهو قد تطوّر، أساسًا ، من القيام بالتحكم في الاستجابات المختلفة التي قوم بها الجسم الإنساني ردًا على الاستمالات او المثيرات المختلفة التي يتلقاها من البيئة الخارجية أو الداخلية.
فالعمليات التي تبدو أكثر التصاقًا بالإنسان ، كاللغة والإدراك الحسي، والذكاء ، تكون جزءًا صغيرًا من وظائف الدماغ، إذ إننا نجد أن بين بلايين الخلايا العصبية الدماغية، واحدًا إلى اثنين في الماية فقط تشتغل أثناء العمليات الفكرية.
اما الخلايا الباقية الأخرى فتنخرط في اعمال مختلفة عن الفكر، حيث أن الدماغ البشري يهتم بكل حركة أو فعل يقوم به الجسم البشري.
هـ - إن جزءًا مهمًا من تخصص الدماغ البشري مسؤول عن نقل المعلومات المعقدة التي تجمع الأفراد في جماعات كبرى، أي في مجتمع يكون فيه حظهم في البقاء أكبر، كما يكون حظهم في نقل مورثاتهم البيولوجية أقوى.
إن هذا الجزء الذي يتمثل في اللحاء الدماغي الذي يحتوي على شيء جديد تم تكوينه في مدة زمنية تقل عن مليون سنة، يملك مواهب جديدة تشتمل على اللغة وعلى القدرة على الترميز .
وهذا الجزء هو المركز الحديث للاتصالات.
وهو الذي ولد إنسانيتنا الحديثة ، لأنه يرتكز جزئيًا على النشاطات التعاونية.
ومن منا ينكر أن الجماعات المنظمة تستطيع أن تنجز أكثر بكثير وأفضل بكثير مما ينتجه فرد واحد.
لقد أنشئت المدن واستصلحت الأراضي الزراعية وظهرت الصناعة الحديثة إلى الوجود، وتقدمت التكنولوجيا بفضل ذلك التعاون الذي ساعد على خلق هذه النشاطات البشرية من العدم.
ومع ذلك فنحن ، أفرادًا وجماعات، نقوم بتصرفات فورية، تحدث قبل أن يكون لدينا متسع كاف من الوقت، لنعي اننا نحن الذين قررنا أن نقوم بها.
فكثير من القرارات التي نتخذها تسبق تفكيرنا الواعي.
ونحن نراقب جزءًا من عقلنا، إذا صح التعبير، يبدأ العمل، متفردًا بسلطته، دون العودة إلى العقل الشامل الذي ينظم ويحاسب ، يسمع ويدفع ، او يكف ويردع.
و – وعليه، فإن خبرتنا للعالم الخارجي، ولكثير من الأمور في عالمنا الداخلي النفساني، هي خبرة تخمينية أكثر منها خبرة مدركة للحقيقة الفعلية.
فليس لدينا عقل واحد، بل عقول متعددة.
وان تعدد العقول عندنا، من عقل انفعالي وعقل متذكر، وعقل متخيل، وعقل واع مفكر.
ألخ.
يخلق في عالمنا النفسي كثيرًا من الاضطراب والفوضى.
وبما أن العقل الواعي هو أضعف تلك العقول جميعصا، فغنها تعمل احيانًا كثيرة بمعزل عن العقل الواعي هذا.
من هنا نشأ عدم انسجامًا مع ذواتنا في الكثير من مناسبات حياتنا.
وحتى حين نظن اننا منسجمون مع انفسنا، فغن قدرًا كبيرًا من الوهم يختلط بهذا الظن:
فكم من الأحيان لا يكون تصرفنا سوى تصرّف آلي ينطلق من الهوى، وينبعث من الغريزة.
ومع ذلك نحسب ان عقلنا أكثر استقرارًا مما هو عليه في الحقيقة، وأكثر كمالاً مما هو في الواقع ، فيعتقد المفكرون أنهم في تفكيرهم عقلانيون ، ويتوهم الفلاسفة أنهم مع نظرياتهم منسجمون.
والحق أن هؤلاء جميعًا يتقلبون باستمرار:
فما كان يبدو لهم حقًا ينقلب باطلاً بعد حين ، وما كان يظهر لهم حقيقة لا ريب فيها، يتكشف عن خطأ هائل بعد زمن.
فكيف يمكن للعقل الواعي ان يفعل ذلك؟
الحقيقة أن ذلك كلّه لم يكن فعل العقل الواعي، بل فعل الميل الدفين للمحافظة على البقاء.
او لعلنا نعيش في حلم هو من نسيج مخيلتنا.
ولشد ما ادهشنا الفيلسوف الصيني Chuang – Tzu ، منذ ألفي سنة، حين كان يحلم بانه فراشة.
وقد ندهش ايضًا حين نعلم ان سكان أوستراليا الأصليين القدماء كانوا يعتقدون أن هذا العالم هو مجرد حلم، وأن ما يسمى حلمًا هو الحقيقة.
كما قد نستغرب القول بان ذاكرتنا هي شبه للواقع، وليست الواقع كله، فما نتذكره ليس سوى أشباح الحقيقة في خبراتنا السابقة.
ز – إن ما يجعلنا نضل في تصرفاتنا ، إذن ، هو ان لدينا عقولاً متنافرة فيما بينها، متعددة الوظائف والأهداف.
فنجد في اعمالها أخطاء، كما نجد فيها صوابات مختلفة.
وعلى ذلك نقرر بان الإنسان ليس شرًا كلّه ، وليس خيرًا كلّه.
أما الخطير في الامر فهو هذا التقلب في تصرفات الإنسان.
فعلى صعيد الأفراد ، مثلاً، نرى أمًا تترك أولادها هاجرة بيتها وزوجها، لتفر مع عشيقها.
ونرى شخصًا آخر يلتحق بناد او تجمع، دون وعي كاف منه، ليكتشف، بعد فوات الأوان، أنه مخدوع.
وقد يطغى الانفعال على وعيه طغيانًا يجعله منخرطًا في عملية انتحار جماعي.
أما على صعيد الجماعة فنرى وطنًا صغيرًا آمنًا، ينقلب فجأة ضد نفسه، فيدمر ذاته، ويموت خيرة شبابه ، ويتشرد اهله، وينهار اقتصاده ويدخل في نفق مظلم قد لا يجد سبيلاً إلى الخروج منه، فيضيع مستقبله كلّه.
ونرى دولة كبرى، تنهار، وتتفكك، وتجوع!.
حـ - إن جزءًا كبيرًا من مشكلاتنا الانسانية يكمن في أننا لا نفهم فهمًا كافيًا ما يدور في اعماقنا:
ففي حين يحسن لا وعينا ترجماته للعالم، لا يحسن وعينا الترجمة.
ذلك لأننا ننسى أننا نحلم العالم، فلا ندركه موضوعيًا، قد لا ندرك الصداقة الحقة، مثلاً تأتينا بنصح من صديق مخلص، فننجرف في تيارات مدمرة كم حذرنا منها.
ولشد ما تتغير آراؤنا حول الناس، وحول انفسنا تغيرًا مستمرًا، ونعجز عن التمييز بين القيّم من الأفعال أو الأشياء ، وما هو وليد الصدفة او الهوى.
ويتم ذلك بفضل ما نتأثر به من اخبار ، وما نركم من معلومات دون تمحيص لها، أو تمييز بين غثها وسمينها، وذلك لأن ترجماتنا لها تمت في اللاوعي، وفاقصا لقواعد رسخت فينا خلال ملايين السنين.
أما الوعي ، فيصبح موزعًا لدينا على مستويات عدة:
يصبح موزعًا في عمليات تقوم بمقارنات وتحذف معلومات، وتبدل أفكارًا بافكار، وتصرفات بتصرفات.
ويحدث أيضًا أن يسيطر العقل الآلي على العقل الواعي، فنتحوّل إلى كائنات تشبه الآلات، تسير على غير هدى وبصيرة، فتنزل بنا المصائب، ونفقد عناصر التكيف الإنساني السليم، ونتخاصم مع الذات ومع الآخر.
وبعد، أيجوز لنا، نحن الإنسان العارف Homo sapians sapiens أن نبقى غير عارفين ذواتنا وغير عارفين الآخر.
وحين نعرف، بالاكتشافات العلمية التي تقوم بها النخبة، أن انفعالاتنا تصل إلى دماغنا عن طريق مختلفة ومنفصلة عن الطرق العقلانية، ألا يجدر بنا ان نتوسل سبلاً مختلفة، نتدبر بها أمورنا، عن طريق العقل الراشد والواعي، فنقضي بذلك على الفكرة التي أخذت تسيطر على أذهان اهل هذا العصر بان الإنسان المتحضّر ، هو إنسان أبعد ما يكون عن الحضارة.
لعل القاعدة الاولى التي يجب أن نتبعها من اجل المصالحة مع الذات ومع الآخر، هي السيطرة على انفعالاتنا القوية التي تدمر وعينا، وتنحرف بنا عن سواء السبيل.
فالحقد، والكراهية، والانتقام، والتسلّط، و"الأنانية"، والتفرد بالرأي، والتهالك على الملذات، وعبادة المال، وسرقة أموال المواطنين، والتهافت على السلطة، والتعصب الأعمى والغيرة والحسد.
كل هذه ليست سوى انعكاسات لانفعالاتنا وأهوائنا التي لم تعد قادرة على مساعدتنا على التكيف في عصر تعقدت فيه العلاقات الاجتماعية، وفي مجتمع أصبح التعاون فيه ضروريًا اكثر من أي وقت مضى، للمحافظة على ما أنجزنا حتى اليوم من مظاهر حضارية ثم التقدم نحو بناء حضارة إنسانية أفضل وأسمى.
أما القاعدة الثانية فهي العمل دائمًا على تصحيح مسار تفكيرنا وذلك بتغيير روتين بروتين آخر.
فما كان يصح من تصرّف بالأمس ، لم يعد اليوم صحيحًا.
وما يساعدنا على تصحيح هذا المسار هو معرفتنا أن الجزء من عقلنا الذي تتقاطع فيه القرارات المختلفة هو الوعي، ومعرفة أن بعض أجزاء هذا الوعي مكون من عمليات آلية، كقيادة السيارة مثلاً، أو انعكاسي ، كسحب اليد عند لمسها شيئًا حارًا، او انعكاسي شرطي مثل بعض العادات المرتبطة بتداعي أفكار، أو تصورات، أو توقعات معينة.
وهناك تصرفات لا واعية كأن نقطب الحاجبين لدى رؤيتنا شخصًا لا نحب.
أجل يجب ان ندرك أن أعمالنا وتصرفاتنا ليست من البساطة بحيث نهمل وعي اسبابها ونتائجها.
فإذا كنا لا نستطيع ان نعمل دائمًا ما يروق لنا، فذلك لوجود الآخر في حياتنا، سواء أكان هذا الآخر شيئًا أم قوة، أم قانونصا، أم شخصًا، أم قيمة غنسانية لا يجوز هدرها.
فالوعي ، إذن، هو شرط أساسي لمصالحتنا مع الذات ، ومع الآخر.
والوعي هو أن ندرك ما يدور حولنا ، وما نفعل، وما نشعر به، وما نفكر فيه.
إنه معرفتنا أنفسنا.
إنه أن نعي أننا واعون.
وغذا كان التصرف اللاواعي، أو التغير السريع من حالة إلى أخرى، قد ساعد أسلافنا على العيش والتكيف، فذلك لأنهم كانوا يعيشون في محيط قليل التغيّر.
ولم يكن اجدادنا الأوائل في حاجة ماسة إلى الوعي ، وفي حاجة إلى تقوية هذا الوعي، لأنه قوة كامنة فينا، ولكنها ضعيفة تسيطر عليها الظروف، وتضللها القوى الدنيا للعقل والروتين الآلي الذي يتمثل بالغرائز والأهواء.
والقاعدة الثالثة للتصالح مع الذات ومع الىخر، تتصل بمعرفتنا أن العمليات الدماغية الرئيسة لا تشمل بالفعل التفكير والعقل، كما سبق وبيّنا، بل تهتم أكثر ما تهتم بتدفق الدم إلى مختلف مناطق الجسم، وبكيماويات هذا الدم، وبالمحافظة عل ىالبيئة الداخلية.
لذلك صار عمل الوعي مقتصرًا على تولي عدد قليل من القرارات ، فنجم عن ذلك أننا نعيش معظم ظروف حياتنا غير مدركين ما يجري لنا، أو كيف نتصرف، وهذا ما عبر عنه إيليا أبو ماضي، حادسًا أو شاعرًا، واعيًا أو غير واع، حين قال:
جئت لا اعلم من أين ، ولكني أتيت ولقد أبصرت امامي طريقًا فمشيت وسأبقى سائرًا غن شئت هذا أم أبي كيف جئت؟
كيف أبصرت طريقي؟
لست ادري.
! إن هذا الواقع يجعلنا ندرك صعوبة معرفتنا أنفسنا، وأسباب تصرفاتنا ، ويدفعنا إلى ان نتعلم كيف ندرب وعينا على ملاحظة انواع الذات المختلفة والموجودة في داخلنا، فذلك يساعدنا على تغيير عمل الفكر إلى الأحسن.
إن عقلنا يحتوي على نظام خاص، مخفي عنا، يحافظ بهدوء على توهمنا بأننا وحدة متماسكة.
ولا نستطيع التغلب على هذا الوهم سوى بتدربنا على استخدام وعينا على نحو أفضل.
فنعيد تركيب الفكر كي يعمل بصورة أفضل، فنحول الروتين الآلي في حياتنا عملاً واعيًا، مستخدمين لذلك الملاحظة الذاتية.
وبفضل ملاحظة الذات هذه يبدأ العقل بالتغير، فتحطم الروابط بين الفعل الآلي وردات فعله.
ولا تقوى ملاحظة الذات إلا بالتربية والتعليم والثقافة.
والقاعدة الرابعة هي معرفة أن للمصالحة مع الذات بملاحظة الذات وتدريبها على استخدام الوعي، يؤدي حتمًا إلى المصالحة مع الآخر.
وللتصالح مع الذات، في احوال كثيرة من حياتنا ، لا بد لنا بين وقت وآخر، أن نخلو بأنفسنا حتى تتسنى لنا السيطرة على ذاتنا، فلا نفسد حياتنا في البيت، أو في مكان العمل، أو في المجتمع.
لا بد لنا من أن نمسح عنا عناء الكفاح من أجل البقاء ، بالتوقف لحظات للتأمل ، أو القيام بأي شيء مفيد آخر .
فذلك من شأنه أن يعيد إلى نفوسنا الراحة، وإلى عقولنا التوازن.
فالتغير يحدث تحسنًا في مزاجنا ، فيؤدي ذلك إلى تحسن في أفكارنا وخطط عملنا.
والقاعدة الخامسة هي أن لا نعيش في عالم الوهم.
إن معظم أفكارنا حول انفسنا ، وآرائنا حول مزايانا، مبالغ فيها إلى حد بعيد.
فنحن نعتقد أن الآخرين يحملون أفكارًا حسنة عنا وعن أفعالنا، أو أفكارًا سيئة، فنظن أنهم يجدوننا محبوبين أو جذابين، أو نحسب أنهم يضمرون لنا عكس ذلك.
وما هذا وذاك، في معظم الأحيان سوى وهم خلقناه لأنفسنا.
وكثيرًا ما يؤدي هذا الوهم إلى خيبة الأمل، أو الإحباط والتوتر النفسي.
إن الذين لا يبالغون في إعطاء أنفسهم قيمًا اكثر مما تستحق، أو لا يبخسونها حقها، فأولئك هم الذين لا يعانون كثيرًا من الضغط النفسي:
إنهم هم الأشخاص الواقعيون.
فالواقعية المتفاعلة مع قدر من التخيل الخلاق، والذكريات الإيجابية التي تذكر بالنجاحات أكثر مما تعيد إلى الأذهان حالات الإخفاق واليأس، والظن الحسن بالآخرين، هذه الأمور جميعها تؤدي إلى المصالحة مع الذات والمصالحة مع الآخر.
يبقى السؤال الكبير الذي اتخيّله مرسومًا في اذهانكم، هل بإمكاننا أن نعرف نفوسنا معرفة جيدة؟
والجواب على تساؤلكم هو إن معرفة الذات لا تعتمد إلا على جزء صغير من العقل هو الجزء الذي يسيطر عادة على الأفعال، وليس على المعرفة.
فالعقل يستقي معرفته عن الواقع، مما يرشح إليه من العلومات عبر حواسه.
وكثيرًا ما تصل هذه المعلومات مصفاة ومنتقاة، أضف إلى ذلك أن كثيرًا من هذه المعلومات أو الاعتقادات مبني على الوهم، وإن كان لها قيمة فهي قيمة تكيفية.
فلا بد إذن من العمل على تدريب الإنسان على استخدام الوعي ، ومن التفاؤل في إمكان تحسين إدراكنا وتقويته ، فهما يساعدان على التخلص من القلق.
وتدريب الوعي على النظر إلى الأمور بموضوعية وواقعية وتفاؤل، هو السبيل القويم نحو معرفة الذات معرفة تمكننا من تحقيق ذاتنا والمصالحة معها، وحينئذ نصل إلى مرتبة المصالحة مع الآخر.
تعالوا نتصالح مع ذاتنا ومع الآخر.
تعالوا نعمل على وعينا ذاتنا كي يتم لنا الوصول إلى وعي الآخر.
تعالوا نتفاءل بالمستقبل.
تعالوا نؤمن بأن وطننا هو لجميع أبنائه دون أي تمييز، أو تكفير، أو ظلم، أو غبن، أو خوف، أو إجحاف في حق أي مواطن.
تعالوا نؤمن بعمق وصدق أن الديانات السماوية الكريمة لم تنزل على رسلنا وانبيائنا إلا لتحسين مكانتنا على الأرض، وإعلاء شان الإنسان، وتحصين أخلاقه ضد رذائل الرشوة والكذب، والتعصب، والنفاق، والزهو الفارغ، والاستغلال، و"الأنانية"، والفساد والظلم.
تعالوا نؤمن بان العلم نور يضيء لنا السبيل إلى حياة أفضل، وأن "التكنولوجيا" هي وسيلة جيدة لتطبيق مكتشفات العلم، شرط أن تستخدم بما ينفع الإنسان.
تعالوا نؤمن بأن الآداب والفنون هي وجه مشرق لحضارة كل بلد يتعهدها ويرعاها.
تعالوا نؤمن بان التربية السليمة وحدها – في البيت والمدرسة والجامعة – هي جسر الخلاص مما نحن فيه من تخبط وفوضى .
تعالوا نؤمن بان أمة ترعى مؤسساتها التربوية رعاية صالحة وترفع من شأن معلميها وأساتذتها ماديًا ومعنويًا هي امة تسير في عملية إعادة البناء والإعمار على نحو أفضل وأشمل.
تعالوا نؤمن بان دولة تحترم السلطة القضائية فيها فتعززها، هي دولة تقضي على الظلم والفساد، وتعمل على إشاعة العدل والمساواة.
تعالوا نؤمن بأن سياسة تحافظ على حرية الكلمة المسؤولة هي سياسة تعمل على صون حق مقدّس من حقوق الإنسان.
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
• مختارات من محاضرات
إدوار حنين - المجموعة الأولى

• ملف شوقي
• ملف خواطر
• ملف ثلاث كلمات في المصالحة مع الذات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.