إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

الارشيف

العلم في خدمة الإنسان

  الارشيف
العلم في خدمة الإنسان

نص الخطب الذي ألقاء الأستاذ إدوار حنين في الحفلة السنوية لتوزيع الشهادات الثانوية في مدرسة سوق الغرب. وقد قدمه عريف الحفلة، بكلمة قال فيها:
"يشرفني أن أقدم اليكم الرجل الذي تحمل المسؤولية، بكل صدق وتجرد وإخلاص،
الرجل الكبير في قلبه،
الوفي بعهوده،
الثابت في المبدأ،
الجريء في قول الحق،
نائب لبنان ووجه لبنان،
وما يمثل في لبنان من محبة وتسامح، وصفاء،
معالي الإستاذ إدوار حنين".

سيداتي سادتي
اني من قرية بين بلدتكم والازرق المتوسط تغفو، حالمة على الهضاب، عند كتف الغدير.
أيام الطفولة كانت لي سوق الغرب واحداً من حدود الدنيا التي كانت تحتضن الصبي: هي في الشرق العالي، الشويفات في الجنوب، الحدث في الشمال، وفي الغرب البحر الهدار المالح.
كنا نسهر، فوق سطح بيتنا في الربوة الخضراء، على قناديلها تموج على الأنسام في الليالي اللاهبة.
وكنا نطفئ قنديل بيتنا عندما تطفأ.
ولم يكن آخر النور، في سوق الغرب، بطويل.
ولا كان عندنا طويلاً.
وكان النهر الذي يغسل أقدام بيتنا في وادي الغدير كأنه يرشح من إبريقها، ثم يجف على جفافاه.
سقاك الغيث أيام كنا على مثل هذه المقاعد وكان عالمنا مثل هذا العالم !!

فمن ذا يجرؤ، اليوم، ونحن في انتظار الأبعد، على القول: ان القمر حد من حدود العالم الحاضر؟!
ان شبيهات "بات"، في الدنيا، كثيرات، على ما جاء في الكتاب الفريد "صرعة المستقبل" و "بات" طفلة من نيويورك راحت تجهش بالبكاء عندما عرفت أن احدى رفيقاتها زارت أوروبا... تجهش وتقول: "تكاد تنقضي التاسعة من عمري ولم ازر أوروبا بعد" !!
العمر الطويل، يا ابنتي
فلم تجدل، بعد، الشعر الشائب.

سرعة التطور المذهلة
ويا إخوتي
أن هذا العالم الدائخ من سرعة، الذي اجتاز في السنوات الخمسين الأخيرة مسافات لم يكن قد اجتاز مثلها منذ يوم الخليقة حتى هذه الخمسين.
إن هذا العالم الذي بعض مدائنه تمتلىء وتفرغ كما الفنادق الكبرى تمتلىء وتفرغ كل يوم، أو تكاد.
إن هذا العالم الذي يميل الى تبديل كل شيء، كل يوم، على نحو ما صارت تتبدل، بعد كل استعمال، محرمة الكلينكس، صحون الكرتون، كباية الورق، ملعقة الخشب، وقميص النيلون،
ان هذا العالم الذي أصبح ينطلق في صاروخ كان، الى خمسين سنة خلت، يسعى على ظهر جمل، وان اسرع فعلى متن طنبر أو على عربة خيل.
ولكن هذا العالم الدائخ من سرعة، المتبدل كل يوم، الجاثم على صدر القمر...
هذا العالم مهما ازداد من سرعة، مهما تبدل من حال، مهما ألف القمر، مهما توثب الى غيره من الكواكب...

عالم الإنسان
يظل، هذا العالم بالذات عالم الإنسان.
الإنسان المشدود الى قواعده، المنبثق من روح الله والعائد الى سمائه.
هذا الإنسان تجمعت له، على مرّ العصور، مقاييس فصارت، بعد بحث وتدقيق وتجارب وإختبار، قيماً إنسانية أخيرة.
مجنحاً أكان هذا الإنسان أما داباً على إثنين،
في البيض، في السود، في الحمر، في الصفر، كان في المغارب أم في المشارق، في الجاهلين أم في العارفين، وفي المرفهين أم في الكادحين.
إنسانك، يا الله، أبداً، إنسانك.
وهو الذي ان أنا توجهت اليه هرما تجاوب معي امردا لأنك بينه وبيني سلكا من نور، وقاسما مشتركا فيه نخترف عليه نلتقي منذ أن ولد، سبحانك، الى أن قبرت، ثم بعثت حيا.
الإفادة من خبرة الآخرين
أعرف، يا اخواتي، ان الإنسان تعود الا يستفيد من خبرة الآخرين استفادته من حصاد العلم.
تجربة إنسان، مهما تكن فريدة وعميقة، لا تنفع انسانا آخر. أما المكتشفات والإختراعات فلا تكتشف أو تخترع مرتين. اليها تنتهي معرفة الإنسانية وبها يبدأ علم العالم. وتعاد تجربة الإنسان مع كل إنسان.
من هنا ان العلم يتقدم، وإن الخبرة في مكانها لا يأخذ بيدها سوى صاحبها. العلم يتراكم حتى يبلغ القمر، والخبرة يتبدد متجمعها في الحضيض. ومع ذلك أدعوكم الى اثنين:
 تجميع ما امكن من الخبرة.
 ثم السهر على الإفادة منها.
صحيح أن تجميع الماء على الماء لا يبني هرما. الا أنه يخلق بحيرة. وهو كاف.
اما الخبرة التي أدعوكم اليها فليست "تراكم الأيام على عمر الطفولة". ان هي الا تعايش، ووعي وتبصر، وتأمل، ثم تجريد يجعل من الحادثة عبرة، ومن القصة مغزى، ومن العابر بقاء.
ثم اني أرى ان الذين يتصل عقلهم بخبرة آبائهم فيكون لها امتداداً هم أنفع لمجتمعهم، لوطنهم، وللإنسانية جمعاء من الذين يتقوقعون في زاويتهم فيحطمون الجسور التي بين الاجيال السابقة وبينهم. اذ انقطاق الإنسان عن أصوله كإنقطاع الساقية عن ينبوعها قتضيع في الطريق، وتبتلعها الرمال.

اكتساب المعرفة
ومن هذا الينبوع. بل من خصلة فيه، اغترف لهم لأقول:
 ان الحياة سلسلة متصلة الحلقات يربط بينها، جميعا، خيط واحد أحد هو المعرفة. وهي التي حصلتم وستحصلون على هذه المقاعد وبعدها حتى آخر العمر. فاذكروا، دائما بهذا الصدد، الإمام العلي عندما يقول:
"كل وعاء يديق بما جعل فيه الا وعاء العلم فإنه يبتسم".
 لقد قيل لكم الدنيا قسمة ونصيب. منها الراجع ومنها الشحيح. لا، ان كل قسما راجحا. وليس في الانصبة نصيب رديء. نحن الذين نجعل من نصيبنا راجحاً أو شحيحا. اذ الأشياء ليست بما هي هي. بل بما هي في ميزاننا. لكل مسألة مسكتان فلنمسك بالتي تسلسل تحت أصابع اليد، لا بالتي تجرح الأصابع. والمحرومون هم الذين يحرمون أنفسهم لأنهم لا يجدون وراء مطلبهم. من هنا أن المواظبة على العمل باب النجاح. وإن أيسر ما في المطالب المال. لأنه أجبن من أن يتمرد عليكم وأضعف من أن يهرب. وليذكر، أبداً، الذين يحصلون عليه – وقد يكونون كثيرين بيننا ويكون كثيراً لديهم – ان القطعة النقدية لم تجعل كروية – مستديرة الا لتكر فتنتقل من يد الى يد.
وقد قال في ذلك علي:
"يغا ابن آدم! ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك".

السعادة، عطاء
 السعادة تحاس ولا تحدد. وهي ان حددت أصبحت وصفة (أو رشاتة). والوصفات تعطى للمرضى لا للأصحاء. أما الأصحاء فيعرفون ان السعادة ليست كالمعروضات في واجهات التجار. ان هي الا شيء ينبع من مجمل كيانهم.
ليس أشهى على النفس من رؤية السعداء.
وليس كالسعادة ما يبعد البشاعات.
كل ما رأينا، ونرى، من الجثث والأشلاء، من النار والدمار هو فعل رجال لم يعرفوا أن يكونوا سعداء.
ثم أن السعادة تفرض المشاركة، انها تعطي من ذاتها لتبقى. فلا تدعوا خموركم تفسد في الأدنان!!
 النفس كالمحرقة يجب أن تغسل كل يوم. اذ ليس انسانياً أن ينام الإنسان على حقد. وليس من الحكمة أن يحمل الإنسان همومه من يوم الى يوم "فالهم نصف الهرم".
 الرجال ثروة الأمة. وكل خيرات الأرض لا تحسب بالنبسة اليهم، وما من تفريط (أو بعزقة) أشر من أن تترك موهبة من دون تثمير. ان ذلك شر من ترك مياه الانهر تضيع في البحار والأرض حولها عطشى.

الله رأس الأديان جميعاً
 ليس في الأديان دين لا يصلح أن يكون مدرسة للأخلاق. وهي أكثر ما يتوكأ عليها الإنسان في طريقه الطويل الخطر.
لا يختلف دين عن دين إلا باختلاف الشرّاح. وليس اختراف الشرّاح ديناً ليختلف في سبيله المتدينون.
اننا نتغالب على الله، والله يهزأ من تغالبنا عليه. انه معنا، جميعاً، لأنه ليس فقط في الكلمة التي تنطلق، باسمه، من أفواه الأنبياء. بل هو في كل كلمة. حتى في الكلمة التي تنطلق، ضده، من أفواه المجانين.
أليس في البدأ كان الكلمة؟!
الأديان على الأرض، ككل أشياء الأرض. تبدو متنافرة متباعدة. ولكنها عندما تنهض لتنهض الإنسان الى ربه فإنها تقترب. بل تتحد كلها في الله. إنها كالهرم تماماً: قواعد الهرم أربع. ولكن الهرم عندما يروح يرتفع عن الأرض تروح قواعده تقترب، بعضها من بعضها الآخر، حتى تصبح، عند أقدام الله نقطة واحدة هي رأس الهرم.
وهكذا الأديان. رأس الاديان جميعا، الله. وهو مجتمعها جميعاً. فالناظر الى تحت يدوخ ويقع. أما الناظر الى فوق فمجذوب الى الله سبحانه.
هذا في الأديان فكيف في الطوائف!؟
نداء للشابات والشباب
وأود أن أخص الفتيات بهمسة أب:
يا ابنتي!
 الانوثة خير من الجمال
 نظافة الجسد والقلب واليد واللسان أثمر خيرات الأرض.
 الموضة هي ذوق من ليس لها ذوق.
 الحشمة الكاذبة كالبكيني تكشف أكثر مما تستر.
 أعظم من كل بناء مواطن – إنسان.
... وصحيح أنك تهزين الدنيا باليد التي هززت بها السرير.
كما اود أن أعلن أمام الشباب بصوت الجهير:
ان ليس في ساحة المجلس النيابي الخارجية تشترع القوانين. بل في قدس أقداسه.
ليس من الشارع تنطلق المطال المحقة. بل من الخلوة المعطرة.
ليس بالصراخ تنال الحقوق، بل بالهمس الرقيق الناعم.
الحق الذي يطالب به المطالبون للمزايدة على مطالب آخر ليس حقاً. بل ادعاء باطل.
والكلمة التي تساند هذا الحق ليست كلمة. بل جعجعة الخرقاء.
ولا البادرة بادرة.
فكل ما يقال ويعمل لا يجوز، اليوم، بلبنان، ألا بقصد منزّه واحد وهو زيادة مدماك على بناء الوطن الشاهق.
فلبنان – بالنظر لموقعه من العالم – تهتز أرضه كلما داس جبار اديم الأرض، ولو في أطراف الدنيا.
فمن كل مكان اهتزاز.
الغاية، إذا، هي أن نسمّر الأرض تحت أقدامنا ان نسمرها بالقصد الصالح، بالتطلع البعيد، بالطموح، بالحكمة، بالحزم الظافر.
وكل ما يخرج عن ذلك مساندة منا، لا واعية، للجبار الذي يتبخر ويتجبّر.
وهو ايغال في الكيد... الكيد للبنان.
... وعن أيّة يد؟!
"ان كنت لا تدري فتلك مصيبة
أو كنت تدري فالمصيبة أعظم"

لبنان، باق أبداً
تبقى لي كلمة قبل أن نفترق:
اللبنانيون، جبليون وساحليون، يدافعون عن لبنانهم بقوة الإيمان، بقوة المحبة، بقوة الإستمرار، وبقوة الصدقفي الإيمان والمحبة والإستمرار.
ولا يدافع اللبنانيون عن لبنانهم لأجر يقبضون. أجرهم أن يبقى لبنان. فإن بقي لبنان بقي لهم كل شيء. ومن كان هذا أجره ناله. لأن الأجر، هنا، مقرون في العمل ذاته. لذلك سيبقى لبنان أيا كان المعتدون على حده والمتطالون على حقه.
ثم ان لبنان كالجسم السليم فهو يمتصّ جميع امراضه. مهما تكثر هذه الامراض. وإننا، اليوم، بلبنان لفي مرض. فإذا بنا نهرع بصحة المريض. من حقنا أن نهلع، أن نخاف على مريضنا – وهو من هو – وأن نطالب له الاطباء والأدواء. ولكن ليس من حقنا أن ننتحب عليه. فسيأتي يوم، وهو قريب، ينفض المريض عنه مرضه، ويقون من فراشه. كما في السابق نفض مرضه وقام من فراشه.
وكما تغلب لبنان، في الالف الأخير، على الصليبيين، والمماليك، والعثمانيين، والدول السبع، والإنتداب، هكذا سيتغلب غداً، على المتدخلين – الطامعين، سيتغلب على مفاسده، سيتغلب على نفسه، وسيبقى. سيبقى ما بقي الله، سبحانه، تمجيداً لاسمه.
ويا أيها اللبنانيون! ماذا ينفع اللبناني لو ربح العالم كله وخسر لبنان؟!
  المعاق من روح الله

نص الكلمة التي ألقاها الأستاذ إدوار حنين
بتاريخ 23-12-1971 في حفلة مؤسسة
"الكفاءات". والكفاءات هي مؤسسة تضم العمي
والصم والبكم والمقعدين.

وحيد
وحيد بين الناس
وحيد في زحمتهم
في مواكبهم وأعراسهم

وحيد
في عزلته السوداء، وهو ضرير
في قعوده المقض، وهو كسيح
في جموده المولول، وهو مشلول الباع
في بحرانه الساهي، وهو ملجوم الخاطر
يحلم
يحلم بعالم حده جفناه المطبقان
وأبعاده جسد رازح، يد مشلولة أو رأس متهته
انه المعاق
المعاق، انسان مثلنا
في العالم من كل مائة انسان ثلاثة مثله
ومثله، في لبنان، خمسة وسبعون ألفا.
وفي كل عام يزداد عدد المعاقين، عندنا الفين.

حيال ذلك، كان من رأى:
ان المعاق من روح الله.
انه امتداد ليمينه
ان فيه بيته
وان بيت الله، وان تعطل جانب منه، لا يتهدم.

العمل، منبت للسعادة
ورأى:
أن لنا في العمل حياة.
ان العمل، كما الصراع، فن بذاته.
ان قيمة المرء جهده.
ان ليس كالعمل منبت للسعادة
اننا سعداء، بمقدار ما نعطي
ان سعادة أي إنسان تغني أي انسان آخر
وان لا سعادة بلا ثمن.

كان من رأى:
ان حياة لا تنفع الموت لا يدفع
ان لا قسمة ولا نصيب بل المرء صانع قسمته ونصيبه
وان فقد الأمل جحيم
ورأى:
ان الإنسان حريته
ان الحرية في ان نقدر على كل شيء
ان الإحسان مثبت لقدرة الإنسان.
وان ليس كالإحسان ما بسرعة يشيخ.
وحيال ذلك، كان من رأى:
ان اليد التي تعطي، وإن دمية، خير من اليد التي تأخذ، وان رخيمة
وان من أعان نفسه كان الله بعونه
ورأى:
ان كل مال يطلع من دم آخرين إلا مال المعاق فمن عرق جبينه.

مكان المعاق بين الناس
هذا الذي رأى ذلك قرر ان كثرة من المعاقين – بل كلهم – يستطيعون أن يشغلوا مكاناً بين الناس، وان يدخلوا في الدورةالإنتاجية إذا تولفرت لهم عملية تأهيل التي هي مجموع الوسائل والخدمات الطبية – التعليمية – المهنية – والتشغيلية.
فمن يؤهل؟!
من يؤهل؟؟
على عاتق الدولة اصحاء عاطلون عن العمل (ربع الأصحاء عاطلون عن العمل) فأين تجد الدولة عملاً للمعاقين؟!
وعلى عاتق الدولة اصحاء لا مقاعد لهم في المدرسة (على ان كلفة تعليمه خمسة مرات أقل) فأين تجد الدولة مقاعد للتلامذة المعاقين؟! تقول الدولة.
غير أن أحدهم قال يوماً:
أقرب أبنائي الى مريضهم حتى يبرأ.
فقدُّم المعاق على الصحيح.

الكفاءات تقوم مقام الدولة
وكانت الكفاءات
وهي مؤسسة قامت مقام الدولة، فدعت اليها المتعبين، من عمي، والصم، والبكم، والمقعدين.
ثم أعطت الأعمى عملاً، والأبكم عملاً، والأصم عملاً، وعملاً للكسيح المقعد.
كل بما يتوافق مع عاهته.
فإذا المكبّل طليق، والعاطل عامل، والعامل منتج، الإنتاج تصدير، والتصدير كسب، والكسب تمويل.
وإذا الكفاءات تكفي ذاتها بذاتها.
فلا حماية، ولا مساعدة، ولا إحسان، ولا إعفاء.
بل زنود تنتج، وقلوب تبتهج.

نديم الشويري، منقذ المعاقين
سيداتي سادتي
ان من رأى كل ذلك، ومن عمل بما رأى
رجل عزم على ألا يدع الأشواك تحجب الورود
وألا يدع العشبة تذبل فيسقط زهرها
رجل عرف:
ان الشعارات والأقوال فرغت من معانيها
إن الفقر رفيق متعة
ان كفكفت الدموع خير من الباكين
وان صانع السعادة أسعد السعداء.
وعرف:
ان المعاقين خسارة إقتصادية – إنمائية
إنهم عبء على البيئة والثروة العامة
وان مشكلتهم تفضي، حتما، الى فقر بشري، تبدد كرامة الإنسان، وتجرح عنفوانه
فإذا هذا الرجل بقدرة قادر، عملاق يدفع العمى عن العيون، الصمم عن الأذان، والشلل عن الزنود، يدفعها، جميعاً، بالعمل المنتج المبهج
واذا هو يصارع الفقر، والعجز، والمهانة، والمخاطر فتصرع.

لعظائم الأمور عظماء الرجال
نديم حبيب شويري عظيم يقبل علينا من بعيد
لنهنأ به عظيماً.

لبنان، بلد المحبة
يا أيها الساده
اليوم زادت المحبة في لبنان، فكبر لبنان
ولبنان كان منذ أن كان:
بلد محبة
وطموح
وإبداع
فقوي بذلك
قوياً بإرادة أبنائه في الحياة
قوياً بعزمه وبتوقه
قوياً بأمثال نديم شويري، سيظل الكريم منتصر ولن أبواب الجحيم لن تقوى عليه.
ويا أيها اللبنانيون:
ماذا ينفع اللبناني لون ربح العالم كله وخسر لينان.

  خلال عثد المجلس الحالي، غالباً ما دعي الأستاذ ادوار حنين الى إلقاء محاضرات في العديد من المدن اللبنانية. ولا مجال هنا لنشرها جميعاً، بل نكتفي بإنتقاء واحدة منها، ألقاها في وادي برج البراجنة وتناولت:
  قواعد الجمهورية اللبنانية

سيداتي سادتي
لا كما المسك في الختام. بل كلقمة الزيتون بها يختم على الطيبات. حتى بعد الحلوى، تجد حبة الزيتون لها مكاناً. وقد أكد لي ذلك جبلي وبيروتي، من أكابر أبناء الجبل وبيروت. وكنت احسبني وأهلي، وحدنا، معودين هذا.
ولأني في ختام المتكلمين، وفي قيرتي، أستميح نادي الغدير عذراً ان أنا شكرت باسمه، وبإسم أبناء برج البراجنة، جميع الذين تقدموني على هذا المنبر المستجد فاقتتعوا من وقتهم وقتاً ثميناُ ليطعموا من قلبهم وروحهم جماعة طالما أطعمت الناس من قلبها وروحها فزاد ما فيهما ولم ينقص.
وللمناسبة أتوجه لنادي الغدير بنداء أخوي حار وهو أن يستمر، قدماً في طريقه حتى يعرف أن في برج البراجنة صناعة للكلام (وما أحلاها) كما في بيت شباب صناعة للأجراس، في الذوق صناعة للنسيج، في جزّين للسكاكين، في معدوشا للفخار، في الفاكهة للسجاد، وفي زحلة للعرق، ذاكرين أبدا، ان العتبة نصف الطريق (وقد اجتزتموها) وان الطريق طويل.

عراقة الحكم الجمهوري
نحن والجمهورية اثنان في لبنان. فعلى ان اللبنانين من أعرق شعوب الأرض في الحكم الجمهوري، اذ رعوا الجمهورية، منذ عهد الفينيقيين الأول، على أرض مدائنهم: طرابلس، بيروت، صيدون، وصور، فعلى أرض قرطاجة، وفي الزمن الأخير على أرض الامارة، والمتصرفية، ثم في ظل الإنتداب، والإستقلال.
حتى كان منهم من ناد في الجمهورة أداة حكم لهم، منذ ما يزيد على 113 عاماً أبان ثورة طانيوس شاهين الملتهبة. هذه الجمهورية الحديثة نحن واياها إثنان في لبنان. على أنها الأصلح ما يكون لنا بين الأنظمة والمعروفة جميعاً. فمنذ أن نشأت في ربوعنا أول عهد الإنتداب، راحت تمنى بإمتهان الدستور، تعليقاً، وتعديلاً وإفتئات، بحيث كنا نكيّف الجمهورية على قدنا فلا نحاول أن نصبح، نحن، على قد الجمهورية.
ثم أخذت تنتابها موجات فتتسلط عليها، حيناً، قوى من خارج النظام، وتقوى عليها، أحياناً، أجهزة من قلبها فتهزل حتى الأمحاء. وكثيراً ما أصيبت جمهوريتنا الناشأة أيام الإنتخابات خاصة، بالتلاعب والتزوير والضغط والإرهاب. فبالتجاوزات على أنواعها، بعد ذلك.
الأموجات التب انتابت الجمهورية اللبنانية لم تستطع، في يوم، أن تدك ركائزها. ذلك بفضل أصالة الجمهورية في الروح اللبنانية وقد مهرت بها منذ أقدم العصور.
ولم تستطيع ذلك أي عاهة مهما تفاحل شرّها.
غير أن واحدة لازمت الجمهورية اللبنانية، لخمسين سنة خلت، عند أول نشأتها في الزمن الحاضر، هي أكثر ما يخشى منها عليها. هذه العاهة هي موضوع حديثنا الليلة في طريقنا "نحو الجمهورية".
واني لأرجو ان ينبري لها على طرح الصوت، جماعات من اصل الأصليين وأرسخ الراسخين بالفضل – ومن يدري فقد يكون بعضهم بيننا الآن – فيسلخ هذه العاهة من جمهوريتهم. ثم يغسلوها من العيوب التي بدونها تتكامل عافيتها ويتألف لبنان.

طموح لبنان
أخواني
ما كان الطموح يوماً، بحجم أصحابه
فقد تطمح أمة الى ما يزيد على حجم أرضها وعدد أبنائها. ولبنان، هذا الصغير الكبير في الأرض، لا حد لطموحه في متاهات الحق والخير والجمال.
وأنه ليطمح بوثمة من جميع أبنائه المقيمين منهم في أي من بقاعه، والمغتربين تحت كل سماء. وهو يطمح في رعاية الله، سبحانه، وقد جعله على خير طريق .
... غداً يتكامل بين أيدينا بناء لبنان. "وان غداً لناظره قريب"

وحدة العالم
في هذا العالم الدائخ في سرعة، الصاعد أبداً ولا يتوقف، الذي فلق الذرة وشك أعلامه في القمر، كان يجدر ظان نتطلع الى المستقبل، فعلى أني فعلت ذلك، منذ خمس سنين، في محاضرة موضوعها "لبنان الغد"، اعود، اليوم، فأتطلع الى ماض لنا قريب، علّنا نرجع فنلمح النور الذي على هديه كانت مسيرة اللبنانيين، منذ ستت آلاف سنة، وبخاصة مسيرتهم في الألف الأخير.
في هذا العالم المتزايد عدد أبنائه بنسبة 2 ونصف % كل عام، والمتزايدة الهجرة الى مدائنه بنسبة 10%، في الأونة الاخيرة، والذي لا تتزايد أرضه بمثل هذه النسبة، ولا انتاجه، بل تتزايد مطالب أبنائه وحاجاتهم 100%، وينشدون العدالة في توزيع خيرات الأرض، كان يجب أن ننظر الى حالنا الحياتية لا الى تاريخنا الكياني... لو كان ممكناً ان نعيش يومنا على غير ما أعد لنا أمسنا، وما يعد به المستقبل.
في هذا العالم الذي يهد الحواجز بين الدول في القالرة الواحدة، ثم يهدها بين القارات جميعاً، بغية الوصول الى وحدة عالمية ينظر فيها الى الإنسان في حاضره وتوقه ومراميه، تحقيقاً لإنسانيته الفضلى، وإمتلاكاً لكرامته، يطيب لنا أن نعلن: أننا نهيء أنفسنا للسير في الوحدانية. ولكننا لن نسعى اليها الا بعد أن يثبت لنا أن الحدود بين البلدان والشعوب قد انهارت نهائياً ليقوم مكانها العالم الواحد الأحد اسعاداً لإنسانه.
ومن الآن الى أن يتحقق حلم الإنسانية هذا، حلمنا جميعاً، سنظل في طريقنا الى الحفاظ على لبنان سيداً حراً كريماً ولو اضطرنا ذلك الى إحكام الأظام والنواجز.

قواعد الجمهورية اللبنانية
لن أطيل المقدمات قصد الوصول الى موضوع الليلة الذي هو اقتراح في ضرورة التوافق على وضع قواعد الجمهورية اللبنانية الحديثة:
كانت لجبل لبنان قواعد. وهي التي تمشى عليها اللبنانيون، عمرهم فحفظوه لنا سالماً معافى.
وكنت قواعد هذا الجبل تتبدل وتتنوع، من ضمن البقاع اللبناني، بحسب ما يكون نظام لبنان نظام عشائر، أو يكون امارة، أو حكماً مباشراً، أو متصرفية، أو انتداباً، أو جمهورية مستقلة، وبحسب ما يكون عدد أبنائه نحوا من نصف مليون، او يكون عددهم نحوا من ثلاثة ملايين. المتأخرون لم يعطوا الجبل واحدة من قواعد التي وضعت له. ان هم الا آباؤنا وأجدادنا الذين بينوها فوضعوها على تساوق الايام. وما عمله المتأخرون ليس سوى التغني بالكيان، الذي بقي بفضل المتقدمين، وليس سوى الاشادة بالحلاوات التي هي من صنع الله وصنع يد الآباء تبارك وتباركوا الى الأبد. لقد غنت أجيالنا لبنان من صوت جديد. ومشينا، مخلصين، نحو الامل، نستنهض الهمم، ونشحذ العزائم.
اما أن تكون أجيالنا قد تطلعت الى الجمهورية الناشئة فتبصر في سبل بقائها، وتقدمها وازدهارها، وعملت على ترسيخها كما عمل الاجداد لجبلهم فرسخ، فهذا ما سنبحثه أمامكم، الليلة متنقلين بين التقاسيم الكبيرة التالية:
لبنان صغيراً وكبيراً
الجمهورية اللبنانية
القواعد – الحلول

حدود لبنان في أيام فخر الدين
اسارع فأقول أن الحدود الجمهورية اللبنانية لم ترتجل ارتجالاً ان هي الا ترجيع لحدود بلغها لبنان في عهود له سابقة.
كان يوم، عهد فخر الدين المعني الثاني، اتسع فيه حدود لبنان حتى بلغت الشاطئ الفينيقي بما في ذلك طرطوس، طرابلس، بيروت، صيدا، صور، وعكا. وشملت في الداخل بلاد البشاره، الجليل، القيصرية، الحولة، حاصبيا، راشيا، مرجعيون، بعلبك، البقاع وحوران، حتى استفاق في يوم من السنة 1609، حافظ باشا، والى دمشق، على الخيول اللبنانية تصهل قبالة قصره، فشهد بأم العين، كما يقول جو بلان، اللبنانيين يتحدون، باعتزاز على أرض الشام، جميع اعدائهم.
وكان يوم عادت فيه الامارة فاتسعت بعد تقلص، عهد الأمراء الشهابيين اذ أدخل الأمير حيدر، في امارته، بلاد البشارة، حاصبيا، راشيا، البقاع، مرجعيون، الضنية، بيروت، والقسم الاكبر من امارة فخر الدين.

لبنان في عهد المتصرفية
وقد ظل لبنان يضيق ويتسع وتترجرج حدوده حتى كانت المتصرفية فكسرت جبل لبنان الصغير بحدوده التالية:
شمالاً: الضنية
شرقاً: بعلبك والبقاع
جنوباً: قضاء صيدا
وغرباً: البحر المتوسط ومدينة بيروت.
ثم أنشأت المتصرفية الأقضية التالية:
1- قضاء جزين، وهو يقسم الى مديريتين: جبل الريحان، واقليم التفاح.
2- قضاء الشوف وهو يقسم الى اثنتي عشر مديرية، الشوفين، اقليم الخروب، العرقوب الاعلى، العرقوب الشمالي، العرقوب الجنوبي، المناصف، الجرد الشمالي، الجرد الجنوبي، الغرب الاعلى، الغرب الشمالي، الغرب الاقصى، والشحار.
3- قضاء المتن وهو يقسم الى خمس مديريات: المتن الاعلى، بسكنتا، الشوير، القاطع، الساحل.
4- قضاء زحلة: مديرية واحدة.
5- قضاء كسروان وهو يقسم الى تسع مديريات: جبيل السفلى، جبيل العليا، جرد جبيل، المنيطر، الفتوح، غوسطا، جونيه، الذوق، جرد كسروان.
6- قضاء البترون وهو يقسم الى تسع مديريات: البترون السفلى، البترون الوسطى، البترون العليا (تنورين)، قنات، حصرون، بشري، اهدن، الزاوية، الهرمل.
7- قضاء الكورة، وهو يقسم الى ثلاث مديريات: الكورة الشمالية، الكورة الوسطى، القويطع.
8- ومديرية دير القمر المستقلة.
وكانت مساحة ارض المتصرفية ثلاثة آلاف وخمسمائة كيلومتر مربع (لبنان، اسماعيل حقي بك، الصفحة 10) أي، تماماً، ثلث مساحة الجمهورية اللبنانية التي تبلغ، اليوم، عشرة آلاف وخمسمائة كيلومتر مربع.
يلاحظ هنا ان امتصرفية قد أسقطت من لبنان الإمارة، حاصبيا، راشيا، البقاع، بعلبك، مرجعيون، بلاد البشارة، الجليل، القيصرية، الضنية، الضنية، طرابلس، بيروت، صيدا، صور، وغيرها.
فيكون لبنان الجمهورية قد استعاد بعض ما اغتصب من أرضه ولا يكون، يوم أعلنت حدوده الطبيعية، قد اغتصب، هو، أرض غيره.
أما عدد سكان المتصرفية فكان 358000 نسمة موزعين هكذا:
235000 المسيحيون
121000 المحمديون
2000 اليهود
358000 المجموع
أي سبع مرات أقل من المجموع الحالي.
وسنرى عندما يجيء الالكلام على ذلك، كيف اصبحت الحدود، وكيف صارت تتساوق الامور.

نضال الشعب اللبناني
كانت ولادة الجمهورية اللبنانية، بعد الحرب العالمية الأولى، عسيرة.
اللبنانيون، أبناء الجبل، رأوا بلادهم تتسع، أيام فخر الدين، حتى عكا والجليل وحوران.
ورأوها تصل الى مثل هذه الحدود، تقريباً أيام الامير حيدر شهاب.
ولا تنقص كثيراً، عن ذلك طوال الأمارة الشهابية.
ثم رأوها تتقلص، حيناً بعد حين، فتعود وتتسع بحسب ما يكون على رأس لبنان حاكم هزيل أو قادر، أو يكون في الولايات العثمانية المحيطة، وبخاصة طرابلس، بيروت، صيدا، عكا، دمشق، حمص، والغافل او الساهر.
ثم ان اللبنانين كانوا قد أطلقوا في لبنان وخارج لبنان (القاهرة، باريس، نيويورك، خاصة) دعوات لحركات منوعة منها ما هو مقنع بمصلحة السلطنة العثمانية، ومنها ما هو مقنع بمصلحة العرب ومنها ما هو سافر لا قناع عليه تستهدف، جميعاً تعزيز الإستقلال اللبناني الإداري، والإقتصادي والسياسي، والإتفاق نهائياُ، على حدود لبنان في الأرض.
ولقد ناضل الشعب اللبناني الجبلي، على مختلف مشاربه ونزاعانه في سبيل إستقلال بلاده نضال الأبطال فكانت المعاهدات والإتفاقات الدولية، وكانت الثورات، اهمها ثورة السنة 1840 التي اطلقت في وجه ابراهيم باشا الفاتح، وكانت العاميات التي أهمها في لحفد، والسمقانية، والباروك، وكانت الجمعيات الحزبية.
وقد تكلل كل ذلك، بعد الحرب العالمية الأولى، بالمساعي الرسمية التي بذلها المسؤولون اللبنانيون، ومشى بها الشعب، +وقامت بها وفودهم الى مؤتمرات الصلح. ومما يجب أن يذكر في هذا السبيل الوقوعات التالية:

مؤتمر الصلح في باريس
في 9 كانون الأول 1918 اجتمع مجلس ادارة جبل لبنان (المتصرفية) في بعبد وقرر توجيه وفد الى مؤتمر الصلح في باريس مؤلف من داوود بك عمون أحد أعضائه مندوباً أولاً، ومحمود بك جنبلاط عضوه الآخر، وعبدالله بك الخوري ترجمان الحكومة، وكل من الأفندية اميل اده، ابراهيم بك بو خاطر، وعبد الحليم الحجار، وتامر بك حماده مندوبين عن جبل لبنان للمطالبة بالإستقلال ولاعادة الأراضي المفصولة، ومما جاء في هذا القرار التاريخي الخطير ما حرفيته:
"من حيث ان جبل لبنان لم يزل، منذ القديم، متمتعاً بحكومة وطنية مستقلة تشمل جبل لبنان بحدوده الجغرافية والإقتصادية، وقد امتدت في عهد بعض امرائه كالأمير فخر الدين المعني الى حدود عكا والقيصرية.
"وحيث ان هذا الإستقلال الإداري ما برح مسلماً به من الجميع بدون منازع...
"وبما أن المندوب العثماني (فؤاد باشا) في المؤتمر الذي عقدته الدول الأوروبية ببيروت، السنة 1861، قد استفاد من منافسة الدول، حنذاك، بجعل حق لبنان في الإستقلال حقاً صورياً فقط بان فصل عنه من جهة موالي بيروت وصيدا وطرابلس وملحقاتها، ومن جهة أخرى سهل البقاع، وبعلبك، جبل الشيخ بما فيه حاصبيا وراشيا، مما اضطر اللبنانين الى التشتت في أطراف المعمور...
"وبما أن لبنان الحالي لا يغل من الحبوب الا ما يقوم بحاجة أهله لمدة شهرين فقط ...
"وبما أن العمل الذي توخته الدول سنة 1861 بقي ناقصاً: فإن الذي قصدته الدول هو أن تضمن لجبل لبنان استقلالاً إدارياً واقتصادياً واقياً لا صورياً. ولذلك يجب اتخاذ الأسباب التي تمكنه من تحقيق الإستقلال المذكور تحقيقاً فعلياً.
"فالآن بمناسبة طرح أماني الشعوب في مؤتمر الصلح أمام أعظم هيئة عادلة أسستها البشرية حتى الآن فقد قرر هذا المجلس توجيه وفد من ومن... مندوبين عن جبل لبنان ليعرضوا في المؤتمر المشار اليه الطلبات الآتية:

المطالب اللبنانية أمام المؤتمر
1. توسيع نطاق جبل لبنان الى ما كان معروفاً به من التخوم تارخياً وجغرافياً وما تقتضيه منافعه الإقتصادية بحيث يكون بلاداً قادراً على القيام بحياة شعوبها ومنافعهم وثورتهم وبحكومة راقية منظمة.
2. تأييد إستقلال هذا البلد اللبناني بإدارة شؤونه الإدارية والقضائية بواسطة رجال من أهله.
3. يكون لهذه البلاد اللبنانية مجلس نيابي يؤلف على مبدأ التمثيل النسبي، حفظاً لحقوق الأقلية، وينتخب من الشعب. ويكون لهذا المجلس حق التشريع ووضع القوانين الملائمة للبلاد، وسائر ما للمجالس النيابية في البلدان الديمقراطية".
كان النواب الذين وقعوا هذا القرار:
حبيب السعد، رئيساً، سعدالله الحويك، شديد عقل، سليمان كنعان، داوود عمون، محمود جنبلاط، فؤاد عبد الملك، الياس الشويري، نقلا غصن، محمد الحاج محسن، ونعوم باخوس، أعضاءً.
وغاب محمد صبرا الأعور ويوسف البريدي عن هذا الإجتماع بسبب مرضهما. وكان المقعد السني شاغراً بوفاة النائب حسين الحجار الذي خلفه في النيابة ابنه عبد الحليم الحجار (والد النائب الحالي عصام الحجار).
ثم كان الوفد الذي شخص، فعلاً، الى باريس مؤلفاً من: داوود عمون، مندوباً أولاً، إميل إده، نجيب عبد الملك، عبد الحليم الحجار مندوبين آخرين.
فبعد أن أقام الوفد مدة في باريس رجع الى بيروت دون نتيجة (يوسف السودا، في سبيل الإستقلال)

قرار مجلس إدارة جبل لبنان
على أثر ذلك عاد مجلس إدارة جبل لبنان فاجتمع في العشرين من أيار 1919
مؤكداً المطالب الوطنية الأساسية.
"لما كان جبل لبنان مستقلاً منذ القدم بحدوده التاريخية والجغرافية، والقطع التي فصلت عنه قد سلخت عنوةً واغتصاباً من الدولة التركية...
"ولما كان لا يتسع للبنان العيش والرقي ما لم تعد اليه القطع المفصولة عنه.
"ولما كانت دول الحلفاء أعلنت أنها تساعد على تحرير الشعوب المظلومة، وأعادت الأراضي المغصوبة لبلادها الأصلية، وكانت القطع المغتصبة من لبنان تعتبر قسماً منه ومعظم سكانها من اللبنانيين أصلاً.
"فبناءً عليه قد اجتمع هذا المجلس بصفته ممثلاً للشعب اللبناني وأصدر القرار الآتي:
أولاً- المناداة باستقلال لبنان السياسي والإداري بحدوده الجغرافية والتاريخية، واعتبار البلاد المغصوبة منه بلاداً لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه.
ثانياً- جعل حكومة لبنان هذه ديمقراطية مؤسسة على الحرية والإخاء والمساواة مع حفظ حقوق الأقلية وحرية الأديان.
ثالثاً- مباشرة درس وتنظيم القانون الأساسي (الدستور) بطريقته الأصولية.
رابعاً- تقديم هذا القرار لمؤتمر الصلح العام.
خامساً- إعلان هذا القرار في الجريدة الرسمية...

الوفد الثاني الى باريس برئاسة البطريرك حويك
في 4 حزيران 1919 قامت، في بعبدا، تظاهرة كبرى تقاطر اليها الناس من كل أنحاء لبنان، تطالب بإرسال وفد آخر الى مؤتمر الصلح برئاسة البطريرك الحويك لملاحقة تنفيذ القرار الذي كان قد اتخذه مجلس الإدارة في العشرين من أيار الفائت.
وفي 16 حزيران 1919 وضع مجلس الإدارة قراراً بانتداب البطريرك الحويك الى مؤتمر الصلح للمطالبة بتنفيذ قرار المجلس الصادر في 20 أيار، ولمساندة المطالب الوطنية الأساسية.
وبعد أن تسلم البطريرك كتاب مجلس الإدارة، وجاءته الوكالت من الهيئات اللبنانية على اختلاف الطوائف والمناطق سافر غبطته على رأس وفد لبناني ثاني الى مؤتمر الصلح بباريس. وقد أبحر الوفد من جونيه على مدرعة حربية فرنسية ليعود في 23 كانون الأول 1919 في يوم عاصف خشي فيه على الباخرة وركابها.
وقد كان هذا الوفد، بالإضافة الى البطريرك الحويك رئيسه، مؤلفاً من: المطران اغناطيوس مبارك، المطران بطرس الفغالي، الأب اسطفان الدويهي، السيد لاوون الحويك، والشماس ابراهيم خليل.
وقد انضم الى الوفد في باريس: المطران كيرللس مغبغب، والمطران يوسف الخازن، والأب تيودوسيوس معلوف.
وقد تميزت أعمال الوفد الثاني بالمذكرة التي رفعها البطريرك الحويك بتاريخ 25 تشرين الأول 1919 الى مؤتمر الصلح والتي يرد فيها التأكيد بضرورة "الإعتراف للبنان بالإستقلال الذي نادت به الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني في 20 أيار 1919" وبضرورة "إعادة لبنان الى حدوده التاريخية والطبيعية بإرجاع البقع التي سلختها عنه تركيا". وأشفع غبطته هذه المطالب ببيان أتى فيه على لمحة تاريخية واعتبارات سياسية وثقافية وقانونية.

الضمانات الفرنسية
وكان أبرز ما حصل عليه هذا الوفد الجواب المطمئن الذي تلقاه البطريرك من كليمنصو رئيس الوزارة الفرنسية. وقد جاء فيه: "ان رغبة اللبنانيين بالإحتفاظ بحكومة ذاتية وبنظام وطني مستقل، يتفق اتفاقاً تاماً مع التقاليد الحرة لفرنسا.
"فبمعونة فرنسا وبمساعدتها يستطيع اللبنانيون – وهم مستقلون عن كل تجمع وطني آخر – أن يكونوا على ثقة بأنهم يحتفظون بتقاليدهم، ويوسعون أنظمتهم السياسية والإدارية، ويعملون بأنفسهم لتقديم بلادهم، ويرون أخيراً أبنائهم مهيئين في مدارسهم الخاصة للوظائف العامة في لبنان.
"على أن فرنسا التي بذلت جهدها سنة 1860 لتضمن للبنان مساحة من الأرض أوسع لا تنسى أن تضييق الحدود الحاضرة هو تنيجة ظلم عاناه لبنان طويلاً... فإن فرنسا عند تحديد لبنان تعنى كل العناية بما يجب الإحتفاظ به للجبل من سهول ومنفذ الى البحر تأميناً لازدهاره".
الوفد اللبناني الثالث في باريس
غير أن التأكيدات التي أعطيت للبطريرك الحويك من كليمنصو لم تقترن بنتائجها طوال المدة التي مكث فيها الوفد بباريس فألجأت الحال الى ارسال وفد ثالث مهمته حمل الحلفاء، وفرنسا خاصةً، على تنفيذ ما ورد في رسالة كليمنصو الى البطريرك. سافر الوفد الثالث، فجأةً، الى باريس في 2 شباط 1920، وكان مؤلفاً من المطران عبدالله الخوري، رئيساً، وإميل إده، وباترو طراد، ويوسف الجميل، وتوفيق إرسلان أعضاء.
فتكلل مسعاه بالنجاح.
قد قام الوفد الثالث بالمهمة التي أوكلت اليه وكان من جملة ما قام به أنه استحصل في 24 آب 1920، من السيد ميلران، رئيس الوزارة الفرنسية آنذاك على تأكيدات أهمها:
"يجب أن يحتوي لبنان على سهول عكار في الشمال، وأن يمتد الى حدود فلسطين في الجنوب، وأن ترتبط به مدينتا طرابلس وبيروت ارتباطاً تاماً...
"... ولم يعد من حاجة الى أن أؤكد لكم استقلال لبنان الذي أعلنه كليمنصو وأعلنته أنا أيضاً.
"وأن قانون لبنان الأساسي يجب أن يكون مطابقاً للحاجات الجوهرية ولمجموع المصالح في البلاد التي يناط به أمرها بعد إنشاء لبنان الكبير".
الجنرال غورو في لبنان
وفي غضون ذلك أوفدت فرنسا الى لبنان الجنرال غورو، قائد حملة الدردنيل في أثناء الحرب العالمية الكبرى، مفوضاً سامياً، للدرس والتنفيذ، فوصل الى بيروت في أوائل تشرين الثاني 1919.
وقد أحاط الجنرال غورو نفسه بمعاونين ومستشارين، فرنسيين ولبنانيين أكفاء، فانكب وإياهم، يبحث ويناقش حتى خرج، بعد عشرة أشهر، بسلسلة قرارات خطيرة تستجيب، جميعها، للمواقع التاريخي والإرادة اللبنانية. فكان من نتيجتها لبنان الكبير أي الجمهورية اللبنانية الحاضرة.
ففي 3 آب 1920 أصدر الجنرال غورو، بزحلة، قراراً رقم 299 ب "ضم أقضية حاصبيا، وراشيا، وبعلبك، والمعلقة (البقاع) الى لبنان في ما يتعلق بنظامها الإداري (مادة أولى).

اعلان لبنان الكبير
وفي 31 آب أصدر، بيروت، القرار رقم 318 بتعيين حدود لبنان الكبير، ومما جاء فيه، كما عينتها الإدارة اللبنانية:
المادة الاولى: تشكلت حكومة باسم دولة لبنان الكبير تشتمل:
أولاً- على منطقة لبنان الإدارية الحالية.
ثانياً- على أقضية بعلبك، والبقاع، وراشيا، وحاصبيا، وفقاً للأوامر الصادرة في القرار رقم 299 المؤرخ في 3 آب 1920.
ثالثا- على أراضي ولاية بيروت المفصّلة في ما يلي:
أ‌. سنجق صيدا خلا ما ألحق منه بفلسطين بحسب الإتفاقات الدولية.
ب‌. سنجق بيروت.
ت‌. قسم من سنجق طرابلس يشتمل على أراضي قضاء عكار الواقعة جنوبي النهر الكبير، وقضاء طرابلس (مع مديريتي الضنية والمنية وقسم من قضاء حصن الأكراد).
المادة الثانية: إن حدود لبنان الكبير هي كما يأتي:
شمالاً: من مصب النهر الكبير الى خط يرافق مجرى النهر الى نقطة اجتماعه بنهر وادي خالد الصاب فيه على علو جسر القمر. شرقاً: خط القمة الفاصل بين وادي خالد ووادي نهر العاصي، ثم حدود أقضية بعلبك، البقاع، حاصبيا، وراشيا الشرقية. جنوباً: حدود فلسطين كما هي معينة في الإتفاقات الدولية.
وغرباً: البحر المتوسط.
وفي اليوم ذاته أصدر، بيروت، قراراً رقم 321 جاء فيه مادته الأولى:
"تلغى المنطقة الإدارية لأراضي لبنان المستقلة ونظاماتها ومصالحها الإدارية العمومية والمحلية".
وهذا يعني إلغاء المتصرفية وبروتوكولات 1860 – 1864 وما يليها.
ثم جاء دور إعلان لبنان الكبير الذي حصل في اليوم التالي (1 أيلول 1920)، بقصر الصنوبر في بيروت، اذ ألقى الجنرال غورو خطابه الشهير في حشد حافل من أهل السياسة والمجتمع والناس يقف عن يمينه البطريرك الياس الحويك وعن شماله الشيخ مصطفى نجا، وهو شهيد.
وهذه أهم المقاطع التي وردت فيه:
يا أهل لبنان الكبير
ان اليوم الذي انتظره آباؤكم عبثاً والذي ستكونون أنتم، أحسن حظاً منهم فترون فجره قد دنا.
هذا هو ذلك اليوم.
أمام هذا الشعب المحتشد المتقاطر من جميع البلدان التي يشرف عليها لبنان، وكانت، أمس، متاخمة فأصبحت متحدة في وطن قوي بماضيه عظيم بمستقبله.
أمام أرباب الحكومة اللبنانية وأبناء أشهر الأسر والرؤساء الروحيين من جميع المذاهب والطوائف...
وبمشهد من ممثلي الدول التي جاهد أكثرها معنا ذلك الجهاد الطويل إنتصاراً للحق والحرية.
وتجاه هذه الجبال الشامخة التي كانت قوة بلادكم إذ لم تزل الحصن المنيع لإمانها وحريتها.
وعلى شاطئ البحر الشهير بغرائبه الذي شاهد مراكب فينيقيا واليونان، ورومه، وحمل الى أقطار المعمور أجدادكم الذين عرفوا بالحذق وبالمقدرة التجارية وفصاحة اللسان، وهو الآن، بعود حميد، يحمل اليكم تثبيت مواثيق ود عظيم قديم ومنافع الصلح الفرنسي.
فعلى مرأى ومسمع من هؤلاء الشهود جميعاً، شهود أمانيكم ومكافحاتكم وانتصاركم، وبالإشتراك في فرحكم وافتخاركم أعلن أمام الملأ:
لبنان الكبير
وباسم حكومة الجمهورية الفرنسية أحييه في عظمته وقوته من النهر الكبير الى أبواب فلسطين وقمم لبنان الشرقي.
ذلك هو لبنان
بجبله حيث يخفق قلب هذه البلاد المضطرم
بسهل البقاع الخصيب...
بمدينة بيروت المرفأ الأعظم للدولة الجديدة ومقر حكومتها. بمدينتي صيدا وصور صاحبتي الماضي الشهير اللتين ستجددان شبابهما باتحادهما بوطن كبير.
هذا هو الوطن الذي هتفتم له وحييتموه"
ثم تكرس لبنان الحاضر في شرعة جمعية الأمم سنة 1922، في معاهدة لوزان السنة 1923، في الدستور اللبناني تاريخ 23 أيار 1926، في الحركات الإستقلالية العديدة، وفي إجماع اللبنانيين على بعث لبنان المعنيين والشهابيين حراً سيداً كريماً.
المجالس الإدارية والنيابية
لبنان الكبير هذا صارت مساحة أرضه عشرة آلاف وخمسمائة كيلومتر مربع (أي، تماماً، ثلاثة أضعاف مساخة أرض المتصرفية)، وصار عدد سكانه نحوا من مليون ومائة ألف نسمة (أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف سكان المتصرفية).
وفي 22 أيلول 1920 أصدر الجنرال غورو، تنفيذا لقراره رقم 336 تاريخ أول أيلول، قراراً يعين فيه أعضاء اللجنة الإدارية الأولى (الخمسة عشر) التي استمرت حتى 1922. وقد ورد أسماء أعضائها، في قرار التعيين، على الترتيب التالي:
ابراهيم أبو خاطر، عثمان علم الدين، داوود عمون، نصري العازوري، حسن بيهم، عمر الداعوق، أنطون عرب، يوسف الجوهري، ابراهيم حيدر، توفيق مجيد ارسلان (وقد خلفه رشيد جنبلاط بعد أن عين متصرفاً للبنان الجنوبي، بطرس بشاره كرم، يوسف الخازن، نعوم اللبكي، ابراهيم الصراف، باترو طراد، الحاج حسن الزين.
وقد توالت المجالس النيابية المنتخبة كلها، ثم المنتخب بعضها والمعين بعضها الآخر، في السنوات 1922، 25، 29، 34، 37، 43، 47، 51، 53، 57، 60، 64، 1968 الذي ما زال يجلس سعيداً.
وكان فيها من رجالات البلاد أبرزهم: نخله التويني، عبدالله أبو خاطر، شبل دموس، موسى نمور، مسعود يونس، خالد شهاب، نخله الأشقر، فؤاد ارسلان، نعوم باخوس، ابراهيم المنذر، حبيب السعد، جورج ثابت، عمر بيهم، ميشال شيحا، جميل وسليم تلحوق، روكز أبو ناضر، عبد اللطيف الأسعد، يوسف الزين، نجيب عسيران، يوسف سالم، صبحي حيدر، صبري حماده، نقولا غصن، يوسف اصطفان، البير قشوع، محمد الجسر، محمد الكستي، ميشال زكور، جبرائيل نصار، قبلان فرنجية، بشارة الخوري، يوسف السودا، حسين الأحدب، أحمد الحسيني، هنري فرعون، خير الدين الأحدب، كميل شمعون، حميد فرنجية، شارل دباس، حبيب أبو شهلا، عبدالله اليافي، سليم تقلا، يواكيم البطار، قازم الخليل، جواد بولس، الياس عاد، شارل عمون، كمال جبر، محي الدين النصولي، جبران التويني، خليل كساب، غبريال خباز، سامي الصلح، ألفرد نقاش، أمين السعد، جورج عقل، أسعد البستاني، كمال جنبلاط، وديع نعيم، اميل لحود، فؤاد الخوري، عبد الحميد كرامي، شارل الحلو، اميل البستاني، عادل عسيران، أحمد الأسعد، رياض الصلح، صائب سلام، يوسف الهراوي، رشيد كرامي، سليمان فرنجية، شارل مالك، ريمون اده، بهيج تقي الدين، غسان تويني، أنور الخطيب، فؤاد غصن، فيليب بولس، تقي الدين الصلح، قازم الخليل، ميرنا البستاني، سليم لحود، جوزف أبو خاطر، عثمان الدنا، عبدالله المشنوق، بيار الجميل، جوزف شادر، ادمون رزق، نصري معلوف، لويس أبو شرف، خليل الخوري، كامل الأسعد، نسيم مجدلاني، نهاد بويز، محمود عمار، اميل سلهب، نديم نعيم، وكثيرون غيرهم.
وكان في الحكومات المتوالية رؤساء ووزراء غير الذين عرفوا من النواب اكفاء بارزون أمثال: أوغست أديب، نجيب القباني، يوسف أفتيموس، نجيب أبو صوان، صبحي أبو النصر، جميل شهاب، كامل غرغور، أسبيريدون أبو الروس، رامز سركيس، ألفريد سكاف، جورج كفوري، وغيرهم.
وكان في أهل الفكر والصحافيين الذين بحثوا في السياسية من سرت لهم شهرة كبيرة.
وكانت في الأحزاب والتكتلات ما قوي حتى صارت تشكل أملاً دائماً.
وخطر في رئاسة الجمهورية أو في مقامها، نخبة من أكبر اللبنانيين:
شارل دباس، حبيب السعد، أميل اده، الفريد نقاش، باترو طراد، أيوب تابت، بشارة الخوري، كميل شمعون، فؤاد شهاب، شارل حلو.
ومع ذلك، فإن واحداً من هؤلاء السادة، سواء أكان في الموالين لقيام الجمهورية أو في المعارضين، لم يثر، ترسيخاً لها أو تعجيزاً، مسألة وضع قواعد لهذه الجمهورية الطريئة والناشئة.

ضرورة وضع قواعد لجمهورية لبنان الكبير
ان ما كان، وما ظل، وما سيظل (الى وقت أرجو الا يكون بعيداً) من أمر رقعة أرض صغيرة واتسعت حتى شملت مقاطعات وأناساً لا هي تعودت، لوقت طويل، ولا هم، ينتسب رضاء، للبنان.. ان كان هذا لم يحرك واحداً من السياسيين والمفكرين والمسؤولين لوضع هذه القواعد.
هذه المضمومات، حديثاً، الى جبل لبنان – وان كان ضمها الى الجمهورية اللبنانية ترجيعاً لحدود قديمة اغتصبت منه اغتصاباً – ما برحت تنتظر المبررات التي توحدها، من ضمن الجمهورية، مع باقي الأجزاء اللبنانية سواء منها القديمة أو الحديثة. انها لا تبتغي مبرراً تاريخياً، أو منطقياً. لأنها قابلة بما ما هو صائر. ولكنها ترغب في أن ترى قواعد على أساسها يحصل الرضى والقبول بين جميع أجزاء الجمهورية ان لم يكن لشيء إلا لإيجاد الحجة الواحدة المقنعة الدامغة التي على زعماء المقاطعات المضمومة ان يعطوها لأنصارهم لكي يلحقوا بهم الى بيروت. هذه القواعد تفرضها اعتبارات صارت واضحة من سياق هذا الكلام:
أولاً- إعلان الجمهورية اللبنانية بدون تهيئة نفسية كافية تتناول على الأخص، أبناء الأقضية المضمومة، بعد أن كان قد انقضى وقت طول على انفصال بعض الأجزاء المضمومة عن الإمارة اللبنانية وعن المتصرفية، بوجه خاص.
ثانياً- الجمهورية اللبنانية، بما ضم اليها من السكان، كانت سبباً في خلخلت التوازن الذي كان سائداً في جبل لبنان.
لقد كان عدد السكان، آخر أيام المتصرفية، في جبل لبنان 358000 نسمة، فأصبح عددهم في الجمهورية اللبنانية نحوا من مليون ومائة ألف نسمة (اي ثلاثة أضعاف ما كان عليه عددهم أيام المتصرفية).
وهو، اليوم، نحو من سبعة أضعاف. اذ بسبب الإحصاءات الأخيرة، يزيد عدد سكان الجمهورية اللبنانية، اليوم، على 2387000 نسمة.
ثم كان المسيحيون في جبل لبنان نحوا من 235000 نسمة والمحمديون نحوا من 121000 نسمة.
فإذا المحمديون والمسيحيون، اليوم، نصف بنصف. أو بزيادة تكاد لا تذكر.
ثالثاً- كان سكان جبل لبنان، على مختلف أديانهم ومذاهبهم قد حصلوا على لبنانهم بتكديس البطولات في الكر والفر والمقاومة العنيدة والمواقف الجريئة الواعية. وكانوا يحرصون عليه حرصهم على كنوزهم. لأنهكان لهم ملجأ وملاذاً. وكان سكان الجبل، جميعاً، من الأقليات والمضطهدين الذين هرعوا اليه هرباً من مواطنيهم وجيرانه. أما الجمهورية اللبنانية فقد تغيرت أسسها اذ أدخلت، في عداد أبنائها، جماعات ليسوا في الأقلية بالنسبة الى عالمهم المحيط. ولا هم كانوا في المضطهدين.
رابعاً- ارتباط شعور أبناء بعض المقاطعات المضمومة بشعور اناس ظلت مقاطعاتهم المتاخمة (أوالمقسومة الى اثنين) ضمن حدود دولة مجاورة كسوريا وفلسطين وقد اوجد هذا الشعور المشترك تعامل وزواج وجوار وعادة لا ينفع إلا الوقت بإيجاد مثله في بيئتهم الجديدة.
خامساً- إعطاء حجة، قوية مقنعة لزعماء المقاطعات المضمومة في قيادة أتباعهم للدخول في الجمهورية الناشئة راضين مقتنعين على أساس أن الإنضمام يرضي كبريائهم القومي ويزيد في نفعهم (كرامتهم الإنسانية، حريتهم، ورخاء عيشهم).
وهنا لا بد من كلام يفرض نفسه بحكم الظرف:
لو أن قواعد الجمهورية اللبنانية وضعت في حينه لكانت الوحدة الوطنية التي ننشد جميعاً حقيقة واقعية فاعلة لا كلاماً يخبىء فراغاً عظيماً ولعباً على الواقع.
ولو أن قواعد الجمهورية اللبنانية وضعت في حينه لما كنا نقاسي، اليوم، ما نقاسيه من اختلاف في الرأي، وتباعد في الصف، وتباين في الهدف.
ثم كان التغلب على الصعاب التي تعترضنا نوعاً من التلهي، أو هو، على الأقل، من العاديات الأمور. اذ كان يقف لبنان، آنذاك، بشيبه وشبابه، ليرفض، مجمعاً مخلصاً واثقاً، كل اعتداء على أرضه، على نظامه، على مؤسساته، أو على أي معنى من معانيه العتاق.

محاولات لوضع قواعد الجمهورية اللبنانية
سيداتي سادتي
انه لمن الإجحاف أن نقول: ان محاولات لم تجر في هذا السبيل. فالميثاق الوطني كان محاولة، ومحاولة كان القول "بالوحدة الوطنية"، ومحاولات كان الدستور اللبناني، وكانت الأحزاب والتكتلات والتحركات، وكانت المعاهدات والإتفاقات.
ولكن واحدة من هذه المحاولات لم تنظر الى أبعد من يومها. فلم تنظر الى أرساء قواعد عامة، شاملة، يكون لها نفاذ في المستقبل، وتكون، بالفعل، قد وضعت قواعد أساسية للجمهورية اللبنانية يرجع اليها في بحث كل قضية طارئة، ولدى اتخاذ أي قرار. وبتواضع كلي أعلن أنني لست أنا، الليلة، واضع هذه القواعد.
فوضع هذه القواعد يقتضي له جماعات من أهل الرأي والعلم والثقافة، والخبرة والسياسة، والتمثيل الشعبي القوي، جماعات له من رصيدها الشعبي ما تستطيع معه أن تقبل بتنازلات، وأن يقبل منها ذلك. لأن أي اتفاق بدون ما تنازل من كل من الفرقاء لا يمكن أن يحصل.
لست أنا الليلة كل هذه الجماعات في آن معاً. ولا أستطيع أن أكون.

ولكن لا بد من بداية.

القواعد المقترحة
والبداية، في هذا الباب، هي مجرد طرح الفكرة. وما ابداء بعض الملاحظات، تصدر عني الآن، حول هذه الفكرة سوى من قبيل الزيادة التي هي، هذه المرة، من لزوم ما يلزم، فمن قبيل هذه الزيادة – المشاركة أقول:
أولاً- يتفق المجتمعون – وقد ذكرنا من هم – على رورة حصول اتفاق بينهم. وعلى أنيتناول هذا الإتفاق وضع قواعد الجمهورية اللبنانية. اذ أن وطنا لا قواعد له كبيت ليس له رأس. فإنه مدعو الى الخراب.
ثم أن قواعد الجهورية اللبنانية تحفظ الجمهورية اللبنانية كما حفظت قواعد اللغة العربية، مثلاً، اللغة العربية.
ثانياً- ان لم يكن الإتفاق ممكناً، في المجتمعين، بين مواطن ومواطن، كلاهما قابل بالجمهورية اللبنانية فليكن الإتفاق بين المجتمعين، كما الإتفاق بين مستأجر ومؤجر في سبيل تأمين السكن، في الجمهورية اللبنانية، على أفض وجه من ضمن الإمكانات القائمة لدى كل من الفريقين.
اذ ليس شرطاً أساسياً أن يكون اللبنانييون من أصل بشري واحد لكي يتمكنوا من الحياة معاً، على أرض واحدة، في وطن واحد. فالسويسريون من أصل الماني، وايطالي، وفرنسي، وسويسري. ومع ذلك يتعايشون على أحسن حال، ويؤلفون أمة واحدة في وطن واحد.
كما أنه ليس شرطاً أساسياً أن يبحث المجتمعون أصل اللبنانيين، وأن يعلنوا ذلك. فالشعب الأميركي (في الولايات المتحدة الأميركية)، وهو أكبر شعوب الأرض، لا يبحث أصله. والأمر سيان لدى الأميركي الفرنسي، والأميركي البريطاني، أو الإلماني، أو الإسباني، أو الإيطالي، أو الإرلندي، أو الهولندي، أو غير ذلك. على أنه شعب يتألف من جماعات يرجع أصلها الى هذه الشعوب جميعاً. فمع ذلك فإن فئاته تتعايش على أحسن حال. وهو يستطيع كشعب ان يدل على أعظم الشعوب وأعرقهم أصلاً، وأكثرهم كرامة وتشوفاً. اذ الإقليم وحده يؤقلم. وهو، وحده، يطبع الشعوب بطابع واحد أو شبه.
مثل هذه المباحث الشاردة شروداً مكنت فيليب المكدوني من احتلال بيزانطيا في ما كن علماؤها تحت عين الشعب يبحثون جنس الملائكة: أذكور هي أم إناث؟ ولا أدري ماذا يفيد المتعبد أن يعرف ذلك؟! وما بحث الشؤون العرقية والدينية، والطائفية، وما اليها سوى شيء من هذا. وأنه لآسفين في بنية التوافق والإتفاق، وسبب للتفرقة، طالما توصله المغرضون.
وفي سبيل الوصول الى اتفاق لا يعهد الى اي لبناني بشأن عام، وعلى الأخص احدى الئاسات الثلاث، أو عضوية الحكومة أو المجالس النيابية إلا إذا كان صاحب اقتراح أو ملاحظة جدية تقرب هذا الإتفاق، أو تخدم التقرب على الأقل. وليس الأمر غريباً. ففي بعض دول العالم لا يعهد الى أي مواطن برئاسة الدولة ما لم يكن صاحب كتاب في موضوع الدولة التي يرئس.
هذا فضلاً عن اي انصراف اهل القلم والسياسة الى ايجاد حل من الحلول لمثل هذا الموضوع الحيويأنفع للبلاد وللعباد من أي بحث آخر، الموقف آخر، أو هتمام آخر. عل هذا يخفف من كثرة تحرك لا ينفع.
ثاثاً- الإتفاق يجب أن يستمد من توق المواطن الى إرضاء كبريائه القومي وإشباع حاجاته الحياتية بدون ما عناء وعنت وفناء.
أما الكبرياء القومي فليس مشروطاً لإرضائه ان يكون لبنان أكبر دولة على الأرض، ولا أن يكون أسبق الدول الى فلق الذرة والوصول الى القمر، ولا أن يكون صاحب الأسبقيات في العلوم والفنون وشؤون الفكر والحياة. بل يستطيع أن يكون بلد صغير، متواضعاً وان يكون كبرياؤه القومي موفوراً، ورأسه عالياً، بأن يكون الإنسان فيه كريماً على أرضه، حراً، سيد أمره، يتمتع برخاء وبعيش هنيء وبأن تكون مؤسساته قادرة سليمة، من جيشه، الى ادارته، الى حكومته، الى مجلسه، الى قضائه، كما انه ليس ضرورياً أن يكون الإنسان بحجم الإسكندر، وهانيبعل، ونابليون، وعمرو بن العاص، أو بحجم أرسطو وديكارت، وكانت، والغزالي وجبران، أو بحجم المتنبي وغوته وفاليري لكي يكون الإنسان نبيلاً كريماً يفرض احترامه.
وأما الحاجات الحياتية فيجب أن تكون موفرة لكل إنسان بلبنان فلا تعطل عن العمل، ولا شيخوخة ولا عجز مانع، ولا طبابة مكلفة، ولا تعليم مرهق، ولا معيشة صعبة، ولا حرية مكبوتة، ولا إجراءات اعتباطية، ولا قهر للكرامة، رابعاً- لا إتفاق ما لم تؤخذ بالإعتبار حقائق لبنانية صارخة، من هذه الحقائق ما هو وارد في أقوالنا السابقة وفي أقوال غيرنا، وما نذكر ببعضه تذكيراً الآن:
1. ان لبنان نظراً لموقعه الجغرافي لعلى مفرق طرق عالمية، وهو ساحة عمومية. انه بلد متوسطي منه تبدأ واليه تنتهي دنيا العرب.
وفي لبنان تتصافح المدنيات، وتتبادل المعتقدات واللغات والطقوس شعائر الإحترام. وهو ذو حضارتين متوسطية وعربية.
2. لبنان متعدد اللغات كما اللبنانيون متعددو الطبائع.
3. لبنان بلد مضياف وإنساني.
4. لبنان بلد مكوّن من تداخل الجبل والبحر.
5. لبنان بلد تزحف اليه المطامع يدفعها في طريقها مناخه، مياهه، خضاره، بحره، وكونه أحد أحلى بلدان الارض قاطبة.
6. لبنان، في الاصل، جبل قديم له قواعده الذاتية، ضمت اليه حديثاً مقاطعات كانت مفصولة عنهوتأخذ بقواعد الآخرين فصار محتوماً أن تكون له قواعد خاصة.
7. لبنان ملجأ وملاذ، ملجأ للأقليات القلقة، وملاذ للمخلوعين، والمضطهدين، والمنفيين.
8. ليس لبنان مع اليمين المتحجر، ولا هو مع اليسار المتطرف. ان هو الا مع العصر في تطوره الصاعد ومع الإنسان في تأمين كرامته وعيشه.
9. شعب لبنان شعب مجنّح دائم الشوق الى الإرتحال. لا يهنأ له بال، أو تستقر له حال، الا إذا أحب العالم وقرّب العالم اليه.
10. ان مستقبل لبنان منوط، أساساً، بالحرية: حرية في العقيدة، وحرية في العمل والدأب. وهو منوط برحابة البصر والبصيرة في النظامين الساسي والإجتماعي، وبتسديد الأخلاق والعوائد، أخذاً باحترام الحريات الشرعية، ومنوط، اخيراً، بإزالة القيود والعوائق على مدى وسيع.
11. لبنان، أبداً، مع ضيعته، مع حاكورته، ومدرسته، وسنديانته، لبنان مع نفسه، مع بقائه حراً سيداً كريماً ما بقيت نسمة من نفس في جباله وشطآنه.
وهو لكذلك لأنه في مصلحة العرب أجمعين أن يبقى هكذا وفي مصلحة العالم كله.

نحو لبنان الغد
عندما ترسى القواعد التي هي لنفع الجمهورية يصبح لا بد من القواعد التي هي لنفع الناس.
وهنا، أيضاً، لا أريد أن أنشيء جمهورية مماثلة لجمهورية أفلاطون، ولا أختا لمدينة الفارابي الفاضلة.
بل أقول بإيجاز كلي،
لكي تحيا الجمهورية فيحيا فيها الناس، على ما يجب أن يحيوا، لا بد من أن تعي الجمهورية ذاتها.
لا بد من أن تتبين طريقها فتتحرك وتمشي صعداً نحو الأحدث والامثل.
لا بد من أن تصمم لغدها
لا بد من ان يكون لديها:
في وجه كل محارب رسول محارب رسول
في وجه كل كلام مدور كلام مدور
في وجه كل تعليم مدروس تعليم مدروس
لكل "سلوغان" و "كاتيشيسم" سلوغان وكاتيشيسم من نوع آخر.
وفي وجه كل وعد كاذب وأمل خالب وعد وأمل صحيحان.
لكل ضمان منجز ضمان منجز من نوعه.
ولكل تدبير حياتي تدبير حياتي آخر.
... ثم استباق
استباق ينشيء في عالمنا ما لم يفكر بمثله عالم آخر.
بحيث يصبح انسان الجمهوريات الديمقراطية افضل انسان:
كرامته أسلم كرامة، حريته أرسخ حرية، وعيشه أطيب عيش.
فكل ما يعمل في لبنان، اليوم، وغداً وبعد غد، بعيداً عن مواجهة العصر المائج ومجابهة الثور الهائج اضاعة لوقت هو، في الزمن الحاضر، أثمن وقت.
بل هو مواطئة في الإنكسار.

مسؤولية الشباب
والآن، وفي هذا الجو العابق برائحة الشباب – ولنا منهم في بيتنا أفلاذ – أقول لأولادنا:
ليس في ساحة المجلس النيابي الخارجية تشترع القوانين، بل في قدس أقداسه.
ليس في الشارع تنطلق المطالب الحقة، بل في الخلوة المعطرة.
ليس بالصراخ تنال الحقوق. بل بالهمس الرفيق الناعم. فكل ما يعمل اليوم في لبنان، لا يجوز إلا بقصد واحد هو زيادة مدماك على بناء الوطن الشاهق.
الحق الذي يطالب به أصحابه المزايدة على مطالب آخر ليس حقاً. بل ادعاء باطل.
والكلمة التي تساند هذا الحق ليست كلمة بل جعجعة خرقاء، ولا البادرة بادرة.

فلبنان، بالنظر لموقعه من العالم، تهتز أرضه كلما داس جبار أديم الأرض ولو في أطراف الدنيا.
فمن كل مكان يدركنا الإرتجاج.
الغاية، اذاً، هي أن نسمّر الارض تحت أقدامنا، ان نسمرها بالقصد الصالح، بالتطلع البعيد، بالحكمة الواعية، وبالحزم الظافر. وكل ما يخر ج عن ذلك مساندة منا، لا واعية، للجبار لذي يتبختر ويتكبر.
وهو توغل في الكيد... الكيد للبنان.
... وعن أية يد؟!
" ان كنت لا تدري فتلك مصيبة
أو كنت تدري فالمصيبة أعظم"

أقناع العالم، بوجوب وجود لبنان
من الآن الى أن توضع هذه القواعد التي يشعر في ظلها، كل لبناني أنه مسؤول عن لبنان بنسبة اقتناعه به بعد أن أصبح كاملاً، وبنسبة انتفاعه منه، بعد أن أصبح كلياً، لا بد من أن أتوجه بكلمة موجزة أخيرة الى جميع الذين يجدون في هذا الكيان كياناً واجباً.
أعلن وأردد، لم أتعب من اعلانه وترداده في المقالات والمحاضرات والخطب داخل المجلس النيابي وخارج هذا المجلس: " أيها اللبنانينون! ماذا ينفع اللبناني لو ربح العالم كله وخسر لبنان"...
ولكن ليس باقتناع اللبنانيين، وحدهم، يبقى لبنان. علينا أن نقنع ببقائه جميع شعوب الأرض. وبنسبة ما يزيد عدد المقتنعين ببقاء لبنان بنسبة ذاك يبقى. فليس في القوة نقنع العالم بأننا واجبو الوجوب. بل بأن الخير والحق والجمال تنقض في الأرض اذا زال لبنان، وتنقض، على الأخص، الرحمة، والإنسانية، والحرية والكرامة والعدل. ونقنع العالم بالمحبة التي بدونها كل شيء يفرغ من معناه، وكل كلمة تخور.
المبدأ: إن لا يعادينا أحد لأننا لا نعادي أحداً.
أما اذا بدى لنا أعداء لأمر أو لآخر، فعلينا ألا نلين لهم، أو نلتوي أمامهم، فالنار بالنار والحديد بالحديد الى أن نباد أو نبيد. وأجد، هنا، مكاناً لتكرار ما قلته في الجامعة العربية ببنغازي، السنة 1958:
"لن يستسلم لبنان ما دامت روح تخفق في صدر آخر لبناني في آخر قرية لبنانية".
وسنظل هكذا
الى أن ينبلج النور، ويعرف عنادنا في البقاء حتى انعدام الأرض وزوال السماء.
عشتم وعاش لبنان
  لبنان الغد

محاضرة القيت في الندوة البنانية بتاريخ 8 تشرين الثاني 1965.

نتوجه بالشكر الى محاضر الليلة ادوار حينين.ونحن سعيدون في أن تبدأ الندوة سنتها العشرين معه تكريساً لجهاد مشترك، أدبي فكري وطني، يقوم بيننا على أوسع مدى وأخلص مودة، وكله يرمي الى الإسهام في تركيز لبنان اليوم على أمتن القواعد وفي ارساء غده على ما يتوافق ورسالته العظمى.

( من مقدمة مؤسس الندوة، ميشال أسمر)

  الغد ولبنان حلمان لا أدري أيهما أحب وأروع. أهو لبنان أم الغد؟ فكيف اذا اجتمعا في حلم واحد: لبنان وغده!
بيد اني كنت كلما عدت الى موضوعي الليلة: "لبنان الغد" كان يمثل أمام عيني قولان:
واحد للويس – فردينان سيلين يؤكد فيه أن: "ابله كل من يتكلم عن المستقبل، لأن حاضرنا هو المستقبل"،
وآخر لسانت أكزوبري جاء فيه: "تحضير المستقبل هو العمل للحاضر. أما الذي ينجذبون وراء التخيلات البعيدة فإنهم يفنون في تتبع المحال".
قولان كانا يغمراني بمثل برودة الثلج، فأتسمر مكاني، ويجمد الوثب حد حدود الواقع.
... وبعد افليس واقع العالم، اليوم، نوعا من الحلم الذي لا تحده نهاية؟

سرعة التطور
سيداتي، سادتي،
الذي يبده اجيالنا، اليوم، لم يبده أي جيل قبلنا منذ فجر الخليقة حتى يومنا الحاضر.
لقد مشت الإنسانية، بطريقها الصعدي، في نصف هذا القرن الأخير، شوطاً لم تقو على بعضه منذ أن قيل للإنسان كن فكان. ثم تسلم طريقه.
على سبيل التذكير والمثال نورد ما يلي:
من السنة 1700 الى السنة 1960 تكبير الأشياء بواسطة المجهار (ميكروسكوب) قد انتقل من 200 مرة ازيد من الحجم الطبيعي الى300000 مرة.
في السنة 1830 كانت الطاقة المحركة في حدود ال 200 ميليار كيلوات، فأصبحت في السنة 1960 تزيد على ال 30000 ميليار كيلوات.
في السنة 1830 كانت السرعة القصوى لا تزيد عن العشرين كيلومتراً في الساعة فأصبحت، اليوم، موازية لسرعة الصوت.
قوة المتفجرات كانت قد زادت، حتى السنة 1945، 750 ضعفاً على ما كانت عليه في السنة 1860. وقد بلغت مع القنبلة الذرية 6 ميليار و500000 ضعف، ومع القنبلة الهيدروجينية 4 ميليار و800 مليون ضعفاً. (أي لو شئنا ان نجمع من البارود مقدار ما يفعل فعل القنبلة الهيدروجينية لما اتسعت له جميع أساطيل العالم التجارية والحربية مجتمعة للغرض الواحد).
والخطير في الأمر هو: ما أن تضع الإنسانية يدها على مبدأ علمي حتى يليه التطبيق في سنوات معدود:
فبين اكتشاف النوترون وانشاء أول بطارية ذرية عشر سنوات، وبين اكتشاف الموجات القصيرة واختراع الردار عشر سنوات، ثم بين فلق الذرة وأول قنبلة ذرية خمس سنوات.
وعلى صعيد آخر:
ما الذي لم يحدث على يد التلفون، والسينما، والراديو، والتلفزيون؟ مخاطب نيويورك في باريس كم كان عليه أن ينتظر جوابه، وقد صار يهمس، اليوم، فيسمع؟ صوت الحجاج، ونابوليون، ولنكولن كم كان يطول، في حينه، من المستمعين، وما هو عدد الذين يستمعون، اليوم، الى "صوت العرب" وديغول؟ المستمتعون بباخ، وبيتهوفن وموزار، كم كان عددهم حتى أواخر القرن الفائت، وما هو عددهم اليوم؟ البيوت التي كان يخترق خدورها، أمس، صورة أو صوت ما هي؟ وكم هي؟ وكم صارت، اليوم، البيوت التي لا يستطيع حاجز أن يرد عنها الصور والأصوات؟
أما وهذه هي الحال، فمن أين نبدأ في بناء لبنان الغد؟
هنا نخبط في الحيرة التي ما برح العالم كله يضرب، الآن في مثلها:
عالم قفز قفزة عملاق، فانقطع الذي بين حاضره وماضيه، وإنسان سبق عقله كيانه حتى كأن الإنسام لم يعد يقوى على اللحاق بذاته. ثم أوضاع، وأجهزة، وإدارات ما مازلت على قدميها، في أيدي القدامى، تساس بعقلية ليست من العصر الحاضر.
ومع ذلك يجب أن يلحق العالم بالزمن، وإن يلحق الإنسان بذاته، وأن نكون جميعاً، بقوة الزوبعة التي تعصف في العصر.
كل ذلك على تطور لا تهور، لكي لا ينهار كل شيء، ولكي يعطى للإنسان ان يكيف كيانه على مدوات عصره وعقله، وما بلغ العصر والعقل اليه.

لبنان قاعة استقبال كبرى
سيداتي، سادتي،
تجدون، معي، أننا في عالم مذهل وفي عصر لم تسمع بمثله أذن، ولم تقع عين على مثله.
وتجدون أن لبنان الراغب، أبدا، في العيش على مستوى طموح، والطامح، أبدا، الى مجاراة العصر، ينام ويستفيق على ذهول، ولكنه لا يقبل أن يضل طريقه، وهو يحاول، اليوم، أن يتبين معالمها. فإن لم يوفق، سريعاً، الى ذلك فهو مقبل، بإذن الله على التوفيق في غد. وما غد الإصحاء ببعيد!
لبنان الغد لا بد له من مرتكز وتطلع. أما المرتكز فيجب أن يربطه بمحور الأرض. وأما التطلع فبروحية العصر. وهو ما سنحاول توضيحه، ما أمكن، في حديثنا، الليلة.
يعقد لبنان على رقعة من الأرض يحلو للشرق والغرب أن يلتقيا عليها. وهي بنسبة ما يجد فيها الغربان: الأوروبي والأميركي راحتهما بنسة ذاك يجد فيها الشرقان: الآسيوي والأفريقي راحتهما، أيضاً.
فبما هو لبنان ملتقى العالمين، فملتقى الحضارتين، وجب أن يكون المكان اللائق لإجتماعهما ليظل إجتماعهما فيه حلواً، فاعلاً كثير العطاء.
وعلى هذا وجب أن يكون لبنان قاعة استقبال كبرى تليق بالمضاف وبالمضيف في آن معاً، ثم وجب أن يسهل لبنان تماس العالم بعضه بيعضه الآخر، وأن يسهل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ترتسم طريق لبنان في غده، فماذا نجد في الطريق؟
من أجل أن يكون لبنان تلك القاعة الدولية الكبرى، التي تليق بالمضاف وبالمضيف، يكفي أن يكون علم المسؤولين فيها كعلم واحدة من ربات البيوت اللواتي يحسنّ استقبال ضيوفهنّ.
ربة البين الأنيقة المدعوة الى استقبال ضيوف يفدون اليها بلا انقطاع، تأبى إلا أن يكون بيتها نظيفاً، ومثله حرم البيت، لذلك فهي تكنس وتغسل أرض بيتها، وأدراجه، وساحاته، وأرصفته، ومسالكه، كل يوم. وقد يكون أكثر من مرة بحسب كثرة الوافدين اليه. ربة البيت، في "أمستردام"، تشطف بيتها، وأدراج بيتها، والأرصفة المحيطة به، كل يوم مرة، بحيث أن الرصيف يشطف، مرات كل يوم، تبع عدد الطوابق التي في البيت الذي يعلوه، ومثله الأدراج.
في كيطو، عاصمة اليابان القديمة، يظل كنس الشوارع قائماً، ما زالت الشمس مشرقة، على يد فتيات في لباسهن الأبيض، كالممرضات.
في البدنقية، على أنها مدينة بحرية عرضة للتوسخ، وعلى أن طرقاتها قنالات تبتلع كل ما يزج فيها... في البندقية قوارب محكمة الصنع والإغلاق تتولى نقل النفايات الى أفرانها لتحرق.
ذلك أنه، في اعتقاد الناس هناك، ان الشارع عنوان الأمة، وان الطريق حرم الشعب، بمقدار ما هو البيت حرم العائلة. وفي اعتقادهم، هناك، ان الأقذار والأوساخ، ما لم تحرق في محارق للنفايات، تظل أقذاراً وأوساخاً، وإن هي اغتربت من حي الى حي، أو تناثرت نتفاً في كل مكان، بعد أن كانت أكداساً في مكان واحد.
ربة البيت الأنيقة تأبى الا أن يكون بيتها باسماً من زهر، وغنياً من لوحات وتماثيل وبيبلوهات مختارة. فلا أقل، في المدينة المضيفة، من حدائق عامة، من شوارع مشجرة – مزهرة، من ساحات تقوم عليها الأنصاب والتماثيل، وتترقرق المياه في أحواضها.
روما، فيينا، فلورنسا، بروسيل، جنيف وباريس، بتماثيلها وأنصابها وأحواضها، وبعض مبانيها، متاحف مشرّعة الأبواب ليل نهار.
مدائن الألب النمساوية، والإيطالية، والسويسرية، مزهريات منورة. حتى أن أحواض الأزهار معلقة في النوافذ، في الشرفات، وفي أعمدة المصابيح كالمصابيح وأضوى. ذلك أن الناس، هناك، يؤمنون إيمان "كنكزلي" "بأن الجمال هو توقيع الله على الأرض".
ربة البيت الأنيق تأبى الا أن يكون خدم البيت في لباس نظيف، لائق، فلا تأذن لهم في أن يفرطوا في التأنق لكيلا يختلط خدم البيت بأهل البيت، ولا بأن يفرطوا في اللامبلاة حتى كأنهم شحاذون.
شرطة المدينة في روما، سواء الذين منهم على سير بثيابهم البيضاء المهفهفة، أم الذين منهم على أمن الناس ببزات العيد وسيوفهم، كلم في خدمة بناء المدينة وضيوف المدينة كأنهم يخدمون في قصر مترف.
في فيينا وواشنطن وهنولولو وفرنكفورت وفي الشاطئين اللازورديين الإيطالي والفرنسي تشغل نواطير المدينة مثل هذه الإهتمامات.
في سان فرنسيسكو بالإضافة الى كل ذلك مضيفات المدينة، وهن صفوة نسائها، يطوفن في الطرقات لإزالة المؤذيات، ثم يطفن زوارها في معالمها المبهجات، على أروع ما يكون العلم بالشيء واللطف معاً.
لشرطة المدائن، هناك، تربية ومدارس. وللسواقين تربية ومدارس. وأن تربيتهم هذه حملت أحدهم على أن يقول لي يوماً: "الدولاب المخالف يوجعني كأنه يكر على صدري".
وبما هو لبنان قاعة لاستقبال العالم وجب أن يجد فيه كل أبناء العالم مناخهم الروحي. أما المناخ الذي يطيب لكل إنسان فهو مناخ السكينة، والطمأنينة، والأمان.
في جنيف لشهرين خليا فرغت أذننا المريضة من زمرة زامر، وصرخة صارخ، وقول يطلق عالياً من فم قائل. وفي جنيف تتناول جريدتك من صندوق تضع فيه بعض الدريهمات، فلا رقيب ولا حسيب، ولا من يغافل فيسرق. وفي جنيف ساعات، ومجوهرات، وثروات من وراء الزجاج، في واجهات لا هي في حراسة الحديد، ولا هي في حمى العتمة، كأنها مطروحة في عرض الطريق لا حارس لها إلا ذمة الناس.

انفتاح لبنان على الحضارات
يبقى ان لبنان، الذي عين له موقعه الجغرافي ان يكون تلك القاعة الدولية لاستقبال شعوب الأرض، هو معين لتسهيل تماس العالم بعضه ببعضه الآخر، وتسهيل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ان شعبه مدعو اليوم، أكثر من كل يوم سابقاً، الى أن يكون منفتحاً على جميع الحضارات، قابلاً لهضم جميع التيارات الروحية والفكرية التي تعصف فيه، آخذاً بتعدد اللغات ليظل قادراً على أن يرحب ويتوسط، ويفهم ويفهم.
ومن هنا ان سياسة لبنان الخارجية لا يمكن أن تكون الا سياسة الحياد: حياد من الشرق، وحياد من الغرب. حياد من الخلافات الأخوية العربية، ومن المنازعات العالمية والدولية، وحياد حتى حدود الخير والشر واللذين لا حياد حيالهما.
وفي سبيل هذا الحياد، على سياسة لبنان الخارجية أن تحظى بتأييد الفرقاء جميعاً.
ثم أن تكيف الذهنية اللبنانية، بفعل التوعية الساهرة المجدة، على مراس الحياد، وهو أصعب مراس، على ما ورد في محاضرتنا: "بعد العاصفة".
هذا، وأن البلد الذي عينه موقعة وواقعه على أن يكون صالة العالم لن يطول به الزمن ليصبح واحداً من بلدان الطليعة في العالم السياحي. ولما لا؟ وهو البلد الأوحد الذي، بالإضافة الى ندرة مناخة وجمال طبيعته، تتراءى فيه عظمة الفينيقيين والرومان والصليبيين على السواء. وهو البلد الأوحد الذي ينظر فيه الرائي الى أول حرف سار به لسان، والى أول بناء نهض في الأرض، والى أول مرفأ اطلق في اليم أول شراع. وفيه ينظر الرائي ما لا ينظر في غيره، الى خمس حضارات تنام جنب الى جنب على زند أرض لبنانية في صور. فضلاً عن أنه حلقة من سلسلة حواضر شرقية ولد في بعضها اله ونبي وأولياء، وولد في بعضها الآخر حضارات فرعونية، فارسية، عثمانية، وعربية.
فكل جهد يبذل بسبيل ادخال لبنان في نطاق السياحة الدولية يكون جهداً مستجاباً ومثمراً. ويوم يصبح لبنان في النطاق لا يعود ينزل عن عرشه اذ تكون قد زالت، في غضون ذلك، البشاعات المؤذية، وبدأت ترث مكانها الحلاوات.
هكذا أتصور لبنان الغد بالنسبة الى المكان الذي يقتعد من الأرض.
أما لبنان المتطلع الى غده فعليه أن ينطلق في طريقه الصعيدي المتمادي أبداً، من بعد اعتبارات ومبادىء تفرضها عليه مستلزمات الطريق، ثم أن ينصرف، في الحال، الى بعض اجراءات وأعمال يوكون التنكر لها، اليوم، تنكراً للغد المرتقب.

منطلقات الغد:
أما هذه المعتقادات والمبادىء فأهمها:
1- ان قضايا الإنسان، في العصر الحاضر، كبر حجمها بحيث تغير نوعها. وان كل بلد يريد أن يبقى في حلبة السباق عليه أن يجعل طموحه في حجه هذه القضايا الجديدة.
2- ان خلل حضارة القرن العشرين ناتج من تخلف الأجهزة عن التجهيز. وان التوفيق بين الأجهزة والتجهيز يتطلب قلب المقاييس جميعاً. ذلك التطوير لم يعد كافياً في معظم الأحيان، لأن القواعد المفروضة علينا، الآن ترجع الى يوم كانت المجتمعات تواجه القضايا في بساطتها العادية. وقت لم تكن للجماعات، بعد، حقوق تتزايد يوماً بعد يوم. وان اصعب ما في التنظيم الجديد انه لا يقبل من بلد الى بلد وهو سليم معافى، كما التقنية التي لا تحدها حدود. اما ابلغ ما فيهو ان لا الحق في العمل، ولا الحق في الضمانات الإجتماعية، ولا الحق، بالتالي، في العدل والعدالة ميسورة المنال الا من ضمن تنظيم ملائم. وأما أخطر ما فيه فهو ان الناس محمولون على أن يطلبوا من العنف ما لم ينلهم اياه العمل الهادىء المنظم.
3- ان نؤمن بالتقنية ضرورة ملحة، وان لا شيء يستطيع أن يعيقها في الطريق. ذلك أننا لا نستطيع أن نتحمل تكاثر السيارات والطيارات والصواريخ، ونحن لا نزل في ذهنية أصحاب الطنابر، وبهذا الصدد قال جاك برجيه:
"اننا لا نزال نعيش على أفكار، ومبادىء، وعقائد، وفلسفات تمت الى القرن التاسع عشر، حتى كأن كل واحد منا هو الجد الأعلى لنفسه".
4- ان نؤمن بأن لا موقف الا موقف التطلع الى غد، وان مجرد التطلع الى غد موقف جريء، وان الخوف اياً كان المخيف جبن يجب أن يقهر. ثم ان نؤمن بأن العظيم، اليوم، هو من يكون على رأس جماعة في عمل يتطلع أصحابه، جميعاً، الى المستقبل بهوس وفرح.
أما الذين عينهم على الماضي السعيد ينوحون عليه، فقد قال لهم جوريس:
"من مذبح الجدود فلنحافظ على الشعلة لا على الرماد".
ويقول لهم آخر: يا أيها النواحون على الماضي السعيد، لولا البنسلين هل كنت عشتم الى اليوم للنحواح على الأمس الذي مضى؟ 5- ان العصر الذي نعيش فيه هو عصر البحبوحة والإنتاج الوفير. وجد، اذاً، ان يكون عصر التوزيع العادل، وتقاسم خيرات الأرض بحق.
على أن العطاء فن هو أصعب من فن التمتع بالحرية.
6- ان نظل نؤمن ان الديمقراطية الكثيرة الأزمات تتغلب على أزماتها كما الجسم على أمراضه، وأن ليس غير الديمقراطية نظام يتسع لمكاسب هذا العصر، ويستطيع أن يجاري قصده المذهل.
7- ان عقل الإنسان يجب أن يترك حراً ليستطيع أن يتجه في كل اتجاه يتراءى له فيه الأمل.
على ان الحريةليست في ان يحيا الإنسان على هامش المجتمع، وكما يعن له، ان هي الا القبول، بإرادة كلية واعية، بالتنظيم الذي يجعل التقدم ممكناً. ولا يكون التقدم مضموناً الا اذا وثق المواطن في الدولة، واذا جعلت الدولة نفسها خليقة لثقة الناس.
8- ان الثورات لم تعد قادرة على أن تحقق التحول المنشود بالسرعة المنشودة. ذلك أن الثورة تهدم لتبني، فإذا هي تنقضي فيبقى الهدم ولا يقوم البناء.
9- ان نثق بأن المجتمع اللبناني مجتمع سليم – صحيح – متحرك. وأنه، وحده، المريض أو الضعيف يخاف المشي والتحرك. ثم أن نحمل المجتمع اللبناني على أن يوفق بين سيره وسرعة العصر، جاعلاً في اعتباره ان للسرعة شروطاً أقله حدة البصر وامعان النظر في معارج الطريق، تماماً كما يجب أن تكون أنوار السيارة المسرعة قوية بنسبة قوة السرعة التي تعتمد في سيرها.
10- ان رجل السياسة، في العصر الحاضر، يجب أن يكرس نفسه بما هو أنبل ما في العلوم الإنسانية. لأن إنسان القرن العشرين أصبح الهدف الأول والأخير للسياسة الواعية الرشيدة. فكل نضال خارج نطاق الإنسان هدر قوى ووقت. وما مبرر المعارضة السياسية، بعد اليوم، سوى استنهاض الحاكم على تطوير أوضاع الإنسان تطويراً لا وقفة فيه ولا تلكؤ.
11- ان نعود انفسنا أن نرى كبيراً، وان نفكر كبيراً، على الرغم مما عودناه في مدى عصور المظالم. ذلك أن الجور والطغيان عودانا ان نكتفي في البيت الصغير، والحاكورة الصغيرة، والدكان الصغير، والمرامي الصغيرة التي في عقبها، جميعاً، اذ عندما تكبر حاجاتنا تكبر متطلباتنا، تكبر امكاناتنا، تكبر أمانينا، فنصبح بمستوى العصر والطموح. ثم أن يظل ماثلاُ امامنا ان الشعوب ليست في أن نكون كباراً، بل في أن نعرف كيف نكبر.
12- ان نسارع الى اختيارنا نريد لئلا نجد أنفسنا ملزمين على القبول بما يراد لنا.
13- ان المرء بقدر ما يكون منسجماً في عمله قدر ذلك تكون رجة المعاكسات التي تستهدفه ضئيلة، وبالنسبة ذاتها لا يضج، شأنه شأن الدولاب في المركبة الذي بنسبة ما لا يكون مرتكزاً في مكانه، أو غير محكم الوضع بنسبة ذاك يكون قلقاً ضجاجاً.
14- ان اجتراءات الشباب، بالغاً ما بلغت من الشأو والعنفوان، يجب ألا تخيفنا. ذلك أن الأمل في اجتراءات الشباب.
وآخراً لا أخيراً ان تحاب أبناء الشعب الواحد لات يكون الا عن طريق عمل كبير واحد.
"أقيموهم على بناء كاتدرائية، يقول سانت أكزوبري، اذ ذاك يحبون بعضهم بعضاً".
القاعدة في اختيار المسؤولين
سيداتي، سادتي،
هذه هي بعض الإعتبارات والمبادىء التي نرى أن تكون في قاعدة انطلاق لبنان في اتجاه غده. ويبقى أن نتوقف، قليلاً، عند بعض الاعمال والإجراءات التي تنبثق، من هذه الإعتبارات والمبادىء في انشاء لبنانى الغد.
يطيب لي، في ساعات الشرود والتأمل، ان أنقل خيالي في بعض جوانب من لبنان كما اتصوره في غده فأرى:
ان عزم الشعب اللبناني، في مستقبل أيامه، على استنان قاعدة في اخيار حكامه كأن يكون كل مسؤول في لبنان، من رئيس الجمهورية، الى رئيس مجلس النواب، الى رئيس مجلس الوزراء، فإلى الوزراء جميعاً... ان يكون المسؤول في لبنان صاحب كتاب يتجسد فيه تفكيرهالإجتماعي، والإقتصادي، والتربوي، والسياسي، بحيث يكون الكتاب كاشف النقاب عما في الألباب، فيدل، في أقل ما يدل عليه، على أن صاحبه يحبالحكم كفنان، على نحو ما يحب عازف الكيثارة كيثارته، ليصعد منه أنغاماً وألحاناً تكون متعة المواطنين، كما كان يحلو نابليون ان يقول.
ثم يكون الكتاب عهداً على صاحبه حيال الرعية، فلا يقبل الشعب أن يولي امره لمجهول يقفز به في عالم المجهول.
ويكون الكتاب، أخيراً، مرآة صاحبه بالذات، فيعطي الدليل على أن صاحبه واحد من اللبنانية التي يمخر شراعها تحت كل سماء في لآفاق الفكر والروح متهادياً بين الفنون والآداب والعلوم حيث لهم، في القديم وفي الحديث، كواكب تلمع، فيعرف فيه المثقف نفسه، أو صنوا لنسه، ثم يخلد ابن الشعب مطمئناً، الى ظله الوارف. وهذا الدليل لا يستطيع أن يعطيه انتخاب. لأن الرئيس الرئيس هو عطية من الله لا من أكثرية ناخبة.

الإدارة اللبنانية
ثم أنظر فأرى:
ان الإدارة اللبنانية، وقد جعلت نفسها من مستوى العصر، باتت آلة من آلات الزمن الأخير، المحكمة الصنع، التي قوتها من دقة لا من ضخامة، مجردة من الزخارف والزوائد، تسير نحو الهدف الأوحد الذي هو احقاق الحق وإسعاد الإنسان، فنتبوأ معها مكاننا اللائق في جوقة الأمم التي تجهد، هي أيضاً، في احقاق الحق وخدمة الإنسان.
اداة تكون في رأس دوائرها دوائر الإحصاء الذي، بدونه، لا يعرف لمن تعمل الإدراة، وكيف تعمل. احصاء يتبين منه، لدى كل خطوة، عدد أبناء الرعية مع نسبة تزايدها، على الأيام ليعرف من تخدم اليوم، ومن ستخدم غداً.
وتتبين منه حركة الهجرتين الى خارج البلاد، والى المدينة. وتتبين من الموازنات العائلية عند مختلف فئات الشعب، وفي مختلف الأنحاء اللبنانية. ويتبين منه تكوين أسعار السلع والحاجات من حد انتاجها، أو استيرادها، الى حد وقوعها في يد المستهلكين. وتتبين منه البنية الإقتصادية العامة، الأموال المشغلة والأموال التي هي في الإحتياط، الإنتاج، الأجور، الأرباح، والمختزانات. ويتبين منه الدخل الوطني بكامل تنوعاته وتفرعاته، ليعرف كيف يصير الإنتقال، عندنا، من الميزان التجاري غير المتوازن الى ميزان المدفوعات المتوازن. وتتبين منه، بدقة، موازنة الدولة، بما في ذلك موازنات المصالح المستقلة، والنفاقات التي تجري من خارج الموازنة العامة، على ما فصل ذلك ميشال شيحا، فان زيلند، والأب لوبريه.
ثم ننتهي، بنتيجة الإحصاء، وعلى يد دوائر مختصة، الى وضع الحسابات والإحتمالات والترجيحات والدراسات والإقتراحات، التي تجعل القيام بحركة للتنمية في البلاد أمراً ممكناً مكفول النتائج.
ادارة يصير التوفيق بين مختلف مديرياتها، ومصالحها، ودوائرها، ابتداء من درس المشاريع، مروراً بإقرارها، وانتهاء بوضعها في التنفيذ، تفادياً للمتناقضات ولهدر الوقت والجهود، وحقنا لمال الخزينة، فلا نظل نرى طريقاً تعبد، اليوم، لتحفر غداً في مدى خطوط الكهرباء، ثم تحفر بعد غد في مد خطوط التلفون، ثم بعده في مد قساطل المياه، ثم تعود فتحفر في أغراض المجارير.
ادارة يكون على رأسها دماغ يفكر عنها، لأنه ليس للإدارة دماغ، فيتولى التخطيط في أغراض تنمية شاملة بعيدة المدوات، تخطيطاً تتناسق فيه المشاريع لتحقيق نهضة تتجاوب وحاجات الشعب، وتستخدم فيها جميع طاقات الأمة المادية والبشرية. فلا يكون تخطيطاً، والحالة هذه، أي مجموعة من المشاريع، ولو غير مرتجلة، ولا تربط بينها رابطة التنمية الشاملة والإنهاض الكامل. على ما ذهبت في شرحه بحثة "أرفد" في تقريرها المسهب.
دماغ الإدارة هذه، وهو مجلس التخطيط الذي يجب ان يعبأ بالكفاءات العلمية – العملية – الفاعلة. ثم يربط، مباشرة، برئيس مجلس الوزراء الذي يجب الا تسند اليه مهام غير مهامه لينصرف، بكلية مستوعبة واعية، الى مختلف شؤون هذا المجلس التي هي، بحق، شؤون الدولة أجمع.
اما هذه الكفاءات فقد صار لزاماً أن نهيىء لها بالإعداد الرصين الجدي الحيوي، بغية الحصول على أفواج جديدة من المخططين اللبنانيين، الذي يقوى عمل التخطيط على يدهم، ويستمر، وينتج، فيطمئن قلب البلاد اليهم.
ادارة تعتمد الكفاءة، تتحرر من اللامبالاة، تخنق الرشوة، وتثيب الخدمة والموهبة والإخلاص. لأنه ايا كانت أجهزة الإدارة، والنظم التي تخضع لها، وأيا كان نصيبها من الأحكام والإنتظام فهي لن تكون ادارة الغد المنشود، حلمنا جميعاً، الا اذا كان العنصر البشري الذي يعهد بها اليه عنصراً سليماً، قادراً، مبتغياً خير العباد والبلاد.
أتصور رجل الإدارة، في لبنان الغد، رب عيلة صالح أبعد ما يكون عن سمسار وأقرب ما يكون الى رسول، رجلاً يتعبد لعمله، يتجهد له، يعايشه، يؤاكله، ويشرب معه، يقوم له في الليل كما الراهبين لصلاتهم، ويظل ينحت فيه حتى يستقيم وينجز.
الإقتصاد اللبناني
ثم أنظر الى لبنان الغد، وقد انتظم الحكم فيه، فأراه يسلم للدولة شؤوناً يخاف منها، اليوم، عليها، فلا يعود يجفل من تدخلها حتى في شؤونه الإقتصادية العامة.
بديهي ان الإقتصاد في لبنان الغد، مثله في لبنان الحاضر، يجب أن يظل قائماً على الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، والمخاطرة، والمزاحمة، والكسب، في اطار من الحرية نتمسك بها تمسكنا الثبت بمجمل حرياتنا، لأنها من مقومات الكيان الأساسية. على أنه، والعصر هو ما هو، وموقفنا من العصر هو ما يجب ان يكون، والمبادىء التي آلينا على أنفسنا أن ندين بها هي ما ذكر، لا بد من الأخذ، في هذا الصدد، ببعض الإعتبارات التي أهمها:
1- أمران يجب الإحتراز منهما:
 أضعاف الكسب الشخصي،
 وتضليل الإقتصاد القومي في سبل الإنماء.
2- الكسب الشخصي الذي يقوم على الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، وروح المخاطرة والتزاحم، هو أقوى عامل في ضبط سير المجتمع، اذ هو الدافع الأمثل الى العمل والخلق. فهو عندما يفضي الى تكثير خيرات البلاد يكون عامل ارتقاء. أما عندما يغني القلة ليفقر الكثرة فيكون عائقاً في سبيل الإرتقاء، واذ ذاك تجب إعادة النظر فيه.
ذلك أن الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، وروح المخاطرة والتزاحم التي هي عناصر الكسب الأصلية، مرتبطة، كلها، بأوثق رباط في القيم الإنسانية المقدسة التي يجب الا تمس في هذا العصر الإجتماعي، عصر البحبوحة والإقتسام العادل، الا إذا رئي، في آخر المطاف، انها تركب، إعتباطاً وتجبراً، لتنيل راكبها غرشاً فتخسر الجماعة ألف غرش.
3- كثيراً ما يحسب الناس أن المزاحمة الكاذبة مزاحة مشروعة، وكثيراً ما يحسبون الربح الحلال ربحاً محرماً.
فلكي يكون الكسب كسباً منسجماً مع روحية العصر وجب أن يكون بعضه كسباً للجماعة يستفيد منه الأفراد بعد أن يتحقق. ذلك أن قسط الجماعة من نشاطات هذا العصر بات يجب أن يكون القسط الأول والأهم.
4- وبخاتمة هذه الإعتبارات لا بد من الإشارة الى أن الإقتصاد، ككل قوة متحركة كبيرة، كالنهر، كالآلة، كالجماعة، لا بد له من ساهر، أ, ضابط، أو معدل والا خيف منه وعليه من الإنحراف والتهور.
وقد يكون، هنا، مجال القول في أن الضرائب إذا أحسن فرضها، وأحسنت جبايتها، وأنجزت توعية المواطنين الى ضرورتها، وعظيم فاعليتها وشأنها لدفع الأذى عن الأثرياء دفعه عن أصحاب الحال المتوسط والحال المعسور سواء بسوء، استقامت بين أيدينا وسيلة عمل لإسعاد الجماعات قد يكون فيها الغنى عن وسائل أخرى تجر في أعقابها القلق، أو تجر الى أكثر منه. ينتج من هذه الإعتبارات ان الإقتصاد المنور – المتحرر، الإقتصاد الذي يقبل النصح ويرفض الإستسلام، الإقتصاد الذي يصون مصلحة الفرد دون أن يغفل مصلحة الجماعة. الإقتصاد الذي يظل ماثلاً لديه: أن ثلث البلاد للدولة بواسطة أملاكها الأميرية،ومشاعات القرى، والحدائق العامة، والأبنية الرسمية، كالسرايات والمتاحف والمدارس والمستشفيات والمستوصفات والمختبرات، ومختلف المرافىء والتجهيزات كالمرافىء، والطرق، والمياه، والكهرباء، ووسائل النقل.
وماثلاً لديه: أن من حق الدولة أن تستمتع بأشياء الفرد بنسبة ما يستمتع الفرد بأشيائها وأن حرية الفرد في العمل والتصرف والكسب هي من الحريات الركائز التي بدونها لا تكون قيم انسانية أخيرة.
كل اقتصاد من هذا النوع، سواءاً كان اسمه اقتصاداً موجها أو حراً، أم كان اسمه اقتصاداً منوراً أو متحرراً، كل اقتصاد تسلم فيه حرية الفرد ولا يضيع معه نفع الجماعة ، ثم تأخذ بيده إدارة تقنية – لينة – متعافة – سليمة، لتكون لنا سوق تضعف فيه شوكة الوسيط فلا يتضاعف ثمن الحاجة ثلاثة من إنطلاقها من مكان الإنتاج حتى وصولها الى يد المستهلك، سوق تتوزع بعدل بين التعاونيات والهالات والتجار فلا يموت التاجر ولا يفنى المستهلكون،
ثم تكون لنا معها تأمينات وضمانات تقينا شر غلاء التعليم والتطبيب وشر التعطل والشيخوخة والحوادث والكوارث والآفات، كل إقتصاد يهدف الى هذا هو الإقتصاد الذي يطيب لي ان أراه مستقيماً على عرشه في لبنان الغد.
ولقد آن الأوان لنعتبر ان الجدل في الإقتصاد الحر والإقتصاد الموجه هو من نوع الجدل الذي كان يدور على جنس الملائكة، اذ المهم الآن هو أن يكون لنا ملاك، ذكراً كان أم أنثى، وأن يكون ملاك رحمة في حراسة الساعين الى نعيم فردوسهم الأرضي حيث الإطمئنان والبحبوحة والرخاء.
وعلى هذا نجد أنه من خير لبنان الغد أن يكف بعضنا عن دغدغة طفولة العقل احتراماً لقدسية العقل العاقل، فيكف عن التأكيد أن توزيع الثروة الموجودة في أيدي الناس هو خير من إيجاد ثروة جديدة تزيد فينا نعماء الناس، ان تأميم المعامل والمؤسسات هو أفضل من إنشاء معامل ومؤسسات جديدة، ويكف عن التأكيد أن وضع فلاح غافل في مكان ملاك مجرب هو أجدى للإنتاج وأضمن، ان موظفاً حكومياً هو أكثر كفاءة في إدارة العمل من صاحب العمل الذي أنشأه بالذات.
ومن خير لبنان الغد أن يكف بعضنا عن إقناع الناس بأن العمائم والقلانس عملت لأقدامهم، والأحذية لرؤوسهم. ثم أن يكف هذا البعض عن الإتجار ببضاعة الامل، عن المضاربة بآلام الناس وبؤسهم وشقائهم، وعن الإفتتان في إطلاق الأكاذيب بقوالب الوعود والإغراء والتقوى الوطنية.
ونذكر، هنا، كلمة "لجوزف له ميتر" الذي قال:
"الآراء الخاطئة كالعملة الزائفة التي يبدأ صكها مجرمون كبار. ثم يتولى تصريفها ناس طيبون فيتمادى الجرم على يدهم وهم لا يعرفون ماذا يفعلون".
ما لا يقتنع وجدان الأمة بصواب أمر فعبثاً يحاول المحاولون.
وعبثاً يحاول المحاولون أن يشبعوا الناس من كلام طيب.
يحكى أن أحدى الصحفيين، في باريس، كان يقلب بين يديه في مكتبة كتاباً يشتريه، عنوانه "كيف تصبح غنياً". وكان هذا الصحفي صديقاً لفيدو الروائي الشهير. فوقعت عين فيدو على الكتاب فاقترب يهمس في أذن مشتريه قائلاً:
"أنصحك أن تشتري مع هذا الكتاب قانون العقوبات أيضاً".
نعرف كذلك عن بعض الثروات والأثرياء. غير أننا، قبالة هذا، نعرف أن الرئيس عبد الناصر في خطابه أمام مجلس الأمة، مساء الخميس الواقع في 12 تشرين الثاني 1964 قد قال:
"ان بعض المصانع المؤممة، في الجمهورية العربية المتحدة، قد توقفت لسوء الإدارة... وأنه يوجد سرقة وتلاعب في المراكز الحكومية المخصصة لبيع المواد الغذائية...".
سرقة وأختها. أما أختها فأبشع.
يبقى أن المشكلة هي في كيف ننقذ الإنسان من نفسه والنظام منه!
نظام تربوي متطور
ثم يحلو لي أن أنظر فأرى لبنان الغد، وقد وضع نفسه في طريق إقناعه، عاجل الى الأخذ بالثروة التربوية التي بدأت تختمر في نفس بعض عظمائها في هذا العصر من أمثال الذين يرون أن التعليم يجب أن يكون متمادياً الى أكثر من فترته المعتادة من عمر الإنسان.
لأنه ليس في الناس من يستطيع الإعتقاد أن المرء في عمر الفتوة والصبى قادر على استيعاب المعارف التي يحتاج اليه في مدى عمر كامل. ولأن التعليم المتمادي يبقى رغبة الإنسان في الإطلاع بيقظة دائمة، فلا يطفأ في نفسه فرح المعرفة ولا يطمس بريقها.
وعندما يكون التعليم متمادياً يصير بالإماكن أن يعطى لكل عمر ما يناسبه من العلوم. فلا يعلم التلميذ التاريخ مع علم الأشياء، والفلسفة مع علم اللغة، والعلوم الإجتماعية مع العلوم الطبيعية، بل يصير الإكتفاء، في مراحل التعليم الأولى، بإرساء قواعد الأساس للمعرفة عامة، تلك التي يقتضي لها ذاكرة وحفظ كاللغات، وعلوم الأشياء، والطبيعيات، علم الحساب وما اليها.
وعندما يكون التعليم متمادياً يصير همّ المعلم ان يعلم التلميذ كيف يتعلم ، فيلقي بين يديه مفاتيح المعرفة يفتح بها الأبواب التي يريد، في الوقت الذي يراه مناسباً.
وعندما يكون التعليم متمادياً لا يعود السبق للأكثر اجتهاداً، على حساب الأكثر مواهب، ولا للأقوى ذاكرة على حساب الأمتن عقلاً، ولا للأكثر ركوداً على حساب الأكثر تحركاً، ولا للأشد صاعة على حساب الأشد تحرراً، ولا للأسرع أخذاً على حساب الأبعد تعمقاً، اذ ان كثرة ساحقة من الذين ينفعون في غربال المدارس كثيراً ما يكونون من زبدة الأمة.
وبهذا الصدد قال "آلان":
"اذ طلب منا أن نفهم أشياء كثيرة في فترة قصيرة، يجيء يوم نصبح فيه عرضة لأن نحفظ الأشياء الكثيرة دون أن نفهم". وهنا الطامة الكبرى.
هذا التبديل في استيحاء اسلوب التعليم يحتم تبديلاً أصلياً في المناهج. كل تعديل منهجي يبعد عن هذا الوحي – ولا أقول الأسلوب – يفضي، حتماً، الى تثقيل المناهج فقتل الرغبة في العلم بحشو العقول على أن تخفيفها يفضي، حتماً، الى إحياء الرغبة في العلم فتعميقه في النفوس.
وفي كل حال ست لا حيدة عنها:
1- ايقاظ الروح الجماعية - الإجتماعية في التلميذ لأن العصر عصر اجتماعي بمقدار ما هو عصر الذرة والسرعة.
2- فرض التربية المدنية مع سلّم القراءة حتى منتهى العلوم.
3- نشر التعليم الزراعي والمهني وتوطيده.
4- اعادة الإعتبار لتبسيط المعارف والعلوم، ذلك أن المعرفة لم تعد وقفاً على فئة مختارة من الناس، وأن أحد مقاييس الحضارات هو كمية ما يستوعب ابناؤها من مختلف المعارف والعلوم.
5- المسارعة الى ضم الأسطوانات والأفلام التعليمية الى الكتاب، وضم الآلات الحاسبة الى كتب الحساب.
6- الحفاظ على بنية الثقافة اللبنانية وشمولها لأن بعضها متأصل في الروح اللبنانية من تراث عريق، وبعضها متأصل بها على يد التيارات الفكرية – الروحية التي تلتقي وتتمازج في لبنان، وبعضها الأخير صنع يد صاحبها المجذوب اليها كما الفراشة الى القنديل.

أعلام متطور
ثم أتطلع فأجد أن جهاز النشر والأنباء، وقد رسخ انه اقوى جهاز وأنفع جهاز، بات يحتل مركز الصدارة في لبنان الغد، لأن بالنشر والأنباء يمكن تطوير الجماعات حتى مستوى التجهيز العصري. وبالنشر والأنباء تستطيع الديمقراطية ان تعمل وتنمو، اذ بنسبة ما تكون حركة الأنباء الجيدة العميق متسعة كثيفة بنسبة ذلك تكون الديمقراطية متينة سليمة. ذلك أن الديمقراطية هي، في اعمق ما هي، تفاعل صحيح بين الناس وعدد كبير من القضايا التي تتصل بمصلحة المجموع.
على يد الأنباء، بالإضافة الى ذلك، نستطيع أن نضع الفكر في طريق سموه، أن نكثف المعرفة، ان ننمي الوح الإجتماعية، روح التعاون والمحبة، وأن نقرب التفاهم بين الفئات المتباعدة بسبب أنها لم تضع يدها، بعد، على لغة تكون مشتركة بينها جميعاً. وتكون فاعلية الأنباء منقطعة النظير في البيئة التي بدأ يدخل اليها الصوت والصورة وقد كانت مغلقة، من قبل دونهما،.
هذا الكائن البشري الذي صار باستطاعته أن يسمع، من وراء الجدران، صوتاً يتحدث اليه في شؤون الفكر والجمال والسياسة والإجتماع، والذي صار باستطاعته أن يرى ألواناً وأزياء ووجوها وحركات لم يكتن يحظى بمثلها من قبل. هذا المخلوق المغلق صار، اليوم، منفتحاً لتيارات جديدة راحت تمخر في نفسه، فصار قابلاً لكل تحول.
وقد ازدادت أهمية الأبناء في الزمن الحاضر، لأن الجريدة والمجلة والكتاب قد بلغت، بفضل الإنتصار على الأمة وإزدهار الطباعة، مدى واسع في الإنتشار. يقرأ اليوم بلزاك في السنة الواحدة أكثر من قريء في مدى عمره الكامل. والجريدة التي تطول، منذ خمسين سنة خمسين ألف قارىء باتت تطول، اليوم، خمسة ملايين.
ولأن حركة الأنباء أصبحت تدرك الطفل والأمي والمحتسب والمحتجب على يد الراديو، والتلفزيون، ولأن الراديو والتلفزيون صارا في عادات الناس فصارت لهما فاعلية عبر الأذن والعين وهما غافلتان. وصار حامل الترانزيستور، مثلاً، يعرف على الرغم منه.
فلأن الأمر كذلك أتصور أن لبنان الغد، مدركاً خطورة الأنباء، قد اسلم أمره الى مجتمع تحتشد فيه المواهب – المواهب في العلوم، في الفنون، في الآداب، وفي التقنية الحديثة – قادر بواسطة أعضائه على ان يتناول كل فن ومطلب وأمر بالبحث والتنفيذ، قادراً على تبسيطه، قادراً على إخراجه ضاحكاً أو عابساً، جاداً أو هازلاً، مسهباً أو مختصراً، جامداً أو متحركاً، موقعاً أو مغفلاً، بلغة الناس أو بلغة القاموس، في أسلوب الحوار أو في أسلوب الدراسة، في مستوى الأطفال أو في مستوى الرجال، مجمع يوازي بالأهمية مجلس التخطيط، دعوته رسالة والداعون اليها رسل يقومون ويقعدون على وقر المسؤولية، مسؤولية المسؤول عن فكر وقلب، وعن مستقبل ديمقراطية، واسعاد جماعة، وتوطيد أمة. مجمع، وقد ألهبه روح العصر، لا يهدأ قبل أن ينقل اللهب الى كل جماعة، وبيت وإنسان. مثل هذا المجمع يجل نفسه عن الكذب والغش والخداع، يترفع عن التمويه والتخدير، يجابه الواقع، يفجر الحقائق، يخدم الحق، يبده الشعب، ينور عقله، يطهر نزواته، ويقدس مسعاه.
ومثل هذا المجمع قادر، في الأقل، على أن يجعل المواطن اللبناني العادي مواطناً حضرياً. "ولا يكون حضرياً"، على ما يقول "آلان" : "المواطن الذي لا يكون قد أدرك نبل التصرف فأصبح يستحيل عليه أن يعنف شحاذاً، أن يهزأ من أعمى، أن يضلل قاصراً، ان يتخلى عن مريض في الطريق أو أن يتعمد دهس هرة أو كلب أو دجاجة".
ثم لا يعود فرق بين أن تحتكر الدولة حركة الانباء أو أن تبقى مشاعاً بين الناس. أن الغلبة، بالنتيجة، هي للنوع وللجودة.

في جانب مجلس التخطيط ومجمع الانباء أتطلع الى ركن القيادة الذي تصور صديقي بشير العريضي قيامه في لبنان الغد من صفوة لبنانية – علمية – واعية – رسولية تستقطب الرأي والرجال، تبين، تنصح، ترشد، وتلقن مستمدة قواها من الهالة التي تكون قد عصبت بها رأسها المثقل بالخيرات.
ركن القيادة هذا قد تكون له نواة من اللفيف العفوي الذييتحلق عادة نحو الرئيس الأول، أو في ما يشبه الندوة. وقد لا يكون شبيهاً بأي شيء قائم فيكون طرفة بذاته. الامر الذي يزيدنا حدة في ترقب قيامه.
وأتصور لبنان الغد قد وثق فيه المواطن بدولته فبات يحرص على حصة الدولة بأرباحها منه حرصه على حصة نفسه فيها. فلا يتهرب من ضريبة أو رسم، ما دام دخلهما يقدم له الطبابة والدواء، المسكن والغذاء، المدرسة والكتاب مجاناً، أو بسعر الكلفة، وما دامت الدولة تختزن له المال الذي تعود أن يختزنه، هو، لمرض، أو شيخوخة، أو تعطل.
ثم أتصور لبنان الغد قد أحب فيه الفلاح أرضه فأحنى عليها، والعامل مصنعه فصار منه، والمستخدم متجره فلان له. وأحب الملاك والصناعي والتاجر عمالهم ومستخدميهم فوفوهم حقهم عليهم، وأثابوا انتاجهم، وعدلوا فيهم حتى سقط في الناس هتاف ليقول هتاف: "أيها المنتجون في الأرض اتحدوا". اتحدوا، لأن اليد والمال مجتمعين على عدالة وعدل هما اللذان يبلغان بلبنان الى ما يستحق.
واتحدوا في الكبيرة والصغيرة لأن الخراب يكون من باب الصغيرة التي لا تدخل، عادة في الحساب وفي التحسب.
وهنا استنزل الرحمة على فرنكلين الذي قال:
"لأن مسماراً فقد فقد فقدت النضوة، لأن النضوة فقدت فقد فقد الحصان، لأن حصاناً فقد فقد فقد الفارس، لأن فارساً فقد فقد فقدت المعركة، ولأن معركة فقدت فقد فقد الملك. ولم يفقد كل ذلك الا لأن مسماراً فقد".

لبنان المغترب
ثم أتطلع الى لبنان المغترب الذي أبناؤه أكثر عدداً وأوفر عدة فأراه مشدوداً الى لبنان المقيم بأوصال لا تفصم يقوم على توثيقها وزير للمغتربين، يطوف في الأرض بين الجاليات، يقف على شؤونهم، يستنهض، يحث، ويصمم لنا ولهم، ثم يظل يعمل ويجهد حتى تنفتق الإمكانات جميعاً، ويسطع الخير، فلا تبقى طاقة الا تكونقد أخذت مكانها من مجهود الامة جمعاء. اذ حرام ان لا نثمّر الوجود اللبناني في العالم، وهو أوسع انتشاراً من اي وجود آخر، لأي من شعوب الأرض. وحرام أن لا نضع في خدمة لبنان وأصدقائه وحلفائه جحافل من الشخصيات اللبنانية المهجرية التي هي في الحكم، في الإدارات، في المجالس النيابية، في عالم المال والاعمال، في المحافل العلمية والفنية والفكرية والإجتماعية، شخصيات بالغة الاثر في بيئتها تستطيع ان تنال للبنان الغد كل ما يرى انه لصالح لبنان. ثم حرام أن لا نجعل في خدمة لبنان الغد جهازاً دعائياً زاسع الإنتشار قوامه اللبنانيون المغتربون، جرائدهم، مجلاتهم، دور الطباعة والتلفزيون، والراديو، ومختلف وسائل النشر التي يملكون. وهو جهاز لا تملك مثله أي دولة من عظيمات دول الأرض، شرقية وغربية.
وبعد، فأية غضاضة في ان يكون الرئيس المنتخب للجماعة اللبنانية في العالم نائباً، حتمياً، في مجلس النواب اللبناني، يتمثل به المغتربون، رمزياً، في مجلس يشتاق الإستماع الى صوتهم، والوقوف على أحوالهم، وتبادل الرأي في جميع شؤوننا وشؤونهم؟ كل ذلك،ى وأن الذي أقوله الآن، كان يجل أن يقال في هذا المكان بالذات، على رأس الهرم الذي بلغنا اليه.
كل ذلك يحتم أن تكون الامة اللبنانية، بشقيها الإثنين، قد باتت وطيدة الإيمان بلبنان مرحلة نهائية في سعيها وطلابها وعيشها، وقيمة أخيرة بين القيم التي في ظلها أن تحيا، وفي غير ظلها لا تكون لها حياة.
فعلى نحو ما توجب الشفاعة إيماناً لا حد له بالله وبأوليائه، هكذا العمل للبنان الغد لا يمكن أن يقوم الا على إيمان لا نهاية لو بلبنان وبطاقاته جميعاً. وهي لا تحصى ولا تحد.
اما المشاكل اللبنانية الموروثة التي ما برح تعميق لبنان في طريق النمو والإرتقاء، فليس أفضل من الإرتفاع بها الى مستوى الحوار – على ما حاولت الندوة في العام الفائت – حيث للعقل سيادة على النزوات والأهواء، وحيث من المؤمل ان يطلع من الحوار ميثاق ترتضيه الأمة على مختلف فئاتها فيصبح، عندها، ديناً من الدين، او نسماً من مقدساً.

سيداتي، سادتي،
في السنة 1875 تقدم رئيس مكتب تسجيل الإختراعات في الولايات المتحدة الاميركية باستقالته قائلاً لوزيره:
"لماذا تريدني أن أبقى، ولم يعد بالإمكان اختراع أي شيء جديد؟".
من السنة 1875 حتى يومنا هذا مشت الإنسانية في طريق الإختراعات والإكتشافات شوطاً لم تقو على مثله من قبل.
ومن يدري فقد يكون لها، في الثلث الباقي من القرن الحاضر، شوط من أبعد من الشوط الذي اجتاوته من ثلثيه الأولين. فلم يعد علينا إذاً ان نضع أنفسنا في مستوى ما بلغ اليه العصر فحسب، بل علينا أن نهيىء أنفسنا لتكون في مستوى ما قد بلغ اليه العصر في المستقبل.
ان سبل التكيف والإرتقاء متشعبة، وعرة المسالك. لكن لا بد من طيها للوصول.
وحده تقدم في الروح الإجتماعية – المدنية موازى لتقدم التقنية يمكّن من بلوغ الأرب.
طريق المستقبل
علينا ان نعي التحول الذي ألنا اليه. علينا ان نخلق إدارة في مستوى ذلك التحول. علينا أن ننور الرأي العام، ونصدقه الخبر والرأي. وعلينا أن نثق بالدولة، بعد أن تربح الدولة معركة الثقة التي بينها وبيننا. وعلينا ان نتفلت من قيود ماضينا، من تحجر عاداتنا، من جمود فلسفاتنا، ومن تفاهة النطاق الذي ما زلنا نسرح فيه. علينا ان نعيد النظر في أشيائنا جميعاً، وفي أنفسنا. علينا أن نثق بالشباب، أن نضارب بوثبهم، وأن لا تخيفنا جرأتهم وجسارتهم. وعلينا أن نؤمن بلبنان، وأن نقدم، أن نقدم اليوم لا غداً لأن الطريق الطويل، والعمل مقض، والرهان كثير الإغراء. "... لأن العمل سيكون طويلاً يجب أن نبدأ في الحال"، قال الماريشال ليوتي لمعاونيه عندما عزم على انهاض المغرب العربي.
سيداتي، سادتي،
مؤمن أنا اذا تهيأت ظروف العمل، وخفت صوت السياسة، وخجلت من نفسها المناورات، وتحطمت العصي التي تدس في الدواليب، ثم استراح من يجب أن يستريح ليعمل من يجب أن يعمل.
اذا تهيأت الظروف، وصار الإتكال على الله، ووثقنا بالعقل النيّر الذي يقودنا والإرادة الحسنة، والقصد الصالح، والعلم الاجح، والمثالية التي لا مثي لها.
اذا تهيأت الظروف،
كان طلوعنا الى طريق الغد غداً.
وكان لنا لبنان، هذا الذي يتحرك في عزمنا، يتوثب في أوصالنا، ويهدر. كان لنا "لبنان الغد" بعد غد.
ويا ايها السيدات والسادة،
أبعد مكا يبعد الإنسان هو عندما لا يعرف في أي اتجاه يتجه.
ففي سبيل اختصار الوقت والمسافات لنضع، نصب أعيننا، لبنان، ونمش. "وفي طريق الجهاد الحقيقي سنسبق آمالنا في طريق".
لنمش.
  عبر من التاريخ

(*) القيت في”الندوة اللبنانية”في شباط سنة 1960، ونشرت في”محاضرات الندوة”السنة الرابعة عشرة، 1 – 2 كانون الثاني – شباط 1960.

سيداتي سادتي،
"عبر من التاريخ اللبناني” موضوع محاضرة الليلة، حلقة من سلسلة محاضرات هذا الموسم التي عنوانها: ”في صميم الحاضر اللبناني”.
من عبر التاريخ في صميم الحاضر مظهر للتناقض الحبيب الذي يميز صديقي ميشال أسمر دون الرفاق جميعاً، أو هو أحد من وجوه العجب والاعجاب اللذين ما برح ميشال أسمر ينتزعهما انتزاعاً من رفاقه ومحبيه.
وهو، وحده، بين جميع من أعرف يقبل عليك وكأن رأسه مدار الى الوراء، أو يدبر عنك وكأن رأسه مدار اليك.
وهو، وحده، بين جميع من أعرف، أستطاع أن يلتقي كل انسان على كل شيء دون أن يحيد قيد شعرة عن طريقه، ودون أن يطرح مثقال ذرة من أطنان ما به يعتقد، وما به يؤمن ويدين.
عبر من التاريخ اللبناني.
هذا يفرض، بداهة، أن صاحب الكلام في مثل هذا الموضوع يؤمن بالتاريخ يرشد ويعلّـم، اذ يستخلص من صميم الماضي خطة في صميم الحاضر.
على أنّ التاريخ، في الرأي المعاصر، بعد أن قفزت الانسانية في عالم الغد قفزاً يكاد يكون مدوخاً فقارب أن تنقطّع أوصالها مع الأمس الذي عَبر، بات هذا التاريخ شيئاً من إنسان وضيع،
ابن نعمة تجاوزته النعمة، لا
عاجز على اللحاق بالذين سبقوه، في كل طريق،
مشغول بيومه وقاصر على التنبؤ بما سيكون غداً،
يقول عن نفسه ما تصور شارل بيغي أن يقول: ”يحسبون أني محكمة. بئس المحكمة التي يحسبون! ويحسبون أني القاضي، على أني لست أكثر من كاتب ضبط أتولى تسجيل الوقائع”.
حتى أن بعضهم تمادى في الاعتقاد بأن الانسانية، في مشيها الصاعد أبداً الى عوالم جديدة، صار يعيقها التلفت الى الوراء، لحد ان راح أمثال تيودور مند يكتبون تاريخ المستقبل.
ومع ذلك، أنا من قضى عمره خادماً في هيكل التاريخ، ما زلت أجد طمأنينتي حيثما وجد الجدود طمأنينتهم، وقلقي حيثما كانوا يقلقون.
أنظر الى التاريخ نظرة الأبن الى أبيه.
فان لم يكن له مرشداً ومعلماً في كل شيء فهو المرشد والمعلم في شؤون عائلته وبيته،
يعرف على ما أسست الدار والعماد عليها تقوم،
يعرف ركائز القوة ومواضع الخور،
يعرف منافذ الشمس ومسالك الهواء،
جوانب البؤس ومطارح الهناء،
أين كان فراش الموت لبانيها، سرير الوضع، مهد الطفولة، ديوان العتاب، طرّاحة السمر، قاعة المصالحات لساكنيها.
أنظر الى التاريخ صلة وصل بين جيل وجيل، خبز السالف للخالف، شميم القدوة، طريق الاستمرار، وحكاية الأبرار الجدود والطيبات الأمهات التي هي أروع حكاية.
وأشم في التاريخ رائحة الحبيب،
إذ ما من محب ّلا يجد حلاوة في التعرف الى كيف جاء الحبيب الى الأرض؟
أين ومتى؟
كيف عاش وفي أي حال؟
أي درب مشى؟
أي سنديانة استظل؟
أي ينبوع غسل فيه وجهه وقدميه؟
على يد أي جدة غفا، على أي أمّ أفاق؟
أي أنشودة هدهدت غفوة في سريره؟
أي بشاعات حببت إليه الجمال، وأي جمال ترقرق في نفسه فراح يتعبّـد للجمال؟
هكذا أنظر الى التاريخ، تاريخ بلادي.
وهكذا ينظر معي رفيق العمر الاسمر الى موضوعه، موضوعي الليلة، فتعايش الأجيال التي سبقت، أجدادكم، وأجدادي، ساعة من الزمن، نتشمم فيها رائحة المروءات والحلاوات، نستقرئ، نستنتج، ونستدل، فتحلو لنا الساعة، وقد يكون لنا من التاريخ عبر.
أجمع الرحالة والمؤرخون العرب، صالح بن يحيى، أبن بطوطة، وابن عساكر، على أن كان لبنان، أوائل القرن الرابع عشر، كثيف الغابات، غزير المياه، يعيش أبناؤه من جنى الارض وصيد الحيوان الكثير الذي كان يؤهل أحراجه وغاباته. يكثر في جباله وأوديته النساك والمتصوفون المتجردون من متاع الدنيا.
فكان، من أجل هذا، وبالاضافة الى وعورة جباله، وتعقّـد مسالكها، أرضاً نادرة المثيل تحتمي فيها الجماعات التي كانت لا تجد لها قدرة على الحماية في كثرة عدد أفرادها.
وهو ما استهوى الدروز في التسلّـل إليه عبر صحراء سيناء.
كما استهوى تلامذة مار مارون وأنصارهم في التسلّـل إليه عبر مفارز الشمال، واستهوى عشائر المتاولة في التسلّـل إليه عبر وادي الليطاني.
وإذا الزحف الشيعي يدفع الدروز من الجنوب الى الشمال، فيلجاْ هؤلاء الى الشوف، ثم يشتد دفع الشيعة للدروز فيلتووا على المتن وكسروان.
يقابل ذلك زحف من الشمال، وئيد، ناحية البترون وبلاد جبيل وكسروان، حتى يستقر الموارنة والمتاولة والدروز في مثل أوضاعهم، اليوم، تقريباً، من الجبل اللبناني.
وإذا لبنان، منذ ما يزيد على السبعمائة سنة، يتخذ الطابع الفريد الذي يجعل منه ملجأ الاقليات الفازعة من بلادها إليه.
ثم يكرّ الزمن على حكم المماليك الذي جاء في عقبه حكم العثمانيين، فتقسم هذه الرقعة من الارض التي بين جبل طوروس، وصحراء سينا، والصحراء العربية، والابيض المتوسط، الى ثلاثة باشويات.
الاولى، على رأسها دمشق، مؤلفة من عشرة سناجق، أهمها: أورشليم، غزة، نابلس، تدمر، صيدا وبيروت.
والثانية، على رأسها طرابلس، مؤلفة من خمسة سناجق: طرابلس، حمص، حماه، السليمية، وجبلة.
والثالثة، باشوية حلب المؤلفة من تسعة سناجق تخضع لها سوريا الوسطى جميعاً.
في ذلك الزمن كان الباشاوات والآغاوات، حكام المناطق والسناجق، يقتتلون ويتحاربون كما لو كل واحد منهم حاكماً بأمره ولحسابه بحيث ان الحاكم الذي يعيّـن على رأس واحدة من الباشوات، أو واحد من السناجق كان يجد نفسه مضطراً ان يقيل سلفه بقوة الجند والسلاح. وما إن تستقر به الحال حتى يجد نفسه مضطراً لصد الخلف عن الاستلام بقوة الجند والسلاح.
وعندما نعلم أنه تقلّـب على باشوية دمشق، التي كان لبنان على حدودها، مائة وثلاثة وثلاثون حاكماً في مدى مائة وأربع وثمانين سنة نعلم، إذ ذاك، كيف كان يحكم الباشوات، فيرهقوا الأهلين بالضرائب، وتتوالى على ايديهم المظالم والمتاعب، تحصيلاً للمال الذي يكونون قد اسلفوه ثمناً لتوليتهم، وللمال الذي كان عليهم ان يختزنوه لشراء الولاية الجديدة، ونعلم، بالتالي، كم يجب ان يكون وفيراً عدد المضطهدين والمظلومين والمروعين.

أو عندما نعلم أنّ باشوية حلب التي كانت تحسب 3200 قرية في عداد القرى المسجلة على جدول الضرائب ضمن نطاقها، منيت بهجرة، من جراء الظلم والتعسف والاضطهاد، بحيث تدنى عدد هذه القرى فأصبح 400 قرية في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن الذي يليه، نعلم، إذ ذاك، كيف كان لبنان، لهؤلاء جميعاً، وهو في عهدة أمراء من أبنائه، ملجأ وملاذاً، فنعلم، بالتالي، كيف كان مجيء الأقلية السنية، عهد ذلك، والأقليات المنوعة الأخرى، الى لبنان، ونعلم أنّـها فئات، هي أيضاً، من المضطهدين والمروعين الفازعين من ديارهم إليه.
حتى انّ الأمير قرقماز، والد فخر الدين المعني، أضاع ملكه عليه، وهلك من الهم أو السمّ، في السنة 1585، لأنه ألجأ الى لبنان جماعة ظُنّ أنّهم هم الذين اعتدوا، في جون عكار، على قافلة الانكشارية التي كانت تنقل الى اسطنبول صندوقة المال المتجمّـع من جباية الضرائب في مصر والبلاد السورية.
وحتى أنّ الأب لامنس لم يرَ مفراً من القول:
“إنّ الامراء الشهابيين قد سهروا، بغيرة فائقة المثيل، على أن يظل لبنان محافظاً على رسالته الفريدة في أن يكون ملجاء وملاذاً. وقد عرف الشهابيون أن يفرضوا احترام هذه الرسالة على ألدّ أعدائها وأعند معانديها من الذين كانوا يمثّلون، بينهم أو في جوارهم، الباب العالي”.

وتبقى أرض لبنان ما هي، ملجأ وملاذاً، في عهود المتصرفية والانتداب والاستقلال، الى ان اتهم، في الزمن الاخير، بأنه وكر للتآمر على دولة عربية شقيقة، الامر الذي حمل وفد لبنان على أن يوضح باسمكم في بنغازي، الحقيقة اللبنانية الأولى:
“لبنان، ملجأ وملاذًا. وهو يجد في هذا أحد مبرّرات وجوده. أما إذا كان يلجأ اليوم،”هؤلاء” فقد يلجأ ”غيرهم” غداً”.
إنها عبرة التاريخ.

سيداتي، سادتي،
جبال من الرفعة كأنها عواميد السماء تتلألأ على ذراها النجوم مصابيح مصابيح. استطاب مناخها العالي نسور وقلة من الناس. لأن النسور وهذه القلة من الناس لا تستطيع أن تتحلق أسراباً في مثل أسراب الزرازير. تشوقها القمم العالية من حيث تستطيع أن تنطلق في الفضاء الرحب، لا قيد غير الذي تفرضه عليها قدرة الجناح ومدّ النفس.
هذه القلة من الناس كان مطلبها الأول الاحتماء في الجبال الشامخة، بغية الحياة الحرّة الكريمة الأبية؛
هذه القلة من الناس، في أشد ما وصل إليه حكم المماليك والعثمانيين من ظلم وطغيان، لم يستطع ظالم طاغ أن يسترقها، أو يستعبد واحداً منها.
حتى قبل ذلك: من أبعد عهود الرومان والاغريق إلى أبعد عهود الفينيقيين الواضحة المعالم، لم نرَ في الوقوعات التاريخية، في كل ما كتب ومثل ونقش، أنّ العبودية، وقد كانت بضاعة رائجة في مراحل كثيرة طويلة من عمر الانسان، قد تخطت حدود هذا الجبل العاتي، أو كان لها رواج فيه.
بل إنّ أبناء هذا الجبل، في مختلف عصورهم وعهودهم، لم يرغبوا أن يكون لهم عبيد كما كان لغيرهم من أسياد الأرض – وقد كانوا، هم أسيادها في حين –، أن يكون لهم عبيد من المغلوبين على أمرهم، أو من الخصيان والجواري والمستسلمين.
حتى أنّ الاقطاعية اللبنانية، يوم كانت كل اقطاعية في العالم تملك الأرض ومن على الأرض، كانت أرفق اقطاعية وأرحمها جميعاً، إذ كان الفلاح اللبناني يبيع أرضه من رجال الاقطاع ويشتري من رجال الاقطاع أرضهم.
وهل كان في لبنان إقطاعي أوسع إقطاعاً وأشد سطوة من البشير الكبير؟
ومع ذلك وجد نفسه مضطراً، عندما أراد أن يجرّ مياه نبع القاع إلى قصر بيت الدين، أن يشتري من الفلاحين، رعاياه، أرض القناة بصكوك ما زالت محفوظة في كرسي أبرشية صيدا، ببيت الدين.
هذه القلّة من الناس كانت تجد حريتها في أن تـُحكم على يد حكام منها، يوم كان الحكم في جميع الولايات المحيطة بها بيد الباشوات والأغاوات والولاة العثمانيين:
هذا ما يشرح قيام المقدّمين، في الشمال، منذ عهد المماليك، واستمرارهم على عهد العثمانيين بموجب اّتفاق قبل فيه ممثّل الباب العالي على ألا يخضع الجبل الشمالي لولاية طرابلس؛
وهذا ما يشرح قيام الاقطاعية في لبنان التي كانت، في الاصل، خيراً وبركة لأنها كانت من أجل أن يحكم الشعب حكام من الشعب؛ وهذا ما يشرح قيام الامارة في لبنان التي كان يتولاها، عادة، كبير الاقطاعيين اللبنانيين؛
وهذا ما يشرح انهيار حكم عمر أفندي العثماني المباشر، في أقلّ من عمر الزهور، بعد أن تداعت الامارة الشهابية …
ويشرح إجماع اللبنانيين، بمن فيهم أعداء الأمير بشير الألدّاء، على المطالبة بالعودة إلى عهد الامارة؛
وهذا ما يشرح تقسيم لبنان إلى قائمقاميتين، على رأس كل واحدة منهما قائم مقام لبناني، بعد أن استحالت العودة إلى حكم حاكم واحد من الأمراء الشهابيين؛
وهذا ما يشرح قيام المجلس الاداري المنتخب، إلى جانب المتصرف، في عهد المتصرفية، وفشل الحكم الفرنسي المباشر، واقتناع الانتداب بأن يسلّم الحكم إلى لبنانيين من ضمن نظام كان قد حار كثيراّ قبل أن يستقر في قلب الديمقراطية البرلمانية؛ وهذا ما يشرح قول، فولناي الرحالة الفرنسي:
“أن كثافة عدد السكان في لبنان تزيد عن كثافة عددهم في أحسن مقاطعاتنا الفرنسية. وأرى سبباً لهذا ذلك الشعاع من الحرية الذي يلتمع ويشع دائماً في لبنان. ففي لبنان، على خلاف ما هو جار في البلاد العثمانية، يتمتع كلّ إنسان، في أحضان السلامة والأمان، بملكه وبحياته. وقد لا يكون الفلاح اللبناني أوفر يسراً من غيره إلا انه يستمتع بالطمأنينة والراحة”؛
وهذا ما يشرح قول لامرتين بعد أن طوّف في الشرق:
“وجدت رجلاً في مصر وفي لبنان شعباً”.
هذه القلة من الناس لا تطيق الجور والتعسّـف، فكانت تتنادى إلى ”العاميات” كلما زيدت عليها الضرائب (عامية لحفد) أو سيمت بظلم (عامية الباروك) فتسقط الأمير الحاكم اقتصاصاً منه، وعبرة للخلف القادم؛
هذه القلّة من الناس لا تطيق السخرة والتحكّـم.
فعندما أوجبت ضرورة الفتح على ابراهيم باشا أن يقيم القلاع والحصون في المناطق المحتلة، فرأى مصادرة بغال المكارين اللبنانيين وحميرهم لجاء هؤلاء، في مثل إتّـفاق شامل، إلى قتل بغالهم وحميرهم بأن راحوا يقذفونها من شاهق الى الحضيض الواطئ.
ثم رأى تسخيرهم في أعمال البناء والجند فتداعوا إلى مقاومة الظالم، بنداء وزّع على جميع القرى والدساكر، هذا بعضه: “أيها المواطنون الأعزاء،
“في علم جميعكم المظالم التي أنزلتها الحكومة المصرية، والضرائب الباهظة، والمعاناة، وضروب الاستعباد التي رزحت تحتها سوريا بأسرها وقد جرّت الخراب على كثير من العيال. على أن سكان لبنان، رغماً عمّـا هم عليه من الأنفة وروح الاستقلال، احتملوا بصبر مظالم السلطة الجائرة مراعاة لخاطر الأمير بشير الشهابي على أمل أن يضمن لهم صبرهم هذا حفظ شرفهم وحريّتـهم وكيانهم …”
وبعد الإشارة إلى الذين ثاروا للمظالم وقهروا وماتوا يقول النداء:
"فلترقد بسلام رفاة إخواننا الذين ماتوا في سبيل الحرية”.
ويستطرد النداء فيقول:
“وبما أن الموت ينزل بالذين ينتظرونه جبناً في بيوتهم كما ينزل بالذين يقومون لرفع نير الظلم عنهم فلا تترددوا …”
إلى أن قال في الختام:
“… أما نحن فإن عزيمتنا وطيدة لا تتزعزع فقد أقسمنا على استعادة استقلالنا وحريتنا أو نموت في هذا السبيل”.
وقد خُـتم على هذا النداء والاجتماع العام الذي جرّ إليه بقسم اليمين الشهيرة، بين المحمّديين والمسيحيين، في مار الياس انطلياس، وكان من نتيجة ذلك جلاء الظلم والظالمين في السنة 1840.
هذه القلة من الناس التي قام من مشايخ شبابها، بقيادة طانيوس شاهين، مَـن ضرب أوّل معول في صرح الاقطاعية اللبنانية، بعد أن تحوّلت عن غايتها الأولى، وزالت الجدوى من قيامها، واستقرّ حكم البلاد في يد أبناء البلاد،
هذه القلة من الناس التي تداعى ممثلوها أعضاء مجلس الادارة، في عهد المتصرفية، فيما كان لبنان ينفض عنه غبار المجاعة والدمار، ويدفع شبح الموت الجائر، إلى اجتماع أعلنوا فيه”استقلال لبنان المطلق”بوثيقة أطلعها لنا الصديق يوسف ابراهيم يزبك من مجفوظاته لنقراء بعضها عليكم:
“إنه لما كان اللبنانيون، منذ أعلنت الدول العظمى حق إنشاء الحكومة الوطنية لشعوب هذه البلاد، قد طلبوا، وما زالوا يطلبون، تأييد حقوقهم بتأسيس حكومة وطنية مستقلة،
“ولما كان استقلال جبل لبنان ثابتاً تاريخياً، ومعروفاً منذ أجيال طويلة،
“وكان موقعه وطبيعة أهاليه المؤالفة للحرية الاستقلالية منذ القديم،
“كلّـه مما يستلزم استقلاله وحياده السياسي أيضاً، لوقايته من المطامع والطوارئ،
“وكان، مع ذلك، من أهم مصالحه وراحة شعبه الوفاق وصفاء العلاقات مع مجاوريه،
“لذلك نقرّر …”
ثم تلى المقررات الخمسة التي أهمها:
استقلال لبنان التام المطلق وحياده السياسي، وإعادة المسلوخ إليه.
هذه القلة من الناس التي ظلت في صراع دائم مع العثمانيين فالفرنسيين تستنهض العرب للمطالبة بالانفصال عن جسم الامبراطورية العثمانية الشائخ، تنشئ لهم الجمعيات، تضع على شفاههم الخطب والقصائد، تدعو باسمهم إلى المؤتمرات، تفاوض الدول، تتعاهد معها وتتعاقد، تستنفر الشعوب الحرّة، تستنجد بها وتلحّ. ثم تكون أوّل قلة تتجنّـد للمطالبة بالجلاء، فيجلو عن أرضها المنتدب؛ هذه القلّة من الناس التي تنبت لها أجنحة، ولا تنبت لها إلا لتطير من الظلم، عهد عبد الحميد؛
هذه القلة من الناس دينها دينان:
ما أمر به الله، سبحانه،
والحرية
على أن هذه القلة من الناس اتهمت، في الزمن الأخير، بأنها عميلة الاستعمار، وتمهّـد وصوله إلى الجار، الأمر الذي حمل وفد لبنان على أن يوضح، باسمكم، في بنغازي، الحقيقة اللبنانية الثانية:
“لبنان أرض الحرية ومعقل الأحرار. صلاته النابعة من أعماق أعماقه:
أللهم أعطني الحرية ولا تعطنيها لوحدي. لكي يتذوّق طعمها كلّ شقيق جار، فتسلم حرّيتي، ويسلم!”
إنّـها عبرة التاريخ.
  خواطر في الأدب اللبناني

الندوة اللبنانية
السنة العاشرة – النشرة السادسة
1 حزيران سنة 1956.

سيداتي ، سادتي،
ثلاث اتمدّها من ظاهر الموضوع:
1 – لولا أنها خواطر لما خطرت لي في بال.
لأني أتورّع أن أقبل على دراسة في موضوع الأدب اللبناني، وللدراسات الأدبية أصول قيادها في أيدي الذين انقطعوا إلى الدراسة انقطاع الرهبان إلى ربهم،
وما نحن بالمنقطعين إلى دراسة الأدب انقطاع المتعبدين.

إن هي سوانح تمرّ في البال، لهذا السبب أو ذاك، تمر في بالكم وبالي، كما تمر النسائم في المرجة الخضراء، يموع لها الخاطر ميعة الأعشاب للنسم المندّى، ثم تنصرف ونحن أحسن حالاً، كأن إلهًا مرّ في الخاطر، فلا تترك كلمة في كتاب، او تدوينًا في ورق. وما هذا الذي نحن فيه، الآن، سوى محاولة التقاط تنتهي منها إلى إثارة تقف دون حد الرأي الذي، وحده، يستحق أن يكون موضوع جدل ونقاش.
هذه الخواطر نوع من المواد الأولية التي يصلح بعضها للبناء، وبعضها للردم في معرض البناء، وبعضها للزخرفة دون البناء، وبعضها الأخير من النفايات التي لا يأبه بها البناؤون.

2 – أما الثانية فهي أن مجرّد قبولي موضوع "الخواطر في الأدب اللبناني" قبول مبدأ غقليمية الأدب.
وهو المبدأ الذي إعتنقناه، ضمنًا، يوم قلنا بإقليم من الأرض معيّن الحدود يرعى أمة من الناس مميزة الخصائل.
بيد أن هذا لا يعني – ولا يمكن أن يعني في مطلق حال – الاتفاق على تيارات الفكر والروح التي تمخر عباب الشعوب كما تمخر تموجات الأثير عباب العوالم، أشاء الناس أم أبوا.

ذلك أن من رواسب العصور تراثًا إنسانيًا، أصيلاً، واحدًا.
هذا التراث، هذه التركة، خلّفها عظماء الأرض لجميع أبناء الأرض، مشاعًا بين الناس جميعًا، تزيد ولا تنقص، ولا يفضل بعضنا فيها البعض الآخر إلا بنسبة ما يستطيع هذا البعض أن يغترف منها ويعب.
والقائلون بلا إقليمية الأدب – قولاً علميًا مسؤولاً – يقولون بهذا، أو بمثل هذا، ولا يقولون بغيره.
ذلك أن إقليمية الأدب نتيجة محتومة لأكثر من واقع راهن.
الإنسان – وما في ذلك شك – هو ابن الأرض التي سقط رأسه عليها، وحضنته طفلاً وأدمت قدميه صبيًا، وكانت مسرحًا لألعابه وأعماله فتى ورجلاً.
وهو ابن الإقليم الذي تقع أرضه فيه، ابن سمائه ومائه، ابن شمسه وهوائه، ابن نباته وحيوانه، ابن شطآنه ورواسيه.
باسم هذا الناموس أصبحت التفاحة الكليفورنية – وقد تأقلمت بإقليمنا – تفاحة لبنانية في اللون والنكهة والرائحة.
وباسم هذا الناموس تتقلّص ضخامة الأشجار الإفريقية، مثلاً، حتى تتسع لها أوعية الفخّار التي نستنبت فيها الحبق والفل والمنتور في احواض بيوتنا الآسيوية.
والإنسان هو ابن البيئة التي نشأ بين أبنائها، وترعرع فيها، فبادلهم أشياءهم باشيائه، وتفاعل وإياهم في الكبيرة والصغيرة، في السرّاء والضرّاء، تفاعلاً قرّب ما بينهم وبينه، ومايز بينهم جميعًا وبين غيرهم من الناس، في كل بيئة اخرى.

وما يصحّ في الإنسان يصحّ كلّه في الأدب، وتصحّ فيه الزيادة.
إذ إن للأديب – فوق مناخه الإقليمي – مناخًا روحيًا يتأتى له عن مجمل ما هو م منثور وشائع في مدوات حياته، وفي اجواء روحه وعقله:
هنا رمّانة وبيلسانة.
هنا لون غروب.
هنا منديل وشال.
هنا خدّ وعين.
هنا أغان وأمثال.
هنا أحدوثة وقدوة.
وهناك أساطير آلهة وأخبار جن.
خربة، معبد، قبر. خيمة، كأس. صورة، تمثال، كتاب.
هذه المؤثرات خميرة في معجن. تلقّح النفس التي تمسها كما تطلع الخميرة العجين الذي تمسه. وهي لا تطلع عجيننًا من خارج المعجن.
كما أن تلك المؤثرات لا تلقح نفوسًا من خارج بيئتها، التي يقطع بينها وبين غيرها انقطاع العمران، وانقطاع الصلات والمواصلات.
من هنا يصح قول القائلين:
الطائر عشّه،
والشاعر ابن بيئته،
والآديب مرآة أهل زمانه.
حتى إني لا ارى كيف يجوز القول بالشخصية الأدبية، أو بالأسلوب الفني الشخصي، ولا يجوز القول بإقليمية الادب، أو بالأدب الإقليمي.
فبمقدار ما هو أدب الأديب أدب صاحبه الكاتب،
وبمقدار ما هو أسلوب الكاتب أسلوب صاحبه الكاتب،
بمقدار ذاك أدب المصريين هو أدب المصري،
وأدب اللبنانيين أدب من لبنان،
على أن في كل ذلك جامعًا مشتركصا واحدًا يرجع الفضل فيه إلى اثنين:
النفس البشرية، الأزلية – الأبدية، الواحدة.
والشركة الروحية، الغنية الفاعلة، الواحدة.
فمن تكاملت مناقب نفسه،
وانفتح له إرث واسع في تركة الناس الروحية...
وأعطى...
فهو يعطي من شعاب ادبه الإقليمي، من امتدادات ادبه الإقليمي، أدبًا إنسانيًا جامعًا يصح معه قول القائلين:
أن لا حدود جغرافية للفكر،
ولا مجامه أرضية للأدب.
فلو لم يكتب هوميروس قصة حرب طروادة التي عاش وأحس، فصوّر فيها من صور، على ما صوّر، من الدقّة والعمق والإتقان، ثم ساقها إلى أهل بيئته وزمانه... وقد يكون إلى الحبيبة التي احب... وليس إلى غير الحبيبة،
ولو لم يكتب شكسبير، وراسين، وغوتيه، على هذا الوحي من الكتابة،
لما كان بلغ واحد من هؤلاء مراتب الأدب العالمي الذي رقوا إليه على سلالم آدابهم الذاتية.
ولو لم يصوّر سرفنتس دون خيشوتيه يغالب طواحين الهواء في المزرعة الإسبانية النائية،
أو يضوّر ألفونس دوديه ترترانه – الذي هو من ترسكون بالذات – لما وجدنا في كل قرية بلبنان دون خيشوتي، وترتران، او أكثر من دون خيشوتي وترتران واحد،
ولما وجد الناس، في قراهم ونوازلهم دون خيشوتيين وترترانيين كثيرين، في كل جيل وجيل.
ولما كان دخل هذا وذاك في أقداس الآداب العالمية.

سيداتي سادتي،
انا لو أوتيت من لدن الله أن أكتب سيرة قرية ضائعة في جبال لبنان، أو سيرة إنسان ضائع في هذه القرية، أو سيرة سنديانة ضائعة في مشاعها، ووفقت في هذه الكتابة وأجدت، حتى عرف كل قروي قريته في قريتي، وكلإنسان إنسانه في غنساني، وكل جبلي سنديانته في سنديانتي،
فسموت من الخاصيات إلى العموميات، ومما هو لي، إلى ما هو لكم ولي ولكل إنسان...
انا لو أعطيت ضلك، وفعلت لوجدتموني، يومًا، ولا شك، في مراتب العالميين من رجال الأدب.
على أني أكون قد قصرت منتجعي وإعطائي وقلمي على موضوع من لبنان في ادب لبنان.

3 – وتتعلق الثالثة بمفهوم الأدب:
أكاد لا أعرف – فيما أعرف من أخبار الشعوب – شعبًا يتسع مفهوم الأدب عنده، الاتساع الذي وصل إليه مفهوم الأدب عند قدماء اللبنانيين.
كان يوم أدركت آخر انفاسه، في صباي، شغل مكانه في الأدب كل من جرى له قلم فيما يخرج قليلاً عن المألوف من شؤونهم ابتداءً في التندّر وبأخبار الأدباء ورواية شعرهم، وانتهاء بالدراسة الأدبية ونظم القريض، مرورًا بإنشاء الرسائل والمقالات.

حتى إن المتطوعين منهم لقراة رسائل المغتربين، وللرد عليها بالأسلوب التقليدي المعلوم، كانوا فر عرف بعضهم أدباء.
وأدباء جميع الذين يعنون بشؤون الأدب، حتى المادية منها، كالناشرين والطبّاعين والورّاقين.
وهي نزعة إن دلّت على شيء فعلى ما في صدور اللبنانيين من حرمة للكتاب وقدسية للقلم، أكثر ما تدل على جهل القيم وزيغة المقاييس.
كأن الأدب عندهم بعض من عبادة، والأديب خادم في هيكل العبادة، وكا ما يتصل بالأدب والأديب موصول بهذه العبادة.
شأنهم في ذلك شأنهم في معابدهم حيث تطول القداسة كل ما هو من المعبد وفيه.
في ذلك اليوم كان الباب إلى الأدب واسعًا، والوالجون فيه قلة.
ثم لم يلبث أن ضاق باب الادب، واتسع عدد الوالجين فيه.
وظل مفهوم الأدب يتصفّى عندهم على الأيام، وينعم، حتى أصبح الأديب في عرفهم، إنسانًا أصاب شيئًا من الثقافة، يحسن التبصّر والتذوّق، له في كل ما يسمع وما يرى رأي ذوّاق عليم، ويجيد التعبير عن ذاك، وعما يعقل ويحس، في أداء جميل انيق.
أما نحن فستجدنا عند هذه المقاهيم جميعًا. لأن كلامنا سيدور على جميع هذه الحقبات من عمر الأدب في لبنان.
وليس من الحق أن نتناول بمقاييس هذا الزمن أشياء كانت تقاس بغيرها.
ولا هو من الأمانة في كل حال.

سيداتي، سادتي،
ويسأل، في مستهل هذا القول، سائل:
لماذا – وقد كانت أولى تمتمات الأدب في سفوح لبنان، وفي لبنان أوائل تباشيره – لماذا عاد فحوّل الأدب عاصمته عن قرى ومدائن لبنان إلى غير دنى ومدائن؟
لماذا، مثلاً، كانت عندنا أولى التشوّفات إلى المعرفة، فأنشأ أباءنا، وأصدقاء آبائنا، المدارس في الكنائس والجوامع، في الأديار والخلوات، تحت السنديانة، وفي ظل جدران الطرق؟
ونوعوا التدريس حتى كان يدور على اللغات، والادب، والخطابة، والعربية، والأرمنية، والتركية، والفارسية، والعبرية، واللاتينية، واليونانية، والإيطالية، والفرنسية، والغنكليزية، والالمانية؟
حتى كانت هذه المدارس تطلع إلى الحياة شبانًا يلمّون بسبع لغات كالمعلم بطرس البستاني، والشيخ سليمان البستاني، وجمهرة كبيرة من رجال الدنيا والدين.
ولماذا انكب آباؤنا على وضع أولى المؤلفات التي كانت تعتبر ، بحق، أولى السلالم إلى المعرفة؟
وهي التي بدأها، في قواعد اللغة، تلمطران جرمانوس فرحات في "بحث المطالب"،
ثم استمر فيها المعلم بطرس البستاني في "مصباح الطالب في بحث المطالب" و"مفتاح المصباح"، والشيخ ناصيف اليازجي في "لمحة الطرف في أصول الصرف" (1854) و"الجمانة في شرح الخزانة" (1864)
وطوق الحمامة" (1865)
و"ألباب في أصول الإعراب"،
و"نار القرى في شرح جوف القرا"،
و"الجوهر الفرد"،
و"فضل الخطاب في أصول لغة الإعراب"،
والشيخ أحمد فارس الشدياق في "غثية الطالب ومنية الراغب"،
والشيخ يوسف الأسير في : "إرشاد الورى لنار القرى"،
وسليم تقلا في "الأجوبة الجليّة في الأصول الصرفيّة"،
والشيخ ابراهيم اليازجي في "مختصر نار القرى في في شرح جوف الفرا"، و""مطالع السعد لمطالع جوهر الفرد"،
والشيخ ظاهر خير الله في "الامالي التمهيدية في مبادئ اللغة العربية"،
وجرجس صفا في ""الفرائد السنية في إيضاح الأجرومية"،
والأب جبرائيل إده في "القواعد الجليّة في علم العربية"،
والمعلم سعيد الشرتوني في "تمرين الطلاب في التصريف والإعراب
"، وسعيد شقير ويوسف أفتيموس في : "طيب العرف في فن الصرف"،
والمعلم شاهين عطيه في : "عقود الدرر في شرح شواهد المختصر"،
وجبر ضومط في "الخواطر العراب في النحو والإعراب"، و"الخواطر الحسان في المعاني واليان"،
والمعلم رشيد الشرتوني في "مبادئ اللغة العربية"،
والشيخ عبد الله البستاني والخوري نعمة الله باخوس، فيما أضافه الاول على باب النحو، والثاني على باب الصرف من زيادات كثيرة، وإيضاحات مستفيضة لدى غعادتها طبع كتاب "بحث المطالب" في مطلع القرن العشرين (1900)،
يوم كانت المدارس، على اختلاف أنواعها، "تعلّم اللغة في الكتب القديمة، كاأجروميّة، وابن عقيد، والأشموني، والصبّان، والحريري، ( جرجي زيدان – تاريخ آدابا للغة العربية، ج: 4 ص: 255).

ويوم كان في مصر ، وحده ن الشيخ محمد الدسوقي (1815 +) يحشّي بعض الكتب القديمة، ويعلّق عليها، وليس له في ذلك غير كتابين: "حاشية الدسوقي على مغني اللبيب" وهو "مغني اللبيب في كتب الأعاريب" لابن هشام، و"حاشية الدسوقي على التفتازاني" في المعاني والييان.
ثم هي التي بدأها، على التأليف في اللغة، الشيخ ناصيف اليازجي في "عقد الجمان"، و"أللامعة في شرح الجامعة"، و"الطراز المعلم"، و"مجمع البحرين، ثم استمر فيها: "ألشيخ أحمد فارس الشدياق في "الساق على الساق"، و"الجاسوس على القاموس"، و"سر الليال في القلب والإبدال"، و"جرجي زيدان في "ألفلسفة اللغوية"، والشيخ ظاهر خير الله في "المنهاج السوي في التخريج واللغوي"، و"اللمع النواجم في اللغة والمعاجم"، و"رسالة المفعلة"، و"رسالة جيّد"، والشيخ ابرهيم اليازجي في "نجعة الرائد، وشرعة الوارد ، في المترادف والمتوارد، و"أصل اللغات السامية"، و"أمالي لغوية"، و"اللغة والعصر"، و"لغة الجرائد" و"نقد لسان العرب"، و"أغلاط المولدين" و"ألمجاز" و"النبر"
والشيخ سعيد الشرتوني في "دقائق عربية"، و"نجدة البراع"، و"رسائل الانتقاد"،
والمعلم شاكر شقير في "أساليب العرب"،
ثم هي التي بدأها، في نشر المخطوطات القديمة والتعليق عليها،
الشيخ سعيد الشرتوني في "النوادر في اللغة وكتاب مسائيى" لأبي زيد الإنصاري،
وساتمر فيها الشيخ ابراهيم اليازجي في "تحفة المودود في المقصور والممدود" للإمام بن مالك، و"الغرائد الحسان"،
والشيخ عبد الله البستاني "في الاقتضاب في شرح أدب الكتاب"، ثم الأب لويس شيخو والأب صالحاني وغيرهما...

ثم هي التي بدأها، في تسهيل معاجم اللغة، المعلم بطرس البستاني في "محيط المحيط"، و"قطر المحيط"
وساتمر فيها الشيخ سعيد الشرتوني في "أقرب الموارد إلى فصح العربية والشوارد"،
والمعلم جرجس همام في "معجم الطالب"،
والأب لويس المعلوف في "المنجد"،
والمعلم جرجي عطيه في "المعتمد"،
والشيخ عبد الله البستاني في "البستان"، و"فاكهة البستان".

ثم هي التي بدأها، في توسيع مدارك الناس،
المعلم بطرس البستاني في "دائرة المعارف"،
واستمر فيها: سليم البستاني، وسليمان البستاني، والأب شيخو، وجرجي زيدان.

ولماذا كانت لنا أول حركة تعنى بطبع الكتاب، لنشره، ولتعميم الفائدة منه، وهي الحركة التي بدأها الرهبان الموارنة، يوم انشأوا، السنة 1610 مطبعة دير قزحيا في شمالي لبنان؟
ثم استمر فيها الرهبان الروم الملكيين الشويريين، فأنشأ الراهب عبد الله الزاخر مطبعة مار يوحنا الصابغ في الشوير، (1733)، حتى انشئت مطبعة القديس جاورجيوس للروم الأورثوذكس، في بيروت، (1848)، قبل أن تكون قد أنشئت اللمطبعة الأهلية الأولى، في مصر، على يد الانبا كيرلس الرابع، بطريرك الأقباط، في السنة 1860، ثم مطبعة وادي النيل (1866).
اما مطبعة بولاق التي كان قد أنشأها محمد علي في السنة 1821 فقد أقام عليها، من أجل أنه يستقيم فيها العمل، المعلم نقولا مسابكي الماروني اللبناني.

لذلك انصرف الأدباء اللبنانيون منذ البدء إلىالعناية بأسلوبهم الكتابي عناية جد ورصانة وذوق، كانت جليلة الفوائد، إلا إذا ثبت أن هذا العطاء المنهمر وهذا التعاقب الفذ على الأساليب الأدبية المنوعة إنما هو من فيض الذات ومن انبثاقات رواسب الحضارات المتراكمة في نفوسهم الممتدة اصولها إلىأعمق اصول الشعب، فنضجت نظرتهم إلى الحياة والجمال نضجًا كيّغ أساليب عيشهم وتعاملهم وتعبيرهم. حتى جاءت جميعًا يزاهيها التنوع ويؤصّلها الغنى ويتألق فيها الجمال ابتداء بالشيخ ناصيف اليازجي الذي تسلم لغة النثر في صدر الانبعاث مفككة التركيب ثقيلة الأداء مغمورة بالصناعة اللفظية التي كانت تضفي الغموض على أساليب الكتاب فأسلمها وقد بدأت تستحكم تراكيبها، ويرشق أداؤها وتنجلي ديباجتها وتغلب الصباحة إلى وجهها.
وابتداء بالمعلم بطرس البستاني الذي بسّط لغة الكتابة فقد لها ثوبًا على قدر المعاني وأطرح هنها كل فضفاض زائد، إلى الشيخ ابراهيم اليازجي والشيخ سليمان البستاني اللذين رجعا في الأصالة الكتابية إلى ابن المقفع وابن عبد ربو وأبي الفرج الأصفهاني والجاحظ فانقاد لهما أسلوب راقي سلس هادئ النبرة محكم اللفظة والتركيب سديد الخطى إلى غاياته وأغراضه.
فإلى جبران خليل جبران الذي كتب النغم واللون بالحرف وصوّر الفكرة ونقل العقدة من الكلمة إلى الروح فاعتمد اللفظة النابضة حياة وأهمل اللفظة التي جمّدها الموت. وبعد بأسلوبه الكتابي عن كل أسلوب سابق. حتى قال قائل فيه" لو قام صبي من قريش وقرأ لجبران لما فهم عليه شيئًا".
فإلى عمر فاخوري وبطرس البستاني، وأمين نخله وميخائيل نعيمه وأحمد مكي وخليل سركيس وأترابهم الذين كل واحد منهم صنع نفسه وصاحب طريقة في التعبير متروكة كلها لحكم الزمن.
وقد أستعصى ان يكون أسلوب في الكتابة التي هي أشبه شيء بالعمل اليدوي الشاق (أمين نخلة)
عاشت بين أهلها وماتت عند جدران الأزهر قبل أن تطلع إلى فسيح الدنيا ومصاحبة الناس.
أما طريقة المنفلوطي في الكتابة التي تميزت "بالإفراط في استعمال المرادفات ومعاقبة الجمل على المعنى الواحد والإسهاب المديد التي تفيض معه الألفاظ كالوابل المنهمر" (بطرس البستاني).
وطريقة مصطفى صادق الرافعي وابراهيم المويلحي في التزويق والترفيع والحبك والرصف والنقل عن الرف بين الغبار بدل الغرف من القلب بين الأضالع فكلها طرق أدركها الموت قبل أن يدرك أصحابها.
تبقى طريقة طه حسين التي نبت لها مائة رأس ورأس، هنا وهنا وفي كل مكان والتي تورطت جميعها في التطويل والتكرار حتى كانها تسير بالقارئ سيرًا عاديًا في منبسط من الأرض فتسليه مرة وتضجره مرة". (بطرس البستاني) ويظل يصحبها على كل حال لانها لا تتعب ذهنًا ولا تكد في ذلك.
طريقة طه حسين هذه بنت أمتين الأصالة العربية المهلهلة والبيئة المصرية العريقة.
وبسبب هذا الأسلوب حدّث خليل ثابت (صاحب " المقطّم") قال:
"ألمصري محدث بارع. ينقل المخبر الصحافي المصري الخبر فيرويه عليك فتستطيبه وتطرب وإذ يحمله إليك مكتوبًا تكون قد ضاعت روعته بين القلم والورق.
وشاء الله أن يزف إلى مصر أديبها الأكبر مكفوف النظر فكانت الطريقة المحتومة عليه في الكتابة ان يحدّث هو وان يسجل الحديث سواه، قطابقت براعة الكاتب فيه براعة المحدث.
وكان أسلوب طه حسين الكتابي أسلوب الحديث.
ومن خصائص هذا الأسلوب أني يمضي فيه صاحبه عفو الخاطر الدافق سهلاً لين المراس مسرعًا مستمهلاً مستوقفًا مستفهمًا جازمًا ساخرًا جادًا قافزًا مستطردًا مرددًا معيدًا.
همه الأول أن يظل ظافرًا بانتباه القارئ فلا يدع أذنه تفرغ من نبرة الصوت وتسكاب الكلام ولو جرّ ذلك إلى تجمد المعنى في اضطراد اللفظ أو جرّ إلى تعمّد خلق المفاجآن.
ولا أدري أفي هذه الطريقة أم في مثلها قال آلان في كتابه "خواطر في الأدب" قوله المأثور:
"هناك عجز في التواصل يبدو كأنه تقصير في الإفهام وهو مرض يحمل صاحبه على الشك في انه قد فهم. ثم يحمله على أن يتأكد باستمرار من أنه قد فهم".
هذا القول وإعادة هذا الشرح وتكرار الشرح والترداد المتواصل بغية الإفهام إنما هو نوع من السبة المستمرة يرشق بها وجه الكاتيز على أنه يبقى لأسلوب طه حسين ابتعاده عن جمود الأساليب العتيقة واقترابه من الحياة دون أن ينحرف إلى الركة والابتذال.

سيداتي سادتي،
قد يكون الأدب اللبناني أكثر الآداب العربية تنوعصا،
على أن عهد اللبنانيين بالعربية ليس بعيدًا.
فهو يرقى إلى الفتح العربي وهي لم تترسخ في جبالهم إلا مع المعنيين.
ومع ذلك يبقى الأدب اللبناني أكثر الأدابا لعربية انواعًا أدبية.
فقد نظم شعراؤهم في الملحميات والغنائيات والمثيليات ونظموا في الشعر القصصي والتاريخي والتعليمي ونظم بعضهم في الأحاجي والألغاز وسبك القصائد العواطل وعواطل العواطل والخيفاء والرقطاء والمعجمة والملمعة ما عجز في مثله الأقدمون
وألف أدباؤهم في القواعد والأصول، في فقه اللغة وفلسفتها، في التاريخ والأخبار واليوميات،
وكتبوا في القصة والتمثيلية والمحاولات.
ووضعوا الدراسة الأدبية،
وأنشأوا في الترسل والشذور.
وكان منهم خطباء طارت لهم شهرة بعيدة.
وانكبوا وحدهم على كتابة المقال السياسي الذي دشن عهده الأول المعلم سليم البستاني في مجلة "الجنان" تحت عنوان دائم "جملة سياسية.
ونجحوا وحدهم في ادب المحاضرة.
وهو نوع ادبي جديد روجت له الجامعتان اليسوعية والاميركية في بيروت ورسخت فنه هذه الندوة اللبنانية.
ثم هم نقلوا إلى العربية وعنها. وانشأوا في كل لغات الأرض نثرًا وشعرًا.
حتى كان منهم شعراء وكتاب مجيدون في الفرنسية والإنكليزية والإسبانية.
وقد تميز الأدب اللبناني بالموضوعات ذات النفس الطويل وبالطتب الجامعة كـ"ألمحيط المحيط" و"أقرب الموارد" و"البستان" و"دائرة المعارف" و"الإلياذة" و"تاريخ الأدب العربي" و"ألروائع و"عيد الرياض".
ولم يكتب العمر الطويل إلى الجرائد والمجلات التي تعهدتها عزائم من لبنان كـ"الأهرام" و"لسان الحال" و"الهدى" و"المشرق" و"ألهلال"
وقام على خدمة الأدب اللبناني رجال دنيا ودين من كل ناحية وصوب.
فلم تمنع السياسة سليمان البستاني النائب والسفير والوزير أن يتوفر على لانظم والتأليف والتعريب.
ولا متعت إسبر شقير وشكيب إرسلان ورشيد نخله وأيوب تابت وموسى نمور وعبد الحليم حجّار وشبلا دموس عن المضي في طريق الكتابة والتأليف.
ولم يمنع الطب والهندسة والمحاماة شبلي الشميل وشاكر الخوري ويعقوب صروف وفارس نمر ويوسف أفتيموس وجرجس الصفا أن ينصرفوا إلى الإنشاء والتأليف.
ولا حالة الحبروية عند الدويهي وفرحات وعواد والدبس وأبي كرم والفغالي وديب، أو حالت المشيخة عند مصطفى الغلاييني ورائف فاخوري ورئشيد رضا، او حالت الرسالة الروحية عند جمهرة كبيرة من رجال الرهبنة والدين دون انكبابهم على الكتابة والتأليف ولا قطعت التسوية طريق الكتابة على وردة اليازيج، مي زيادة، عفيفة كرم، سلمى صايغ، جوليا دمشقية، أفلين بسترس. كان الادب يمازج النفس اللبنانية وهو منها بمثابة الروح .
لكل من اللبنانيين ردة آلية ولو طالت الردة.
ويعزز هذا الظن تعاظم عدد الشعراء الشعبيين القوالين في كل قرية من قرى الجبل وفي بعض سواحله ومدائنه.
وقد بدا على الأدب اللبناني في معظمه وعلى اختلاف فنونه وأنواعه ميل إلى البوهيمية الأدبية كأن يتحلق اسكندر وسليم العازار وبشارة الخوري وطانيوس عبدو ورفاقهم حول طاولة وكأس في حانوت لحام.
ثم ينضح ادبهم بروح هذه الحلقة.
وأن يتحلق آخرون في دكان وراق او بيت أحدهم على كأس ودردشة وكلام طيّع.
ثم ينم ادبهم على كل ذلك.
ولعل أطيب ما في أدب الياس أبو شبكو ويوسف غصوب وأمين نخلة تلك البوهيمية التي يندر أن تجتمع هي هي في نتاج متفلت ثائر ومتبحر ذاهل ومتشوف أنيق.
وهذه البوهيمية في ادب اللبنانيين إما تكون الحرية بالذات أو تكون الطريق إلى الحرية أو تكون من نتائجها.
إذ الأدب اللبناني تعبير عن الحرية اولاً وقد حاولنا أن نقيم الدليل غير مرة من فوق هذا المنبر على أن اللبناني رجل حر يكافح حتى الموت من أجل حريته.
فيصعب أن يكون ادب اللبنانيين وهو زبدة زبدتهم غير أدب الحرية.
ومن أبرز الأدلة على ذلك ميل الأدباء اللبنانيين في أول نهضتهم إلى المفكرين الذين وجدوا فيهم تطلعًا إلى التجدد ودعوة إلى التحرير وسعيًا وراء الحرية كفولتير وروسو ومونتيسكيو وداروين.
ثم ميلهم غلى الثورة الفرنسية والتعلم بتعاليمها والتعلق باهدابها.
وقد كان أول من حاول تاريخها في هذا الشرق جماعة من لبنان كالأمير حيدر شهاب (1761 – 1835) ونوفل نعمة الله نوفل والمطران يوسف الدبس.
وأول المتأثرين بها سليم البستاني وأحمد فارس الشدياق ود. شاكر الخوري ود. شبلي الشميّل. وأديب اسحق وفرح أنطون وأمين البستاني وأمين الريحاني والشيخ رشيد رضا وجبران خليل جبران ود. أيوب تابت والشيخ مصطفى الغلاييني وخليل مطران وبشارة الخوري والياس أبو شبكة على ما أثبت الأستاذ رئيف خوري في كتابه "الفكر العربي الحديث".
ومن الادلة على حرية اللبنانيين نفرتهم من الكبت والاضطهاد ونزولهم على الرحابة وإن نسبية كلما أوجسوا خيفة على أقلامهم.

من ذلم نزول شكري غانم وخير الله خيرالله وصحبهما إلى باريس، ونزول سليم وبشارة تقلا ويعقوب صروف وجرجي زيدان وسبلي الشميل وخليل تابت وخليل مطران وصحبهم على مصر ونزول تلك الكوكبات اللبنانية الحلوة على مختلف المهاجر.
ونزول أحمد فارس الشدياق على لاقسطنيطينية بالذات ليكون قريبًا من بيت الداء فيعرف كيف يتقيه.
ومن ذلك حمل اعناقهم إلى حبال المشانق.
وإنهم لا يابهون بالضطهادات والسجون فيتصدوا لها أباة ويدخلوا فيها اعزة وفد دلت على دروبهم في معارج الحرية معالم كثيرة الوضوح.
هنا "ذكرى وعبرة" لسليمان البستاني
هنا "نيرون" لخليل مطران.
وهنا معظم الذي جرى على قلم جبران واسحق والريحاني والخازن ورضا والفاخوري وأبي شبكة وصلاح لبكي لألا نتجاوز طيب ذكر الغائبين.
وفي اساليب اللبنانيين الأدبية ما ينم على أثر الحرية الظافرة كخروجهم على سياق الأخطل في الكتابة واعتفائهم من لوازم التركيب المقيد وأطراح التسجيع والقوالب الجاهزة وإشاعة الصباحة والزفزفة غي الكلام والقفز إلى مختلف الأنواع الادبية، سواء أتطرق إليها العرب ام لم يتطرقوا إليها من قبل.
ثم القفز في حدود النوع الأدبي الواحد من الرومنطيفية إلى البرنساية إلى الكلاسيكية المستأخرة فإلى الرمزية قفزًا عجيبًا. لا هو يضرهم أو يضر قراءهم ولا هم على وجوههم يهيمون.
لعل هذه الحرية المحيية من نتائج أصالة اللبنانيين في عالم الحضارة وقد تعاقبت عليهم على التوال حضارات كالفينيقية واليونانية واللاتينية والسريانية والعربية والأأوربية وكانت كل منها في عصرها خلاصة الفكر البشري. او هي من نتائج شيوع الحضارة في مختلف اوساطهم شيوعًا جعل من حضارة اللبنانيين حضارة شعب لا حضارة طبقات او أفراد فبرزت هكذا.
قيمة الحرية الفردية التي تفشت في جميع أعمالهم وتصرفاتهم وأدائهم وهي نتيجة نلك الثقافة المركبة التي هي بدورها نتيجة تلك الحضارات المتعاقبة عليهم والتي هي أبعد ما تكون عن البساطة والتسطّح والبدائية تفرض العمل الطويل والاختبار الواسع.
فلا تصفق للبديهيات ولا تعجب بالابتدائبات ولا تثور حماسة لدى ما تتحمس له الشعوب الفطرية في جميع الفنون ولا تقف في طريق نموها صعوبات وعقبات على ما يقول الأستاذ فؤاد افرام البستاني في أبحاثه.

سيداتي سادتي،
كان بالإمكان – والحديث بيننا خواطر – ان نقف عند هذا الحد من الكلام فلا نستطرد فيه إلى نتائج. نختم على هذه الملاحظات الخاطفة برأي ولكن ماذا يمنع أن نعقد الكلام على خلاصة:
ما دامت الحضارة اللبنانية عصارة حضارات كل منها في عصرها خلاصة الفكر البشري.
وما دامت حضارة اللبنانيين حضارة شعب لا حضارة طبقات وأفراد
وثقافة اللبنانيين تلك الثقافة المركبة ووتراثًا إنسانيًا كثيفًا.
ولغة اللبنانيين تلك هي أقرب في الكتابة إلى الحاجة وأدل على الغرض وأسلس في الأداء وأرسخ في الجمال.
وما دام تطلعهم إلى الدنيا من فوق هذه الجبال، ودامت لهم قدم في الأزرق المتوسط يجرونها عليه كلما هتف في الصدر هاتف إلى الندوات البعيدة والدنياوات العنيقة الجديدة.
وما دام العناء والغنشاد على الحب والجمال حاجة ملحة في نفوسهم.
إن ماتت هي او ماتت الحسننة على مناقير اللبنانيين مات الحسن أسًى على هذه الشطآن.
وما دامت الحرية مطلبهم الأول، فلا تقوم على أرضهم سيادة لفرد ولا سيطرة لمذهب ولا تحكم لتوجيه.
فما دام كل ذلك قائمًا فستظل أرض لبنان أرضنا المنورة الحلوة ملتقى الحاضر بماضيه مصب الغرب في الشرق، مهد الانتفاضات والالتماعات الفذة، مطلع الفيض بلا عناء ينهد منها البساتنة واليازجيون الصبّاح وطربيه، جبران ومالك، شربل ورفقا، كما ينهد عبير الورد من الورد لا جهد ولا منة.
ثم لا ينفرد ناهد عن رهيله.
فتتحلف في كل فن أسرة الفن عليه ويمشي الجبل الملهم. كوكبًا في أثر كوكبة.
إذا مات منهم سيد قام سيد
تهني على الناس هناء حتى لا ينقطع المعين.
وفي الجبل الماشي جوقات تناشد الله وتنشد اللهم تباركت تباركت تباركت اعطنا المعرفة فنحيا.
  الطائفية في لبنان

نشأتها وحقيقتها
مجلة الندوة اللبنانية
السنة الرابعة – النشرة 7 – 8
25 حزيران سنة 1950.

... وبعد ، فهل تأذنون، سيداتي، آنساتي ، سادتي، أن نجعل الكلام، في العلانية على أمر أريدت له العلانية لدى الممارسة، وأريد له الاستتار، كما في المعاصي، لدى التحدث فيه؟

وتأذنون أن أتجشّم المركب الوعر فأبدي، أمامكم، شيئًا من المرويات، والاعتبارات، والتأملات في الطائفية:
هذا البعبع الذي هو في أيدي المسؤولين دستور، وشرعة، وسلاح، والذي هو علينا سبّى، ورجعية، ولعنة؟!
فإن أذنتم نبدأ، بعد التحديد: من أين لنا الطائفية؟
الطائفية، أيها السيدات والسادة، ليست بضاعة من السماء، إذ الأديان هي بضاعة السماء.
والطائفية ليست بضاعة وطنية، إذ الإلفة هي البضاعة الوطنية.
وليست الطائفية بنت القداسة، وإنما هي اخت السياسة.
فالطائفية التي نجد في قواعدها الطوائف، والتي نجد في صفوفها أبناء الطوائف، إنما هي غير الطوائف.
ذلك ان الطائفية، موضوع حديثنا الليلة، مزيج من قشور الدين دون لبّه، ومن شعائر الإيمان دون الإيمان، ومن غيرة القساوسة والمشايخ دون رأفتهم واستلهام ربهم،
ومن سذاجة اللبناني دون فطنته وذكائه،
ومن عمل السياسة دون وعيها وضميرها،
ومن خبث السياسيين وقساوة قلوبهم...
ومن جحود الكثيرين بلبنان...
فإذا كانت الطائفة جماعة من الناس توافقوا على كمية معلومة من المفاهيم الدينية، وجرت العادة بينهم على ممارسة بعض الطقوس والشعائر فنشأت لهم، عن ذلك، تقاليد موروثة وتشكيلات محددة معلنة،
تكون الطائفية تحميل تلك الجماعة – فوق ما لها من مفاهيم دينية وطقوس، وعادات، وتقاليد – عصبية هي في رأي المحمّلين، صميمية ملازمة لتلك المفاهيم والطقوس والعادات والتقاليد.
وتكون الطائفية، في رأي هؤلاء تآزرًا بين أبناء الطائفة الواحدة، وتباغضًا بينهم وبين الخارجين عنها. وتكون عملاً مستمرًا واعيًا على إنماء ما في يد الطائفة من وسائل بغية إضعاف ما في يد الطوائف الاخرى من الوسائل، تقضي بالنتيجة – إذا وفق الله! – إلى ان تبيد كل طائفة كا طائفة اخرى.
فلا يبقى غير الظافرين.

أعرف، وقدقادني إلى ذلك التاريخ، أن اللبنانيين في زمن لحق شيوخنا شيوخه، يباعد بيننا وبينه قرن وبعض الآحاد من السنين، كانوا في سواحلهم وجبالهم يعايشون المسألة والأخاء، بيت الواحد منهم يساند بيت الآخر، وتتبرك بجدران الكنائس العباءات، وترفع من مختلف الأديان والطوائف، إلى مقام الأولياء، يوسفًا كان أو عز الدين، النذور: أساور من زنود الأخوات، محابس من أصابع الزوجات والامهات، بخورًا وشموعًا من وفر الصبايا وإدخار النابهات.
أعرف، وقد قادني إلى ذلك التاريخ، أن بعض العائلات اللبنانية الدرزية مثلاً كانت تربط نفسها بوشائج الأخوة والقربى إلى بعض العائلات اللبنانية المارونية مثلاً. وبالعكس.
من ذلك ما كان، في أبان الاقطاعية، بين الجنبلاطيين جولوا الخازنيين حق ادعاء إرثهم عند عدم وجود الوريث الجنبلاطي، وبحيث أن أفراد الخازنيين كانوا يقرنون بأسمائهم اسم العائلة الجنبلاطية فيتسمى واحدهم، بالشيخ جنبلاط الخازن ويبقى، إلى اليوم، في عجلتون الخازن وقف يعرف هناك "بوقف بيت جنبلاط" أي جنبلاط الخازن.
ولم يقتصر شيوع هذه الأنساب "ألمجاملية" على كبيرات العائلات الاقطاعية وإنما تعداها إلى غيرها فكان للبساتنة، مثلاً أقارب دروز من الحماديين.
وإن ما جرت عليه العادة بين الموارنة والدروز كان داريًا مثله بين الموارنة والشيعيين، وبين المسيحيين إطلاقًا والمحمديين.

وقد كان لهذه العادة المشكورة ردة بعد انقطاع.
فأصبح لي، أنا المسيحي الماروني، بحكم هذه العادة أبناء عمومة من آل عنان المتاولة الشيعيين، كما أن لغيري من أبناء قريتي الساحلية، أبناء عمومة من الشيعيين وأقارب.

وأعرف، من شاهد التاريخ، أن كبارًا وصغارًا من أمراء لبنان كانوا ينتقلون من دين إلى دين ومن طائفة إلى طائفة فلا يبطر ذلك أبناء دين الأمير المعتنَق، ولا ينكس ذلك أبناء دين الأمير المتروك.
وأعرف أن أوقافًا مارونية كثيرة قد اتصلت بالرهابين عن يد أمراء الدروز ومشايخهم كما في القسم الوافر من أوقاف دير الناعمة، في ساحل الشوف، عند حد الدامور.
وذلك لقاء لا شيء أللهم سوى وعد يقطعه الرهبان للنكديين في أن ينشئوا كنيسة ومزارًا على إسم أحد القديسين الأبطال فيجعل دير الناعمة، مثلاً، في شفاعة مار جرجس راعي الحصان، وقاتل التنين.

ونعرف جميعًا شيوع الأسماء الواحدة بين العائلات الدرزية والمارونية والاورثذكسية والسنّية والشيعية من مثل: شقير، سليم، أبو الحسن، شبير، عبد الساتر، الحسيني.

وشيوع اسم يوسف مثلاً في المسلمين والمسيحيين والدروز.
وهو إطلاق ان لم يحدث التقريب، يدل ولا شك على رغبة فيه وإرادة.

وقد يكون من الخير، في لبنان، تجريد الأسماء من ألوانها.
وأعرف عن المسيو بوجولا الرحالة الفرنسي الرواية التالية، قال:
"بينما كان اثنان من شركاء الأمير بشير الكبير في طريقهما إلى بيت الدين، ينقلان إلى أهرائه حصته من الأغلال جبه أحدهما – وكان مسلمًا – الآخر – وكان مارونيًا – بسؤال:
أليس أن دين الأمير الإسلام؟
فأجابا لماروني:
بل إن دين الأمير المسيحية. فهو ماروني.
وقد زادهما تشبث كل منهما برأيه حدة وتصلبًا حتى هم واحدهما بالآخر ضربًا فأطل عليهما، من حنوة جبل، درزي فاتخذاه حكمًا، وإذا حكم الدرزي:
إن الامير درزي.
عندها رأى المتخاصمون أن يكون القول الفصل لرجال بلاط الامير في بيت الدين فيمموا شطره.
وما كاد يعلم الأمير باختلافهم حتى أمر بأن يفلق كا واحد منهم مائة ضربة على بطن رجله.
وأنذروا أن الذي يعود منهم إلى مثل ذلك الحديث في طائفة أمير ودينه يرفع على الخازوق.
وانصرف اللاهوتيون الثلاثة يحمل كل واحد منهم شهادته في رجله.
ولا أعرف، من وقائع التاريخ، أن لبعض اللبنانيين فضلاً في الشرف على البعض الآخر بحجة أن لهذا المعتقد فضلاً في الشرف على المعتقد الآخر، أو لأن دين بعضهم دين الأمير ولأن معتقد بعضهم معتقد الأكثرية.
فماذا طرأ والحالة هذه على أولئك اللبنانيين الآمنين حتى انقلب عزهم نجسًا، وسعادتهم بؤسًا، وصفاؤهم رجسًا؟!

كان، عندما استوثق محمد علي الكبير من حالة "ألرجل المريض"، واستوثق من حدب فرنسا عليه، ومن قوة محالفته للأمير بشير الشهابي الكبير، كان أن شق عصا الطاعة على مولاه السلطان العثماني، واندفع في اتجاه اسطنبول، فاتحًا الولايات المتحدة والبلدان، التي تعترض طريقه حتى وقف الفتح بابنه ابراهيم في قونيا على أبواب اسطنبول.
لابراهيم الفاتح، على طريق المجد، سيرة كتبها بنفسه، طوال عشر سنين، وحفظها له التاريخ، وكانت أبرز السطور في هذه السيرة السطور التي دوّنها لنفسه إرضاء لحلفائه في أوروبا وهي التي تتعلق بتحرير الشعوب بعضها من عنجهية البعض الآخر راسمًا لأبناء الشعب الواحد المساواة في الحقوق والواجبات والاستفادة، سواء بسواء، من خيرات المجتمع والبلاد ومن حكم الحاكم فاركب على الخيل من كان قد قضى عليهم دينهم أن يبقوا بين المشاة، وجعل في أقدام المشاة الحذاء الأحمر الذي كان قد امتنع عليهم، من أجل دينهم، قبلاً، وأطلق يد المحرومين، لدينهم في الوظائف العامة.
غير أن مراحم ابراهيم الفاتح وقفت عند أبواب لبنان. لا لشيء سوى أن اللبنانيين كانوا قد سبقوا، عهد الفاتح، إلى ممارستها والتمتع بخيرها العميم.
ولم تكن المساواة لتختل في لبنان، بين أبنائه، إلا بحكم الطبقية ولا أقول الاقطاعية التي مجال الكلام عليها في غير هذا المقام وقد يكون ذلك أمام حضوركم الكريم في وقت قريب إن شاء الله.
على أنه قد أصاب لبنان من ابراهيم الفاتح غير المراحم، وغير ما كان من شأن الإمارة الللبنانية معه، ومن شأن انحلالها بجلاء الجيوش المصرية عن أرضها، وانصرام عهد أميرها الشهابي الكبير، فلابراهيم الفاتح في بلادنا، سيرة تنشر كلما نشرت على الناس قضية الطائفية.
كان ذلك في السنة 1839 يوم خرج الدروز، في حوران، على طاعة ابراهيم باشا، فتوجه إليهم يؤدبهم بجيشه فلم يسعفه الجيش فأراد له نجدة.
فأنجده أمير لبنان بأربعة آلاف رجل بعد أن تك تجهيزهم بالعدد والمؤن المتصلة إليه من عامل ابراهيم في عكا.
وما كاد يصل اللبنانيون إلى حوران، ويشتركون في القتال حتى أعلن الظفر، في دمشق، بإحدى وعشرين طلقة مدفع.
ثم عاد جند الأمير إلى قواعدهم سالمين.
بيد أن سلامتهم لم تكن من السلامة العامة، ونصرهم لم يكن نصرًا للبنان.
ذلك أن جند الأمير الذي وجه إلى حوران كان جندًا مسيحيًا، وكان الموارنة الاكثرية الساحقة فيه نزولاً عند طلب ابراهيم الذي كان يخيفه أن يتفق دروز لبنان على محاربته ودروز حوران، وهو الطلب الذي عارضه الرأي الماروني العام إذ إنه لم يكن يفرّق آنذاك بين دروز حوران وبين إخوانهم الدروز البنانيين.
فساء أصحابنا الدروز، هنا، أن يكون مواطنوهم الموارنة قد أرادوا شرًا بإخوانهم الدروز هناك.
وساءهم، لدى العودة، تبجح المحاربين الغالبين (وشاهد الحرب شاهد لفعاله، فالعراك ما شهد هو من الغلبة، والقتلى من قتل، والنصر لولاه لما كان نصرًا مبينًا).
وساءهم أن يرجع الجند وأن لا يُرجع سلاحه للأمير.
إذ إن كل واحد من المحاربين الموارنة الظافرين قد احتفظ ببندقيته وسيفه هبة له من أميره وحليف ذلك الأمير.
فرسخ في نفوس الدروز هنا، أن الغلبة التي أحرزها موارنة لبنان، في جوران، قد احرزت عليهم . وأن الدم الدرزي الذي أريق في حوران دم من قلب لبنان.
ورسخ في نفوس الدروز، هنا. إن الموارنة في غطاعة أميرهم وحليف أميرهم ابراهيم قد أعلنوا لهم العداء.
وثبت، أمام عيونهم أن جيرانهم العائدين من حوران، ينقلون سلاحًا وهم لا ينقلون، فاستنتجوا أن للمعركة جولتين: واحدة في حوران وقد انتهت وثانية في لبنان فتربصوا لها حانقين.
وكان أن في السنة 1840، وقد ساءت حالة الفتح، والتوى الفاتح عن مراكزه المحرزة، وتعاظمت الكماشة الأوروبية حواليه، ونهدت عن جانبي طريق العودة المشاكل...
إن جرّد ابراهيم اللبنانيين من سلاحهم فاستعاد الهبات: بنادق وسيوفًا ثم عاد يخلعها على المجندين بأمره، وبحكم المصادرة أحيانًا، فانتقل السلاح من يد إلى يد، وعقب اختلال التوازن الأول اختلال بالتوازن جديد، وتبدى في قلوب الموارنة من العواطف المميتة ما كان قد أفرخ منها قيدمًا في قلوب الدروز فراحوا بدورهم، يتربصون للطوارئ حانقين.

وكان – وهنا أدهى ما كان!!- أن انتقلت سياسة المشرق إلى يد من غير أهله.
كان أن بدأت طريق الهند تشغل بال سيدة الهند التي جعلت لنفسها مطلبًا في البعيد.
وراحت تريد طريقًا إلى المطلب البعيد.
وشاءت الطريق أن تكون من هنا عبر أمالنا وبلاد أجدادنا.
فكيف يمكن للطريق أن تستقيم ودونها مملكة تنشأ مع محمد علي في مصر وإمارة تستكمل مقوماتها مع بشير الثاني في لبنان. وإن هذه الإمارة وتلك المملكة حلفتان لفرنسا، فلا بد، وقد ارتسمت معالم الطريق، من أن تزول المملكة ولا بد للإمارة من أن تقوض أركانها.
وغب التنادي إلى حلف أوروبي استُبعدت عنه فرنسا، جعلت شروطه في معاهدة لندن بتاريخ 15 تموز 1840، شرعت بريطانيا العظمى – وقد أمنت جانب روسيا وبروسيا والنمسا والرجل المريض، وخلافًا لروح المعاهدة وحرفها – شرعت تعمل على إزالة المملكة الناشئة في مصر بالاحتلال، وعلى تهديم الإمارة المستمكنة في لبنان بالفتنة.
وإذا المخالب من كل جانب.
وترانا لا تعبأ، هنا، ألا بالمخلب الذي أحكم بالطوائف استجماعًا لمجمل عناصر ما سموه الطائفية في لبنان وإيضاحًا لنشأتها في التاريخ.
لقد عرف البريطانيون أن في لبنان طوائف.
وعرفوا أن كبيرتي هذه الطوائف هما: المارونية، وعدد أبنائها، يومذاك، في سبيل لبنان 95350 مارونيًا.
والدرزية وعدد أبنائها يومذاك 35600 درزي.
وعرفوا أن للروم الكاثوليك بين اللبنانيين 41090 وللروم الأورثوذكس 28600 شخص، وللمناولة 12330 شخصًا، وبعض اليهود، وبعض المسلمين العثمانيين.
في ما عدا ما كان للسنة من أتباع في السواحل.
وعرفوا، ولا شك، من وجود الفرنسيين على أرض لبنان منذ ما يقارب عهد الصليبيين، إن للموارنة صديقة عريقة هي فرنسا. ويعرفون من الأوراق والوثائق التي يحسنون جمعها للاسترشاد وللتحجج أحيانًا، يعرفون أن ملك الفرنسيين، القديس لويس ، قد وجه، في ما وجه إلى الموارنة، في الثرن الثالث عشر، رسالة بواسطة أحد بطاركتهم تقول:
"إننا لعلى كامل الاقتناع بأن هذه الأمة التي يظلها اسم مارون إنما هي جزء من الأمة الفرنسية.
ذلك أن صداقتها للشعب الفرنسي تشبه من قريب الصداقة التي يبديها الفرنسيون للفرنسيين أنفسهم.
وعليه فإنه لمن العدل أن ترتعوا، أنتم، والموارنة جميعًا بالحماية، نفسها، التي يرتع بها الفرنسيون أنفسهم في ظلنا.
ومن العدل أيضًا، أن تقبلوا جميعًا وظائف الدولة عندنا مثلكم مثل الفرنسيين سواء بسواء.
ويعرفون أنهم إذا دلوا أورثوذكس لبنان إلى صديق قد لا يرفضونه.
وإذا وجهوا كاثوليك لبنان إلى صديق قد لا يرفضونه.
ويعرفون، في الكثير الذي يعرفون، أنهم أصدقاءا لدروز.
وإذا ضمة من سفراء الدول تجتمع في اسطنبول:
هذا": السيد Brunow يمثل روسيا وأورثوذكس لبنان.
وهذا: السيد Neumann يمثل النمسا وكاثوليك لبنان.
وهذا السيد Bourgueney يمثل فرنسا وموارنة لبنان.
وذاك: السيد Palmerston يمثل بريطانيا العظمى والدروز.
وإذا أولئك السفراء أنفسهم يمثلون بقناصل كبار في بيروت، وبقناصل صغار يزرعونهم هنا وهناك في حواضر لبنان ومدنه. وإذا – بعد حين – لكل طائفة في لبنان، دولة.
ولكل فرد من أبناء الطائفة "ظهر".
ولكل جماعة "نبي" يصلون عليه غير الأنبياء الرسلين.
ولم يكتف المخلب الذي أصاب الفرق الطائفي بهذا المثدار مما أصاب.
وإنما أمعن عمقًا وتمزيقًا وإيلامًا إلى أبعد فأبعد وأكثر فأكثر.
من ذلك أن أخذ عمال البريطانيين يتوافدون، إلى هذه الديار، أفرادًا وجماعات، من كل لون وجنسية، فيتسللون في جسم الأمة اللبنانية، ويسعون سعيهم الحثيث في نسف قواعد الإمارة تارة، وفي زعزعة أركان الأمة تارة، وتقويض امتيازات الأمة في كل حين.
وأفاق اللبنانيون على المستر تشرشل الذي عرف بيننا بشرشر بك الإنكليزي يرتع هانئًا في مباهج بحوّاره بالقرب من عاليه، محاطًا باحترام الساذجين، والساذجون مغمورون بالهدايا والهبات.
وأقاموا في ذوق مكايل، قرب جونيه، على الفيكونت أونفروا الفرنسي الذي عمل لحساب بريطانيا بدليل أنه قدم يواكب أسطولها مع السر شارل نابيار بعد أن كان قد قام، طوال أربع سنين، بقسطه الوافر في ما عُين له قبل ثورة 1840 وفي ثنائها وهو الذي عرفه اللبنانيون باسم أمير العسكر الفرنسي.
وأفاقوا، في غزير، على المستر وود، ذلك الكاهن الإيرلندي الذي عمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا.
كما أفاقوا، هنا وهناك، على زائرات بريطانيات نبيلات كالليدي أستير استنهوب في جون.
وعلى عائلات بريطانية ترتحل من بلادها حينًا ومن قبرص أحيانًا، لتتمركز في بلادنا فيتزيّا أعضاؤها بزي أبناء البلاد، ويحيون حياتهم.
وكما أفاقوا على مثل أسعد الخياط ممن كانت لهم كلمة مسموعة في لندن قادرة على توجيه البعثات من الناشئين اللبنانيين لاغتراف العلم من المعاهد والجامعات البروتستنتية الدينية.
وكان بعد أن أجهز البريطانيون على الإمارة، في لبنان، وعلى ما كان ينتج عن الإمارة من امتيازات، كان أن عمدوا إلى إنماء روح التفرقة بين اللبنانيين فوفقوا إلى مذابح 1841 فمذابح 1845 فمذابح 1860.
ومن غريب المصادفات أن تندلع فتنة السنة 1841 ليلة الخامس والعشرين من أيار.
وأن تستقبل حوادث السنة الستين ليلة الخامس والعشرين من أيار.
ولا بد من الإشارة هنا، إلى أنه بعد ثلاث من ليالي الورود – في الخامس والعشرين من أيار – تستقبل البلاد لآخر مرة، العام الرابع والأخير، من انتخابات هي طعنة في صدر الحربة وجرح.
وكيف كان ذلك؟
حتى في ذلك الزمن لم يكن ميسورًا للدساسين المجرمين أن يقيموا محمدسًا على نصراني، أو نصرانيًا على محمدي بدافع أن محمدًا لا يرتاح إلى المسيح أو المسيح لا يرتاح إلى محمد فألبسوا مساعيهم أثواب الرباء، وجملوها بالسياسة، وزركشوها بالحقوق، وقالوا للدروز:
جبلكم جبل الدروز يدعى. ففي مَ أنتم منشغلون؟ وهل يحكم الدروز أمير ليس من الدروز؟!
على أن البريطانيين كانوا يعلمون علم اليقين أن أكثرية سكان الجبل اللبناني – وقد كان يدعى جبل الدروز – ليست درزية. فقد قرئت عليكم الأرقام في ما تقدم.
وقد استقيتها خصيصًا، من مرجع بريطاني وهو كتّاب سوريا بين السنة 1840 والسنة 1862 لواضعه الكاتب الإنكليزي "ريشرد أدوردي".
وهناك إحصاءات وردت في كتاب "لاشيل لوران" الفرنسي طبع سنة 1842 تؤيد النسبة الواردة في الأرقام التي قرئت عليكم ولا يعقل أن يعرف "أدوردس" و"لوران"، آنذاك، ما كانت تجهله الدوائر اللندنية.
فهب الدروز لساعتهم يطالبون بحاكمية الجبل.
فنتج: ان سقطت الإمارة مع سقوط الأمير بشير ملحم قاسم شهاب الملقب بالأمير "بو طحين" لأن الطحين كان رخيصًافي أيامه رحمه الله ورحم عهده!
ثم قالوا للدروز:
إن لم يكن كله فجله.
فطفق الدروز يقولون إنهم لا يخضعون لحاكم ماروني.
وإنه إذا تعذّر أسناد حكم الجبل إلى واحد من إقطاعييهم فلا أقل من أن يسند إليه حكم المقاطعات الدرزية.
فنشأت، من هنا، فكرة القائم مقاميتين أو على الأصح أنزلت عن الرف حينما كانت تنتظر، فكرة القائم مقاميتين.
وطبيعي أن يكون الموارنة والمسيحيون الآخرون ومَن وراءهم بالمرصاد – وقد كانوا أكثرية في قلب المقاطعات الدرزية كما كان في العرقوب، في الجردين، في الغَربين، في إقليم التفاح، في المناصف والشحّار، في إقليم الخروب، وفي جزين.
فلُقنوا على كونهم الأكثرية، أن يثيروا قضية الأقليات المسيحية في المقاطعات التابعة للقائم مقامية الدرزية.
وأن يقولوا إنهم لا يخضعون لحكم حاكم من الدروز.
ونسي الجميع أن الإمارة والامتيازات تنازع، رويدًا رويدًا، بين مطلب وطالب، وبين طالب ومجيب لولا أن صوتًا لبعض المعاندين كالمطران نقولا مراد، مثلاً، كان يعلو من بين هذه الجمجمة ليعيد إلى الأذهان ذكر الإمارة وذكر شبح الامتيازات التي كانت آخذة بالتقلص وبالزوال.
ولا يلبث أن يشتد اللغط بين من يقول للأقلية أن ترتحل إلى حيث هي الأكثرية التي من جنسها، وبين من يقول عن الأكثرية بل تبقى الأقلية عندنا شأنها بيننا شأن أقلية الدروز بين أكثرية النصارى.
وبين من يقترح الوكلاء فيُجعل لكل أقلية ضمن قائم مقامية الأكثرية وكيل يمثل مصالحها لدى قائم مقام الأكثرية ويشترك معه في إدارة شؤون تلك الأقلية.
وبين من يقول عن الجميع بضرورة تعديل الخط الفارق بين القائم مقاميتين، فبدل أن يكون الحد بينهما طريق دمشق – بيروت.
فليجعل حد القائم مقامية الدرزية حيثما يوجد درزي في لبنان وليجعل حد القائم مقامية المسيحية حيثما يوجد مسيحي في لبنان.
أي أن يطول حكم القائم مقام الدرزي كا درزي أينما وجد بدون ما التفات إلى الأرض التي يعيش عليها. والعكس.
ويشتد اللغط والصراخ، ثانية، إلى أنيهمد على رقرقة الدماء البريئة من جراء تأزم حزبية اللبنانيين التي ابتنوها لهم على أساس المعتقد والطائفة والدين وعلى أنقاض الحزبية اللبنانية القديمة، التي قوضوها حتى آخر حجر والتي كانت تقتسم اللبنانيين، على مختلف أديانهم وطوائفهم إلى قيسية ويمانية (استحالت في ما بعد يزبكية وجنبلاطية) دون ما التفات إلى من يتزعم هذه الحركة أو تلك، ودون ما توقف عند دين الاكثرية في هذه الحركة أو تلك، إن هي إلا حرية سياسية لبنانية مخلصة لوجه الله والوطن والصالح العام.
ثم يثبت نظام القائم مقاميتين – فتثبت الأحقاد في الصدور – مع تنظيمات شطيب أفندي سنة 1845 ويظل ثابتًا حتى ينهار مع الدماء التي انهارت في السنة 1860 بعد أن رسخ في عقول الناس، وفي أعراقهم، أن مشكلتهم الوحيدة هي كوتهم طوائف. فعُمدت الطائفية هكذا مذهبًا سياسيًا وقد يكون المذهب الوحيد الذي عمر وعاش.

وإني قد تعمدت السكوت عن الدروز الذي مثله الباب العالي في فصوله هذه الماساة لأنه بينما كان يسترق الشعوب، والأقليات منها خاصة، في مختلف انحاء الإمبراطورية العثمانية الشرقية رأيناه يخص لبنان بامتيازات ظلت امتيازات الأمة اللبنانية إلى أن استباحها "الطريقيون" على الشكل الذي ذكر.
غير أن الباب العالي، وقد وهنت قواه، ألزم على أن يكل أمره إلى الورقة الاوروبيين الذين كانوا، بين المفاهمة على توزيع إرث الرجل المريض وبين الإجهاز عليه، يؤثرون تلك على هذا.
ولما كانت بريطانيا العظمى كبيرة الوارثين، فقد تولت زمام مورثها الشائخ فتشابه موقف الباب العالي، من قضايا لبنان، بموقف بريطانيا منها إذ أخذ يتسوس بسياسة حكومة صاحبة الجلالة فيساند الدروز ويحرضهم على المسيحيين بأسلوب أقل أناقة من الأساليب البريطانية فاعتمد الباب العالي، في هذا السبيل، بعض رجال الإقطاع من الطائفة الدرزية الذين راحوا يوجهون رسائلهم إلى المشايخ وأصحاب الإقطاعات راغبين إليهم بتنفيذ ما كانوا يؤمرون، هم بتنفيذه.
وعلى سبيل المثال ولكي تقفوا بانفسكم على ما هدمت في النفس اللبنانية الأبية خمس من السنين السواقط وعلى ما كانت عليه النفوس في السنة 1845 فإني أتلو عليكم رسالتين نموذجيتين اثنتين:
"حضرة الأخ الماجد أبي قاسم الشيخ حمود أبي نكد المحترم
"لقد علمتم، بدون شك، ما فعلته الأمة المسيحية الكافرة في الشوف. ولو لم ينجدنا جنود الباب العالي لكانت بددت شملنا. أما الآن وقد أجاز حضرة صاحب الدولة داود باشا لنا ولسائر الجماعات الدرزية الفتك بهذه الأمة وإبادتها فيجب عليكم أن تقوموا، في الحال، برجالكم وتفتكوا بمسيحيي الشحار والدبيه وتضرموا النار في بيوتهم وبالاختصار ان تعملوا فيهم ما عملتموه المرة الأولى.
ولا تخافوا لأنه قد كتب أمر إلى حامية عبيه بمساعدتكم.
وعليه فاغتنموا هذه الفرصة لإبادة هذه الأمة الخبيثة.
والله يحفظكم
ويلي الإمضاء.

وهذه:
حضرة الأخوان الأعزاء الأماجد مشايخ وأعيان إقليم الخروب المحترمين.
لا خفاكم أن الأمة المسيحية الكافرة قامت على المسلمين الموحدين فالباب العالي قد جاد وسمح لنا بمهاجمتها لمحو آثارها. وإن دولة أفندينا داود باشا المعظم قد فوض إلينا محاربتها وساعدنا عليها بجنوده السلطانية.
وبناء عليه يتوجب على كل من يعترف بإله واحد ويؤمن برسوله أن ينهض بنشاط للجهاد ضد هذه الأمة الكافرة. فنريد من همتكم بسالتكم أن تسرعوا حالاً وتهاجموا الدبيه لأن الحامية التي فيها قد برحتها بأمر سعادة مصطفى بك فجاهدوا جهادًا دينيًا ولا تخشوا شيئًا لأننا نحن والباب العالي يد واحدة في هذه المسألة.
وهذا كاف لطمأنينتكم وبه غناية عن إطالة الشرح".
ويلي الإمضاء.

كانت قسمة لبنان إلى قائم مقاميتين "تنظيمًا للحرب الأهلية في لبنان" على حد تعبير ناظر الخارجية العثمانية.
وقُضي على اللبنانيين، بما دير لهم في الغيبة، أن يعايشوا ضغائنهم وأحقادهم على هدير دمائهم المراقة وصحب ما كان يعد منها للإراقة من جديد.
وإذا الستة والستون اتاتين من نار تندلع فلا تبقي وتمتد فلا يسلم معها من الرحمة رحمة، ومن الاخوة أخاء وتظل تأكل في اللحوم حتى كان لبنان، من الحد إلى الحد، مسرح الغربان يشارف النتن فيه الخياشيم على عشرات آلاف الأمتار، كما أشارت، إلى ذلك رسائل المعاصرين.
وررأى الاوروبيون أن اللبنانيين لم تكتمل آلامهم سنة ذاك، لتستحق لهم الراحة، والعودة إلى سابق عهدهم، وجميل صفاء حياتهم، ونبل الأخوة.
وما إن جمدت يد الإثم على صلصلة حراب الفرنسيين وجهت إلى لبنان باتفاق الكبيرات الدول حتى عادت السياسة تفسد ما كاد يهدأ من اللواعج. وتنزل إلى الساحة عن جديد فتهيء لمرحلة جديدة كان في النية أن تمتد امتداد المرحلة الاولى، أو تزيد تكون خاتمتها مجزرة تبيد من بقي ممن رسمت لهم الإبادة وتبقي على المنتصرين في أرض يريدون لها الراحة على غير ما كانت تريد لنفسها. غن الفتن الأهلية الثلاث قصرت عن تحقيق ما عين لها من غاية وأهداف.
وكان لا بد في خاطر المثيرين من أن تبلغ وتحقق.
فراحوا يعملون في الظروف الجديدة بعزم جديد.
وراحوا يكيفون أساليب السياسة على مقتضيات الوضع، وحالات الصراع.
فلم يجدوا – من أجل ان تبقى الضغائن وتستمر – سوى اللعب بالجروح وبالآلام:
فأهملت قضية المنكوبين من الفريقين.
فمن لم يمت بالسيف أوكل غلى الحرمان.
ومن لا بيت له ولا فراش، من لا زرع له ولا رغيف، من لا مال له ولا رداء فليعش مثلما يستطيع.
إذ المنكوب في شرعة الظالمين آنذاك، لا يغاث، ولا يطعم الجائع ولا يداوي المريض، ولا دفأ للمقرور.
ويوم شذت القاعدة أغيث الخصم على حساب خصمه. ورفع فوق السطح الواحد شتاء وصيف.
وأهملت التعويضات على المتضررين.
ويوم عوّض عليهم كان ذلك بالتفاوت فيما بينهم. ولفئة معينة معلومة دون الفئة المعينة الثانية.
وإمعانًا في النكاية وإثارة الخواطر جرى الاتفاق على أن أن يعهد إلى القائد الفرنسي دي بوفور بجباية الغرامة من الدروز.
وإمعانًا في النكاية جديدًا أصدر فؤاد باشا – ناظر الخارجية العثمانية – من أوكل إليه تسوية المشكلة اللبنانية بالقدوم إلى لبنان – امره المعلن تأجيل استيفاء الغرامة من الدروز حتى يجبر القائد الفرنسي على اللجوء إلى العنف والإكراه).
كما أصدر أمره إلى ضباطه وجنده بالتشيع للدروز.
هذا، ولعلها مصادفة من المصادفات الغريبة، بعد أن كان اللورد دوفرين، القنصل البريطاني العام في لبنان، قد اقترح، برسالة إلى لبنان، تعيين فؤاد باشا واليًا على سوريا لعشر سنين شرط أن يمهد لتعيينه بضم لبنان إلى ولايته. وبعد أن كان اللورد دوفرين نفسه قد هدد فؤاد باشا غير مرة بسحب الاقتراح بالتعيين.
وأهملت قضية المسلوبات فقد استرجع بعضها وترك البعض الىخر بين أيدي السالبين. ثم وزعت بغير عدل على غير المستحقين. وأهملت معاقبة المجرمين.
ويوم نشطت الدولة السنية إلى اتئناف المحاكمات انشأت محكمة في المختارة لمحاكمة الدروز المتهمين. وأوجبت أن يحضر إلى المختارة وكلاء عن المسيحيين لتأدية الشاهادة على المشكى عليهم. وقد جعلت أسماؤهم في لائحة تشتمل على 12000 متهم.
حضر الوكلا وامتنعوا عن أداءا لشهادة فطلب إليهم الباشا ان يحصروا التهمة بـ 290 شخصًا من الدروز فلم يفعلوا وعادوا، من المختارة، خاسئين.
ثم أثيرت لتستثمر قضية جلاء الجيوش الفرنسية. على أن شيئًا من الحالة كان لم يهدأ بعد، ولم ينتظم ويستقر.
وزيّن أن الجيوش الفرنسيةلحماية النصارى وللانتقام من الدروز.
فأيدت الجلاء بعض الدول وعارض بعضها الآخر.
وروج للمخاوف في الناس.
واستغلت المواقف.
وكانت تثار إلى جانب ذلك، شؤون وشؤون:
من ضم لبنان إلى سوريا وتولية تركي عليهما.
ومن إلغاء قائم مقامية للدروز والإبقاء على قائم مقامية النصارى.
إلى إنشاء إمارة مسيحية مستقلة في قسم من لبنان يمتد من شماله حتى نهر الأولي بما فيه كل الجهة الغربية وشواطئها البحرية... ثم تنزع تمامًا من يد الحكومة التركية (بناء لاقتراح فرنسي).
وإنشاء حكومة مستقلة في شرقي الغطرسة والاستباحة والإرهاب.
أن يخلص كل لبناني لأرض بلاده: حدودها وخيراتها.
أن يخلص كل لبناني لمبرر وجود بلاده: رسالة إنسانية فائقة تقوم على الحب والخدمة. ان يخلص كل لبناني لجاره اللبناني: مساواة في الخير وفي الشرور مساواة. أن يخلص كل لبناني لولده ولنفسه: لبنان فخرنا لبنان.
تلك هي الطريق.
  شاهد حال

محاضرة الأستاذ إدوار حنين
الندوة اللبنانية – السنة الثالثة – النشرة 9 – 10، تاريخ 6 حزيران 1949.

سأل معاوية الاحنف بن قيس رأيه في بعض شؤون الخلافة،
فسكت عنه،
فقال معاوية:
"ما لك لا تقول؟
فقال الأحنف:
"إن صدقناك أسخطناك، وإن كذبناك أسخطنا الله.
وحدثني أحد رواد السرايات قال:
"عرفت رجلاً اسمه غندور كان يلازم أبواب المحاكم منذ أن تفتح حتى آخر جلسة. عمله الذي اختاره لنفسه مساعدة المحاكم على إحقاق الحق بالشهادة يبادلها المتقاضين: شهادة بمال".
فكان إذا ما ناداه المنادي إلى الشهادة في قضية ليس له فيها سابق علم ولا سابق معرفة بالمتقاضين، كان يهرول ناحية المحكمة والنداء مهمهمًا شاتمًا لا عنًا يقول:
"نكر. ها. نكر. قلت أنا بدو ينكر هالملعون".
وإذا شهادة شاهد المصطبة غندور تجيء طبقًا لادعاء طالبها فتكشف عن الحقيقة ، وتعيد الحق إلى نصابه... ويكون عدلاً... وبديهي أن أخي ميشال أسمر وهو من دينه ديننا في "قل الحق ولو قتلك" – بديهي أنه يريدني ألا أسخط الله وأكون غندورًا. أما بعد،
فوالله، سبحانه، سأقول ما أعرف، ولا أقول غير ما أعرف.
وسأشهد بالحقيقة، كل الحقيقة.
ولا أشهد بغيرها أبدًا.

سيداتي، آنساتي، سادتي.
إذ صح أن الشعب أصل، وما سوى الشعب فروع،
إذ صح أن أصل الحكومات شعب ينتخب الحكومات،
كان عليّ أن أبدأ شهادتي بشعب لبنان فأهيئ منه الممسحة التي يتسح بها الأطهار المراؤون.
بيد أني قد أردت، في السنة الماضية، على درس ما بدا لي أنها ميزات الشعب اللبناني وطباعه،
أراني مكررًا نفسي إذا ما بدأت من حيث يشبّه أن البداية يجب أن تكون.
ثم، أليس أن شهادة تدور على الفروع يمكن أن تحمل على أنها شهادة تتناول الأصل، يستفيدها استنتاجًا، كل من يعتقد، مخطئًا أو غير مخطئ، أن الشعب أصل وما سوى الشعب فروع، ويستفيدها استنتاجًا من يقول مع التحريف:
"كما تكونون يولّى عليكم"
ومن يقول مع الأفغاني:
"كما يولى عليكم تكونون"؟
وهل يحكم عليّ أن أعود بالناس إلى ما قبل الطوفان ساعة أستطيع – وانا بينهم اليوم، شاهد حال – أن أتنقل بهم على وضح النهار، وإن جفتنا وطريقنا الورود، من حاضر إلى حاضر، ومن محسوس إلى ملموس، في فسيح هذه الزاوية حيث كل واحد يعرف ما لا يجهل الآخرون، وحيث الشهادة مذاكرة وما بعد المذاكرة اتهام؟

لقد توافق اللبنانيون على أن تعيش جماعاتهم وأفرادهم في ظل ديمقراطية من الديمقراطيات التي قيل إن من أجلها، ومن أجل خلاصها، أريدت الحروب وأهدرت الدماء...
وتوافقوا، في ما بينهم، على أن يدّعوا لأنفسهم إرثًا تتوارثه الشعوب العريقة كابرًا عن كابر.
فيساهمون، هكذا، في الحفاظ على إرث إنساني كبير، كبير من حيث أن كل من ادعاه ناله وكل من ناله امتلكه،
فلا هو ينقص إذا وزع
ولا يبخل على صاحب حصة في حصته.
وتوافقوا على أن يتعهدوا إرثهم بالخير والمبرات لاستحالة تعهده بالسيف والمدفع، وإيمانًا راسخًا منهم انهم يرعون زمام هذا الإرث على أرض جمهورية صغيرة، إن لم تكن مثالية أعادتها القوة إلى العدم.
وتوافقوا على أن يفرقوا بين السلطة والسلطان:
فتكون السلطة الحق في الإدارة والتدبير، في الأمر والنهي، في أن يسمع إلى الآمر، وفي ان يطاع.
ويكون السلطان القوة التي تفرض السمع على من يجب أن يسمع والطاعة على من يجب أن يطيع.
فلا تتخاذل السلطة في حضرة السلطان، ولا يتعاظم السلطان على السلطة حتى يكبر "ويتبختر" وإنما توازن وانسجام فائق الأحكام من دونها تنهار هيبة الحاكم، ومن دونها يستحيل الحكم طغيانًا.
وتوافقوا على أن تجعل السلطة في يد نخبة يسلخها الشعب، من صميمه، تعيش حياته، كل حياته، وتحتفظ بالسلطة المعطاة لها بيدها،
فلا تفرّغها للعنتريين والشارع،
ولا تسخّرها للتحكّم والتطبيل،
ولا تبني من فوقها مجدًا هزيلاً زائلاً،
ولا تقايض بها سلطة بتبويق بحيث لا تنبثق عن السلطة السلطة سلطة زائفة تؤيد السلطة السلطة فتستر هذه بفعل ذاتها لا بفعل الناخبين.
وتوافقوا على غايات الديمقراطية الأخيرة:
أولها الظفر بالحرية،
وآخرها ان تحكم الناس سلطة شرعية من الناس،
وأن لا تغيب عن سلطة الحكم إرادة المحكومين.
إذ لا خير في جمهورية يجبر فيها المرء ويرغم على إتيان ما هو من الحق والقانون وإن لمصلحة الحق والقانون.
ولا خير في جمهورية لا تمشي بالإنسان من فاضل إلى أفضل، ومن حسن إلى أحسن، بغية أن يدرك الإنسان كامل إنسانيته.
ولا خير في جمهورية، لا تكون، من الحد إلى الحد، واحة لحقوق الغنسان، ومسرحًا رحبًا لإمكانياته وآماله.
ولا خير في جمهورية، السلطة فيها زور وبهتان،
لأن "الصوت" فيها زور وبهتان،
ولأن الناخب فيها ميت ومكره.
على مثل هذا توافق اللبنانيون،
فهل بمثل هذا يحكمون؟!
غلى هنا ينتهيا لسؤال فتبدأ الشهادة.
وهنا يشهد من يستطيع.
أما أنا فلا اريد أن أسخط الله وأمنع أجره.

طويلاً ما تمنيت لو أن الخلاف سياسي وسياسي مقصور على مبدأ ورأي فلا يتعداهما إلى سعي وفعل، إذًا المتزمت، في أداء الشهادة، حد النصوص فسلطت على كل مبدأ مكتوب مبدأ معارضًا من جنسه ونوعه.
فما حيلتي والنصوص، في أقعال الرجال، نصوص أفعالهم؟
تقول يريدون لها أن تقول. وتنطق دائم الدوم، على هوى في نفوسهم ومزاج.
فلا تغالط مرة إرادة مؤوّلها أو تكاد.

ولسنا بعيدين عهدًا عن "الحرية والإخاء والمساواة" التي دكت عرش مملكة قائم، ثم عادت فدكت جمهورية الأحباء، لتقيم على أنقاضها امبراطورية فملكية مستحدثة فجمهورية ثانية فثالثة فرابعةن ولتقتل ، بين مدها وجزرها، ملوكًا وملكيين، رؤساء وجمهوريين، قوادًا وإمبراطوريين، عانية، في كل مقام، إرادة صاحب المقاق.

ولقد بقينا نعيش إلى يومنا، أمس، صلاعًا مميتًا هائلاً بين كبيرات الديمقراطيات:
ديمقراطية البريطانيين الملكية الأرستقراطية المغترفة من أعماق الشعب وحيها ومراسها، وديمقراطية الفرنسيين البرلمانية المتحكمة التي تقيم من الغمر شعبًا يكبر على الشعب، وديمقراطية الأميركيين الجاثمة فوق ذكريات البطولة، بطولة شعب فريد علّم العالم كيف بنشئ الناس وطنًا إذا ما خلصت النيات وصحت العزائم.
هذه جميعها من جهة والديمقراطيات الألمانية والإيطالية والروسية، ذات الطوابع الخاصة، من جهة ثانية.
وسوف تكاشفنا الأيام بشواهد قد تكون أكثر إغراقًا في تناقض المفاهيم وفي الإبهام.
لأجل ذلك ترانا، ونحن لا نزال على عتبة الشهادة، مسوقين إلى استيحاء رأينا من التصرّف والملك، من الإرادة والنية والرجال، معتذرين عن النص والحرف وقد طرحتهما إرادة الحاكمين اطراح الجيف والقشور.

من المسؤولين عن سعادة الناس جماعات عاهدوا الشعب والله، وكفروا بذواتهم، وأقاموا للمسؤولية هياكل في قلوبهم، وفي ضمائرهم هياكل،
فكانوا، هم القرابين عن الرعية،
وكانوا طريق السعادة إلى الناس.
ومن المسؤولين من استلهم الخير والحق فأوصد دون الباطل بأنه ودون الوسوسة أذنه وقلبه، وعمل ملزمًا، باختياره، على ما فيع رفاهة الشعب واستمرار القيم الأخيرة على أرض بلاده.
فكان مطية الخير والحق إلى الناس.
ومن المسؤولين من نفذ لنفسه عظة أرسطو إلى الإسكندر حين قال:
"املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها. فإن طلبك ذلك بإحسانك أدوم بقاء منه باعتسافك.
واعلم أنّك غنما تملك الأبذان فاجمع لها القلوب بالمعروف. واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل، فاجتهد أن لا تقول تسلم أن تفعل".
ومن المسؤولين من إذا تصدّروا المقامات، وأجالوا ، في طول البلاد وعرضها، العيون، قدحت الشهرة زنادها، وسال اللعاب غير مجراه، وأسعر الشره البطون، واستنفد الغرور كل حكمة، والبطر كل دراية، فيروحون يخلطون بين ما هو لهم وبين ما هو للتراث، ويمزجون بين أشياء الرعية وأشيائهم.
فلا يعود يقوم للنظام الذي قال لهم:
"كونوا فكانوا"
قائم في التاريخ،
ولا يبقون له على أثر في وراثة الناس.
كأن مخاض الإنسانية، منذ آلاف السنين، عن النظام الأمثل، لم يكن مخاض إنسانية كاملة على مدى أعمار أجيال وأجيال. وكأن عقل الإنسانية، الذي التقط ووعى ثم هذّب وشذب حتى كان النظام الأمثل، لم يكن نورًا من الله، وقلاً أذاب أعمارا لأئمة الأساطين، وسمّر على الصلبان كهّانهم، وأحرق من فوق الأتاتين كل مثلي أمثل.
وكأن الشعوب لم تنطلق، هبة النار الواحدة، تدفع الشر عن "النظام – الإرث" وترعى حماه بالمهج وبالأرواح، لا ليسلم لها، فحسب، بل لتنقله، كما نقل إليها، سالمًا معافى إلى أجيال تقبل وتطل.
وكأن نتاج الفكر البشري هذا، وزبدة التصرف الإنساني، وعمل التضحية المعادة كل يوم،
كأن هذا النظام الأمثل ابن فكرهم ومجالسهم، ووليد الساعة التي شهدت ولادتهم ومصارع الناس.

من المسؤولين من يرى الحكم قوة تضاف فيحالف فوة الحكم وينتحلها لنفسه ويطرحها مع القليل الذي له في شارع أرعن بين جماعة رعناء تسيّر من دونه الأمور فيسير في ركابها بعد حين.
دينها دين لا دين له ولا رب
هو لنفسه يقوم على الاستفادة والكسب
يعيش من الفوضى وعدم الانتظام
ويحيا على رائحة النتن والبارود.
من المسؤولين من يجرد نظرية الحكم عن كل مستند فلسفي واجتماعي تقدمي
ومن يباعد بينها وبين الخير
فيجعل الحكم حربًا على من ليسوا منه وفيه ويجعل الحكم رزقًا لأنصاره
إرادة الحاكم تعلي وتميت وموالاة إرادة الحاكم تغني وتعز
فتصبح الدولة حظيرة للمرتزقة المنافقين.
ووظائغ الدولة شهادات تمنح للمبوقين
وخيرات السرايات هبات للمسبحين الدجالين.
ومن المسؤولين من يرى في الاخيار والمصلحين العقائديين مناوئين لحكمهم ومعادين
كلهم في رأي هؤلاء بوم تنعق وغربان تنوح وإنهم في غير زمانهم يعيشون ولغير خيرهم يعملون وفي المستحيلات يتخبطون ويهيمون.
ومن المسؤولين من يفصل بين السياسة وضميرها
وبين التسوس وخيره
وبين الإنسان وحقه
وبين الرعية وخادمها
ومن يرى في الناس أزلام شطرنج ومصدرًا لدرهم وأشياء بدونها لا يقوم حكم لحاكم
فلا يعترف للناس بحق
ولا ترعى لهم ذمة
ولا يبقى لمهاتهم على امل او خيال أمل
فتحشد عندذاك القوى لتدعيم عرش خائر وتصبيج هيكل يتداعى.
ومن المسؤولين منه هو كالدهر على الناس
غما ترك لهم فضة إلا فضّها ولا ذهبًا إلى ذهب به
ولا علفًا إلا علفه
ولا عقارًا إلا عقره
ولا ضيعة إلا أضاعها
ولا مالاً إلا مال إليه
ولا حالاً إلا حال عليه
ولا فلسًا إلا افترسه
ولا لبدًا إلا لبد فيه
ولا بزة إلا بزّها
ولا عارية إلا ارتجعها
ولا وديعة إلا انتزعها
ولا خلعة إلا خلعها (بديع الزمان)

إلى هنا ينتهي السؤال وتبدأ الشهادة
وهنا يشهد من يريد
أما أنا فلا أريد أن أسخط الله، وامنع اجره.
التقيت يومًا موظفًا غير مسؤول على الغالب بمجرد انه طليق فراح يحدثني حديث العفة والنزاهة بمثل هذا فقال:
"شر العيوب السرقة
يسرق المء إذا شاء ملك نفسه
كان ياكل اب في السر مأكلاً أعد لأولاده من ماله
سرقة أن ياخذ المرء أشياء غيره بإذنه إن لم يكن هو بحاجة فعلية إلى هذه الأشياء
إذ يحظر علينا اقتناء ما لسنا بحاجة إليه
فإذا اكلت فوق طاقتي فبرة واحدة فقد تجنيت وسرقت.
واستطرد فقال:
"كثيرًا ما يغيب عن المرء مدى حاجته وكثيرًا ما تلتبس الحقيقة عليه
فيبالغ بعضنا في حاجاته بدون ما مبرر فيركب المعصية من حيث لا يدري
ويسرق على غفلة وعدم احتراز
بل أكثر من ذلك اشتهاء مال الغير سرقة
وسرقة التفكير في اقتناء شيء مقبل
فمثل هذا الهاجس مصدر لسرقات جمة
ذلك ان نقص في الحاضر عند حد الاشتهاء
فلا نلبث أن نعمد غدًا إلى تدابير مشروعة إذا أمكن، غير مشروعة إذا لزم الأمر،
بغية امتلاك ما وقع الاشتهاء عليه.
وعندي ليس من شك في أن صائم الدهر هذا، سعادة الموظف غير المسؤول أراد من حديث العفة أن يسرق من حسن ظني ما لم تقع عليه يد سارق من قبل
وقد بلغ فرس سعادة الموظف غير المسؤول على دخله حدًا أشاد معه من مرتبه الضئيل ثروة يذهب في تعليل وجودها بين يديه إلى فضل ربه.
هنيئًا مريئًا كل ما تأكل وتشرب
فليس هذا أول عهد الناس بامثالك وأول عهد امثالك بالناس
فإن لأسرة الوظيفة سيرة تمعن بعيدًا في التاريخ أراها دائمة الميلاد تكاد لا تطوى حتى تعود فتنتشر.
أكتفي للتدليل عليها بمواقف لعمر بن الخطاب تبدت لنا أيام حكمه:
وكان أول ما لفت عمر إلى شذوذ موظفيه غنه بينما كان يتجوّل على عادته في أحياء المدينة رأى بناء يتشامخ فسأل عن صاحب هذا البناء فأجيب إنه لاحد عماله فقال: أبت الدراهم إلا ان تخرج أعناقها
وراح يتربص في عماله يراقب يزجر ويحاسب
فإليكم مثلاً رسالة وجهها إلى عبد الله موسى الأشعري يقول:"لقد بلغ امير المؤمنين أن لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها. فإياك يا عبد الله ان تكون كالبهيمة همها في السمن والسمن حتفها. واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته وأشقى الناس من يشقى به الناس والسلام.
بيد انها سيرة لا تقف عند هذا الحد من المشاهدة والمعاينة بل تذهب إلى أبعد. فلا تهدأ إلا بعد حساب.
فمن أخبار العرب ما دامت أخبار العرب طريق التفاهم بين بعضنا وبين بعضنا الآخر.
إن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص يقول:
"سلام عليك فإنه بلغني أنه فشت لك فاشية من خيل وإبل وغنم وبقر وعبيد وعهدي بك قبل ذلك ان لا مال لك. فاكتب إليّ من أين أصل هذا المال؟
فأجاب عمرو بن العاص: "والله لو رأيت خيانتك جلالاً ما خنتك. فاقصر أيها الرجل فإن لنا أحسابًا هي خير من العمل لك غن رجعنا إليها عشنا بها.
فأجاب عمر: "نسقك الكلام في غير مرجع لا يغني عنك أن تزكي نفسك. وقد بعثت إليك محمد بن سلمى فشاطره مالك. فإنكم أيها الرهط الامراء جلستم على عيون المال لم يزعكم عذر . تجمعون لأبنائكم وتمهدون لانفسكم. اما أنكم تجمعون العار وتورثون النار والسلم.
ومن اخبارهم انه لما ولى عمر بن الخطاب عتبة ابن أبي سفيان الطائف ثم عزله. تلقاه في بعض الطريق فوجد معه ثلاثين ألفًا فقال: أنى لك هذا؟
فقال عتبة: والله ما هو لك ولا للمسلمين ولكنه مال خرجت به لضيعة أشتريها.
فقال عمر: عاملنا وجدنا معه مالاً ما سبيله إلا بيت المال.
ورفع منه المال.
فيا صاحب الدهر سيدي، في القريب حساب يجب أداؤه لعمر.

سيداتي سادتي،
درجت السياسة على أن تخلع جوًا من جوها على البلد الذي تظله وأهله فكان لا بد في البداية لنصل وإياكم إلى الجهاز الذي يقوم على توزيع النصبة والعدل وإحقاق حق المتقاضين.
نعرف جميعًا ونحن على باب هذه الشهادة اي مركب وعر مركب موزع لحقوق الذي أجله يوم بعدل اجران والذي قال فيه خبير عارف في اعتذاره عن عدم توليه القضاء
إذا وقع السابح في البحر فكم يقدر أن يسبح
ونعرف جميعًا أي مركب هو مركب الشاهد على ما هو من ضمائر الناس لذلك أراني آخذًا بالظاهر الشائع تاركًا لله حسابًا وحده الله يجريه. فأقول:
إذا كانت تلجئ غيرنا أحيانًا إلا استصدار قانون لينال كما هي الحالة في بريطانيا العظمى عندما يعمدون إلى الأصول المتبعة وتطبيق قانون ذي مادة واحدة تجرم أمرءً لم تقم البينة الشخصية على انه ارتكب ما يسند غليه من جرم.
قلت غن كانت الحاجة تلجئ غيرها أحيانًا إلى استصدار هذا القانون فنحن هنا نعرف أقرب الطرق من الرغبة إلى الحكم.

احب ان يكون كبير في القضاء قد قال لي زورًا عندما قال: "إما أن نظلم اولادنا أم نظلم الناس، فآثر بعضنا ظلم الناس".
كما أحب أن يكون كبير آخر من كبار القضاة المستقيلين قد قال لي زورًا عندما قال: بين ان أخسر دنياي وبين أن أخسر الآخرة، آثرت خسارة دنياي. ولكن ما حيلتي إذا كان القضاة قد أجمعوا على القول في مذكرتهم التاريخية إن القضاء خاضع للسلطة التنفيذية والقضاة يتعرضون للمجاذفات كلما أرادوا إثبات استقلالهم فهم لا يستطيعون أن يقاوموا المداخلات والضغط الموجه إليهم إلا باعتمادهم على قوة شخصيتهم وعلى مناعة اخلاقهم. وهي شهادة من الأهل على الأهل ومن الظنين عليه.
فشهادة اقترنت بالتزكية، تزكية المسؤولين لهم بانهم لم يروا فيها سببًا لتسريح موقعيها من الخدمة وترك يد المحامين الذين أضربوا أربعين يومًا لرفع هذا الكابوس عن أقرانهم المساكين.

أما شهادتي في الموضوع فهي ان يحترم كل مشتغل في شؤون العدل علمه فيعليه على علم من لا علم له فيه وأن يحترم ضميره فلا يسمح أن يتمسح به الآخرون وأن يحترم رسالته فمشعل الحق يجب ان يستمر فوق كل أرض وبين أية فئة كانت من الآدميين.
واما ما يعترض طريق موزع العدل بيننا فمن اندراج العادي ودواؤه إرادة تعرف ان تقول لا أقبل.
وغن تعذرت فرغبة يرغب بها موزع العدل إلى صاحب التوصية في ان يحضر إليه بالذات عند كل توصية فهو غن حضر مرة في الشهر فقد لا يحضر مرتين وإن حضر مرتين فليطرح غير مأسوف عليه أرضًا مع الخنازير.
وهل يخاف الناخب الموصي على شخصيته ان تتهدم لو كان يقول لأصحابا لحاجة من الناس تقصر يدي عن ان تطول الضمائر، تقصر يدي في أن تأمر يدًا في ان تخط حكمًا ينتزع من ملك زيد ويعطيك.
وتقصر يدي عن ان تقطع يدك من الحق مشاعر امة وتراثها حصة دون الآخرين.
فأول ما يجب ان يكون هو ان يقضى على شعبية قوامها هذا القوام قبل أن يقضي لمصلحتها قضاء
إن استمرارها لذل وخدمتها مشاركة في الذل.

أما في عالم المحاماة فينبئك من تريد كيف يكبر المحامون ولا يد في ذلك للمواهب والعمل والاجتهاد
وكيف يصغرون مع تقلص السلطة والسلطان من أجواء اوجارهم
وينبئك من تريد كيف أن الصعاليك يعلون الأئمة الأساطين
كيف يسري متدرج ويعوز نقيص.
كنت عرضًا ذات يوم في قصر العدل أتحدث غلى رفيق في شؤون المهنة فإذا صوت طجعجعة الطاحون يلفت إليه الواقفين جميعًا وإذا صاحب الصوت يقول: "إذا كنت يا صاحبي تريد ان توكل إيك دعواه لأن أخي نائب وأخي الثاني قاض وابن اخي قاض والقضاة أصدقاء لنا ومعارف فلا اقبل منك الوكالة. اما إذا كنت تريد ان توكل إليّ دعواك لانقضاء عشرين سنة علي في المحاماة فأهلاً بك".
إن الزميل الكبير ومن حوله الناس جماعات وأفرادًا لمير أفضل منها طريقة لتعداد شهادته العلمية وألقاب بطشه. ولم يلبث ان أكد لي شاهد ان الذي استحق هذه الموعظة رجل ساذج كان يسأل الزميل الكبير من أين تؤتى محكمة الاستئناف.
ونخرج من السرايات فإذا أمامنا المشتغلون في شؤون السرايات.
هنا المطبلون المبوقون المطبلون المزمرون من رأيهم رأي البلاغات الرسمية. بلاغات "يقرأ" و"يشاع" وبلاغات "عار عن الصحة.
والمبوقون يتراوحون فئات بين سعادة البك الذي يتصدر المجالس فيفلسف على طريقة مسكوكة كالعملة الخيانة والقحة والسرقة والاشتراء على القوانين والناس. وبين من شهادته مسدس ينقل للتبرج والزينة فلا تطوله تدابير نزع السلاح من عمله الشهادة للزعامات الكاذبة في مناسبات الذهاب والإياب إذا غابت عن الساحة "مزيكة الإخوان"
وهنا من يبيع من الناس كلامًا ويعرف هؤلاء ما يعرفه الفرانون أن أحسن الكلام إحماء.
فيدفعون إلى السوق كلامًا حاميًا إلى أن توجب الحال فيعود كل واحد منهم إلى صفة هادئ . اللهجة فاترها يتقيأها من فمه الرسولز وهنا الحردون من يغضب إن فاتته حصة الأسد ومن إذا قسمت حصص الثعالب ادركتها الثعالب قبله.
إن ما بين هؤلاء والسرايات ما بين الحبيبة والحبيب في أيام الجفاء: نظرة فابتسامة فانزلاق.
فلا يوجعون إذا ضربوا ولا هم يوجعون.
وهنا الرسنيون من هم في يد السرايات كالرسن، إن أرخت بهم قربوا من البعيدين والمتباعدين.
وإن قبضتهم إليها عادوا برأس الجواد او مالوا به الناحية التي يريدون.
فالرسنيون عنانون نقاقون يعطونك من طرف اللسان ما يقصر عنه لسانك، ويماشونك في النقمة واللعنة إلى حيث تغيب حقيقتهم عن الخاطر الكريم وقلما يعودون يوم يعودون منفردين.
اولئك هم شباك السرايات.
وتوصلنا الطريق إلى المعارضين من معارضة الشعب الصامتة غلى معارضة الأركان الصارخة
اما معارضة الشعب فهي بنت حاجاته تشتد وتلين بنسبة ما يفقد حاجاته او يجدها.
وللشعب حاجات تتجاوز المرق والرغيف.
فشعب لبنان غير قدره وبطنه
إنه ابن بيت كبير يطمع في اكثر من مكفيات الخدم المرفهين
ويهدف إلى أبعد ما يهنئ الآدميين من تسهيل وسائل الحياة وإغداق الضمانات الاجتماعية فهو يرعى حرمة لإنسانه
هذا الذي له في الطين رجل وفي عبب السماء انف شامخ وله مع الله قصة وفيرة.
كان في لبنان شعب حده حدود الدنيا في المشارق والمغارب
طريقه الثقة والامل
مركبته الذكاء والنشاط
وسيلته انه هو الوسيلة
كان في لبنان شعب يعلق القرايا فوق اوكار النسور فيدغم بالصخور بيوتات الحجر وبالنجوم اضواء المصابيح
كان في لبنان شعب يعيش من حريته من شموخه وإبائه لحريته لشموخه وإبائه
يدفع عنها بالسيف غن لم تسعف الحيلة
كان في لبنان شعب يساير ولا يخنع
يلين ولا يخضع
يتجاهل ولا يجهل
ويعرف حدود الكرامة والإلفة
كان في لبنان شعب يرى الشغل صلاة إذا قام إلى المعول غنى في الطريق إليه وغنى للمعول بين يديه وغنى مع المعول يفت عنجهية الصخور ويمرع التربة بالساعد والعافية
كان في لبنان شعب يرى الشغل فضيلة وشغل اللبناني عمل لا استخدام.
عمل يبدأ مع الصبح ويغرب مع الغروب ويمتد ما امتد الواجب في الأيام
عمل طروب فهو كالمغناة تنشد على التعب والعرق
كان في لبنان شعب يرى الإتقان شرطًا في كل ما يعمل
يضرب المعول ضربة فوق ضربة وينزل الثلم على الثلم فلا يبعد إلا بمقدار ويرصف السلاسل ممشوقة هيفاء في صدر عريق تميل مع التربة والخصب تمايل خصور العذارى مع القد الانيق
ويجلو النجارون الخشب المخفي في الطاولات والخزائن جلوهم للخشبة الظاهرة فلا غش ولا استخفاف.

ثقة من اللبناني
أن الشغل فضيلة وصلاة
فعندما رأى الشعب اللبناني ما أصابه ودهاه وأنه انقلب غيره عمد غلى المعارضة الساكتة أبلغ معارضة في المعارضات وكما أنه يهزأ من بهلوانيات الحاكمين فهو يسخر في اعماقه من ألاعيب المعارضين
فمن هنا إنه لا يمد إلى المعارضة يدًا سخية
انف أن يساند بها الحكومات.
وهل ان اللبناني من الغباوة بحيث لا يدرك أن العرائض الإصلاحية كالبيانات الوزارية تعدّ ولا تفي، تقول ولا تفعل، وأن الإصلاح ذريعة إلى الوصول مثلما هي البيانات ذريعة إلى الثقة.
لاجل ذلك فليتندى اللاعبون بالنار
وليخلص العاملون باسم الشعب للشعب
وأما معارضة الأركان فعلى وافر تقديري وحبي لبعض كبار المعارضين ولبعض شبانهم
فأنا لا أومن ان معارضة الأركان ركن المعارضة في لبنان وما لم تصبح معارضة الأركان تعبيرًا مخلصًا صادقًا امينًا عن كل ما يموج في نفس: الامة اللبنانية من توق واماني وآمال فعبثًا تدعيا لمعارضة الوكالة عن الأمة
وما لم تدرك المعارضة في لبنان أن توق الامة اللبنانية واحد وأن امانيها واحدة وآمالها واحدة فتوحد هي شعبها وتلم التعبير عن الحقيقة الواحدة واحد
فعبثًا تزعم المعارضة انها مرآة الأمة.
وما لم توقن المعارضة يوم تتحد والامة فتصبح واحدة كتوق الأمة إن للمعارضة وسائل وأساليب غير ما تعتمد من وسائل وأساليب فيظل يطولها قول جرير
زعم الفرزدق ان سيقتل مربعًا. أبشر بطول سلامة يا مربع!
اما أحزابا لشباب ومنظماتهم فقد فاق معظمها سوء الطالع على مطاوعة منها أو على غير مطاوعة إلى تكتل طائفي حال دون تمازج عناصر الشعب المكتلة هنا بعناصر الشعب المكتلة هناك.
فقد جاءت على غير انطباع لما في نفوس الشباب
وجاءت تستثمر خزينًا يريد لنفسه الانبساط فكانت أن صبت قوى الشبا في السدود فأسنت ولم تمرع.
وعندي ان الاحزاب والمنظمات التي لا تدرك أغراضها في مدى آحاد السنين.
المنظمات تذوب على ذاتها بعد ذاك فتذوب صوفيتها ولا يبقى منها سوى ما يبقي الشباب للكهولة من عادات تلزم الرجل عمره ولا تبلغ به كهلاً أبعد من بلغت به أيام الشباب.
ذلك ان المنظمة وسيلة وقد جعلنا من المنظمة غاية.
فأي عجب والحالة هذه في أن تموت ضمن جدرانها الأربعة شائخة مع الأيام عائشة على الذكريات.
حافرة قبرها من تقاعس.

سيداتي سادتي،
في ىخر المطاف وقد اجتزأنا ما اجتزأنا عالم الدراويش
فنانين شعراء ادباء الذين لا نسخطهم إذا صدقنا ولا نسخط الله
ساحة الدراويش ساحة الملوك الميامين
لا تضيق برأي ولا تتبرم بدخلي
تفلت فيها القلوب كبارًا والأحاسيس ألف لون ولون وألف نبضة ونبضة
وتفلت منها الخواطر هدامة بانية مزهوة وازعة ناقمة راضية صاخبة ناعمة.
بعضها يطاول البعضا لآخر.
تتصارع تقتتل وتصمت أو تموت في غمرة من الدفق سخية وجو عامر بالتسامح والاديان.
فما ذنب إخوتي الدراويش إذا تجهمت من فوقهم السماء فحجبت عن عيونهم التماع النجوم
وما ذنبهم إذا عدّت الذنوب أن تكون يد من غير أهلهم تعكّر في اجوائهم الطمأنينة والصفاء
وما ذنبهم إذا حطم انطلاقهم الظلمة والحديد؟
وما ذنبهم إذا صرفوا من الخير والجمال إلى عراك هائل مميت يبغون منه نصرًا أو لا يعودون؟
وما ذنبهم إذا سدت في وجههم مناسم الوحي والنور فأطبقوا على ذواتهم ينحتون منها الصرخة إثر أختها فيتدرعون عنادهم ويقاومون علمهم علهم يغفرون.
في النهاية بالمنيعات الحصون يقيمونها من حول عالم يكون او لا يكونون؟

فما ذنبهم ودراويش لبنان أحفاد قريبون للعمالقة الجدود الذين عن يدهم حلم هذا الشرق بأول مطبعة فكانت.
وانزلق اول كتاب.
وهلت أول صحيفة.
وتخايلت أول مجلة.
ونهدت اول مدرسة وطنية.
وأول قاموس وأول دائرة معارف
اول روزنامة
وأول شعر شعر وأول ادب ادب وأول فن فن؟
فما ذنبهم وقد تطلعوا مليًا إلى العالم واغترفوه غن لم يعاون شاعرهم في الشعر العالمي وأديبهم في الأدب العالمي، وفنانهم في الفن العالمي. وفيلسوفهم في الفكر العالمي. على أن لهم اجنحة تعرف كيف تجوب فضاء إثر فضاء ولهم في الوثبة وثبة تذعر النجوم.
ومع ذلك فإننا لعلى الطريق وقد ندرك المحجة ثريبًا إن شاءا لله وفي ظروف أفضل للانطلاق على جناح اللغة المؤاتية وعن يد جماعة أرجو ان لا يكون قد غام في عيونهم الغرور فقعد بهم عن التفظ.

أيها السيدات والسادة،
لقد شهدت بما أعرف
وليس بأكثر مما أعرف
وشهدت حيثما أمكنت الشهادة بما تراءى لي انه الحقيقة وبغيرها لم أشهد فسيبقى لي أن أئتمنكم امنية يروقها أن تكون موضوع تأمل وتبصر.وقد أردتها على علم بانها تخرج عن موضوع الشهادة.
نحن شعب يريد ان يعيش وحياة هذا الشعب حريته فإذا استقامت لنا مقاييس الحرية استقام لنا كل شيء.
فما من شك في أننا ولدنا لكي نعيش أحرارًا من حرية نظفر بها هنيهة بعد هنيهة وجهدًا بعد جهد.
من حرية هي لنا ولكنها لا تجيء معنا من بطون امهاتنا.
إذ المرء لا يخلق حرًا وإنما يصير.
ذلك لأنه يجيء من العدم معدمًا فإن لا يربح لذاته يظل معدمًا ينقص إذا امكن النقصان ولا يزيد مهما توغل في السنين وعمر.
فعظمة هذا الإنسان ان يمتلك نفسه ويحترزها ويتغلب على كل ما يحول بينه وبين الظفر بالحرية اجتماعية كانت او سياسية، تهدف أولاً وآخرًا إلى عتق ذاته حتى يستقل من كل إكراه أو شبه إكراه، طبيعيًا كان أو حكميًا.
ولا يغربن عن بال احد أن الحرية التي هي رأس عظمة الغنسان ليست في أن لا ياتمر غير امر هو ذلك تأليه للغنسان يجر حتمًا إلى تأليه الدولة وتأليه الجمهرة التي يتجسد منها الحاكم والويل من الآلهة الكاذبين!
وإنما الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ترتكز على استقلال الإنسان بحيث تصبح الطاعة في حدود الخير والحق طريقًا إلى الحرية التي إذا علينا إدراكها سيبقى هكذا كل في مكانه.
فلا إنسان يستحيل إلهًا ولا الدولة تستحيل إلهًا ويصبح من النتائج المحتومة أن يقوم الشعب بمطلق إرادته واختياره على تعيين ممثليه من يتولون عنه زمام أمره. من ضمن ذلك التعيين المنزه الحر فيعمل المعينون خاضعين أبدًا لمراقبة الشعب الفعلية المنتظمة، ممارسين حق السلطة والامر بيد انهم يامرون أحرارًا يكونون مدعوين جميعًا إلى المساهمة في الحياة السياسية العامة مساهمة رحبة فاعلة يتركون فيها لمؤهلاتهم وكفاءاتهم ما يستحقون.
ويصبح من النتائج المحتومة ان تجيء الضمانات الاجتماعية الكاملة تعويضًا للإنسان عما تفرض عليه الحاجة من تنازلات بدونها لا يقوم للدلوة قائم ويصبح من النتائج المحتومة أن تتولى السلطة جماعة من النخبة، تنهد من الشعب دون ما عنت ولا زور، تعيش هناءه، وبؤسه أماله وآلامه، تعبر عن رغباته وأمانيه، عن تحفزه وتوثبه وتوقه، وتسعى إلى تحقيق سعادته سعيه المخلص الامين.
جماعة إذا جاءت عن طريق الحزب تعرف أن تعلوه وتسمو به عليه، وأن تعمل لكل تكتل وحزب في خدمة وطن للجميع وأمة قوامها الجميع.
ويصبح من النتائج المحتومة أن تظل السلطة حلية السلطان وعنوانه. فلا تتفرع إلى فروع، ولا تتدحرج إلى أدنى، ولا تنتقل إلى الطفيليين الذين جار الله عليهم فراحوا يجورون على الناس في حماية من حمايته إرادة منا، وبقاؤه إرادة منا وقوته لنا ومنا.
ويصبح من النتائج المحتومة أن يفيق خادم الناس إلى الناس فلا يتقاضاهم معاشًا من خزانتهم، وعشرين معاشًا من تساهلهم، ومثلها من تغفلهم لامتناع حق المراقبة عليه.
ويصبح من النتائج المحتومة أن يستقيم العدل ويسود.
فلا يساوم على الحق المحامون.
ولا يوزعه اعتباطًا الموزعون.
وإنما عدل سوي مجاني واحد يعطى ولا يباع، يوزع بالقسطاس ولا يمنح هبات.
ويصبح من النتائج المحتومة أن يجعل كل إنسان على طريق إنسانيته المثلى فيظفر بها، في آخر الطريق، كاملة ناضجة حلوة وأن يجعل كل ملهم على طريق الخلق والبناء فيعبر عن الكائن الذي هو هو تمجيدًا لكل بلبنان.
كائن وإن يجعل كل إنسان على طريق الله، وكل لبناني على راسخ إيمان بلبنان.
  دور الموارنة في بناء لبنان

الاتحاد الماروني المكسيكي دعا إلى مؤتمر سمي المؤتمر الماروني العالمي الأول عقد في مكسيكو عاصمة المكسيك من 23 إلى 28 شباط سنة 1979 يهدف إلى درس أوضاع العائلة المارونية في لبنان المقيم وفي لبنان المنتشر توصلاً إلى إحياء التراث الديني والوطني بحيث يبرز المارونية كقيمة روحية وفكرية وكحقيقة تاريخية وشخصية وهوية متفردتين للبلوغ إلى مجابهة العوامل الظرفية الداخلية التي تتهددها.
وكان في المحاضرين المطران رولان أبو جودة والمطران عبدو خليفة والاب يوسف محفوظ والخوري انطوان حميد موراني والسفير إدوار غرة والمحامي شاكر أبو سليمان والمحامي موسى برنس والدكتور إميل جعجع والدكتور ألفريدو خليفة رحمة والنائب إدوار حنين.

وفيما يلي المحاضرة التي ألقاهاه الأستاذ حنين بعنوان دور الموارنة في بناء لبنان" نأخذها من منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام.

"سيداتي سادتي،
من البعيد البعيد،
من الجبل العنيد الشهيد لبنان،
قدمت في هذا المؤتمر الماروني العالمي الاول لأتحدث إليكم بموضوع الموارنة الذي طرحتموه علي.
إثنتان لا ثالثة لهما في البداية.
أولهما تحية من هناك، أبناء لبنان، إلى هنا أبناء المكسيك.
هذا البلد النبيل العصي، الطيب، الذي كان أول من طنّت له كف على أذن العالم ليسمع، فانبرى رئيسه بأبهة الحق يطالب للبنان بحقه، وانتفض الشعب المكسيكي يجاري في المطالبة رئيسه وهذا البلد المضياف الذي أفسح للبنانيين الموارنة المنتشرين في كافة أنحاء العالم، أن يعقدوا مؤتمرهم العالمي الأول.

أما ثانية الكلمتين، فهي التي تفرض ذاتها في مستهل هذا الكلام وفاء وإخلاصًا للحقيقة وللحق، وهي أني قد حرصت تهيبًا أمام المسؤولية الأدبية الكبرى أن أشرك معي في وضع هذه الرسالة إليكم ثلّة من أساطين كتابة التاريخ:
جواد بولس،
فؤاد افرام البستاني،
يوسف ابراهيم يزبك،
الأب بطرس ضو،
الأب بولس نعمان،
من أجل أن أقدم لكم قولاً صادرًا عن فكر لبنان مجتمعًا، عن قلبه، ويحمل كيانه.

كما قد حرصت على أن اوازن وأمازج بين قول وقول بحيث بات من الصعب ان يعرف قائله أو نفس القائل حتى لكأن المارونية نفسها تتكلم ولبنان بالذات يردد ويعيد.

سيداتي سادتي،
لبنان قام على حلفين: حلف بين الجبل والبحر نتجت عنه فينيقيا. وثان بين قبائله والجراجمة فنتج عنه المردة.

في البدء كان لبنان صخرة كأداء، جبل اللبان الأبيض، كان، ملعب النمور والنسائم.
وكان أهله من بني أمور وكنعان يسكنون الشواهق ويتطلعون فوق وادي قنوبين، من فم الميزاب والقرنة السوداء حيث متكأ الغيوم نحو الافق البعيد. الذي لم يلبثوا أن فتقوا جدرانه وخرقوا سره على زوارق من جذوع الأرز.

موارنة لبنان هؤلاء، موارنة الغد، ما هي حكايتهم؟
حكاية شعب مشى على اليم، فطرد الجن من مياهه، ابتكر الأبجدية على شطآنه، كافح الجهل، وابتنى أول بيت من حجر، فمكّن للحضارة أن تكون وزرع أول حبة قمح، فأنعش الإنسان بذلك.
حكاية قلة من الشعوب احتموا في بطون الأودية ليحموا فيها معهم حريتهم وعنفوانهم واستقلالهم.
وحكاية قلة من الشعوب اجتازت بخطى العمالق المسافات الدهرية التي ما بين البهيمية والجاهلية والتمدن.

إن طريقنا اليوم معكم ليست على هذا المنعطف من التاريخ.
إن هي على منعطف آخر أكثر حداثة وأكثر التصاقًا بنا في الحاضر الذي نعيش.
ذلك ان طريقنا تبدأ اليوم بالموارنة وقد نعرج فيها على من قبلهم قليلاً.
الراهب مارون، حوالي السنة 400، أنشأ رهبانية انتشرت في سوريا ولبنان واعتنقت ضمن المسيحية مذهبًا سمي باسمه.
المبشرون بالمارونية وحدهم أول الامر قدموا من سوريا إلى لبنان.
أما الموارنة الذين انقادوا إلى أولئك المبشرين فجلّهم إن لم يكن كلهم، جاؤوا من الشعب الذي عاش على الأرض اللبنانية آلاف السنين قبل مولد مارون.
وفي القرون 4 و5 و6 بعد المسيح تحول الشعب اللبناني هذا من الوثنية إلى المسيحية على يد رهبان مار مارون فدعي الشعب الماروني.

فالمارونية والحالة هذه تسمية دينية مذهبية لا تسمية إثنية.
ولقد كان رأي التاريخ في ذلك.

والناسك ابراهيم القورشي الذي قدم من شمال سوريا إلى شمال لبنان فعمد إلى تبشير منطقة أفقا والعاقورة وجبة المنيطرة التي كانت تشمل الجرود اللبنانية من بسكنتا جنوبًا حتى تنورين شمالاً ومن مرمى الثلج إلى فقش الموج باستثناء المدن الساحلية الكبرى وبخاصة جبيل والبترون التي كانت قد تلقت المسيحية من عهد الرسل.

أما جبة بشري ووادي قاديشا من تنورين إلى إهدن فقد قام بتبشيرها في النصف الأول من القرن الخامس تلامذة مار سمعان العمودي وهو من مدرسة مار مارون على ما في سيرة هذا القديس التي وضعها معاصره وتلميذه الكاهن كوزما.
وهكذا في ظروف ولأسباب مماثلة تابعت المارونية انتشارها في القرنين الخامس والسادس في المناطق الواقعة جنوبي المتنين حتى دير القمر وجزين.

هذا الشعب الذي تقبل المارونية بين القرنين الرابع والسادس فصار مارونيًا، من هو؟
إنه مؤلف من الأموريين والآراميين.
فالأموريون ومنهم الجراجمة في شمالي سوريا وهم كنعانيون دعوا المردة.
فهؤلاء المردة الكنعانيون والأراميون الساميون، اطلق عليهم اليونان اسم الفينيقيين في عصر متأخر قد لا يسبق القرن الرابع قبل المسيح.
هذه الشعوب، الأموريون والآراميون والجراجمة، صهرها في بوتقة واحدة وأمة واحدة وحضارة واحدة وجودها معًا فوق تربة لبنان أجيالاً طويلة مع ما رافق هذا الوجود من تفاعل ومشاركة وتزاوج ووقوعات أخر.
فإذا الموارنة دينيًا أبناء مار مارون وأبناء الفينيقيين إثنيًا.
وإذا تاريخهم طبيعيًا امتداد لتاريخ الفينيقيين.

اما في وصف هذه الأرومة المارونية فهاكم ما يقول الكتاب المقدس عن الأموريين:
"كالارز قاماتهم وكالسنديان صلابتهم".

وقد شبههم اتية بن أبي الصلد بالجبال شموخًا إذ قال على ما روى صاحب الأغاني:
"وحتى أتى ببني الأحرار يقدمهم
تخالهم، فوق متن الأرض، أجبالا"

ودعاهم العرب الأحرار لتعشقهم الحرية والاستقلال، والاحامرة لشقرة بشرتهم، والاساورة لمهارتهم في الحرب ورمي السهام، والخضارمة لشدة بأسهم وشجاعتهم ومضاء عزيمتهم والجراجمة أي الابطال الجسورين.
تلك هذه ميزاتهم.
اما صفاتهم الخلقية فكان أبرزها: الجرأة والإقدام والطموح.

من هؤلاء تحدر اللبنانيون الموارنة وظلّت اجيالهم ترقى في طريق التقدم إلى أن كان من أمرهم ما كان مما سيمر به الكلام في حينه.

ولقد ظل تقدمهم ورقيهم وازدهارهم في جبالهم وفي واديهم المقدس قنوبين، آخذة بالتزايد والتآلف حتى راح الفتح العربي يمشي فراح يجر وراءه الصحراء على أن خط ارتقائهم ظل سويًا من حد ابتداع الأبجدية والملاحة والبناء المن حجر، ومرورًا بملاحم رأس شمرا التي قال فيها العلماء إنها كانت من مصادر هوميروس ومزامير داود. ومرورًا بمدرسة الحقوق في بيروت التي لا تزال مؤلفات أساتذتها اللبنانيين الذين لقبوا بالمسكونيين من المصادر الأساسية في علم الشرع في العالم كله. ومرورًا بمن نبغ من أجدادنا في القرون الوسطى:
كألينيكوس الذي اخترع النار الإغريقية،
وتيوفيلوس الماروني مترجم إليازة هوميروس إلى السريانية،
ومار يوحنا مارون،
وابن القلاعي،
وجبرائيل الصهيوني،
وابراهيم الحاقلي،
وجريس عميرة،
وسركيس الرزي،
ويوحنا الحصروني،
وبطرس التولاوي،
ويوسف العينطوري،
والسماعنة
وعيسى الشاماتي،
وسمعان عواد
وعشرات غيرهم...

هؤلاء الأعلام لقد لمعت عبقريتهم في الشرق والغرب وضرب المثل في أوروبا بنبوغهم وسعة علمهم حتى قيل من أجلهم عالم كماروني، وحتى أن بعضهم يجعل من يوسف سمعان السمعاني ذروة في العلم بتاريخ البشرية وعملاقًا في الفكر ليس فقط في المسيحية بل في الإنسانية جمعاء. إلى حد البستاني واليازجي وزيدان وصروف وتقلا وبركات وجبران وعقل ومعلوف والجر والصبّاح والدبغي ومدوّر وطربيه ونادر وأبو زيد ومالك وشحادة ونعيمة وبولس ولبكي...

وذاك اللبناني المجهول الذي يصنع كل شيء وهو على وفرة ادعائه قابع في زاويته ينظر ويبدع وكأن الشعب كله معه في عملية الإبداع.

وهذا ما حمل لامرتين أن يقول بعد جولة طويلة في المشرق:
"رأيت في لبنان شعبًا، ورجلاً واحدًا في مصر".

وظل تقدمهم في اضطراد إلى أن ولدت مشكلتهم الكبرى التي لا تزال هي مشكلتهم القائمة وقد كانت ولادتها على يد عمر بن العاص في السنة 636 الذي عندما وصل إلى القدس أرسل ليقول لحاكمها المسيحي:
"خليفتنا أمرنا أن نقاتلكم إلى أن تصيروا من ديننا فنتساوى وتصبحوا إخوانًا"

ثم عبّر عن هذا عبد الملك بن مروان في السنة 692 بتشريع يلقي فيه على عاتق المسيحيين باسم الجزية ضرائب مرهقة فكان هذا التشريع، بحسب المؤرخ السرياني ديوفيس التلمحري، سبب النكبات التي أخذت تتوالى على المسيحيين في الشرق منذ ذلك الحين.

ووضعت في التنفيذ شرعة الذمية التي هي السد الفولاذي بين الإسلام وكل من هو غير الإسلام في التعامل والتعايش.
والذمّية، باختصار، هي أن يعيش غير المسلم، في ديار الإسلام، على ذمّة المسلم لا على ذمّة القانون بحيث يحيا الذمّي إن أراد المسلم له الحياة ويموت إن أراد له الموت!!

وكانت البداية،
إذ حيال هذا الوضع وقف الموارنة، بقوة في الدفاع عن حقوقهم وحريتهم،
فتحصّنوا وأنشأوا لأنفسهم في هذا السبيل، وطنًا حرًا سيدًا مستقلاً هو لبنان الذي في هاليوم، نعيش.
فكيف كان ذلك؟
لقد كانت الأرض هي أول ما يعوز أجدادنا الأقدمين فاقتطعوها لأنفسهم.
هذه الأرض المقتطعة كان لا بد من أن يداقع عنها، وتزرع ، وتعمّر، وتحمى لتسلّم لأبنائها، لتؤمن لهم الطمأنينة والسلام، فانكبّوا على ذلك، ومشوا طريقهم الطويل الشاق في مراحل خمس:
المرحلة الأولى: تأمين الانسجام بين الوافدين والمقيمين فكان لهم ذلك.
المرحلة الثانية: إقامة وطن قومي مستقل، من المقيمين والوافدين منذ الفتح العربي حتى أواسط القرن الرابع عشر (636 – 1367 م) فأخذوا طريقهم إلى ذلك ببطولة وشجاعة.
وفي السنة 677 انضمت إلى المقاومة اللبنانية الممتدة من عكار حتى الشوف جحافل عسكرية وشعبية من الجراجمة (أي موارنة جبل اللكام الواقع بين أنطاكيا وجبال طوروس)، وانصهرت معها في جيش واحد دُعي جيش المردة الذي احتل الرقعة الجبلية الممتدة من جبال اللكام شمالاً حتى جبال اليهودية والقدس جنوبًا، واتخذت قيادة المردة من بسكتنا، في سفح صنين، مقرًا لها.
ثم أخذ المردة يشنون على الدولة الأموية الحملة تلو الحملة، وكان النصر حليفهم، فاضطر الخلفاء من معاوية حتى عبد الملك بن مروان، إلى عقد معاهدات مع المردة يترتب بموجبها على الأمويين أن يدفعوا لهم ضريبة.

وقيل في تاريخ العرب إن هذه الجماعات من المردة كانت تنادي عبد الملك بن مروان من أعالي دير مران (تقرأ مارون) المشرف على دمشق مطالبة بدفع الضريبة إذا تأخر تأديتها.

وقد رافقت تكتل الموارنة في تجمع عسكري صيغة جمعتهم في لبنان وسوريا وسائر بلدان المشرق، ضمن إطار كنسي واحد على رأسه بطريرك يعاونه أساقفة، فكان أول بطاركتهم مار يوحنا مارون.
وهكذا أنشأ الموارنة، منذ الربع الأخير من القرن السابع، كيانًا دينيًا كنسيًا، وسياسيًا عسكريًا بقيادة موحدة في يد بطريركهم.

ودام هذا الوطن المستقل عن الدولة الإسلامية من الربع الأخير من القرن السابع حتى النصف الثاني من القرن الرابع عشر، أي نحوًا من سبعماية سنة.

وفي هذه الحقبة من التاريخ، على الأخص، قامت بين الخلفاء العرب وبين الموارنة اللبنانيين علاقة ود وتواصل توقفت عندها التواريخ، ومما قاله، بصدد ذلك وعمّا يعني موارنة سوريا، ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق" قوله:
"إن خلفاء عدّة أمضوا قسمًا من حياتهم وتوفوا في أديرة مارونية. فالخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (717 – 720) كان ينزل خلال سنوات خلافته في دير مار سمعان الماروني، قرب معرّة النعمان (جنوبي حلب)، حيث لا يزال هناك قبره. كما أن الخليفة عبد الملك بن مروان (685 – 705) كان يمضي فصل الربيع في دير المران الواقع في جوار دمشق. والخليفة الوليد بن عبد الملك (705 – 715) توفي في دير مارون هذا، ودُفن فيه. وفي هذا الدير نفسه أقيمت احتفالات أعراس بعض (أمراء) بني مروان.
الخليفة يزيد بن معاوية (680 – 683) و(الخلفاء العباسيون) هارون الرشيد (786 – 809) والمأمون (813 – 833) كانوا كذلك يقيمون للاستحمام في دير مارون. وقد بنى المأمون القبة التي تقوم فوق جبل دير المران الباقية إلى اليوم.

المرحلة الثالثة: لبنان وطن مشترك بين الموارنة والدروز في إطار الدولة الإسلامية.
في هذه المرحلة اتحد الدروز والموارنة في الدفاع عن جرود الشوف، وعاليه، وكسروان، ضد المماليك (كما اتحد الموارنة والشيعة في الدفاع عن كسروان ضد الغزاة أنفسهم)، في اوائل القرن الرابع عشر.
ولكن المماليك تغلبوا واجتاحوا الشوف والمتن وكسروان في السنة 1305، وأحرقوه، وقتئذ ولعوامل شتى أخذ استقلال الوطن الماروني يتصدّع حتى سقط في أواسط القرن الرابع عشر ودخل ضمن إطار سلططة المماليك، فالسلطة العثمانية (1516 – 1918).

وظل هذا التعاون، واشتد، وبخاصة في عهد الإمارة المعنية فالشهابية حتى تلاحمت الطائفتان الدرزية والمارونية، جغرافيًا، إذ تغلغل الموارنة في المناطق الدرزية في الشوف وما يليه جنوبًا، وتغلغل الدروز في المناطق المارونية في المتنين، حتى باتت قرى كثيرة مشتركة بينهما مشاركة مزجية كما الماء والراح.

في ذلك الحين كانت اللحمة على أشدها بين الدروز والموارنة، وفي ذلك الحين أرسلت الست نسب، أم فخر الدين الثاني، ولديها الصغيرين إلى آل الخازن في كسروان لإنقاذهما من السيف التركي الذي ذبح آنذاك ستين ألفًا من الدروز، وكان يبحث عن ذرية آل معن للقضاء عليها.

وفي ذلك الحين أيضًا، قام النسب التجاملي بين عائلات كثيرة درزية وعائلات كثيرة مارونية فكان الخوازنة، مثلاً يرثون، في بعض الحالات، بيت جنبلاط، كما كان بيت حماده أبناء عم بيت البستاني ومثل هذا النسب التجاملي كان كثيرًا بين عائلات مارونية كبيرة وعائلات درزية كبيرة أخرى.

المرحلة الرابعة: لبنان وطن مشترك بين الموارنة والدروز وسائر الطوائف المسيحية والإسلامية تحت مظلة دولية (1860 – 1943).
في الربع الأول من القرن التاسع عشر، حوالي السنة 1820، في عهد الأمير بشير الكبير تفسخ التحالف الماروني – الدرزي لأسباب عديدة أهمها:
ما كان من تنافر بين الأمير بشير والشيخ بشير جنبلاط (وكان الجنبلاطيون حديثي العهد في لبنان) أدى إلى معارك بينهما انتصر فيها الأمير بشير على الشيخ بشير جنبلاط، وانتهت الأزمة بمقتل الشيخ بشير مما زعزع الإلفة، بنت الخمسة قرون، بين الموارنة والدروز.

وزاد في الطين بلّة احتلال ابراهيم باشا لبنان، فطاوعه الامير بشير، في ذلك، بقصد خلع النير العثماني، فنكل ابراهيم باشا بالدروز في حوران بمساعدة الأمير بشير وعسكره الذي كان بمعظمه مارونيًا.

كل هذا زعزع التماسك الماروني وأدى إلى فتن ومذابح بين السنوات 1840 و1860.

وإن تتابع هذه الفتن والمذابح أوصل إلى إنشاء نظام المتصرفية في لبنان وهو يعني على الأخص، وضع لبنان، بناء على إلحاح من الموارنة، في حماية الدول السبع: فرنسا، بريطانيا، بروسيا، روسيا، النمسا، إيطاليا، الباب العالي.

ثم عندما تراخت حماية الدول السبع – وكان قد دخل بعضها ضد بعضها الآخر في حرب الـ 14/18 – عادت الفتن والمذابح بثوب المجاعة التي أتت على ثلث الشعب اللبناني.
الأمر الذي جرّ، وأيضًا بناء على إلحاح من الموارنة، إلى إنشاء نظام الانتداب في ظل فرنسا التي كانت معروفة آنذاك بعطفها الحميم على لبنان.
ومن البداهة أن نذكّر هنا – سقى الله أيامنا السعيدة ظلاً وريًا – بوثيقتين تاريخيتين.
الأولى: رسالة ملك فرنسا القديس لويس التاسع (1270 م) إلى بطريرك الموارنة الذي يعلن فيها أن الموارنة مواطنون فرنسيون لهم ما للفرنسيين من حقوق، وليس عليهم ما على الفرنسيين من واجبات.

والثانية: الرسالة الموجهة من الملك الشمس، لويس الرابع عشر، بواسطة وزيره بونشارترن، إلى الشيخ حصن الخازن، وبالعربية التي جاء فيها:
"... فإنه (أي لويس الرابع عشر) نصره الله، قد كتب أمرًا مؤكدًا مكررًا إلى رسوله الساكن بمدينة قسطنطين المسمى موسيو فريول، رعاه الله، بأن يمدكم ويمد جميع الطائفة المارونية، من طاعتك، بكل ما يمكنه من الإمداد".
باريس 29 كانون الأول 1700

المتصرفية والانتداب أفضيا:
أولاً: إلى إنشاء حماية دولية تقي لبنان شر الفتن والمذابح.
ثانيًا: إلى إزالة الحكم الإقطاعي المبني على نظام الإمارة الذي خلّفه حكم دستوري تجلّى في بروتوكول السنة 1864 (المتصرفية) ثم في دستور السنة 1926 (الانتداب).
ثالثًا: إلى الانفتاح التقليدي المتمادي: انفتاح دروب العالم الثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتقليدية في وجه لبنان واللبنانيين، ثم انفتاح لبنان على التيارات الحضارية التي أخذت تنصب عليه من كل صوب وناح، حتى أصبح هذا الصغير الكبير، لبنان، ساحة دولية، وجسرًا عالميًا للمرور من قارة إلى قارة، ومن عالم إلى عالم.

وكل ذلك بنتيجة قرار مجلس إدارة المتصرفية (20 أيار 1919) المظنون أن واضعه داود عمّون، ومذكرة البطريرك الماروني التي جاء فيها "نطلب أن يعهد الانتداب إلى الجمهورية الفرنسية" (15 تشرين الاول 1919).

المرحلة الخامسة: الاستقلال: لبنان دستوريًا بين الموارنة وسائر الطوائف اللبنانية، ومستقل تمامًا عن مظلة الحماية الدولية وعن الحكم العربي الإسلامي (1943 - ؟)
وهو هذا الاستقلال بالذات الذي نعيش، نحن وأنتم مقيمين ومغتربين، أحد فصوله في اليوم الحاضر.

سيداتي سادتي،
تلك هي ملامح عن مسيرة التاريخ التي في أثنائها انوجد الكيان اللبناني ولبنان الحضاري.
لقد أقدمنا على ذكر مراحل هذه المسيرة، البعيدة منها والقريبة، لنضع الإطار لما حقق اللبنانيون للبنانهم في أثنائها، من مكاسب.

أما الآن، فالمسألة التي تفرض ذاتها في القول، وهي: ماذا أنجز اللبنانيون، وبخاصة الموارنة منهم، على الصعيد الحضاري؟
لولا الموارنة – المارونية هي أول وأكبر إنجازاتهم – لما كان لبنان كما كان، مثلما هو الآن.
فانوجاد الموارنة – وقد كان انوجادهم (بفعلهم، هم، لا بفعل غيرهم) كان أول مآتي الموارنة أنفسهم.
فإن الموارنة في تكوين لبنان ضرورة حتمية، كما هو البحر والجبال ضرورة حتمية في تكوينه.

لبنان كما حددته الجبهة اللبنانية
أما لبنان فهو الذي حددته الجبهة اللبنانية، مرارًا، في بياناتها، ومذكراتها الديبلوماسية المرفوعة إلى قداسة الحبر الأعظم بولس السادس، والسيد فانس وزير الخارجية الأميركية، ووزير خارجية فرنسا لدى مرورهما في لبنان، وهو هذا:
1 – إن لبنان الذي يحيا اللبنانيون من أجله ومن أجله يموتون، هو الذي لم يعتد ولم يتآمر على أحد، ولا هو واطأ أحدًا على شر. إذ كان في التاريخ كله وبخاصة مجتمعه المسيحي، مصدر خير وخدمة وسلام لذاته، لمحيطه، وللعالم أجمع.
2 – وهو الذي كانت فيه المسيحية دائمًا حرة سيدة أمينة على قيمها وتراثها ومصيرها. وهي تعتزم، اليوم، أكثر من كل يوم آخر، أن تبقى حرة – سيدة، أمينة على قيمها وتراثها وما تنشد لنفسها من مصير.
3 – وهذه المسيحة في لبنان تذكّر بأنها لم ترد لنفسها، يومًا في الماضي ولا تريد، الآن، لنفسها، وتعتزم ألا تريد في المستقبل ما لا تريده لغيرها من الجماعات الروحية التي تتكون منها الأسرة اللبنانية، على أنها لا تريد لنفسها، كذلك، أن تصبح في مطلق حال، مسودة، أو أن تقبل لنفسها ما لم تقبل به لغيرها.
4 – ولبنان الذي يريده اللبنانيون هو لبنان المنسجم الحب، القادر على تحقيق ذاته في بقاء كريم.
لبنان الحر، المنفتح، المتعدد المجتمعات.
وهو لبنان الذي يؤمن إيمانًا نابعًا من كيانه ومن تراثه، هو، الذي يؤمن بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
فهذه الصورة – الهدف هي، عند القادة اللبنانيين، المقياس الذي به يقيسون ليقروا أو يرفضوا ما هو مبحوث، اليوم أو سيبحث غدًا، من حدود ونُظُم واتجاهات سياسية، وعلاقات.
5 – تلك هي قواعد ترتكز على حقائق من ثوابت التاريخ اللبناني، غير أن قواعد أخرى ترتكز على حصاد التجارب وهي من حتمية الفكر والمنطق يجب أن يُعرف بعضها وأن يُعلن:
أ – إن لبنان الذي من أجله يحيا اللبنانيون ومن أجله يموتون هو موطن اللبنانيين جميع اللبنانيين، المقيمين فيه، ووطن جميع اللبنانيين المتحدرين من أصل لبناني والمنتشرين في العالم، وهو وطن المسيحيين العائشين في العالم الإسلامي المحيط، وهو وطن المناضلين من كل دين ومذهب المروّعين، في هذا العالم المشرقي، الفازعين من بلادهم إليه.
ب – لبنان هذا يجب أن يبقى مختبرًا حضاريًا فذًا فيه تعالَج وتُنقَد النُظُم والمذاهب والتيارات الروحية، وفيه يُحك الناس.
جـ - ولأن لبنان قيمة بحد ذاته فهو يستطيع أن يكون ملتقى تفاعل وتبادل بين حضارات الشرق والغرب والمتخيّر الأمثل لروائعها جميعًا.
د – من هنا وصلت الجبهة اللبنانية إلى التأكيد أن البنيان السياسي الجديد للبنان الموحّد، المعزز للولاء المطلق له والمانع للتصادم بين اللبنانيين، يجب أن يعتمد تعددية المجتمع اللبناني بتراثاته وحضاراته الأصيلة، بحيث ترعى كل مجموعة حضارية فيه جميع شؤونها، وبخاصة ما يتعلق منها بالحرية وبالشؤون الثقافية والتربوية والمالية والأمنية والعدالة المجتمعية، وما يتعلق بعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج، وفقًا لخياراتها الخاصة.

وهنا، بعد مسيرة الشرف هذه، لا بد من أن يقف سائل ليسأل: لمن كانت هذه البادرة في بناء هذا لبنان الحضاري هذا؟ بل من كان بناته الأصليون؟!

سيداتي سادتي
لكأنه يبدو أن الموارنة يرغبون في الاستئثار بخدمة لبنان.
لا.
فإن الكثيرين غير الموارنة أسهموا، قديمًا وحديثًا، كما الموارنة بالذات، في بناء لبنان الذي تحبّون وله نتعبّد.
ففي طليعة هذه الكثرة:
النقيب فؤاد الخوري
وشارل مالك
وفريد حبيب
وأمثالهم الذين عملوا له بعقولهم.
أحمد الأسعد
وصبري حماده
وأمثالهما الذين عملوا له بنبلهم.
الأمير مجيد إرسلان
ونجيب علم الدين
وأمثالهما الذين عملوا له بأصالتهم.
هنري فرعون
ويوسف سالم
وأمثالهما الذين عملوا له بحذقهم.
عبده عويدات
ومحمد شقير
وامثالهما الذين عملوا له بصدقهم.
أنيس فريحة
وشارل سعد
وخليل رامز سراكيس
وأمثالهم الذين عملوا له باستمراريتهم.
لا!!
ألف مرّة لا!!
إنه لافتراء على الموارنة والحقيقة والحق أن يتهموا بالتفرد في حب لبنان، وبالاستئثار في خدمته.

هؤلاء الموارنة إنهم بمثابة المؤذنين الذين، كل يوم وكل واحد منهم، خمس مرات في اليوم الواحد: في الفجر، في الظهر، في العصر، في الغروب، وفي العشاء يسبّحون من مآذنهم: الله أكبر، لا إله إلا الله.
وإنهم، هؤلا الموارنة، بمثابة الكهّان الذين من آلاف المذابح، كل يوم وكل واحد منهم، يهتف "أؤمن بإله واحد".
أوَ كثير على لبنان أن يكون له مؤذنوه وكهنته يؤذنون باسمه ويسبحون؟
الموارنة ليسوا وحدهم الذين وصلوا بلبنان إلى ما هو عليه الآن، بل هي الأقلية الدرزية والمسلمة والمسيحية، وعلى أنواعها، هي التي أرادته معقلاً لحريتها في هذا الشرق.

إن الطائفية، في لبنان، هي عصارة لبنان الطبيعي والبشري، وليس العكس هو الصحيح.
فلبنان سبب لا نتيجة،
فاعل لا منفعل.

الطائفية التي تولّدت عنه أسهمت، مجتمعة متعاونة متكاتفة، في تطويره، ورب قائل يقول في خلقه.
غير أن لبنان كان قبل الطائفية، وسيبقى بعدها.
إنما، هو، كيّف نفسه على ضرورات العيش معها في جميع متاعبها.
وقد يكون، هنا، مجال القول: إن المسلم في لبنان هو غير المسلم خارج لبنان، والمسيحي في لبنان هو غير المسيحي خارج لبنان. عدوّهما المشترك هو الظلم، عدو حريتهما،
وليس للظلم دين، ولا عَصَب، ولا لون.
فاجتمع اللبنانيون كلهم على التحصّن ضدّه بالشكل الذي رُوي وتكشفت عنه أقوالهم... وذكاؤهم.

سيداتي سادتي
بُناة الحضارات ليس صدفة ينبرون إلى بنائها،
وليس صدفة يجيئون.
فبناة الحضارات خلائق مميزون،
تميّزهم أقاليمهم، بيئاتهم، مجتمعاتهم وكثير من الشؤون الأخرى، وبخاصة شؤون مثل هذه:
1 – بناة الحضارات أبناء شعوب تعيش في الأقاليم المعتدلة المناخات التي هبوب ريحها لا يجرف، واهتياج بحارها وأنهارها لا يطوف، أقاليم لا تكون شمسها محرقة ولا تجعلها غيومها في ليل دائم.
2 – بناة الحضارات أحرار قبل كل شيء، إذ لا حضارة نبعت من خارج الحرية، ونمت في غير ظلالها. تنسلخ من صلب الاحرار هؤلاء، من سليلتهم، كما ذاك اللبناني المتطوع في جيوش الحلفاء حرب 14/18، والذي أصيب بمقتل، وقبل أن يلفظ نفسه الأخير على أسوار فردان، كتب، بدمه على صخرة هناك، مات وراءها بعد حين يقول:
"أموت هنا من أجل أن يحيا لبنان حرًا".
وبناة الحضارات، من جراء ذلك، متفلتون من التراب، من المخاوف، من الأوهام والوساوس.
3- بناة الحضارات منفتحون، مبدعون، خلاقون، ذوّاقون، مؤمنون، حالمون، تأمليون، طلاب معرفة، مجدّون، مواظبون، أصحاء.
4 – بناة الحضارات يثقون بأن بناء الحضارة كبناء الإنسان، فهو يجوز من كل جانب، ومن أية يد ملهمة، وفي كل زمان، وهم يثقون بأن الحضارة هي بالنتيجة أروع كاتدرائية، ولكنها لا تُبنى بناء الكاتدرائيات، بدءًا من الأساس وانتهاءً بالقبب والمسلمات والقرميد.
5 – ثم إن بناة الحضارات يؤمنون بأن الحضارة نزوع لا تخطيط، حالة لا إنجاز: نزوع إنسان بكليته إلى الجمال، وحالة صفاء كلية تؤهّب إلى الخلق، بحيث أن بناة الحضارات يعيشون في مناخات ليس مثلها إلا عند بناة الحضارات، كما مناخات الفنانين والبحّارة والرهابين ليس مثلها إلا عند الفنانين، والبحارة، والرهابين.
6 – يؤمن بناة الحضارات بأن كل نتاج الإنسان هو لكل إنسان، في كل زمان وآن، وهو الخير الشائع الذي هو في مشاع الإنسانية. 7 – ويؤمنون بالمرأة موحية خلق وإيداع.

فأي مناخ يبزّ بالاعتدال مناخ لبنان؟
أي تفلّت من التراب يفوق تفلّت البحارين الذين يعيشون على تقاليد المركب التي تتغير عند كل هبوب ريح؟
أي مكان للتأمل خير من ضفة ساقية،
من شاطئ بحر،
من شرفة على المغيب،
من شير على رقبة واد،
من نسائم،
من عصافير،
وحفيف أوراق؟
أي خلق أروع من خلق الحرف،
من خلق المجذاف،
من خلق البناء المن حجر،
من خلق زراعة القمح،
ثم من رفع المصلوب على الصليب الذي ظل نائبًا عنه قرونًا إلى أن رفعه اللبنانيون عليه؟
أي إيمان بالله أروع من الذي أنبت شربل،
ورفقا،
والحرديني؟
أي إيمان بالجمال أشرف من الذي أعدّ كل ما أُعد لربات بيت الدين، وقصور الشوف والمتن وكسروان؟
أي ذوق أرفع من الذي تقوّل، وأنشد، ودَبَك، وشروَل، واخترع العَرَق والمازات؟
أي إنسان يجد وراء المعرفة أكثر من الذي صلاته منذ أن يولد: "اللهم أعطني المعرفة فأحيا"؟
وأي شعب أبدع وأعطى، في آن، أكثر من العطاء الذي تم على يد قدموس،
على يد بحّارة صيدون،
وعلى يد مغتربيه؟
وأي إنسان أصدق من اللبناني الذي يقول: "أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعنا، يا جرير، المجامع"؟

إنجازاتت الموارنة
سيداتي سادتي
وجب، الآن، أن نقول ما هي الإنجازات التي عُملت في لبنان والتي، لولا الموارنة، لما كان قيّض لها أن تُعمل، أو كانت تأخرت، أجيالاً لتُعمل؟
1 – بما هي المارونية وريثة الثقافتين السريانية والايونانية فلقد نشأت في حضن حضارتين هما السريانية واليونانية.
مما مكّن السريان، وبالتالي الموارنة، أن يكونوا في طليعة نَقَلة التراث اليوناني العلمي والأدبي إلى لغتهم، أولاً، ثم إلى العربية منذ العصر العباسي.
فتيوفيل بن توما الرهاوي نقل إلياذة هوميروس إلى الشعر السرياني بغاية ما يمكن من الفصاحة والإتقان، وكان تيوفيل، يقول ابن العبري، "على مذهب الموارنة الذين في جبل لبنان".
2- مسيرة الموارنة الفذة في اتجاه الحضارة أهبّتهم لسبق شعوب الشرق، قاطبة، إلى الاتصال بأوروبا، فالقيام بالنهضة الحديثة، وبخاصة بفضل:
- استعدادهم الطويل بمعرفة اللغات والاضطلاع بثقافاتها (وتشهدون معي الآن أن الشعب اللبناني، بفضل مغتربيه هو الشعب الأوحد على الأرض الذي يستطيع أن يتكلم كل لغات الأرض).
- اختمار تراثهم الإنساني الأصيل (وهم مسهمون في تكوينه).
- تمرّسهم بالحرية والاستقلال ضمن كيانهم الوطني الخاص، وتمرسهم بالدفاع عنهما حتى النَفَس الاخير.
- مدرستهم في روما التي أخذت تخرّج، منذ أوائل القرن السابع عشر، أفواج العلماء والمعلمين والمترجمين من وسطاء الحضارة بين الشرق والغرب.

ثم كان الموارنة السبّاقين على الصعيد التربوي:
ففي "المجمع اللبناني" وهو الدستور الماروني الذي فرغ من وضعه في 2 تشرين الأول 1726 (من 343 سنة) بعد خلوة طويلة عقدها بطريرك الموارنة يوسف بطرس ضرغام الخازن، بسلطان الحبر الأعظم أكليمنت الثاني عشر في كنيسة أم الله، مريم، في اللويزة، بحضور اللبناني الماروني يوسف سمعان السمعاني القاصد الرسولي، وبحضور 49 من رجال الكهنوت، أساقفة وكهانًا و49 علمانيًا من مشايخ الطائفة المارونية وأعيانها.
ففي المجمع اللبناني من المقررات والتوصيات التربوية ما يذهل:
1 – فهو يوصي بالتعليم الإجباري.
2 – وبالتعليم الشعبي (الديمقراطي) المبذول لجميع أبناء الشعب دون تمييز طبقي.
3 – وبالتعليم المجاني. هذا بالغضافة إلى تأمين القوت لأبناء الفقراء.
4 – وبتعليم البنات.
5 – وبتعدد اللغات.

وقد وجدت هذا المقررات والتوصيات من هَب إلى وضعها موضع التنفيذ.
ففي كلية عين ورقة (الجامعة الأولى في الشرق بالمعنى الأوروبي الصحيح) المُنشأة 1789 وضعت موضع التدريس لغات أربع بقواعدها وآدابها وهي العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية.

وقبل عين ورقة بسبع وثلاثين سنة صدر، في دير القمر، عن الست اصّون شهاب (أم المير يوسف وزوجة المير ملحم شهاب) ورقة (وهي رسالة إقرار موجهة إلى الرهبان الحلبيين) هذا مضمونها:
"زهبنا أعزازنا الرهبان الحلبية الأقبوة خاصتنا ليجعلوا منهم مدرسة يعلّم فيها أبنا القرية إلى جنب أولاد الستّات). وهكذا، هاتان البادرتان تكونان قد وَضَعتا في التنفيذ المبادئ التالية:
- التعليم الشعبي.
- وتعليم البنات.
- وتعدد اللغات.

وكانت الأديار قد أخذت على نفسها تنفيذ مبدأ الزامية التعليم ومجانيته، وإن على صعيد ضيق، ظل إلى أمد طويل لا يتجاوز أولاد شركاء الدير وجيرانهم.

وهذه المسيرة الحضارية الفذّة، مسيرة الموارنة، أهبتهم هي أيضًا، للقيام بأعمال حضارية لم يكن غيرهم يستطيعها أو يستطيع مثلها،
فهي لولا أن تعمل على يدهم لما كانت وجدت يدًا تعمل لها، أو كان قد طال انتظارها وهي من مثل:
1 – تعريب الروائع العالمية الكبرى، كما "الخلاصة اللاهوتية"، و"إلياذة هوميروس" شعرًا.
2 – وَضع الموسوعات والقواميس كما "دائرة المعارف" و"المحيط المحيط" و"أقرب الموارد" و"البستان".
3 – تنظيم تدريس اللغة العربية وقواعدها الصرفية والنحوية، كما "بَحث المطالب" للمطران جرمانوس فرحات و"المبادئ العربية" لرشيد الشرتوني.
4 – إنشاء أول مطبعة عربية في الشرق فقاطبة وهي مطبعة مار انطونيوس قزحيا في وادي قنوبين في السنة 1610، ومطبعة دير مار يوحنا الصابغ في الخنشارة (للروم الكاثوليك) سنة 1734.
5 – ثم الدعوة إلى تعليم المرأة في السنة 1848 على لسان المعلم بطرس البستاني.
أو كثير ، بعد ذاك وقبله، أن يقوم مؤرخ، في عهد لويس الرابع عشر، وكانت لم تظهر بعد جميع هذه التجليات على يد الموارنة، أن يقوم مؤرخ يؤرّخ للبنان باسم أطلقه عليه وهو La Maronie أي بلاد الموارنة.

هذا، ووردت لو دوّرت الكلام على ما الذي كان يجب على الموارنة أن يعملوا ولم يعملوه، لأن في هذا موضوع اعتزاز أما في ذاك فتذكير بواجب:

أما أهم ما كان على الموارنة أن يعملوه، في الزمن الاخير فهو هذا:
1 – توطيد الكيان اللبناني، خاصة وقد ثبت في تواريخهم أنه كلما قوي استقلال لبنان ضعف كيانه، وكلما قوي كيان لبنان ضعف استقلاله.
2 – جعْل لبنان مختبرًا عالميًا للأشياء الروحية – الفكرية – الجمالية، وللتجارب الحياتية ح الحِكمية – الديمقراطية، وعلى الأخص التعايش السلمي بين المسيحية والإسلام.
3 – من مدعّمات وجود لبنان أنه الوطن الروحي لجميع الشعوب المسيحية المبعثرة في رحاب الشرق. فكان يجب تدعيم هذه المدعمات.
4 – ثم أفلم يكن على الموارنة أن يجعلوا من بكركيهم، هذه الغافية على أقدام سيدة لبنان، فاتيكان المشرق؟ 5 – ماذا عمل الموارنة من أجل أن يلموا أطراف لبنان المنتشرة في العالم أجمع، فيعلنوا إمبراطوريتهم، ثم يعمدوا إلى تحريك هذه الإمبراطورية الفريدة في تاريخ الناس؟

قديمًا كانت لنا قرطاجة واحدة، فقدرت على إنقاذ فينيقية الأم، فاليوم، وقد صارت لنا ألف قرطاجة في العالم، أفليس من العار، علينا وعليكم، أن تعجز القرطاجات الألف التي بين أيدينا عما قامت به في سالف الزمن، القرطاجة الواحدة؟!

ثم إن الفاعليات اللبنانية في بلاد الاغتراب لا تُعد ولا تُحصى، ويمكن استعمالها في حالتي الحرب والسلم.
ففي إحصاء وصلني، ففي الآونة الأخيرة، إن مساحة الأراضي التي يملكها اللبنانيون في مختلف أنحاء الاغتراب اللبناني بلغ مجموعها مساحة العالم العربي برمته.
6 – هذا وإن المارونية لم تعرف أن توظّف مواهبها، مواهب أبنائها، بل تركتها وتركتهم يشردون، وفي كل واد يهيمون، فلا من يُخطط، ولا من يُوجّه، ولا من به يُستعان.
ليس هدر للمواهب وللطاقات كمثل هذا الهدر المجرم!!
7 – وماذا عمل الموارنة، صحيحو الهوية ومنتحلوها، سوا بسوا، ليبعثوا لبنان من نجيع الدم المهدور ظلمًا وعدوانًا فيعود زينة الأرضين، ودرة العالمين؟!

سيداتي سادتي
من هنا أرى على وجوه الحاضرين أسئلة تتراقص، تتزاور، وتشرئب أعناقها، بينها سؤالان، كأنهما زعيمان في ساحة التساؤلات واحد منهما يقول:
1 – لماذا كل حركة ولدت في لبنان، من أجل لبنان وحده، أو من أجله، وأجل جواره، ولم يكن على رأسها ماروني أو لم تكن وراءها كثافة مارونية، كان حظها الفشل؟
وهل صحيح أن جورج أنطونيوس، لو كان مارونيًا، كان يمكن أن تُكتب لقضيته النجاح؟
وأن أنطون سعادة، لو كان مارونيًا، كانت طريقه أبعد؟!
وميشال عفلق كانت طريقه أصوب؟!
وكمال جنبلاط كانت طريقه الأولى في الطرقات؟!
2 – وآخر يقول:
من أجل ماذا الأمير فخر الدين المعني الدرزي عُمّد مارونيًا؟
من أجل ماذا الامراء الشهابيون السنيون الذين جاؤوا من وادي وتعمدوا موارنة ليحكموا؟
ثم نتابع : "من المؤسف أن كثيرين من العرب والمسلمين لم يفهموا أنهم وهم يخربون لبنان يخربون بلادهم أيضًا، لأنه لا يمكن أن يكون المسلمون والمسيحيون مختلفين في لبنان ومتفقين في البلاد العربية الأخرى.

إما أن ينهض لبنان وينهض معه العرب، وإما أن يتفجّر ويتفجروا معه، لأن فيه وعلى أرضه تأخذ القومية معناها العملي وأبعادها المستقبلية فلبنان هو غد العالم العربي.
إن أحسن ما يمكن أن ينتظره العرب موجود في لبنان، وأسوأ ما يمكن أن ينتظره العرب موجود، أيضًا، في لبنان!

إننا: منذ ثمانية قرون، نبكي على الأندلس حتى أوشكت دموعنا أن تمحو كل عظات التاريخ وحقائق المأساة الأندلسية،
ولبنان أهم من الأندلس، فقد ضاعت الأندلس وبقي العرب،
ولكن هذا البقاء سيصبح مهددًا في حالة ضياع لبنان".
سليم اللوزي
"الملف الماروني" كما فتحته مجلة "الحوادث"
في العددين 135 و139 آب – أيلول 1978

ونتابع فنسمع الرحالة فولني (Volney)يقول في كتابه "رحلة إلى المشرق" ما ترجمته:
"تستطيع فرنسا، إن شاءت، أن تنشئ إمبراطورية تمتد من البحر المتوسط حتى الخليج العجمي إذا استندت إلى الموارنة في لبنان".
ثم نسمع في الختام أحدهم يقول: "الموارنة شرف في الشعوب، قمة في القتال، مثال في الصمود، وفي المجد زهوة!!"

أما وأن وقت الختام قد جاء: اللهم إحفظ لساني من الشطط، كما حفظت قلبي من الإغراق في الاعتزاز.
ليس بالتكاذب يُبصق في وجه الطائفية، بل بالصدق الإيجابي،
فالدعوة إلى العلمنة تكاذب،
وتكاذب وفاقهم الوطني،
وتكاذب حوارهم سواء أبدِئ به من القمة الروحية أو بُدئ به من ميل آخر.
فليس غير البناء على الحقيقة والواقع والحق، أأرضى ذلك أنانيتنا أو أغضب تلك الأنانية الحمقاء، والحقيقة والواقع والحق هي تعددية في المجتمع اللبناني.
وكما في الديمقراطيات، لا يقوم حكم ضد الأكثرية هكذا في الحتميات لا يقوم حكم ضد التعددية، ولا مفر.

سيداتي سادتي
إن أول ما يجب أن نصحو عليه هو أن لبنان، هذا الذي عملنا له برموش عيوننا، بلا هوادة ولا ملل، لبنان هذا قد تهدّن وانهزم، فلبنان المقبل لن يعيد لبنان الذي ذهب،
وإن ما سيعود من لبنان الأمس هو بعضه وقد لا يكون الأفضل.
فحيال هذه الحقيقة المرّة وجب أن نعزم وأن نحزم،
ووجب على كل واحد منا أن يطمح إلى مجتمع لبناني جديد يصير فيه التغلب على الضعف والعيوب التي شابته من جراء تراخيه،
كما يصير فيه العمل على تحقيق القيم المبنية على الصدق والشرف والكرامة والمحبة والنخوة والطموح والإقدام،
وبخاصة على احترام الحقيقة والكلمة المسؤولة والحق،
حتى نعود فتتجذر في التراث اللبناني وفي التراث العالمي لنستحق، أكثر فأكثر، قيمنا اللبنانية الأصلية والتي توارثناها، جيلاً بعد جيل، في أحسن حالات صفاتها وتألقها.

وثقوا بأني إن كنت، في خضم هذه التناقضات أعتز بمارونيتي فما ذلك إلا لأنها تجعلني أصدق لبنانيًا، وأوعى وأعمق،
فما تعصبي لمارونيتي غير التعصب للبنان، وحده لبنان سبحانه.

ولا يسعني في هذه المناسبة، وأنا أمثّل الجبهة اللبنانية بينكم، سوى أن أعلن، باسمها، في ختام هذا الكلام، أن لا سلم في الشرق الأوسط بدون لبنان حر – سيد – مستقل – ذي مجتمع متصل اتصالاً عضويًا بالحضارة العالمية – الفاعلة – الواحدة – ذي مجتمع متصل اتصالاً عُضويًا بالحضارة العالمية – الفاعلة – الواحدة – المتواصلة العطاء،
مجتمع حر منفتح تتمتع فيه المسيحية، كما غيرها من المذاهب الروحية، باطمئنان تام إلى ذاتيتها، وسيادتها على نفسها، وإلى بقائها على تواصل حر بجميع ينابيع الروح المسيحية في العالم.

بدون لبنان، هذا المرتاح إلى وجوده والمطمئن إلى ذاته، سيجد الشرق الأوسط نفسه أمام مجتمع مقهور مضطهد، ثائر يكون مصدر متاعب كثيرة تؤذي مسيرة السلام في العالم ومسيرة العالم إلى مصيره.

وبدون اللبنانيين هؤلاء الذين، بعد أن ألفوا الهناء، يضنيهم اليوم، القلق التهجمي والاستغراق في المتاعب والهموم... بدون هؤلاء اللبنانيين لا سعادة ولا تمدن.
أو ليس صحيحًا أنه لا يحق لشعب أن يكون سعيدًا وحده؟
أو أن يكون سعيدًا بين تعساء؟
وصحيحًا: أن لا يكون تمدّن حيث يكون – بفعلنا، أو إغضاء منا – إجحاف أم ظلم، أم افتئات، أم اعتداء أم ألم أو تعاسة، أم بؤس؟ فكيف إذا كانت جميع هذه المؤذيات متجمعة في أرض واحدة، وهي الأرض التي شهدت، في التاريخ، بزوغ مدنيات أصيلة ما زالت وستظل متمادية، متفاعلة، فاعلة، وفي ظلّها يعيش الناس.

إن من حق لبنان هذا أن يُلفت العالم المتمدن إليه وهو مهد مدنيات باقية.
ومن حق اللبنانيين هؤلاء، أن يلفتوا أهل السعادة إليهم وقد كانوا لهم مصدر سعادة وهناء.
ويرى لبنان واللبنانيون، واثقين، أن ليس من حق العالم كله، بل ليس من حق أي جزء متمدن فيه، أن يُحجم، يوم يُدعى إلى تحقيق ذلك، عن العمل لتحقيق ذاته في ما يحقق للبنان خيره.
بكل هذا تؤمن الجبهة اللبنانية
ومن أجل كل هذا تعمل

سيداتي سادتي،
فلنصغ إلى أشعيا النبي (29: 17/21) يقول في معرض السؤال: "أليس عما قليل ينحول لبنان حقلاً مثمرًا، والحقل المثمر يُحسب غابًا؟ وفي ذلك اليوم يسمع الصم أقوال الكتاب، وتُبصر عيون العمى الديجور والظلام... لأن الجائر يكون قد انقرض، الساخر قد فني، واستؤصل كل الذين يسهرون لأجل الإثم، الذين يؤثمون الإنسان لأجل كلمة".
لأن الجائر يكون قد انقرض!! والساخر قد فُني!!
واستؤصل كل الذين يسهرون لأجل الأمم!!
اللهم! اجعل أن يصدق نبيك، اليوم، كما، في الأمس، صدق، واسمح أن يعود لبنان، على عجل، حقلاً مثمرًا فلا يطول حرمان أصفيائك من طعم ثماره.
وادفع، اللهم، عن لبنان، هذا الأمين الوادع، سيف الجلادين وجور المخرّبين، وصفاقة من لا يَدين بدِين.
وليُنظر، بالعيان، وجهك فوق هضابه، فيزول الشر على مرآك، وترجع السماء تنفتح أماه، فيرجع لبنان موطئًا رخيمًا لقدميك.
رجوناك، يا ربنا، رجوناك.
  رسالة إلى البطريرك

يا صاحب الغبطة
لنا عليكم مثل الحق الذي لكم علينا.
لأننا قبلنا بكم أبًا روحيًا، وقبلتم بنا أبناء روحيين.
ولولا ذلك لما كان بيننا مجال لعتب،
أو كان موضوع لهذا الكلام الذي نسوقه إليكم صريحًا على ما عوّدتمونا
وعلى ما نعرف نحن من ضروب الصراحة التي إن آذت المودة، إلى حين، فهي تريح الضمير في كل حين وحين.
هذا. وقد يقولون السياسة التي ظن أنها أملت عليكم مواقفكم إلى الآن، هي التي تملي علينا موقفنا الآن.
حتى إذا صح ذلك فلن يصح قط أن مصلحة رجل، أيًا كان، أو مصلحة مقام، مهما علا، ارتفع خصومة وصداقة مهما قست الخصومة ورقّت الصداقة، تستطيع كلها أن تحتل في مراتب اهتمامنا من سلّم القيم مرتبة فوق التي جعلنا فيها لبنان.
هذا الدائم الخالد، معبودنا بعد الله، وحبيبنا قبل أولادنا.

يا صاحب الغبطة؛
يوم رفعتم إلى السدة البطريركية خلفًا لعظمائنا مار يوحنا مارون والعمشيتي وحجولا والرزي والعاقوري والدويهي والتيان وحبيش، والخازن ومسعد، والحاج والحويك وعريضة ، ترفّعنا لنقول:
كان لكم المقام وكانت لنا الغبطة.

عندما تذرّع بعض أحبائنا بالمجمع اللبناني لإظهار عدم ارتياحهم إليكم تذرّعنا، نحن، بقانون الطاعة" لنعتذر عن عدم ارتياحنا إليهم.
وعندما شكّوا بالصدّيق() وصدقه، شككنا، نحن، بصداقتهم وصدقهم.
وعندما قالوا: "لا تسند البطريركية المارونية إلى من ليس له في تاريخها كتاب"، قلنا: "إن من أسندت إليه البطريركية المارونية يعي تاريخها في صدره، ويستعيده كأنه يقرأ في كتاب..."
ثم ركبنا المركب الوعر، وراءكم، في موكب الواجب، موقنين أن الزمن ، وحده، ينصف الصديق من الصديق، ويريح قلوبنا التي حمّلناه، يومذاك – وانتم بذلك أدرى – أكثر مما كانت تطيق، وتحتمل.
... وهببنا نستحث الزمن، لئلا تدركنا حجة الشامتين قبل أن تدركهم حجة الأيام، عيوننا مع أصدقائنا وقلوبنا معكم، حتى قيل: "إنكم أنقصتم من وقار المقام يوم أنقصتم من لحية بطريركهم بعض شعور، ومن جلال طلعته بعض الجلال، ومن أرجوان ثوبه بعض الأرجوان، ويوم بالغتم في إكرام زواركم، ضمًّا وتقبيلاً وتربيت أكتاف"
فرددنا:
"إن إلهنا إله بساطة واتضاع،
ولد بمزود،
صاحب الفقراء والبؤساء،
أجلس الصبية والأطفال على ركبتيه،
ولم يخضّب ثيابه بالأرجوان،
وإن الحقيقة المفرّعة السافرة خير من الحقيقة المحجّبة.
وإن بطريركًا من الناس للناس يفضل آخر من أنصاف الآلهة منقطعًا للإله وحده."

ثم رحنا نصبر على الزمن،
فكان أن بدأتم تؤثرون في مواعظكم وخطبكم الاستشهاد بالشعر وبالكلام المأثور على الإستشهاد بالحكمة المنزلة وبكلام الاناجيل، حتى قيل:"إنكم تجهلون، أو تتجاهلون، ما من أجله جئتم. وشبّه للناس أنكم لا تحملون روحية مقامكم".
فرددنا على المنتقدين:
"إن البيان حلية.
وإن حمل الرسالة على متن الأدب خير من حملها على ظهور الجمال."

ثم رحنا ننتظر، حتى سقطت علينا حكمة "القومية العربية البيضاء"... البيضاء من كل زور"
فأسقط في أيدينا
ووجدنا انفسنا، وإياكم، على مفترق يباعد بينكم وبيننا إن سلكناه.
فقعدنا على قارعة الطريق، موجعين، نرتقب أن تعودوا،
ان تعودوا لتأخذوا بأيدينا،
ولتستمر بنا الطريق، وراءكم، في المركب الوعر الذي ركبناه.
وما زلنا ننتظر
ننتظر عودة الأب إلى أبنائه الذين اكتأبوا لاغترابه عنهم،
وفيما كنا ننتظر إذا من آخر الأرض، من القطب المقابل للقطب الذي تسمرنا فيه، إذا من آخر الأرض صوت يقول: "ترحلون أو تموتون... أو تقبعون في مطارحكم غبارًا على قشرة الأرض، وغرباء في بيوتكم."
بدلاً من أن يقول – وكان قد أخذ منا التعب كل مأخذ:
"تعالوا إليّ أيها المتعبون والمثقلون وأنا أريحكم
تعالوا إلي ففي بيت أبي منازل كثيرة
تعالوا إلي فإن الذي أوجد عصافير السما أوج لها ما يقيتها... وهو لا يذهل من دبيب النمل... ولا يغمض عينه عن إنسان واحد".

يا صاحب الغبطة
إنكم على عرش رجل كان ناسكًا فردًا في صومعة صغيرة فصار مائة مائة راهب في أديار كثيرة.
وكان واحدًا فصار ألف ألف واحد
إنكم وريث مجد البطاركة الأفذاذ الذين تناقلوا الشعلة كبيرًا عن كابر، ومشوا بها في طليعة الطلائع، فقضوا أبطالاً، لتستمر الشعلة.
إنكم رمز شعب نفر من الذل والاضطهاد إلى هذه الجبال العاتية الشمّاء، فاعتصم بها منذ ألف وأربعمائة سنة، يدل على جبابرة الأرض، فهدد الدولة الاموية على مرتين، زمن معاوية في السنة 666 وزمن عبد الملك في السنة 685، وأشعل الثورة على العباسيين في السنة 759.
وكان له من أبنائه ثلاثون ألف نبّال يزرعون الرعب في نفوس الطمّاعين.
وهو هو الشعب الذي مشى، مختارًا، بأبنائه ناحية القدس الشريف، وناحية الرها وعينتاب وناحية الموصل وبغداد، فنزلوها جميعًا مطمئنين مطمئنين، حتى تجاوزوا البحر إلى الجزر، فأقاموا في قبرص، ورودوس، ومالطة، ثم تكامل انتشارهم، في الزمن الأخير، تحت كل نجم وسماء، رسل محبة وعمل وامراع.
فليس من حقكم، يا صاحب الغبطة، أن تتنكروا للرجل الذي رسّخ العرش، وللسواعد التي بنت المجد، وللروحية التي عززت العيال، فتقيموا على أنقاضها روحًا من الانهزامية والفرارية والتخاذل والاستضعاف.

يا صاحب الغبطة
إن جبالنا من السعة والثبات بحيث تتسع وتثبت لكل نزيل
وإننا من المحبة والإخاء بحيث نقتسم حاكورتنا وبيتنا مع كل دخيل
فكيف بالمواطن الأصيل؟!
وإنا من حقنا في منعة النسور
فمن ذا الذي يجادل في حقنا الوضّاح؟!
وفي أصالته يناقش؟!
ثم كيف! كيف ماد الجبل، في عينكم، وضاق؟
وكيف ذل ابن هذا الجبل؟!
وكيف صار الحق منّة ورحمة؟!

كل عظمة يتنسّم ذروتها أخ لنا وجار تدنو به من الذروة التي رفعناها لأنفسنا حجرًا فوق حجر، بتضحيات كل يوم وساعة، وبحرمان أردناه كليًا كي ندفع به الحرمان كليًا.
وكل خير يدرك أخًا لنا وجارًا تدركنا منه بهجة واغتباط
أما أن نتضاءل في وجه الخير فجهل وغباوة
وما عهدنا بالمقام الذي هو مقامكم الآن ينخفض لعظيم ناهد
او يرتجف أمام خير واعد

سيدي صاحب الغبطة
لقد سألناك إيضاحًا فلم تجب،
وصبرنا على الصبر فلم تسعف،
وضاق بنا الناس صدرًا فلم تفتح لنا صدرًا
كأن ما نزل قد نزل
وما كتب قد كتب
وكأن المقام شيء من أشيائك والناس جواريك...
فهل يُلام الشعب، وهو ما زال يعرف نفسه، إن هو تولى الإيضاح عنك، وغسل صبره بصبره، ثم أثبت أنه الامين على الأمانة، نعّار على الخيانة؟!
على شفاه الناس، يا سيدي كلمة تحرق شفاههم.
فقد تزلق عنها، في يوم، فتلهب الأرض والسما.
إن همست بها في أذنيك أكون قد أسديت لك خدمة
  نداء إلى اللبنانيين المنتشرين

أيها اللبنانيون
ليس صدفة وجودكم حيث انتم من عالم الانتشار سواء كنتم في اميركا ام في غفريقيا أم في آسيا أو أوروبا.
وسواء كنتم في المدائن المكتظة أم في البراري القاحلة
إنكم حيثما أنتم لانكم منذ قدموس وقبله أبناء شعب ولد ليحمل القارات إلى القارات ويشق إليها في البحار دروبًا
أيها اللبنانيون
لم يحملكم إلى إلى حيث أنتم طلبكم للمال فالمال موفور لكم على أرضكم في القناعة
إن هو إلا الجناح الذي ينبت لكم مع الولادة هو الذي حملكم إلى حيث تعيشون
والرغبة في العطاء مع الأخذ والظفر بالحرية والكرامة
لذلك كان وجودكم حيث انتم وجودًا مميزًا تعملون للأرض التي فيها نزلتم ولا تنسون الأرض التي اطلعتكم.
تحافظون على صالح تلك بمحافظتكم على حب هذه
فتخدمون بفضل إخلاصكم أرضين كريمتين
أرض المنبت وأرض الإقامة
الأرض التي فيها تقيمون ضنينة بولائكم لها ضنة الأرض التي اطلقتكم ارض غقامتكم من حقها أن تطالبكم بوضع مواهبكم وقدراتكم في خدمتها
ومن حقها أن تستفيد من المناطق التي غرستها في انفسكم حضارة مترقرقة في اعراقكم منذ ما يزيد على الستة آلاف سنة
كما من حق أرض منبتكم ان لا تحرم من مواهبكم وقدراتكم التي أنتم لها ميدنون
أيها اللبنانيون
إن إخلاصكم للبنانكم يجعلكم أكثر إخلاصًا للبلد الذي فيه تقيمون ويقوي الثقة بكم
لأنه يقوي الثقة بأصالتكم
من هنا إنكم مدعوون للأزيد
الأزيد في العطاء لبلاد منبتكم
والأزيد في العطا للبلاد التي استضافتكم
والمعطي يزداد قدرة كلما أعطى
وبخاصة المعطي من الروح
لأن الروح تزداد تألقًا بمقدار ما تعطي
القيم الروحية وحدها يزيدها البذل قدرة
وحده التراب ينقص مما نبذل منه
لأن التراب ينفد والروح لا نفاد لمكنوناتها
فاعطوا بلاد إقامتكم بلا حساب كما تعودتم ان تعطوا بلاد منبتكم بلا حساب

أيها اللبنانيون
هذا الذي يطلب منكم الآن
ليس تدخلاً بشؤون بلاد إقامتكم الداخلية
إننا نرفض مثل هذا التدخل
ولكن المطلوب حق وواجب
إنكم مقبلون في مناسبات آخذة رقابها برقاب بعضها الآخر
اخصها الانتخابات العامة
على التعبير عن رأيكم واختيارا لرجال الذين يتقدمون منكم بطلب تأييدكم لهم للوصول غلى تسلم المسؤوليات هؤلاء المرشحون الساعون وراء اصواتكم
من حقكم بل من واجبكم أن تنظروا غليهم من ناحيتين
ناحية قدرتهم على خدمة بلادهم
وناحية استعدادهم لخدمة بلادهم
فالقادر على الخدمتين يكون مرشحكم
أما اللاهي عن خدمة بلادكم فلا يكون المرشح الصالح
غدًا في شهر تشرين الثاني سيدعى قسم كبير منكم المقيمون فيا لولايات المتحدة الأميركية إلى انتخاب رئيس لها وسيمتثلون إن اختيارا لصالح بين المرشحين جميعًا قد يصعب على غيركم من المواطنين الاميركيين الذين لا يدينون إلا بولاء واحد وهو الولاء لأميركا
ولكنه لن يصعب عليكم وقد يكون في ذلك استغراب
لأن معيار التأييد للمرشح الذي يجب اختياره بسيط
فمن يعدكم وتثقون بوعده يكون هذا المرشح مرشحكم الصالح وعليه يجب أن تصب أصواتكم
ومن لا يعد او لا تثقون بوعده فهو رجس من الشيطان فاجتنبوه
أيها اللبنانيون
بلادكم تتعثر في طريق ارتقائها وهي اليوم بحاجة إلى كل واحد منكم وبحاجة إلى كل ما يملك كثيرًا كان أو قليلاً
فبلادكم لا تأذن بأن تهدر ذرة بقدرتها مهما صغرت ولا أنتم تأذنون
نعرف الصراع القائم بين حقنا وحقوق الشعوب التي بينها تعيشون
ونعرف أن من واجبها أن تحافظ هي على حقوقنا
ولكن محافظتها على حقوقها التي من واجبنا ان نشارك فيها لا تحول دون محافظتنا على حقنا
كما أن محافظة تلك الشعوب على حقوقها لا تعيقنا في مشاركتنا للحفاظ على حقنا
الحق واحد وهو الذي يضمن الكرامة الإنسانية
وكل حق لا يكون مرتبطًا بكرامة الإنسان لا يكون حقًا
وإذًا لا تجب المحافظة عليه
وبالتالي لا تجب مشاركتكم في المحافظة عليه؟
بلادكم يحاولون ان يدوسوا كرامتها
بلادكم يحاولون أن يسلبوا سيادتها واستقلالها وحريتها
بلادكم يحاولون أن يجردوها من تاريخها، من تراثها ، من أصالتها
وهي في الإنسانية أساس
وفي الحضارة رائد
إن مجال إقناع الآخرين بحق بلادكم وحقكم صعب ممتنع
إذ ليس بين هؤلاء الأغيار مهما نهش قلبه الجشع واستفحل في ذاته حب الذات
من يستطيع ان يقتنع وبالتالي ان يقنع أن التراب خير من الذهب وأن السراب غير من الغدران
صحيح ان الطاقة المولدة للحرارة ولتحريك الىلة ضرورة وطنية واجبة ولكن هذه الطاقة لا تشرى على حسابا لغنسان وهي على الأخص لا تستطيع ان تحل محله
إن رب العائلة الصالح يرفض ان يؤمن حساب عائلته على كرامة زوجه وبناته وأبنائه لأن رب العائلة الصالح يريد لعائلته حياة كريمة ولا يريد لها الحياة غن كان ثمن الحياة الكرامة
أيها اللبنانيون
لقد سمعت في تجوالي الاخير بينكم
أن ماذا يفيدنا أن نكسب لبنان ونخسر أميركا
فرددت على هؤلاء المتسائلين
ليس الخيار بين أميركا وبين لبنان إن وقع اختيارنا على أحدهما سقط الىخر
إنما الخيار يقع على أميركا ولبنان في آن
ما دمنا قادرين على اختيارهما معًا وطنًا واحدًا يشدنا إليه ولاء واحد في المحبة وفي الخدمة وفي المصير
وكنت أزيد حتى إذا كان علينا اختيار احدهما دون الآخر والآخر غير وارد فإن اختيارنا لبنان ليس اختيارًا خاسرًا ذلك ان من يختار لبنان يكون قد اختارا لوطن الذي اعطى العالم الأبجدية والسفينة والبيت المن حجر وزراعة حبة القمح والوطن الذي استمر في العطاء دفعًا للحضارة في مسيرتها الطويلة والوطن الذي دل تاريخه المعاصر على أنه يستطيع أن يظل مستمرًا في العطاء وفي لبنان المقيم كنت أقول
أيها اللبنانيون إسمعوا وعوا، ماذا ينفع اللبناني إن ربح العالم كله وخسر لبنان
ويا أيها اللبنانيون، وطنكم لبنان الذي تحملونه في قلوبكم هو اليوم بحاجة إليكم فلا تهملوه غن بقيتم على ولائكم له بقي. وإن خانكم في الولاء خنتموه
ولكن المحبة لا تخون

الانتشار اللبناني

ليس كاللبنانيين، على وفرة حبهم لأرضهم، شعب يسهل عليه الطلوع من بلاده، وبخاصة لجهة البحر، الذي كانوا أول من ركبه بين شعوب الأرض قاطبة.
سيرة الانتشار اللبناني قديمة – متواصلة مستمرة، ترقى غلى الفينيقي الأول الذي أحدث الزورق والمجذاف، ثم نشر الشراع، وتسلسل عبر أبنا عشيرته، مرورًا بقدموس وأوروب، وبالبحارين الذين جابوا الأرض، من مشارق شموسها إلى المغارب وبالرواد الذين اقتحموا المجاهل، واكتشفوا الأقطار البعيدة، حاملين إليها الخبر حرفًا ومعرفة وعمرانًا. ثم مرورًا بالسماعنة والصهاينة والحاقليين ورهطهم.
وقد عاد الاغتراب إلى أشدّه في الثلث الاخير من القرن الفائت. بعد أن اقتطع من لبنان، فبات وكأن معجنه قد سلخ عنه، ثم بعد أن قسا التسلّط العثماني، فضيّق العثمانيون على اللبنانيين أبواب حريتهم، وسبل ممارستها، بحيث أنه لا يستبعد أن يكون في العالم، اليوم، ستة ملايين نسمة من أصل لبناني. واتهم على تزايد، من يوم إلى يوم. هذا في تقدير المعتدلين، ويصل المغالون، في تقديرهم، إلى عشرة ملايين وأكثر.
هؤلاء اللبنانيون منتشرون على وجه الأرض جميعًا.
لهم في كل دولة – او يكاد – جاليات، وكنائس، ومدارس، واندية، ورابطات، وجمعيات، وحياة اجتماعية زاخرة بالحنين إلى الوطن الأب، لبنان، وبالحرص على ما حملوه من تراثه الحضاري العريق، وقيمه الإنسانية الرفيعة.
ولهم نشاطات قوية – مختلفة، من تجارية، وصناعية، وعلميّة، وسياسية، وفكرية، وحياتية.
وقد برز منهم كثر في كل مجال.
حتى ان غير المشاهير من أمثال سيزار طربيه، مايك دبغي، ورالف نادر، وداني تومس، ونصري ضو، والياس الشربين، ونسيب مفرّج، (وهم في مثل مغالبتهم) لا يحصى عديدهم ولا يقع تحت حصر.
هؤلاء اللبنانيون المنتشرون جاءنا منهم، في آخر يوم من شباط الفائت وفد، هو وفد الاتحاد الماروني العالمي الذي أنشئ، في أثناء انعقاد المؤتمر الماروني العالمي الثاني، في نيويورك (من 8 إلى 12 تشرين الاول 1980) وهو المؤلف من: الشيخ امين عواد، والدكتور الياس سعاده، والدكتور فريد مطر، والمحامي كينث ناصيف، والسيد راوول لبيان، فتدارس مع الموارنة المقيمين أمر توثيق العلاقات بين لبنان المنتشر ولبنان الأب. وقد صدر بيان، فتدارس مع الموارنة المقيمين امر توثيق العلاقات بين لبنان المنتشر ولبنان الأب. وقد صدر بيان، من رئيس الاتحاد، بعد أن استكمل جولته وقبل أن يغادر لبنان.
الاتحاد الماروني ليس أول رابطة تقوم في عالم الانتشار. إلا إذا نُظر إليه من ناحيته العالمية – الشاملة.
مثل هذا الاتحاد كثير في دنيا الانتشار، فلكل جالية في كل بلدة ومدينة، "اتحتدها".
وفي معظم الدول رابطة تغلب عليها النزعة السياسية. شملت جميع الرابطات والاتحادات، إلى أن قامت الجامعة الثقافية اللبنانية في العالم، والرابطة الاميركية اللبنانية في الولايات المتحدة، الـ"اول". حتى كان هذا الاتحاد الذي هو ماروني. بتكوينه وبتسميته، والذي هو لبناني يفعله. إن لم يكن لشيء إلا لأن كل خادم مخلص للبنان يلتقي، من ناحية ما، الموارنة في عملهم.
أنا لا اخاف على الجامعة الثقافية اللبنانية، من الرابطة الاميركية – اللبنانية، ولا أخاف على الرابطة من الاتحاد الماروني. ولن اخاف على الاتحاد إن جاءت، بعده، اتحادات.
كما لا أخاف من ان تقوم، في مكان ما، مدرسة بعد مدرسة، ومجلة بعد مجلة، ودار رحمة في جانب دار رحمة. فلا مزاحمة في عمل المعروف. التنافس، في هذا المجال، تسابق. والتسابق على الخير نعمة.

منذ عشرات السنين نشطت نخبة من كبار اللبنانيين، متوافق رأي أفرادها، على خدمة تعمّ لبنان المقيم ولبنان المنتشر.
هذه النخبة لا تزال تعمل. ولا يضيرها شيء إن هي جاءت، في الولادة، ثالثة، أو عاشرة. ما دام قصدها ينسجم مع عزم المؤسسات السابقة، وما دام عزمها يرمي إلى التعاون في سبيل المقاصد.
وكان اهل هذه الفكرة قد اجتمعوا، منذ أكثر من عشرة أعوام، ووضعوا نظامًا لمؤسستهم. ثم حوّلوا ذلك النظام ورقة عمل لخلوة "نيس" التي كان منتظرًا أن تعقد في نوار 1979، فأُرجئت إلى حزيران.
ولما كان الحديث يدور على الجامعة والرابطة والاتحاد، فلمَ لا يُنشر هذا المشروع؟ وأية غضاضة في نشره، في هذا المكان بالذات، على سبيل الإعلان، والإبلاغ، والدعوة؟
  مؤسسة الانتشار اللبناني
تكون للبنان مؤسسة تدعى "مؤسسة الانتشار اللبناني"، وتكون لها القواعد، والأهداف، والهيكلية التالية:
اولاً:
أ – القواعد الأساسية
تقوم مؤسسة الاغتراب اللبناني على القواعد الأساسية التالية:
1 – يعتبر لبنانيًا كل متحدر من أصل لبناني سواء أكان مولده على أرض سواها.
2 – اللبنانيون: جميعًا، متساوون في الحقوق والواجبات، سواء أكانوا مقيمين على أرض لبنان أو على أرض أخرى . فلا بفضل لبناني لبنانيًا ىخر إلا بنسبة إخلاصه للبنان.
3 – اللبنانيون المقيمون في ما وراء البحار تربطهم باللبنانيين المقيمين على أرض لبنان روابط عرق، ومصالح، وإيمان وطني لا تنقصهم على الدهر، وتربطهم جميعًا، مقيمين ومغتربين، روابط لا تنفصم بوطنهم لبنان.
4 – لبنان كيان روحي حضاري يتسع، أبدًا، على لأيام.
5 – لبنان ضروري البقاء. وبما أنه كيان روحي حضاري، فمحتوم أن يبقى إلى آخر الدهر. إذ ماذا ينفع اللبناني إن ربح العالم كلّه وخسر لبنان؟!
6 – عمل اللبنانيين للبنان كرامة وشرف.
ب – الاهداف
تهدف المؤسسة إلى الأمور التالية:
1 – توثيق الروابط بين لبنان المقيم ولبنان الما وراء البحار، وتوثيق الروابط بين الجاليات بعضها بالبعض الىخر.
2 – تعزيز الروابط والعلاقات بين الوطن اللبناني ومواطن الانتشار.
3 – توثيق العلاقات بين الجاليات اللبنانية اللبنانية وأهل البلاد التي تنزل فيها تلك الجاليات.
4 – تعزيز الروابط بين الجاليات والسلطات في منازل الجاليات.
5 – حمل السلطات والهيئات الشعبية والشعوب التي تخالطها الجاليات اللبنانية على احتضان القضية اللبنانية ومساندتها.
6 – المحافظة على التكتلات والاندية القائمة في مختلف الجاليات بأسمائها وأشخاصها وأهدافها، وربطها بما لا يؤذي نشاطها، بمؤسسة الانتشار اللبناني.

ثانيًا:
الأسباب الموجبة
لقيام هذه المؤسسة أسباب موجبة أهمها:
1 – كل لبنان لكل اللبنانيين. كما البيت كلّه، لأبنائه كلهم. فلا يعقل أن يكتفي لبنان بثلث أبنائه (ثلاثة ملايين نسمة) متنازلاً عن الثلثين الىخرين (ستة ملايين). ذلك بأن الاوطان تقاس بقدراتها، وفي رأس هذه القدرات عدد المواطنين، وتنوّع اعمالهم، وقيمة إنتاجهم.
2 – تركيبة لبنان إبراطورية بفعل انتشار اللبنانيين في العالم، وبفعل ارتباطهم، عفويًا وبدون ما اشتغال، بالوطن الأب.
فالإمبراطوريات العظمى، وبخاصة: الإمبراطورية الفينيقية، الإمبراطورية الرومانية، الإمبراطورية العثمانية، الإمبراطورية البريطانية كلّها كانت محاورها (فينييقية، إيطاليا، تركيا، انكلترا) تحيا وتنهض بعد انحطاط، بفضل معمراتها. فكم أصاب فينيقية وروما وإسطنبول ولندن من خور فانقذتها منه البلدان المرتبطة بها باسم الإمبراطورية الفينيقية والرومانية والعثمانية والبريطانية.
فإن لبنان ذا الإشعاع الإمبراطوري، هو بحاجة، اليوم ، إلى امتداداته في العالم لإنقاذه. أمس رفعت قرطاجة عظمة فينيقية إلى ذروة المجد، فهل يصعب على مائة قرطاجة قائمة، اليوم في العالم أن تنقذ أباها لبنان؟
3 – لبنان الما وراء البحار يملك طاقات، مادية، ومعنوية، وروحية، إذا أحصيت، وجُمعت ونُظّمت تصلح أن تكون موضوع معاهدات، للمقايضة وللتبادل، تعود بالخير العميم على لبنان المقيم والمغترب في آن. من ذلك ما يقال من ان ما يملكه اللبنانيون من أرض في مختلف أنحا العالم تبلغ مساحته مساحة دولة كبيرة. ومن ذلك أيضًا أن اللبنانيين يملكون من المحطات التلفزيونية، والغذاعية، ودور النشر، والصحف، والمجلات، ومكاتب الدعاية، وغيرها ما يقدر عدّه بخمسائة مؤسسة. فإذا صح القولان، وهما صحيحان – استطاع لبنان أن يجعل من هذا مادة تفاوض كثيرة المكاسب. فضلاً عن المصانع، والمزارع، والمتاجر، التي هي في يد اللبنانيين، تصلح أن تكون هي، أيضًا، مادة تفاوض، وتعاقد، ومعاهدات.
هذا على الصعيد المادي، أما على الصعيد المعنوي – الروحي الحضاري فإن للبنان كثرة من العلماء والمفكرين، والأخبار وأساتذة الجامعات، والكتاب، والصحافيين، ورجال الأعمال، وأصحاب الثراء، والسياسيين، والعسكريين، والحكام، والمقربين من الحكام، والعظماء، لو جنّد بعضهم للخدمة لتوفر له جهاز من أكبر اجهزة الأرض لإسداء الخدمات وللتأثير في الشؤون المصيرية.
ثم هناك اعتبارات واقعية يجب أن يُنظر إليها وهي:
أ - جلاء الحقيقة التي حجبها عن عيون المغتربين التعتيم المخيّم على جالياتهم.
ب - تهدئة هلع المنتشرين للتمزق الحاصل بين أبناء العيلة الواحدة.
ج - توحيد جهود اللبنانيين في العالم، وربطها بعضها بالبعض الىخر في صفوف متوازية.

ثالثًا:
هيكلية المؤسسة
تكون لهذه المؤسسة هيكلية نابضة، سريعة التأثر وسريعة التحرك في آن. وقد رؤي أن تكون على الطريقة التالية:
1 – المجتمعون في "نيس" والمشاركة – المعتذرون، تتألف منهم الهيئة التأسيسية التي تقوم بعمل الجمعية العمومية لمدة خمس سنوات. على أن تجتمع مرة في السنة على الأقل، لإقرار الموازنة وبرنامج العمل السنوي.
2 – تعيّن الهيئة التأسيسية، لمدة سنتين، امانة عامة من أمين عام، وامينين مساعدين – يحسنان، معًا لغات الاغتراب الخمس، ويتفرّغ احدهما، على الأقل، لأعمال الأمانة. ونحصص للأمانة العامة موازنة تتفق بقرارات من الأمين العام.
3 – تنتخب الهيئة التأسيسية، لمدة ثلاث سنوات، مجلس إدارة مؤلف من ثلاثة أعضاء إلى اثني عشر عضوًا على أنيكون المجلس الأول من ستة أعضاء. وينتخب المجلس رئيسًا له، من أعضائه، ونائبًا للرئيس، وأمينًا، وخازنًا.
يجتمع المجلس ثلاث مرات في السنة على الأقل.
4 – يعين المجلس مركزًا له ثابتًا في لبنان، وله أن يجتمع حيث يرى اجتماعه مناسبًا.
5 – للمؤسسة ثلاث مديريات تسمى:
أ – مديرية الإحصاء.
ب – مديرية التوثيق.
ج – مديرية الإعلام.
اما مديرية الإحصاء فيكون دورها:
أ – إحصاء جميع اللبنانيين والمتحدرين من أصل لبناني.
ب – تسجيل جميع مواليد هؤلاء اللبنانيين في السجلات اللبنانية الرسمية.
ويكون دور مديرية التوثيق جمع كل ما يمكن جمعه من أخبار الاغتراب اللبناني والمغتربين اللبنانيين، كنشأة الجاليات وتطورها، وأماكن انتشار المغتربين، ومقتنياتهم، منزلتهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، وقدراتهم، وطاقاتهم، وكل ما يحدد وجودهم وفاعلياتهم ويمكّن من تقييمهم تقييمًا علميًا صحيحًا.
يبقى أن دور مديرية الإعلام هو غنشاء دار نشر تصدر عنها سلسلة مطبوعات منها مجلة "ألفصول اللبنانية".
مجلس الإدارة الاول محوّل وضع النظام الداخلي، وحق توضيح نظام هذه المؤسسة وإكماله على أن يقترن كل ذلك بموافقة الجمعية العمومية قبل وضعه في التنفيذ.
تعلن الهيئة لتأسيسية استعداد المؤسسة للاتحاد مع كل مؤسسة تعنى بالموضوع ذاته، تنشئها، أو توافق على غنشائها، الجبهة اللبنانية، ومع كل مؤسسة تكون مبادئها متجانسة مع مبادئ الجبهة اللبنانية.
المارونية : كنيسة وحزب

كان طبيعيًا أن تسهم "ألفصول" في المؤتمر الماروني العالمي الثاني الذي ينعقد، في نيويورك من 8 إلى 12 تشرين الأول 1980، فتخصّه بواحد من اعدادها. لأن عمل "ألفصول" يدور، في الأصل، على كل ما من شأنه أن يعمّق معرفة اللبنانيين بلبنان. ذلك أن المعرفة، في اعتقادها، تبني المحبة وترسّخ جذورها في النفوس. أوليس أنّ المرء عدو ما يجهل ومَن يجهل؟! فأية غضاضة في أن تعالج، اليوم، قضية الموارنة على أن تعالج، غدًا، قضايا الطوائف الاخرى، كما تعالج، على الدوم، القضايا المشتركة بينها جميعًا. حتى لو لم يكن هذا المؤتمر لكان لزامًا على هذا العدد أن يكون، لأن الموارنة هم الذين كانوا أول من اختار لبنان ملجأ لهم، فتبعهم إليه الدروز، والشيعة، والسّنة، والطوائف الإسلامية والمسيحية الاخرى، فكان محتومًا أن يُعرف، على يد "ألفصول"، من هم الموارنة، وما كان عملهم، على مدى التاريخ، بدقة التاريخ.
لذا رأينا أن نفصّل الكلام عليهم في أبواب ستة:
1 – منشأ المارونية.
2 – موطن المارونية ودورها في بناء لبنان.
3 – الروحانية المارونية.
4 – الإشعاع الماروني.
5 – المارونية في العالم، والعالم في بلاد الموارنة.
6 – المراجع المارونية المهمة، وشهادات الموارنة فتكاد تتكامل، حول هذا العدد، المعرفة عمهم.
وبديهي أن لا يتسع عدد فرد لجميع هذه المطالب، وبخاصة عندما يتوخى الباحث الدخول في تفرعاتها، والتزام الإحاطة والإفصاح.
لذلك لن يرد في هذا العدد سوى بعض تفرّعات من كل مطلب. على أن تجتمع كلّها في أعداد مقبلة حتى تستقيم.
وقد يستغرق عمل التأليف هذا زمنًا طويلاً. ولكنه لن ينقطع حتى يكتمل.
على أنه من شأن هذا العدد بالذات، أن يرسم الخطوط الكبرى للعمل الكبير، وأن يلقي النور على بوارزها.
وهو حسبنا وما نبتغيه.
وفي ما يلي، من دراسات وأبحاث، سيتراءى الكثير مما يجب أن يكون معلومًا عن نشأة المارونية، وتكوّنها، وروحانيتها، وأعمالها. فليس علينا، هنا، أن نستبق ما سيكتب في ذلك، تجنّبًا للإعادة والتكرار والملل.
غير أن فوائد مما لا بد أن يعرف، منذ البدء، في موضوعها يجري عليه القلم لمامًا في هذه المقدمة:
الموارنة، دينيًا ، أبناء مار مارون، وأبناء الفينيقيين، ثنيًا، وتاريخهم، طبيعيًا، امتداد لتاريخ الفينيقيين.
المارونية تمرّد على السلطان وخضوع للإيمان. فكأن في ذلك تسليمًا لله ومقارعة للإنسان،
وهي سيرتهم.
ليست المارونية دينًا، إن هي إلا طائفة من دين.
وليست هي لبنان، إن هي إلا ركن من أركانه.
وعلى صعيد الدين، فإنها تمثّل الانقطاع إلى التفكير اللاهوتي الذي حفظ المارونية في الخط المستقيم فحافظت، أبدًا معه، على علاقتها السليمة بالكرسي الرسولي. فلا بدعة فيها ولا انحراف، بل انسجام متواصل دائم مع الكنيسة الرسولية – الرومانية – الكاثوليكية – الواحدة، في جميع الأزمان والعصور.
أما على صعيد لبنان فقد كانت المارونية حريصة، أبدًا، على أن يبقى لبنان ملجأ المروّعين، وموئل الحرية، ودار الامان، كلاً لكل أبنائه.
فالماروني أراد نفسه، في لبنان، إنسانًا حرًا:
حرًا في معتقده يستطيع أن يكون، ضمن المسيحية، حيثما يشاء أن يكون.
حرًا في تصرّفه: في ممارسة شعائر دينه، في إقامته وترحّله، في اختيار ومعاطاة عمله، في محازبة من يريد على من يريد، في التعبير عن معتقده وشؤون عمله، وعن كل ما يجول في خاطره.
وقد حضّ نفسه، إلى ذلك، بحرية لا حد لها في التعيّش والارتزاق حملته على فتح أبواب العالم من جهاته الأربع، فملأ الدنيا بولده ومآتيه.
وما أراده الماروني لنفسه أراد مثله لغيره من شركائه في الوطن الصغير.
من هنا يتضح، كما سيتبين من كل ما يجيء، أن المارونية كنيسة ووطن، وأنها حريصة على استقلال كنيستها، وعلى استقلال وطنها، تستميت، أبد الدهر، في الدفاع عنها وعنه.
ثم إن المارونية ليست كنيسة، ولا هي طائفة، فحسب، بل هي حزب سياسي متعدد الجناحات.
فيوم لم يكن في الإكليروس الماروني غير الرهبان، كان الرهبان ينتخبون، من بينهم، بطريركًا عليهم. والبطريرك، بفعل هذا الانتخاب، كان الرئيس الأعلى للكنيسة المارونية الذي حُصرت في يده السلطة الروحية والسلطة الزمنية في آن معًا.
الكنيسة المارونية تحولت، هكذا، إلى كنيسة قومية. فتحوّلت على التوالي إلى أمّة.
وحيث أن المارونية لم تكن وحدها في لبنان، بعد أن انضم إليه الدروز والشيعة والسنة، وجد الموارنة أنفسهم، في الدفاع عن حقوقهم، حزمة واحدة، تحولت، مع الزمن، إلى حزب سياسي له هيكليته، وأهدافه ومراميه، وخطّة عمله التي كانت تملي على أتباعه مواقفهم.
وما برح الموارنة ذاك الحزب السياسي الواحد. وإن كانت لم تتوحد فئاتهم فيه، ولا توحّدت سبلهم إلى أهدافه، غير أن المطالب البعيدة، وبخاصة المطالب المصيرية، كانت تحملهم، أبدًا ولا تزال على أن يكونوا، عن طرائق مختلفة، في اتجاه المطلب الواحد.
وإنهم لكذلك، مقيمين كانوا أم منتشرين في الدنيا.
وإذا كان الظرف الحاضر قد قضى، على صعيد السياسة، بانقسام الموارنة إلى فئات، فما ذلك إلا لأنهم نسور، والنسور تأبى أن تطير أسرابًا.
غير أن ما يبدو بالغًا في انقساماتهم، لن يلبث أن تزول نواتئه عندما يزول الظرف، أو قبل أن يزول.
وبما أن الموارنة فئة لبنانية مستقلة في حزب سياسي لبناني، هو أكبر حزب، كان طبيعيًا أن يعملوا مع الطوائف اللبنانية الأخرى، على بناء لبنان.
وليس صحيحًا انهم، وحدهم، بنوا هذا الوطن الصغير، فلكل اللبنانيين، في بنائه، يد.
غير أن شؤونًا إنشائية – حضارية جمّة لو لم تُعمل على يد الماورنة، لما كانت وَجَدت، في ذلك الحين يدًا تعمل لها، أو كان قد طال انتظار مجيئها.
من هذه الشؤون:
تعريب الروائع العالمية الكبرى، كما "ألخلاصة اللاهوتية" و"إلياذة هوميروس" شعرًا.
وضع الموسوعات والقواميس كما "دائرة المعارف" و"ألمحيط المحيط" و"أقرب الموارد" و"البستان".
تنظيم تدريس اللغة العربية وقواعدها الصرفية والنحوية، كما "بحث المطالب"، و"المبادئ العربية".
إنشاء أول مطبعة باللغة العربية في الشرق قاطبة، وهي مطبعة دير مار أنطونيوس قزحيا، في وادي قنوبين، السنة 1610.
انتجاع العلم في بلاد الغرب، وتأسيس مدرسة روما.
الدعوة إلى تعليم المرأة في السنة 1848 على لسان المعلم بطرس البستاني.
ركوب المخاطر إلى المهاجر، وإنشاء القرطجنّات الألف على سطح الدنيا.
يبقى أن الموارنة هم الذين انشأوا "لأبنان المختبر" هذا المختبر الحضاري الذي بات، في أيامنا الاخيرة، دعامة من أقوى دعائم رسوخ لبنان واستمراره.
وكانت أول نشأة هذا المختبر يوم أفسح الموارنة في المجال للدروز ثم للشيعة ثم للنافرين الآخرين من المظالم في أرضهم، فأنزلزهم أرضهم، وتعايشوا عليها، بعضهم مع بعضهم الآخر، تعايشًا أخويًا يلتقون فيه، ولا سيّما في الدفاع عن هذه الأرض في وجه المعتدي، أيًا كان هذا المعتدي.
ثم راح هذا المختبر يتّسع للشؤون الأُخر كالانفتاح على العالم، والمشاركة الغنسانية، والديمقراطية، وإحياء التراث، والحياة، المجتمعية. وتعليم المرأة، والانسياق مع التيار الحضاري، حتى بات فريدًا في العالم.
الموارنة مبنيون على الرفض، رفض كل ما ينتقص من كرامة إنسانهم، فرفضوا، فيما رفضوا، أن يحيوا ذميين.
هذا الرفض للذمية رافقهم في جميع اطوار حياتهم. لأنهم يلتمسون حقوقهم من الشرع لا من ذمة الناس.
وهذا الرفض بالذات هو الذي جرّ عليهم المتاعب، ولا يزال.
رفضهم هذا ألّب عليهم بعضًا من مواطنيهم، وكل العالم المحيط. فحُكم عليهم بالشعوبية، فعزلوهم، واضطهدوهم، وشنّوا عليهم الحروب.
الواقع هو ان الموارنة ما كانوا إلا أوفيا لجوهرهم، ولمن هم.
فليس على أساس العلم والتاريخ، فحسب، يتنكرون للعروبة، بل ينكرونها لانها تُدخلهم قسرًا، في الذمية التي رفضوا، ونفروا من ديارها.
هذا الذي قيل فيه إنه "تعصب ماروني" ليس إلا تشبثًا في الأصول، في ما أفضى إلى تكوينهم على ما هم عليه، وتشبثًا في رفضهم الأكبر الذي ما زال وسيظل رفضهم الاكبر.
وإن مثل هذا التشبث مبرره، لديهم، أقوى من التشبث الديني. لأن مصدر هذا إيماني، ومصدر ذاك كياني، والكيان قبل الإيمان في طبع الإنسان وتطبعه.
وبعد،
عدد "ألفصول" هذا الذي سنقترب به، أكثر ما يمكن، إلى الواقع والحقيقة التاريخية، والذي سنبتعد به، أكثر ما يمكن عن التبجج والمفاخرة والاعتزاز، نقدّمه إلى القراء، واثقين انهم سيطلعون منه اكثر بعدًا عن الأوهام وأكثر التصاقًا بالحقائق، توصلاً إلى الطريق المنقذ.
وإن امل أسرتي المجلة والتحرير هو ان يكون هذا العدد، بما سيوضح، وبما سيعمّق وبما سيثار فيه، بداية وثبة روحية تلقي النور على كل ما انتاب لبنان من حوادث وأحداث دامية – مقضّة، بغية الوصول بعد تصفية النفوس وتسديد المواقف، إلى ما يستحق لبنان من كرامة وسعادة، وإلى ما استحق له فعله المستمر – المتمادي – الدائب من مكانة بين البلدان المتحضرة التي عليها ما عليه من خدمة الغنسان والقيم الإنسانية.
وإن أسرتي المجلة والتحرير اللتين التزمتا بإصدار هذا العدد الخاص، في شكله الحاضر، عازمتان على مواصلة العمل حتى يكتمل التصميم الذي وضع له في أعداد مقبلة، دون أن يسقط حق القارئ في التنوع الموعود الذي درجت عليه الفصول في أعدادها السابقة.
وبديهي أن بناء الإنسان هو في أساس بناء الأوطان.
ومن حظ بناء الإنسان أن مباشرة العمل فيه، جائزة من كل ميل، من القرميد والأساس، ومن كل فسحة وشرفة وجدار، في آن معًا.
وهو ما تعتمده أسرة المجلة وأسرة التحرير حتى يتكامل بين أيدي البنائين بنا هذا الوطن الصغير، لبنان، الذي يجب أن يظل روعة في الاوطان، كبيرها وصغيرها.
ومعلوم أن ليس في البناء بناء يُعفى من تكسير الحجر، وتفسيخ الخشب، وجمع الرمال إلى الرمال عنوة.
كما لا غنية في كل ورشة، عن تعاون البنائين وتعاضدهم. حتى لا غنية عن اهازيج المتفرجين.
وبخاصة عندما يكون البناء للكل، على يد الكل، ومن أجل الكل.
لذلك، تجد أسرتا المجلة والتحرير، المجال واسعًا لكل من في يده طاقة على العمل، ومَن على قلمه كلمة للتبيان.
وإن السرتين ماضيتان معًا في الطريق الموصل الذي طيّه على وعورته مفروض وواجب.
وإنّا بعون الله لواصلون.
أوليس أن العتبة نصف الدرب؟!
  مؤسسة الانتشار اللبناني 2
تكون للبنان مؤسسة تدعى "مؤسسة الانتشار اللبناني"، وتكون لها القواعد، والأهداف، والهيكلية التالية:
اولاً:
أ – القواعد الأساسية
تقوم مؤسسة الاغتراب اللبناني على القواعد الأساسية التالية:
1 – يعتبر لبنانيًا كل متحدر من أصل لبناني سواء أكان مولده على أرض سواها.
2 – اللبنانيون: جميعًا، متساوون في الحقوق والواجبات، سواء أكانوا مقيمين على أرض لبنان أو على أرض أخرى . فلا بفضل لبناني لبنانيًا ىخر إلا بنسبة إخلاصه للبنان.
3 – اللبنانيون المقيمون في ما وراء البحار تربطهم باللبنانيين المقيمين على أرض لبنان روابط عرق، ومصالح، وإيمان وطني لا تنقصهم على الدهر، وتربطهم جميعًا، مقيمين ومغتربين، روابط لا تنفصم بوطنهم لبنان.
4 – لبنان كيان روحي حضاري يتسع، أبدًا، على لأيام.
5 – لبنان ضروري البقاء. وبما أنه كيان روحي حضاري، فمحتوم أن يبقى إلى آخر الدهر. إذ ماذا ينفع اللبناني إن ربح العالم كلّه وخسر لبنان؟!
6 – عمل اللبنانيين للبنان كرامة وشرف.
ب – الاهداف
تهدف المؤسسة إلى الأمور التالية:
1 – توثيق الروابط بين لبنان المقيم ولبنان الما وراء البحار، وتوثيق الروابط بين الجاليات بعضها بالبعض الىخر.
2 – تعزيز الروابط والعلاقات بين الوطن اللبناني ومواطن الانتشار.
3 – توثيق العلاقات بين الجاليات اللبنانية اللبنانية وأهل البلاد التي تنزل فيها تلك الجاليات.
4 – تعزيز الروابط بين الجاليات والسلطات في منازل الجاليات.
5 – حمل السلطات والهيئات الشعبية والشعوب التي تخالطها الجاليات اللبنانية على احتضان القضية اللبنانية ومساندتها.
6 – المحافظة على التكتلات والاندية القائمة في مختلف الجاليات بأسمائها وأشخاصها وأهدافها، وربطها بما لا يؤذي نشاطها، بمؤسسة الانتشار اللبناني.

ثانيًا:
الأسباب الموجبة لقيام هذه المؤسسة أسباب موجبة أهمها:
1 – كل لبنان لكل اللبنانيين. كما البيت كلّه، لأبنائه كلهم. فلا يعقل أن يكتفي لبنان بثلث أبنائه (ثلاثة ملايين نسمة) متنازلاً عن الثلثين الىخرين (ستة ملايين). ذلك بأن الاوطان تقاس بقدراتها، وفي رأس هذه القدرات عدد المواطنين، وتنوّع اعمالهم، وقيمة إنتاجهم.
2 – تركيبة لبنان إبراطورية بفعل انتشار اللبنانيين في العالم، وبفعل ارتباطهم، عفويًا وبدون ما اشتغال، بالوطن الأب.
فالإمبراطوريات العظمى، وبخاصة: الإمبراطورية الفينيقية، الإمبراطورية الرومانية، الإمبراطورية العثمانية، الإمبراطورية البريطانية كلّها كانت محاورها (فينييقية، إيطاليا، تركيا، غنكلترا) تحيا وتنهض بعد انحطاط، بفضل معمراتها. فكم أصاب فينيقية وروما وإسطنبول ولندن من خور فانقذتها منه البلدان المرتبطة بها باسم الإمبراطورية الفينيقية والرومانية والعثمانية والبريطانية.
فإن لبنان ذا الإشعاع الإمبراطوري، هو بحاجة، اليوم ، إلى امتداداته في العالم لإنقاذه. أمس رفعت قرطاجة عظمة فينيقية إلى ذروة المجد، فهل يصعب على مائة قرطاجة قائمة، اليوم في العالم أن تنقذ أباها لبنان؟
3 – لبنان الما وراء البحار يملك طاقات، مادية، ومعنوية، وروحية، إذا أحصيت، وجُمعت ونُظّمت تصلح أن تكون موضوع معاهدات، للمقايضة وللتبادل، تعود بالخير العميم على لبنان المقيم والمغترب في آن. من ذلك ما يقال من ان ما يملكه اللبنانيون من أرض في مختلف أنحا العالم تبلغ مساحته مساحة دولة كبيرة. ومن ذلك أيضًا أن اللبنانيين يملكون من المحطات التلفزيونية، والغذاعية، ودور النشر، والصحف، والمجلات، ومكاتب الدعاية، وغيرها ما يقدر عدّه بخمسائة مؤسسة. فإذا صح القولان، وهما صحيحان – استطاع لبنان أن يجعل من هذا مادة تفاوض كثيرة المكاسب. فضلاً عن المصانع، والمزارع، والمتاجر، التي هي في يد اللبنانيين، تصلح أن تكون هي، أيضًا، مادة تفاوض، وتعاقد، ومعاهدات.
هذا على الصعيد المادي، أما على الصعيد المعنوي – الروحي الحضاري فإن للبنان كثرة من العلماء والمفكرين، والأخبار وأساتذة الجامعات، والكتاب، والصحافيين، ورجال الأعمال، وأصحاب الثراء، والسياسيين، والعسكريين، والحكام، والمقربين من الحكام، والعظماء، لو جنّد بعضهم للخدمة لتوفر له جهاز من أكبر اجهزة الأرض لإسداء الخدمات وللتأثير في الشؤون المصيرية.
ثم هناك اعتبارات واقعية يجب أن يُنظر إليها وهي:
أ - جلاء الحقيقة التي حجبها عن عيون المغتربين التعتيم المخيّم على جالياتهم.
ب - تهدئة هلع المنتشرين للتمزق الحاصل بين أبناء العيلة الواحدة.
ج - توحيد جهود اللبنانيين في العالم، وربطها بعضها بالبعض الىخر في صفوف متوازية.

ثالثًا:
هيكلية المؤسسة
تكون لهذه المؤسسة هيكلية نابضة، سريعة التأثر وسريعة التحرك في آن. وقد رؤي أن تكون على الطريقة التالية:
1 – المجتمعون في "نيس" والمشاركة – المعتذرون، تتألف منهم الهيئة التأسيسية التي تقوم بعمل الجمعية العمومية لمدة خمس سنوات. على أن تجتمع مرة في السنة على الأقل، لإقرار الموازنة وبرنامج العمل السنوي.
2 – تعيّن الهيئة التأسيسية، لمدة سنتين، امانة عامة من أمين عام، وامينين مساعدين – يحسنان، معًا لغات الاغتراب الخمس، ويتفرّغ احدهما، على الأقل، لأعمال الأمانة. ونحصص للأمانة العامة موازنة تتفق بقرارات من الأمين العام.
3 – تنتخب الهيئة التأسيسية، لمدة ثلاث سنوات، مجلس إدارة مؤلف من ثلاثة أعضاء إلى اثني عشر عضوًا على أنيكون المجلس الأول من ستة أعضاء. وينتخب المجلس رئيسًا له، من أعضائه، ونائبًا للرئيس، وأمينًا، وخازنًا.
يجتمع المجلس ثلاث مرات في السنة على الأقل.
4 – يعين المجلس مركزًا له ثابتًا في لبنان، وله أن يجتمع حيث يرى اجتماعه مناسبًا.
5 – للمؤسسة ثلاث مديريات تسمى:
أ – مديرية الإحصاء.
ب – مديرية التوثيق.
ج – مديرية الإعلام.
اما مديرية الإحصاء فيكون دورها:
أ – إحصاء جميع اللبنانيين والمتحدرين من أصل لبناني.
ب – تسجيل جميع مواليد هؤلاء اللبنانيين في السجلات اللبنانية الرسمية.
ويكون دور مديرية التوثيق جمع كل ما يمكن جمعه من أخبار الاغتراب اللبناني والمغتربين اللبنانيين، كنشأة الجاليات وتطورها، وأماكن انتشار المغتربين، ومقتنياتهم، منزلتهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، وقدراتهم، وطاقاتهم، وكل ما يحدد وجودهم وفاعلياتهم ويمكّن من تقييمهم تقييمًا علميًا صحيحًا.
يبقى أن دور مديرية الإعلام هو غنشاء دار نشر تصدر عنها سلسلة مطبوعات منها مجلة "ألفصول اللبنانية".
مجلس الإدارة الاول محوّل وضع النظام الداخلي، وحق توضيح نظام هذه المؤسسة وإكماله على أن يقترن كل ذلك بموافقة الجمعية العمومية قبل وضعه في التنفيذ.
تعلن الهيئة لتأسيسية استعداد المؤسسة للاتحاد مع كل مؤسسة تعنى بالموضوع ذاته، تنشئها، أو توافق على انشائها، الجبهة اللبنانية، ومع كل مؤسسة تكون مبادئها متجانسة مع مبادئ الجبهة اللبنانية.
  ملحمة الإنقاذ

في حياة اللبنانيين ثلاث ملاحم:
ملحمة البناء
ملحمة الانتشار اللبناني
وملحمة الإنقاذ
أما ملحمة بناء لبنان المستمرة أبدًا، فقد بدأت منذ أن عزم قوم من أهل الجبل على العيش احرارًا – كرامًا، على قمم جبالهم، وفي مغاور اوديتهم، وسهول شطآنهم.
فبنوا أول بيت في الدنيا ليحرروا أنفسهم من الوحش، والجر، والقر، والاعتداء، ومن الانتقال القسري من مطارح اشتغالهم، وأعمالهم إلى المغاور.
واحدثوا أول شراع للتفلت، بواسطته، من عبودية المكان الضيق، والجار المؤذي، وللاتصال بشعوب الأرض المتمادية الاطراف، على متنوع طبائعها وعاداتها.
وابتكروا الحرف ليطلقوا لكلمتهم على متنوع طبائعها وعاداتها.
وابتكروا الحرف ليطلقوا لكلكتهم العنان، وليقهروا النسيان الظالم.
واستمرت ملحمة البنا يوم عاد قوم منهم آخرون فعزموا على أن يكونوا احرارًا في معتقداتهم، فقاموا من سهل أباميا وجوارها، إلى جبال لبنان، على دفعتين:
الاولى: عند احتدام الخصام بين اليعاقبة والنساطرة فأرادوا أن يحافظوا على نسطوريتهم
والثانية: عند بدء الدعوة الإسلامية، فأرادوا ألا يصبحوا ذميين.
ثم توالت فصول هذه اللحمة عندما راح اللبنانيون يفتّون الصخور، ويعلقون مكانها الجنائن، وينشئون الأديار، والكنائس، والمدارس، والمطابع، وينفتحون للعالم الغري، ويفتحون مغالق ديارهم للتيارات الروحية والفكرية والفنية العالمية، ويتدرّجون على دروب المدنية، والحضارة، والتقدم، والرقي.
وأما ملحمة الانتشار، فبدأت طريقها مع قدموس وأوروب، وأليسار، وأوبالينوس، وزينون، وإقليدس، ومارينوس، وتيرانس، فحملوا معهم الأبجدية إلى الغرب، وكانوا على أساس المذاهب الفكرية والفلسفية، والعلمية، والشعرية، التي انطلقت من بعدهم في العالم.
ثم توالت هذه الملحمة:
في الغرب، على يد الصهيوني، والحصروني، والحاقلاني، والباني، والمطوشي، والجمري، والقريري، والسماعنة، الذين أنشأوا المكتبات ونظّموها في حواضر أوروبة، وبخاصة في الفاتيكان، وباريس، وإسبانيا، (الإسكوريال)، وألفوا وترجموا ووضعوا الجداول والفهارس والشروحات للمؤلفات الرئيسة.
وفي المشرق، مع الشيخ لطف الله العاملي الذي أنشأ القصور، والمساجد، والساحات، في عهد الشاه عباس في أصفهان، وفي غيرها من المدائن الإيرانية.
حتى جاءت الهجرة الاخيرة، فأخذ انتشار اللبنانيين في العالم يتسع في القرن التاسع. بدأ بالبشعلاني، حتى صارت لنا احزاب وجمعيات في الولايات المتحدة الاميركية، والبرازيل(النهضة اللبنانية)، في الأرجنتين، والمكسيك، وكندا، ومصر (الاتحاد اللبناني)، وفي باريس (اللجنة اللبنانية).
رافقتها رابطات ادبية، "ألرابطة القلمية" في الولايات المتحدة الاميركية و"ألعصبة الاندلسية" في البرازيل.
ثم انطلقت لنا جرائد ومجلات في جميع أنحاء الدنيا:
في الولايات المتحدة: الهدى، مرآة الغرب، الشعب، النسر، البيان، السمير، الأخلاق، الإصلاح، والاتحاد.
في البرازيل: أبو الهول، المناظر، الأفكار، المنارة، فتى لبنانن الدليل، والمرسل.
في الأجنتين: السلام، الزمان، المرسل، الاتحاد اللبناني، الحياة، الإصلاح، والاحوال.
في المكسيك: الشرق، الخواطر، الاعتدال، الرفيق، القسطاس، والامير.
في مصر: الأهرام، المقطم، الهلال، المقتطف، الشفاء، والحقوق.
وفي غيرها من بلاد أوروبة وآسيا، وإفريقيا.

وتجيء ملحمة الإنقاذ،
وهي هذه.
وانها الثالثة في الترتيب الزمني.
غير أن مصير الملحمتين السابقتين مرتبط، ارتباطًا وثيقًا، بمصيرها. فإذا ما نجحت بقيت الاوليان، وإن فشلت تعرّضت الملحمتان السابقتان إلى انتكاسة رهيبة.
ملحمة الغنقاذ هذه اوجبتها الأخطا التي اخذت تتراكم، منذ فجر الاستقلال.
وزادت في توجبّها السنوات الثماني المشؤومة.
فلبنان الذي نتولى اليوم إنقاذه مسّ الكثير من خصائصه، ومن مقومات وجوده.
فهو لم يعد واحة للامن، االمستقر.
لم يعد وطنًا للحرية المتعافية.
لم يعد السيد المطلق على أرضه.
لم يعد الجسر الذي يتنقّل عليه، بسلامة، ذهابًا وإيابًا، خير من وما في هذا المشرق وخير من وما هم ورا البحار.
لم يعد المركز المالي الخامس بين دول الأرض.
لم يعد المقعد المطمئن للمؤسسات الاقتصادية، والفكرية، والفنية، والحضارية.
لم يعد العنصر الفاعل في أداء الخدمات.
لم يعد لأهله، وحدهم...
لم يعد ساحة سلام...
لم يعد رسول سلام بين"أشقائه" على ما تعوّد ان يكون، فجعل منه "أشقاؤه" القديمة عن أمنهم وسلامتهم، وسلامة مؤسساتهم، وحكامهم.
لم يعد اللسان الذرب الذي يدافع عنهم، والمعين الامين الذي يحمل قضاياهم في صدره، فيجوب عواصم السياسة والمحافل الدولية الكبيرة.
لم يعد صندوق مالهم، ومصيف عيالهم، والمجال الأحب للتخفيف من أثقالهم.
حتى لكاد يفقد وجهه اللبناني – اللبناني ووجهه الحضاري.
ومبررات وجوده في نظر العالم المتطلع، بوعي إليه
فما ان سنح له الظرف – ولكل ظرف جانب كئيب!! حتى اندفع لإنقاذ نفسه،
وللنهوض من الحضيض الذي كان قد وصل إليه،
فتوجبت ملحمة الإنقاذ هذه التي قرر أن يخوضها، بمجمل قواه، غير مبال بالمصاعب، والمتاعب، والاخطار.
ذلك أن العمل الملحمي عمل بطولي.
وأقوى البطولات هي البطولات الصامتة – الصامدة – المتوثبة.
من هنا،
بدأ عزم اللبنانيين على أن يواصلوا تحقيق ملحمتهم الثالثة،
التي كانت إحدى طلائعها رحلة الرئيس الشيخ أمين الجميّل إلى الأمم المتحدة، وواشنن، وباريس، والفاتيكان، وروما، والتي ستكون فصولها التالية:
تغييب جميع الجيوش الغريبة عن أرض لبنان،
تحديد عدد الغرباء المقيمين عليها تحديدًا حصريًا،
إعادة الامن، كاملاً، إليه، على أن يكون بحماية جيشه، فتعود سيادة الدولة كاملة إليها،
ثم وضعه على طريق العادة التي ألف، فحققت ازدهاره وهناءه، استكمالاً لمسيرته الفذة.
وتمكينه، بعد ذاك، من تحقيق تطلعاته المستقبلية التي تجعله في طريق التطور الرصين – الهادئ للوصول إلى مصاف الدول المجنّدة لخدمة الغنسان على الأرض.
ملحمة الغنقاذ
التي نكتب فصولها، اليوم،
لن تكون الملحمة اللبنانية الاخيرة،
بل تكون توطئة للملحمة الكبرى التي تهدف إلى جعل لبنان، هذا البلد الصغير، كبيرًا بي الكبار في الدنيا، ليتمكن من أداء الرسالة التي حملها، منذ فجر الغنسانية والتي لن يتخلى عنها ما دام وجوده قائمًا في الوجود.
دير عوكر
الإثنين 25 تشرين الأول 1982

مسيرة شعب

من نعم الله الكبرى على الإنسان أنه يعطيه التطلع الكبير ويعطيه قدرة كبيرة على تحقيقه.
وعندما يعطي الله إنسانه التطلع الكبير ولا يعطيه القدرة على تحقيقه يكون قد حكم عليه بالتمزق والعذاب،
ويكون قد أدخله في طريق الىلام،
وقد تكون هذه الحال هي حال الغنسان، في لبنان
هذا على صعيد الإنسان
أما على صعيد الشعوب فالمسألة أفدح.
فماذا يكون، والحالة هذه، قدرُ مثل هؤلا الشعوب؟!
فالشعوب المنعم عليها نعمة كاملة (تطلع وقدرة) يعطى لها ان تسبق آمالها في الطريق
أما الشعوب الأخرى فمقضي عليها أن تظل تجد وتكد، وتلهث وراء تطلعاتها، ولا وصول.
غير أن هذا لا يعني أن هذه "الشعوب الأخرى" معفاة من مواصلة طريقها، على جميع الشعاب وبكل جهد، إلى أن تدرك الممكن من تطلعاتها.

والتاريخ
الذي سجّل منذ فجره، مسيرة الشعب اللبناني (وإن على يد أعدائه، أحيانًا كثيرة) يشهد كم يذل، هذا الشعب الفريد، في سبيل اللحاق بتطلعاته:
فالشعب اللبناني، الذي أُقعد على جبل بين البحر والصحراء، عمد، أول ما عمد، إلى مد أبعاده في البحار، حتى وصل بها إلى أطراف الدنيا، فأمرها جميعًا (كما كان قد انعكف على تفتيت الجبل، فعلّق فيه الجنائن، ليحيا)
والشعب اللبناني الذي كان نصيبه من الأرض الواسعة رقعة ضيقة – صغيرة – متواضعة، مد يده إلى فسيح الدنيا، فأعطى سكانها الأداة التي بها يتواصلون، دون أن يغادروا مطارحهم، أبجدية تنقل الفكر إلى الفكر، عبر البحار والقفار.
والشعب اللبناني، الضائع في هذا المقلب من الأرض، عمل على أن يرسم طريقًا له إلى الناس، وطريقًا للناس إليه، توصل ولا تُخطئ، فهداهم إلى نجمة القطب التي قادت شراعاتهم (وكان قد خصهم بها) إلى المتاهات العميقة.
والشعب اللبناني الذيعاقه أن يلجأ، كل مساء، بعد يوم من العمل مقضّ، إلى المغاور، في الجبال جر المغاور من قرونها إلى مطارح عمله، فأنشأ البيوت، ثم علم الناس البناء المن حجر، يرفعون به بيوتهم ومدائنهم وحاضراتهم.
والشعب اللبناني وقد توطّن رأى من لزوميات الاستيطان ان تكون له ثياب (غير جلد الحيوان) وآنية (غير الظرّان)، فصنع البورفير والزجاج ومشى بها إلى العالم يساعده على التحضر.
وفي الزمن الاخير.
عندما رأى الشعب اللبناني أن معجنه بات يضيق برغيفه، وجد له معجنًا وُسْعَ الأرض، في آسيا، في إفريقيا، في أوروبا، وفي الأميركتين.
وعندما وجد أن حريته في ارتباك، نشد الحرية في العوالم الحرة، حيث تمتّع بها، ودعّم فيها حرية الىخرين.
هذا بعد أن كان قد تأكد من ان العلم نور، فأنشأ المدرسة، وألّف لها الكتاب، وزرعها في جانب كل كنيسة، وألقى الكتاب في كل يد، ثم اطلق أبناءه، في العالم، يغترفون المعرفة من كل منجع. ويسهمون في كل مطلب وفن.
هذا اللبناني
الذي هذه بعض معالم طريقه،
كانت تطلعاته واضحة له
وكان في طريق تطلعاته (وهنا العجب العجاب!) في مستوى تلك التطلعات.
اما اليوم!!
وقد كبرت تطلعات الشعوب الكبيرة،
وكبرت قدرتها، بالمقدار ذاته، على تحقيق تلك التطلعات،
اليوم!!
وقد وجد لبنان نفسه... ووجده الىخرون كبير التطلع
صغير الإمكانات
فوثبت المطالع إليه وكثرت عليه الاعتداءات
وشبّه لبعضهم أنهم يستطيعون أن ينزلوه عن مقامه وأن يشغلوا ، هم، هذا المقام.
فماذا كان على لبنان هذا ان يفعل؟
فماذا أن يظل واثقًا بنفسه
فماذا أن يظل عازمًا على أن يبقى هو هو
فماذا وإن يظل القيمة الثمينة التي كانها، طوال مجرى التاريخ، تزيد ولا تنقص.
من هنا:
كان تصديه للمعتدين
كان صموده في وجههم
وكان تمسكه بالدور الذي هو له تمسكًا حازمًا – شرسًا – جلودًا
هذه اللمحة الخاطفة
تتراءى منها الملحمة الأبدية التي عاشها لبنان، طوال أيامه،
والتي يعزم على أن يبقى عائشًا لها إلى الأبد

فحيال كل ذلك
وأمام عظمة هذه المسيرة الرائعة
يُفهم:
لماذا لبنان يتصلب بمواقفه،
يتشدد بمطالبه،
يتصلب، يتشدد، ويقسو حتى ليُظن انه بات لا إنسانيًا – لا رحومًا - - لا عطوفًا – ولا مشاركًا في آلام الآخرين
وعندما يفهم:
أن لبنان ينظر إلى بقائه، أولاً
وينظر إلى استمرارية هذا البقاء،
وأنه ينظر إلى نفسه كواحد من القيم – الإنسانية – الأخيرة
يُفهم إذ ذاك:
أنه عندما يبدو لا إنسانيًا، ولا رحومًا، ولا عطوفًا، ولا مشاركًا، يكون أكثر إنسانية، وأكثر رحمة، وأكثر عطفًا، وأكثر مشاركة منه عندما يحوّل إنسانيته إلى إنسان فرد، ورحمته إلى بائس فرد، وعطفه إلى منكوب فرد، ومشاركته إلى مشاركة ترابية لا ينتفع منها إلا الترابيون.
إن الفئة المختارةمن اللبنانيين
الذين ظنّت بهم الظنون،
وصوروا على أنهم قساة القلوب، وعلى أن انفسهم غليظة.
هذه الفئة المختارة،
هي سليلة تلك القوافل – البطلة
التتي عمّرت الدنيا، ومشت في تحضيرها
وهي التي ستعود، يوم تعود الحياة الطبيعية في لبنان، إلى استئناف دورها من حيث بدا أنه قد انقطع
يومذاك،
يثبت للعالم اجمع:
ان الظالم كان الفلسطيني – المعتدي
وأن الأظلم هو من ظن أن الشعب اللبناني كان الظالم،
وأن الظالمين هو العالم الذي أغضى عن جميع الحقائق،
وحاول أن يضع التراب في مكان الروح
ونجد، اليوم، وقد مشى في "ملحمة الغنقاذ" هذا الرئيس الشاب الشيخ امين الجميّل. أن اواخرنا يلتقون الاوائل، عبر التحولات والنكسات والانحطاطات، لاستئناف المسيرة التي لن تتوقف إلا بعد أن ندرك غاياتها، مهما تكن بعيدة هذه الغايات:
"مشيناها خطى كتبت علينا
ومن كُتبت عليه خطى مشاها"
إزالة من لا يزول

إزالة لبنان من الخريطة السياسية ليست في مخطط الولايات المتحدةا لأميركية بل العكس هو الصحيح.
اما أن تكون إزالة لبنان في مخطط الاتحاد السوفياتي فقد يكون الأمر واردًا.
واما أن تكون هذه الغزالة في المخطط السوري الفلسطيني وقد يكون العربي أيضًا فهذا مما لا ريب فيه.
وقد سعى السوريون، الفلسطينيون ، العرب، إلى هذه الغاية عن طرق شتى متوسلين مختلف الوسائل
أول هذه الطرق كانت في تحول روحية الفلسطيني اللاجيء إلى روحية المحتل فأخذ يتصرف تصرف المحتلين.
بأن ازداد تسللالفلسطينيين إلى لبنان بعد السنة 1948 ازديادًا هامًا وكانوا قد ضموا إلى صفوفهم مرتزقة وشذّاذًا من جميع أنحاء الأرض بأن راحوا يقتنون مختلف انواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة حتى وصلوا إلى جمع ما يكفي بتسيح جيش من مليون جندي تسليحًا كاملاً على ما أعلن الإسرائيليون الذين وضعوا يدهم على مخابئ الأسلحة الفلسطينية في القطاع اللبناني الذي اجتاحته جيوشهم بأن أخذوا يلبسون ملابس مرقتة مميزة وينشئون مخيمات للتدريب ويمارسون الخطف والقنص والسرقة ومختلف أنواع الاعتداءات ويتسلطون على المواطنين في بيوتهم ومتاجرهم وحقولهم وفي الطرقات.
ثم شنوا على اللبنانيين حربًا كثر فيها الموت والدمار والهجرة والتهجير قصد إخلاء لبنان من سكانه وإشغال المطارح التي كانوا يشغلون
وعندما فشلت طريقته الأولى لجأوا الى الثانية التي كانت تهدف إلى تخريب اقتصاد لبنان على الصعيد الصناعي والصعيد التجاري والصعيد الزراعي.
أما على الصعيد الصناعي فلقد هدموا المعامل التي استطاعوا تهديمها (كما في المكلس وساحل المتن الجنوبي والشويفات والدامور).
ونقلوا إلى الأراضي السورية ما ساتطاعوا أن ينقلوا من تجهيزات المعامل اللبنانية الأكثر حداثة
ثم ضربوا حصارًا على المعامل التي لم يقدروا أن ينالوا منها للحؤول دونها ودون استيراد المواد الاولية وللحؤول دون تصدير إنتاجها
وأما على الصعيد التجاري فقد عملوا على ترويع المؤسسات المالية
فنفر من السوق البيروتية سبعون بالمائة من المصارف والشركات ومكاتب رجال الاعمال التي لها فروع في جميع انحاء الارض او هي فروع مراكز رئيسية منشأة بمختلف عواصم التجارة في العالم
ثم عملوا على سد منافذ الاستيراد وعلى تخويف المتعاملين مع التاجر اللبناني لحملهم على قطع التعامل معه
يبقى الصعيد الزراعي
فمن المعلوم ان الزراعة الكبرى في لبنان تقوم على التفاح والحوامض
ومعلوم ان السوق الطبيعية للانتاج الزراعي اللبناني هي البلاد العربية
فعمد المخربون إلى سد طرقات التفاح والحمضيات اللبنانية إلى الأسواق العربية
فأغلقت سوريا دروبها إلى الأردن والكويت والعراق والسعودية وإمارات الخليج...
وبالمقابل فتحت الحكومات ولية هذه الأسواق ابوابها بوجه التفاح والحمضيات الواردة من تركيا واليونان وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا وأميركا وهي تصل إلى الاسواق العربية بأسعار تشجيعية الامر الذي حرم منه الانتاج اللبناني حيث راحت تباع بأسعار لا تزاحم ثم انشئت للفلسطينيين باموال مريبة شركات تتولى استيراد التفاح والحمضيات من الخارج ثم تتولى توزيعها في داخل البلاد العربية بواسطة شاحنات مبردة متخلية عن كل ما هو نتاج لبناني ومتعمدة خنقه بمضاربة الأسعار.
مثل هذه الشركات أنشئت بالعشرات على مختلف الأسواق العربية وخصت بشاحنات مبردة تعد بالمئات حتى قضي على التفاح اللبناني بان يبقى في أرضه ومثله الحمضيات اللبنانية وإذا المزارع اللبناني اليوم لا يعرف ماذا يعمل لاستتباب مواسمه المقبلة وقد بات لا يملك ثمن السماد والدواء وأجرة التبريد
ناهيك بكل شيء آخر
وإن إخفاقهم في هذا المجال أيضًا حملهم على اللجوء غلى وسائل كثيرة من شانها أن تمحو شخصية لبنان المميزة التي غن فقدها فقد حقه في نظام مميز وفقد نظرة العالم إليه ومساعدة هذا العالم له
فماذيجعل من لبنان وطنًا ذا شخصية مميزة
1 – مقامه الحضاري
2 – وجهه المسيحي
3 – وانفتاحه على العالم
أما مقامه الحضاري المترقرق إليه من الإنسان الذي اكتشف واخترع الزراعة والبناء والكتابة والملاحة المقود والشراع ونجمة القطب والزجاج والارجوان
فقد عمد العاملون على تهديم لبنان إلى تشويه التاريخ بغية الحط من مقام الإنسان الذي توصل إلى هذه الاختراعات والاكتشافات التي هي ركن ركين في بنا الحضارات
وأما وجه لبنان المسيحي فقد أراد له هذا الوجه الذين بنوه
لأن اكثر الذين بنوا لبنان الحديث من اتباع المسيحية
على ان اللبنانيين يريدون بالرغم عن ذلك ان لا يكون لبنان مسيحيًا بل أن يكون لجميع أبنائه مسيحيين وملسمين سواء بسواء ولكنهم يأبون أن يكون المسيحي في لبنان منتقص الكرامة والحقوق كأن يكون ذميًا
فحاول العاملون على تهديم لبنان أن يخضعوه إلى حكمهم بدس عناصر غريبة في صفوف اللبنانيين على يد التلاعب في سجلات النفوس من اثنين وعشرين بابًا وإدخال التزوير إليها بغية إغراق الأكثرية الأصلية التي هي فيه في خضم اكثرية جديدة ليست هي من أبنائه ولا مطلب لها منه غير مطلب سادتها
ثم ارادوا النيل من لبنان المنفتح على العالم
ولبنان المنفتح هذا جعله منفتحًا انتشار أبنائه تحت كل سما في القارات الأربعاء اللبناني الضيف في أميركا يصعب عليه أن لا يستضيف في بلاده مضيفه هناك
وجعله منفتحًا طلاب المعرفة
فقد أرسل هو أبناه لتلقي العلم في روما وفي باريس
وقدمت إلى ربوعه الإرساليات الأجنبية من فرنسية وإنكليزية وإيطالية وأميركية
كما جعله منفتحًا ان يكون قد فرض على نفسه ان يتكلم ابناؤه لغة حية على الأقل إلى جانب اللغة التي يتكلمونها في ديارهم فماذا عنّ لمخربيه ان يفعلوا
لقد ذهبوا إلى العالم يقولون
إن هذا المارد المنتشر نسله في جميع أنحاء الارض ليس لبنانيًا
إن هو إلا عربي
واشتروا في هذا السبيل جرائد وإذاعات وعملاء
ثم عمدوا إلى مواطأة من قبل أن يواطئهم
فغيروا أسماء اندية كثيرة وجمعيات كثيرة واشتروا جرائد كانت في يد اللبنانيين كثيرة
وانشاوا دور نشر ومحطات إذاعة وتلفزيون على يد لبنانيين متواطئين تمجد كلها وتسبح باسم العرب والجاليات العربية ونشاطاتهم وتعمل على النيل من اللبنانيين الناشطين
هذه طرق ووسائل من الطرق الألف التي في ديهم والتي حاولوا ان ينجحوا بواسطتها ولكن ليس كل ما في يدهم قد استعمل إلى الآن
فللمستقبل أشياء مستقبلية أيضًا قد تكون هي الأجدى
ولكن في وجدان اللبنانيين وعيًا أتم وصمودًا اكمل
وعند اللبنانيين عن كل مسألة جواب
إدوار حنين
دير عوكر الثلاثاء 21 حزيران 1983
  في مهب العواصف

العواصف بل الزعازع التي تهب على لبنان منذ الس=ثالث عشر من نيسان السنة 1975 ما زالت تهب
وهي تقوى وتشتد في كل هبوب طارئ
وإنها إن ركدت يومًا فلتستعيد قواها ثم تعود فتنشط أكثر فأكثر
ولبنان في مهب العواصف والزعازع يقى هو أيضًا ويشتد وهو ما ضمن له الصمود بإباء على مدى تسعة أعوام باتت كوارثها وويلاتها لا تحصى ولا تعد وهي تتصل بآلاف السنين السابقة من الصمود والغباء
ولكن لبنان الذي يستطيع ان يصمد أبدًا في وجه اعدائه لا يستطيع أن يصمد بوجه أعدائه وأصدقائه في ىن
إن لبنان يصمد ما صمدت معه القوى التي من حقه ان يستند إليها ويرتجي منها الخير
لقد صمد في وجه الفلسطينيين ومرتزقتهم
وصمد في وجه السوريين ومرتزقاتهم
وهو يصمد اليوم في وجه الإسرائيليين
ولكنه لا يستطيع ان يصمد في وجه اوروبا وفي وجه الولايات المتحدة الأميركية
لا لأن أوروبا تشن عليه حربًا
ولا لأن الولايات المتحدة الأميركية تطلق عليه نارها
بل لأن أوروبا لا تمده بالعون المعهود
ولأن الولايات المتحدة الأميركية لا تفي معه في العهود
فالعون الأوروبي الذي كان يتوقعه لبنان هو العون الذي استحقته له
تقديماته للإنسانية والحضارة منذ اقدم العصور،
انفتاحه على المدينة الأوروبية منذ أن بدأت تتكون،
نشاطه في نقل أوروبا إلى الشرق في كل ما يملك من وسائل
إنشاؤه الجسر الذي قدر أن يكونه بين الشرق والغرب
الشهادة التي ما فتئ يؤديها للحقيقة اية كانت الظروف
التاريخ الذي ما زال ينميه بين اوروبا وبينه
ثم استحق له غيمانه بان أوروبا التي اقامت نفسها بإرادة من الله
حامية للقيم الإنسانية في العالم
لا تستطيع إلا ان تكون المدافعة عنه عندما تهدد القيم الإنسانية الجمة التي يمثل
كما انها لا تستطيع ان تتنكر لتاريخها معه
اما العون الأميركي الذي املنا به فهو
أن الولايات المتحدة الاميركية هي ظل اوروبا في العالم الجديد تستنهضها العوامل الإنسانية والاعتبارات الحضارية وتحرك زندها حقوق الإنسان كلما مس هذه الحقوق خطر.
إنها اول الجبارين القابضين على زمام الدول والشعوب وغنها هي التي تقبض على زمام الحق وحرية الشعوب اللائذة بها وعلى مصائر تلك الشعوب
إنها رات الحق في جانب لبنان
واقتنعت بصدق قضيته
وأعلنت عزمها على الدفاع عن حق لبنان وقضيته
إن كان إعلان ذلك بصراحة كلية من رأس الهرم، الرئيس رونالد ريغان إلى قاعدته، مرورًا بالخارجية الاميركية والحربية وإدارة البيت الأبيض.
وقد مشى الكونغرس بمجلسيه في تأييد الرئيس وحكومته وإدارته
ومشى الشعب الأميركي في ركابها جميعًا
وقد تضمن الغعلان وعودًا قيل غنها قطعت للرئيس اللبناني الشيخ أمين الجميّل في أثناء زياراته الثلاث لواشنطن
وإن الأسطول السادس جاء إلى الشواطئ اللبنانية يشهد على كل ذلك ويساند بالطائرات والمدافع والصواريخ ما كان يتضمنه الإعلان وترسخه الوعود
هذا فضلاً عما يحمل الولايات المتحدة على تأمين مكانتها ومصالحها في الشرق الأوسط
فلماذا لم يكن ما كان بالتوقع ان يكون؟
لا نقول إن شيئًا من المتوقع لن يحصل،
بل نثول إن المتوقع أعتوره شيئ من الذبول
فبعد ان أعلنت فرنسا بادرتها الفذة وصرحت بانها ماضية بها إلى أن تتحقق
وأخذنا نتتبعها في الطريق الصاعد فنعقد عليها الأمل
قم في الطرقات المتعرجة فتتعرج آمالنا معها
وبقينا نرافقها في الدروب حتى جفلت البادرة وتلاشت الآمال
وكانت قد نشأت قبالة البادرة الفرنسية أو بديلاً عنها بادرة السوق الأوروبية المشتركة التي ولدت كبيرة ثم راحت تتقزم
فصار من حق لبنان أن يتوقف في اندفاعه وأن ينظر ويتبصر وأن يجني من كل ذلك بعضًا من الذبول
ثم بعد أن مشت الولايات المتحدة الأميركية أشواطًا طويلة مزهرة في طريق تنفيذ ما كانا نؤمل منها وما كانت به تصرح وتعد فشاركت جيوشها واساطيلها وطيرانها في معركة لبنان دفعًا لسيادته وحريته واستقلاله
إذ بها تأخذ في التفتيش عن مخارج لسحب جيوشها وأساطيلها وطيرانها
بعد هذا صار من حق لبنان أيضًا أن يؤخذ بالذهول وأن تذبل توقعاته وآماله
والىن بعد ان التمعت البوادر او انطفأت او تكاد
وبعد ان ترك لبنان وحده او يكاد
فاين هي الطريق
إما أن تقدم اوروبا والولايات المتحدة الأميركية العون الذي تستطيعانه فيفعل عونهما ويكون الحل المرتجى وإما أن يصر لبنان على انعقاد مؤتمر دولي يكون الجباران فيه جنبًا إلى جنب لينظر ويقرر
وإذا امتنع الامران فلا بد من أن يقلع لبنان شوكه بيده
يكون محتومًا عليه ان يعقد اتفاقًا إما مع إسرائيل التي تحتل جنوبه وغما مع سوريا التي تحتل شماله
فيتحمل بملء إرادته واختياره جميع النتائج الجيد منها والرديء
يرى المراقبون ان كلما اقترب لبنان من الحل الذي ينشد طلع في وجهه ما يعترض طريقه وما يصده عن الوصول أمن عالم الغيب هذا الذي يطلع في وجه لبنان
ام هو من دنيا المؤامرة الكبرى التي تحاك ضده؟
الغيب بما غيب لا يستطيع ان يوقع مفاجآته مع الأمور الجارية توقيعًا محكم التزامن
بحيث أن المفاجآت لا تقدم إلى الساعة يراد منها أن تعرقل الامور
أما المؤامرة بما انها تدار ومن يديرها محنك داهية فهي تعرف أي متى تبرز وأي متى تفاجئ وكيف تعطل الأمور
هذه المفاجآت لا سد في وجهها إلا بإشراك المتىمر الاكبر بالذات في درء مخاطر المؤامرة
لذا رأينا أن يشترك الجباران الأميركي والسوفياتي في الحل المرتقب
ورأينا بصورة استطرادية أن تصير محالفى سوريا أو محالفة إسرائيل
فننقذ انفسنا من مخالب غحدى الجارتين فلا تبقى إلا مخالب الاخرى التي يكون قد صارت في وجهها إلى جانبنا مخالب الدولة التي حالفنا.
كل شيء يمكن أن يكون إلا الاستسلام وبخاصة الاستسلام لليأس في وجه العظائم
الأربعاء 18 كانون الثاني 1984
  لبنان الغد

محاضرة القيت في الندوة البنانية بتاريخ 8 تشرين الثاني 1965.

نتوجه بالشكر الى محاضر الليلة ادوار حينين. ونحن سعيدون في أن تبدأ الندوة سنتها العشرين معه تكريساً لجهاد مشترك، أدبي فكري وطني، يقوم بيننا على أوسع مدى وأخلص مودة، وكله يرمي الى الإسهام في تركيز لبنان اليوم على أمتن القواعد وفي ارساء غده على ما يتوافق ورسالته العظمى.

)من مقدمة مؤسس الندوة، ميشال أسمر(

  الغد ولبنان حلمان لا أدري أيهما أحب وأروع. أهو لبنان أم الغد؟ فكيف اذا اجتمعا في حلم واحد: لبنان وغده!
بيد اني كنت كلما عدت الى موضوعي الليلة: "لبنان الغد" كان يمثل أمام عيني قولان:
واحد للويس – فردينان سيلين يؤكد فيه أن: "ابله كل من يتكلم عن المستقبل، لأن حاضرنا هو المستقبل"،
وآخر لسانت أكزوبري جاء فيه: "تحضير المستقبل هو العمل للحاضر. أما الذي ينجذبون وراء التخيلات البعيدة فإنهم يفنون في تتبع المحال".
قولان كانا يغمراني بمثل برودة الثلج، فأتسمر مكاني، ويجمد الوثب حد حدود الواقع.
... وبعد افليس واقع العالم، اليوم، نوعا من الحلم الذي لا تحده نهاية؟

سرعة التطور
سيداتي، سادتي،
الذي يبده اجيالنا، اليوم، لم يبده أي جيل قبلنا منذ فجر الخليقة حتى يومنا الحاضر.
لقد مشت الإنسانية، بطريقها الصعدي، في نصف هذا القرن الأخير، شوطاً لم تقو على بعضه منذ أن قيل للإنسان كن فكان. ثم تسلم طريقه.
على سبيل التذكير والمثال نورد ما يلي:
من السنة 1700 الى السنة 1960 تكبير الأشياء بواسطة المجهار (ميكروسكوب) قد انتقل من 200 مرة ازيد من الحجم الطبيعي الى300000 مرة.
في السنة 1830 كانت الطاقة المحركة في حدود ال 200 ميليار كيلوات، فأصبحت في السنة 1960 تزيد على ال 30000 ميليار كيلوات.
في السنة 1830 كانت السرعة القصوى لا تزيد عن العشرين كيلومتراً في الساعة فأصبحت، اليوم، موازية لسرعة الصوت.
قوة المتفجرات كانت قد زادت، حتى السنة 1945، 750 ضعفاً على ما كانت عليه في السنة 1860. وقد بلغت مع القنبلة الذرية 6 ميليار و500000 ضعف، ومع القنبلة الهيدروجينية 4 ميليار و800 مليون ضعفاً. (أي لو شئنا ان نجمع من البارود مقدار ما يفعل فعل القنبلة الهيدروجينية لما اتسعت له جميع أساطيل العالم التجارية والحربية مجتمعة للغرض الواحد.
والخطير في الأمر هو: ما أن تضع الإنسانية يدها على مبدأ علمي حتى يليه التطبيق في سنوات معدود:
فبين اكتشاف النوترون وانشاء أول بطارية ذرية عشر سنوات، وبين اكتشاف الموجات القصيرة واختراع الردار عشر سنوات، ثم بين فلق الذرة وأول قنبلة ذرية خمس سنوات.
وعلى صعيد آخر:
ما الذي لم يحدث على يد التلفون، والسينما، والراديو، والتلفزيون؟ مخاطب نيويورك في باريس كم كان عليه أن ينتظر جوابه، وقد صار يهمس، اليوم، فيسمع؟ صوت الحجاج، ونابوليون، ولنكولن كم كان يطول، في حينه، من المستمعين، وما هو عدد الذين يستمعون، اليوم، الى "صوت العرب" وديغول؟ المستمتعون بباخ، وبيتهوفن وموزار، كم كان عددهم حتى أواخر القرن الفائت، وما هو عددهم اليوم؟ البيوت التي كان يخترق خدورها، أمس، صورة أو صوت ما هي؟ وكم هي؟ وكم صارت، اليوم، البيوت التي لا يستطيع حاجز أن يرد عنها الصور والأصوات؟
أما وهذه هي الحال، فمن أين نبدأ في بناء لبنان الغد؟
هنا نخبط في الحيرة التي ما برح العالم كله يضرب، الآن في مثلها:
عالم قفز قفزة عملاق، فانقطع الذي بين حاضره وماضيه، وإنسان سبق عقله كيانه حتى كأن الإنسام لم يعد يقوى على اللحاق بذاته. ثم أوضاع، وأجهزة، وإدارات ما مازلت على قدميها، في أيدي القدامى، تساس بعقلية ليست من العصر الحاضر.
ومع ذلك يجب أن يلحق العالم بالزمن، وإن يلحق الإنسان بذاته، وأن نكون جميعاً، بقوة الزوبعة التي تعصف في العصر.
كل ذلك على تطور لا تهور، لكي لا ينهار كل شيء، ولكي يعطى للإنسان ان يكيف كيانه على مدوات عصره وعقله، وما بلغ العصر والعقل اليه.

لبنان قاعة استقبال كبرى
سيداتي، سادتي،
تجدون، معي، أننا في عالم مذهل وفي عصر لم تسمع بمثله أذن، ولم تقع عين على مثله.
وتجدون أن لبنان الراغب، أبدا، في العيش على مستوى طموح، والطامح، أبدا، الى مجاراة العصر، ينام ويستفيق على ذهول، ولكنه لا يقبل أن يضل طريقه، وهو يحاول، اليوم، أن يتبين معالمها. فإن لم يوفق، سريعاً، الى ذلك فهو مقبل، بإذن الله على التوفيق في غد. وما غد الإصحاء ببعيد!
لبنان الغد لا بد له من مرتكز وتطلع. أما المرتكز فيجب أن يربطه بمحور الأرض. وأما التطلع فبروحية العصر. وهو ما سنحاول توضيحه، ما أمكن، في حديثنا، الليلة.
يعقد لبنان على رقعة من الأرض يحلو للشرق والغرب أن يلتقيا عليها. وهي بنسبة ما يجد فيها الغربان: الأوروبي والأميركي راحتهما بنسة ذاك يجد فيها الشرقان: الآسيوي والأفريقي راحتهما، أيضاً.
فبما هو لبنان ملتقى العالمين، فملتقى الحضارتين، وجب أن يكون المكان اللائق لإجتماعهما ليظل إجتماعهما فيه حلواً، فاعلاً كثير العطاء.
وعلى هذا وجب أن يكون لبنان قاعة استقبال كبرى تليق بالمضاف وبالمضيف في آن معاً، ثم وجب أن يسهل لبنان تماس العالم بعضه بيعضه الآخر، وأن يسهل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ترتسم طريق لبنان في غده، فماذا نجد في الطريق؟
من أجل أن يكون لبنان تلك القاعة الدولية الكبرى، التي تليق بالمضاف وبالمضيف، يكفي أن يكون علم المسؤولين فيها كعلم واحدة من ربات البيوت اللواتي يحسنّ استقبال ضيوفهنّ.
ربة البين الأنيقة المدعوة الى استقبال ضيوف يفدون اليها بلا انقطاع، تأبى إلا أن يكون بيتها نظيفاً، ومثله حرم البيت، لذلك فهي تكنس وتغسل أرض بيتها، وأدراجه، وساحاته، وأرصفته، ومسالكه، كل يوم. وقد يكون أكثر من مرة بحسب كثرة الوافدين اليه. ربة البيت، في "أمستردام"، تشطف بيتها، وأدراج بيتها، والأرصفة المحيطة به، كل يوم مرة، بحيث أن الرصيف يشطف، مرات كل يوم، تبع عدد الطوابق التي في البيت الذي يعلوه، ومثله الأدراج.
في كيطو، عاصمة اليابان القديمة، يظل كنس الشوارع قائماً، ما زالت الشمس مشرقة، على يد فتيات في لباسهن الأبيض، كالممرضات.
في البدنقية، على أنها مدينة بحرية عرضة للتوسخ، وعلى أن طرقاتها قنالات تبتلع كل ما يزج فيها... في البندقية قوارب محكمة الصنع والإغلاق تتولى نقل النفايات الى أفرانها لتحرق.
ذلك أنه، في اعتقاد الناس هناك، ان الشارع عنوان الأمة، وان الطريق حرم الشعب، بمقدار ما هو البيت حرم العائلة. وفي اعتقادهم، هناك، ان الأقذار والأوساخ، ما لم تحرق في محارق للنفايات، تظل أقذاراً وأوساخاً، وإن هي اغتربت من حي الى حي، أو تناثرت نتفاً في كل مكان، بعد أن كانت أكداساً في مكان واحد.
ربة البيت الأنيقة تأبى الا أن يكون بيتها باسماً من زهر، وغنياً من لوحات وتماثيل وبيبلوهات مختارة. فلا أقل، في المدينة المضيفة، من حدائق عامة، من شوارع مشجرة – مزهرة، من ساحات تقوم عليها الأنصاب والتماثيل، وتترقرق المياه في أحواضها.
روما، فيينا، فلورنسا، بروسيل، جنيف وباريس، بتماثيلها وأنصابها وأحواضها، وبعض مبانيها، متاحف مشرّعة الأبواب ليل نهار.
مدائن الألب النمساوية، والإيطالية، والسويسرية، مزهريات منورة. حتى أن أحواض الأزهار معلقة في النوافذ، في الشرفات، وفي أعمدة المصابيح كالمصابيح وأضوى. ذلك أن الناس، هناك، يؤمنون إيمان "كنكزلي" "بأن الجمال هو توقيع الله على الأرض".
ربة البيت الأنيق تأبى الا أن يكون خدم البيت في لباس نظيف، لائق، فلا تأذن لهم في أن يفرطوا في التأنق لكيلا يختلط خدم البيت بأهل البيت، ولا بأن يفرطوا في اللامبلاة حتى كأنهم شحاذون.
شرطة المدينة في روما، سواء الذين منهم على سير بثيابهم البيضاء المهفهفة، أم الذين منهم على أمن الناس ببزات العيد وسيوفهم، كلم في خدمة بناء المدينة وضيوف المدينة كأنهم يخدمون في قصر مترف.
في فيينا وواشنطن وهنولولو وفرنكفورت وفي الشاطئين اللازورديين الإيطالي والفرنسي تشغل نواطير المدينة مثل هذه الإهتمامات.
في سان فرنسيسكو بالإضافة الى كل ذلك مضيفات المدينة، وهن صفوة نسائها، يطوفن في الطرقات لإزالة المؤذيات، ثم يطفن زوارها في معالمها المبهجات، على أروع ما يكون العلم بالشيء واللطف معاً.
لشرطة المدائن، هناك، تربية ومدارس. وللسواقين تربية ومدارس. وأن تربيتهم هذه حملت أحدهم على أن يقول لي يوماً: "الدولاب المخالف يوجعني كأنه يكر على صدري".
وبما هو لبنان قاعة لاستقبال العالم وجب أن يجد فيه كل أبناء العالم مناخهم الروحي. أما المناخ الذي يطيب لكل إنسان فهو مناخ السكينة، والطمأنينة، والأمان.
في جنيف لشهرين خليا فرغت أذننا المريضة من زمرة زامر، وصرخة صارخ، وقول يطلق عالياً من فم قائل. وفي جنيف تتناول جريدتك من صندوق تضع فيه بعض الدريهمات، فلا رقيب ولا حسيب، ولا من يغافل فيسرق. وفي جنيف ساعات، ومجوهرات، وثروات من وراء الزجاج، في واجهات لا هي في حراسة الحديد، ولا هي في حمى العتمة، كأنها مطروحة في عرض الطريق لا حارس لها إلا ذمة الناس.

انفتاح لبنان على الحضارات
يبقى ان لبنان، الذي عين له موقعه الجغرافي ان يكون تلك القاعة الدولية لاستقبال شعوب الأرض، هو معين لتسهيل تماس العالم بعضه ببعضه الآخر، وتسهيل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ان شعبه مدعو اليوم، أكثر من كل يوم سابقاً، الى أن يكون منفتحاً على جميع الحضارات، قابلاً لهضم جميع التيارات الروحية والفكرية التي تعصف فيه، آخذاً بتعدد اللغات ليظل قادراً على أن يرحب ويتوسط، ويفهم ويفهم.
ومن هنا ان سياسة لبنان الخارجية لا يمكن أن تكون الا سياسة الحياد: حياد من الشرق، وحياد من الغرب. حياد من الخلافات الأخوية العربية، ومن المنازعات العالمية والدولية، وحياد حتى حدود الخير والشر واللذين لا حياد حيالهما.
وفي سبيل هذا الحياد، على سياسة لبنان الخارجية أن تحظى بتأييد الفرقاء جميعاً.
ثم أن تكيف الذهنية اللبنانية، بفعل التوعية الساهرة المجدة، على مراس الحياد، وهو أصعب مراس، على ما ورد في محاضرتنا: "بعد العاصفة".
هذا، وأن البلد الذي عينه موقعة وواقعه على أن يكون صالة العالم لن يطول به الزمن ليصبح واحداً من بلدان الطليعة في العالم السياحي. ولما لا؟ وهو البلد الأوحد الذي، بالإضافة الى ندرة مناخة وجمال طبيعته، تتراءى فيه عظمة الفينيقيين والرومان والصليبيين على السواء. وهو البلد الأوحد الذي ينظر فيه الرائي الى أول حرف سار به لسان، والى أول بناء نهض في الأرض، والى أول مرفأ اطلق في اليم أول شراع. وفيه ينظر الرائي ما لا ينظر في غيره، الى خمس حضارات تنام جنب الى جنب على زند أرض لبنانية في صور. فضلاً عن أنه حلقة من سلسلة حواضر شرقية ولد في بعضها اله ونبي وأولياء، وولد في بعضها الآخر حضارات فرعونية، فارسية، عثمانية، وعربية.
فكل جهد يبذل بسبيل ادخال لبنان في نطاق السياحة الدولية يكون جهداً مستجاباً ومثمراً. ويوم يصبح لبنان في النطاق لا يعود ينزل عن عرشه اذ تكون قد زالت، في غضون ذلك، البشاعات المؤذية، وبدأت ترث مكانها الحلاوات.
هكذا أتصور لبنان الغد بالنسبة الى المكان الذي يقتعد من الأرض.
أما لبنان المتطلع الى غده فعليه أن ينطلق في طريقه الصعيدي المتمادي أبداً، من بعد اعتبارات ومبادىء تفرضها عليه مستلزمات الطريق، ثم أن ينصرف، في الحال، الى بعض اجراءات وأعمال يوكون التنكر لها، اليوم، تنكراً للغد المرتقب.

منطلقات الغد:
أما هذه المعتقادات والمبادىء فأهمها:
1- ان قضايا الإنسان، في العصر الحاضر، كبر حجمها بحيث تغير نوعها. وان كل بلد يريد أن يبقى في حلبة السباق عليه أن يجعل طموحه في حجه هذه القضايا الجديدة.
2- ان خلل حضارة القرن العشرين ناتج من تخلف الأجهزة عن التجهيز. وان التوفيق بين الأجهزة والتجهيز يتطلب قلب المقاييس جميعاً. ذلك التطوير لم يعد كافياً في معظم الأحيان، لأن القواعد المفروضة علينا، الآن ترجع الى يوم كانت المجتمعات تواجه القضايا في بساطتها العادية. وقت لم تكن للجماعات، بعد، حقوق تتزايد يوماً بعد يوم. وان اصعب ما في التنظيم الجديد انه لا يقبل من بلد الى بلد وهو سليم معافى، كما التقنية التي لا تحدها حدود. اما ابلغ ما فيهو ان لا الحق في العمل، ولا الحق في الضمانات الإجتماعية، ولا الحق، بالتالي، في العدل والعدالة ميسورة المنال الا من ضمن تنظيم ملائم. وأما أخطر ما فيه فهو ان الناس محمولون على أن يطلبوا من العنف ما لم ينلهم اياه العمل الهادىء المنظم.
3- ان نؤمن بالتقنية ضرورة ملحة، وان لا شيء يستطيع أن يعيقها في الطريق. ذلك أننا لا نستطيع أن نتحمل تكاثر السيارات والطيارات والصواريخ، ونحن لا نزل في ذهنية أصحاب الطنابر، وبهذا الصدد قال جاك برجيه:
"اننا لا نزال نعيش على أفكار، ومبادىء، وعقائد، وفلسفات تمت الى القرن التاسع عشر، حتى كأن كل واحد منا هو الجد الأعلى لنفسه".
4- ان نؤمن بأن لا موقف الا موقف التطلع الى غد، وان مجرد التطلع الى غد موقف جريء، وان الخوف اياً كان المخيف جبن يجب أن يقهر. ثم ان نؤمن بأن العظيم، اليوم، هو من يكون على رأس جماعة في عمل يتطلع أصحابه، جميعاً، الى المستقبل بهوس وفرح.
أما الذين عينهم على الماضي السعيد ينوحون عليه، فقد قال لهم جوريس:
"من مذبح الجدود فلنحافظ على الشعلة لا على الرماد".
ويقول لهم آخر: يا أيها النواحون على الماضي السعيد، لولا البنسلين هل كنت عشتم الى اليوم للنحواح على الأمس الذي مضى؟ 5- ان العصر الذي نعيش فيه هو عصر البحبوحة والإنتاج الوفير. وجد، اذاً، ان يكون عصر التوزيع العادل، وتقاسم خيرات الأرض بحق.
على أن العطاء فن هو أصعب من فن التمتع بالحرية.
6- ان نظل نؤمن ان الديمقراطية الكثيرة الأزمات تتغلب على أزماتها كما الجسم على أمراضه، وأن ليس غير الديمقراطية نظام يتسع لمكاسب هذا العصر، ويستطيع أن يجاري قصده المذهل.
7- ان عقل الإنسان يجب أن يترك حراً ليستطيع أن يتجه في كل اتجاه يتراءى له فيه الأمل.
على ان الحريةليست في ان يحيا الإنسان على هامش المجتمع، وكما يعن له، ان هي الا القبول، بإرادة كلية واعية، بالتنظيم الذي يجعل التقدم ممكناً. ولا يكون التقدم مضموناً الا اذا وثق المواطن في الدولة، واذا جعلت الدولة نفسها خليقة لثقة الناس.
8- ان الثورات لم تعد قادرة على أن تحقق التحول المنشود بالسرعة المنشودة. ذلك أن الثورة تهدم لتبني، فإذا هي تنقضي فيبقى الهدم ولا يقوم البناء.
9- ان نثق بأن المجتمع اللبناني مجتمع سليم – صحيح – متحرك. وأنه، وحده، المريض أو الضعيف يخاف المشي والتحرك. ثم أن نحمل المجتمع اللبناني على أن يوفق بين سيره وسرعة العصر، جاعلاً في اعتباره ان للسرعة شروطاً أقله حدة البصر وامعان النظر في معارج الطريق، تماماً كما يجب أن تكون أنوار السيارة المسرعة قوية بنسبة قوة السرعة التي تعتمد في سيرها.
10- ان رجل السياسة، في العصر الحاضر، يجب أن يكرس نفسه بما هو أنبل ما في العلوم الإنسانية. لأن إنسان القرن العشرين أصبح الهدف الأول والأخير للسياسة الواعية الرشيدة. فكل نضال خارج نطاق الإنسان هدر قوى ووقت. وما مبرر المعارضة السياسية، بعد اليوم، سوى استنهاض الحاكم على تطوير أوضاع الإنسان تطويراً لا وقفة فيه ولا تلكؤ.
11- ان نعود انفسنا أن نرى كبيراً، وان نفكر كبيراً، على الرغم مما عودناه في مدى عصور المظالم. ذلك أن الجور والطغيان عودانا ان نكتفي في البيت الصغير، والحاكورة الصغيرة، والدكان الصغير، والمرامي الصغيرة التي في عقبها، جميعاً، اذ عندما تكبر حاجاتنا تكبر متطلباتنا، تكبر امكاناتنا، تكبر أمانينا، فنصبح بمستوى العصر والطموح. ثم أن يظل ماثلاُ امامنا ان الشعوب ليست في أن نكون كباراً، بل في أن نعرف كيف نكبر.
12- ان نسارع الى اختيارنا نريد لئلا نجد أنفسنا ملزمين على القبول بما يراد لنا.
13- ان المرء بقدر ما يكون منسجماً في عمله قدر ذلك تكون رجة المعاكسات التي تستهدفه ضئيلة، وبالنسبة ذاتها لا يضج، شأنه شأن الدولاب في المركبة الذي بنسبة ما لا يكون مرتكزاً في مكانه، أو غير محكم الوضع بنسبة ذاك يكون قلقاً ضجاجاً.
14- ان اجتراءات الشباب، بالغاً ما بلغت من الشأو والعنفوان، يجب ألا تخيفنا. ذلك أن الأمل في اجتراءات الشباب.
وآخراً لا أخيراً ان تحاب أبناء الشعب الواحد لات يكون الا عن طريق عمل كبير واحد.
"أقيموهم على بناء كاتدرائية، يقول سانت أكزوبري، اذ ذاك يحبون بعضهم بعضاً".
القاعدة في اختيار المسؤولين
سيداتي، سادتي،
هذه هي بعض الإعتبارات والمبادىء التي نرى أن تكون في قاعدة انطلاق لبنان في اتجاه غده. ويبقى أن نتوقف، قليلاً، عند بعض الاعمال والإجراءات التي تنبثق، من هذه الإعتبارات والمبادىء في انشاء لبنانى الغد.
يطيب لي، في ساعات الشرود والتأمل، ان أنقل خيالي في بعض جوانب من لبنان كما اتصوره في غده فأرى:
ان عزم الشعب اللبناني، في مستقبل أيامه، على استنان قاعدة في اخيار حكامه كأن يكون كل مسؤول في لبنان، من رئيس الجمهورية، الى رئيس مجلس النواب، الى رئيس مجلس الوزراء، فإلى الوزراء جميعاً... ان يكون المسؤول في لبنان صاحب كتاب يتجسد فيه تفكيرهالإجتماعي، والإقتصادي، والتربوي، والسياسي، بحيث يكون الكتاب كاشف النقاب عما في الألباب، فيدل، في أقل ما يدل عليه، على أن صاحبه يحبالحكم كفنان، على نحو ما يحب عازف الكيثارة كيثارته، ليصعد منه أنغاماً وألحاناً تكون متعة المواطنين، كما كان يحلو نابليون ان يقول.
ثم يكون الكتاب عهداً على صاحبه حيال الرعية، فلا يقبل الشعب أن يولي امره لمجهول يقفز به في عالم المجهول. ويكون الكتاب، أخيراً، مرآة صاحبه بالذات، فيعطي الدليل على أن صاحبه واحد من اللبنانية التي يمخر شراعها تحت كل سماء في لآفاق الفكر والروح متهادياً بين الفنون والآداب والعلوم حيث لهم، في القديم وفي الحديث، كواكب تلمع، فيعرف فيه المثقف نفسه، أو صنوا لنسه، ثم يخلد ابن الشعب مطمئناً، الى ظله الوارف. وهذا الدليل لا يستطيع أن يعطيه انتخاب. لأن الرئيس الرئيس هو عطية من الله لا من أكثرية ناخبة.

الإدارة اللبنانية
ثم أنظر فأرى:
ان الإدارة اللبنانية، وقد جعلت نفسها من مستوى العصر، باتت آلة من آلات الزمن الأخير، المحكمة الصنع، التي قوتها من دقة لا من ضخامة، مجردة من الزخارف والزوائد، تسير نحو الهدف الأوحد الذي هو احقاق الحق وإسعاد الإنسان، فنتبوأ معها مكاننا اللائق في جوقة الأمم التي تجهد، هي أيضاً، في احقاق الحق وخدمة الإنسان.
اداة تكون في رأس دوائرها دوائر الإحصاء الذي، بدونه، لا يعرف لمن تعمل الإدراة، وكيف تعمل. احصاء يتبين منه، لدى كل خطوة، عدد أبناء الرعية مع نسبة تزايدها، على الأيام ليعرف من تخدم اليوم، ومن ستخدم غداً.
وتتبين منه حركة الهجرتين الى خارج البلاد، والى المدينة. وتتبين من الموازنات العائلية عند مختلف فئات الشعب، وفي مختلف الأنحاء اللبنانية. ويتبين منه تكوين أسعار السلع والحاجات من حد انتاجها، أو استيرادها، الى حد وقوعها في يد المستهلكين. وتتبين منه البنية الإقتصادية العامة، الأموال المشغلة والأموال التي هي في الإحتياط، الإنتاج، الأجور، الأرباح، والمختزانات. ويتبين منه الدخل الوطني بكامل تنوعاته وتفرعاته، ليعرف كيف يصير الإنتقال، عندنا، من الميزان التجاري غير المتوازن الى ميزان المدفوعات المتوازن. وتتبين منه، بدقة، موازنة الدولة، بما في ذلك موازنات المصالح المستقلة، والنفاقات التي تجري من خارج الموازنة العامة، على ما فصل ذلك ميشال شيحا، فان زيلند، والأب لوبريه.
ثم ننتهي، بنتيجة الإحصاء، وعلى يد دوائر مختصة، الى وضع الحسابات والإحتمالات والترجيحات والدراسات والإقتراحات، التي تجعل القيام بحركة للتنمية في البلاد أمراً ممكناً مكفول النتائج.
ادارة يصير التوفيق بين مختلف مديرياتها، ومصالحها، ودوائرها، ابتداء من درس المشاريع، مروراً بإقرارها، وانتهاء بوضعها في التنفيذ، تفادياً للمتناقضات ولهدر الوقت والجهود، وحقنا لمال الخزينة، فلا نظل نرى طريقاً تعبد، اليوم، لتحفر غداً في مدى خطوط الكهرباء، ثم تحفر بعد غد في مد خطوط التلفون، ثم بعده في مد قساطل المياه، ثم تعود فتحفر في أغراض المجارير.
ادارة يكون على رأسها دماغ يفكر عنها، لأنه ليس للإدارة دماغ، فيتولى التخطيط في أغراض تنمية شاملة بعيدة المدوات، تخطيطاً تتناسق فيه المشاريع لتحقيق نهضة تتجاوب وحاجات الشعب، وتستخدم فيها جميع طاقات الأمة المادية والبشرية. فلا يكون تخطيطاً، والحالة هذه، أي مجموعة من المشاريع، ولو غير مرتجلة، ولا تربط بينها رابطة التنمية الشاملة والإنهاض الكامل. على ما ذهبت في شرحه بحثة "أرفد" في تقريرها المسهب.
دماغ الإدارة هذه، وهو مجلس التخطيط الذي يجب ان يعبأ بالكفاءات العلمية – العملية – الفاعلة. ثم يربط، مباشرة، برئيس مجلس الوزراء الذي يجب الا تسند اليه مهام غير مهامه لينصرف، بكلية مستوعبة واعية، الى مختلف شؤون هذا المجلس التي هي، بحق، شؤون الدولة أجمع.
اما هذه الكفاءات فقد صار لزاماً أن نهيىء لها بالإعداد الرصين الجدي الحيوي، بغية الحصول على أفواج جديدة من المخططين اللبنانيين، الذي يقوى عمل التخطيط على يدهم، ويستمر، وينتج، فيطمئن قلب البلاد اليهم.
ادارة تعتمد الكفاءة، تتحرر من اللامبالاة، تخنق الرشوة، وتثيب الخدمة والموهبة والإخلاص. لأنه ايا كانت أجهزة الإدارة، والنظم التي تخضع لها، وأيا كان نصيبها من الأحكام والإنتظام فهي لن تكون ادارة الغد المنشود، حلمنا جميعاً، الا اذا كان العنصر البشري الذي يعهد بها اليه عنصراً سليماً، قادراً، مبتغياً خير العباد والبلاد.
أتصور رجل الإدارة، في لبنان الغد، رب عيلة صالح أبعد ما يكون عن سمسار وأقرب ما يكون الى رسول، رجلاً يتعبد لعمله، يتجهد له، يعايشه، يؤاكله، ويشرب معه، يقوم له في الليل كما الراهبين لصلاتهم، ويظل ينحت فيه حتى يستقيم وينجز.
الإقتصاد اللبناني
ثم أنظر الى لبنان الغد، وقد انتظم الحكم فيه، فأراه يسلم للدولة شؤوناً يخاف منها، اليوم، عليها، فلا يعود يجفل من تدخلها حتى في شؤونه الإقتصادية العامة.
بديهي ان الإقتصاد في لبنان الغد، مثله في لبنان الحاضر، يجب أن يظل قائماً على الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، والمخاطرة، والمزاحمة، والكسب، في اطار من الحرية نتمسك بها تمسكنا الثبت بمجمل حرياتنا، لأنها من مقومات الكيان الأساسية.
على أنه، والعصر هو ما هو، وموقفنا من العصر هو ما يجب ان يكون، والمبادىء التي آلينا على أنفسنا أن ندين بها هي ما ذكر، لا بد من الأخذ، في هذا الصدد، ببعض الإعتبارات التي أهمها:
1- أمران يجب الإحتراز منهما:
 أضعاف الكسب الشخصي،
 وتضليل الإقتصاد القومي في سبل الإنماء.
2- الكسب الشخصي الذي يقوم على الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، وروح المخاطرة والتزاحم، هو أقوى عامل في ضبط سير المجتمع، اذ هو الدافع الأمثل الى العمل والخلق. فهو عندما يفضي الى تكثير خيرات البلاد يكون عامل ارتقاء. أما عندما يغني القلة ليفقر الكثرة فيكون عائقاً في سبيل الإرتقاء، واذ ذاك تجب إعادة النظر فيه.
ذلك أن الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، وروح المخاطرة والتزاحم التي هي عناصر الكسب الأصلية، مرتبطة، كلها، بأوثق رباط في القيم الإنسانية المقدسة التي يجب الا تمس في هذا العصر الإجتماعي، عصر البحبوحة والإقتسام العادل، الا إذا رئي، في آخر المطاف، انها تركب، إعتباطاً وتجبراً، لتنيل راكبها غرشاً فتخسر الجماعة ألف غرش.
3- كثيراً ما يحسب الناس أن المزاحمة الكاذبة مزاحة مشروعة، وكثيراً ما يحسبون الربح الحلال ربحاً محرماً.
فلكي يكون الكسب كسباً منسجماً مع روحية العصر وجب أن يكون بعضه كسباً للجماعة يستفيد منه الأفراد بعد أن يتحقق. ذلك أن قسط الجماعة من نشاطات هذا العصر بات يجب أن يكون القسط الأول والأهم.
4- وبخاتمة هذه الإعتبارات لا بد من الإشارة الى أن الإقتصاد، ككل قوة متحركة كبيرة، كالنهر، كالآلة، كالجماعة، لا بد له من ساهر، أ, ضابط، أو معدل والا خيف منه وعليه من الإنحراف والتهور.
وقد يكون، هنا، مجال القول في أن الضرائب إذا أحسن فرضها، وأحسنت جبايتها، وأنجزت توعية المواطنين الى ضرورتها، وعظيم فاعليتها وشأنها لدفع الأذى عن الأثرياء دفعه عن أصحاب الحال المتوسط والحال المعسور سواء بسوء، استقامت بين أيدينا وسيلة عمل لإسعاد الجماعات قد يكون فيها الغنى عن وسائل أخرى تجر في أعقابها القلق، أو تجر الى أكثر منه. ينتج من هذه الإعتبارات ان الإقتصاد المنور – المتحرر، الإقتصاد الذي يقبل النصح ويرفض الإستسلام، الإقتصاد الذي يصون مصلحة الفرد دون أن يغفل مصلحة الجماعة. الإقتصاد الذي يظل ماثلاً لديه: أن ثلث البلاد للدولة بواسطة أملاكها الأميرية،ومشاعات القرى، والحدائق العامة، والأبنية الرسمية، كالسرايات والمتاحف والمدارس والمستشفيات والمستوصفات والمختبرات، ومختلف المرافىء والتجهيزات كالمرافىء، والطرق، والمياه، والكهرباء، ووسائل النقل.
وماثلاً لديه: أن من حق الدولة أن تستمتع بأشياء الفرد بنسبة ما يستمتع الفرد بأشيائها وأن حرية الفرد في العمل والتصرف والكسب هي من الحريات الركائز التي بدونها لا تكون قيم انسانية أخيرة.
كل اقتصاد من هذا النوع، سواءاً كان اسمه اقتصاداً موجها أو حراً، أم كان اسمه اقتصاداً منوراً أو متحرراً، كل اقتصاد تسلم فيه حرية الفرد ولا يضيع معه نفع الجماعة ، ثم تأخذ بيده إدارة تقنية – لينة – متعافة – سليمة، لتكون لنا سوق تضعف فيه شوكة الوسيط فلا يتضاعف ثمن الحاجة ثلاثة من إنطلاقها من مكان الإنتاج حتى وصولها الى يد المستهلك، سوق تتوزع بعدل بين التعاونيات والهالات والتجار فلا يموت التاجر ولا يفنى المستهلكون،
ثم تكون لنا معها تأمينات وضمانات تقينا شر غلاء التعليم والتطبيب وشر التعطل والشيخوخة والحوادث والكوارث والآفات، كل إقتصاد يهدف الى هذا هو الإقتصاد الذي يطيب لي ان أراه مستقيماً على عرشه في لبنان الغد.
ولقد آن الأوان لنعتبر ان الجدل في الإقتصاد الحر والإقتصاد الموجه هو من نوع الجدل الذي كان يدور على جنس الملائكة، اذ المهم الآن هو أن يكون لنا ملاك، ذكراً كان أم أنثى، وأن يكون ملاك رحمة في حراسة الساعين الى نعيم فردوسهم الأرضي حيث الإطمئنان والبحبوحة والرخاء.
وعلى هذا نجد أنه من خير لبنان الغد أن يكف بعضنا عن دغدغة طفولة العقل احتراماً لقدسية العقل العاقل، فيكف عن التأكيد أن توزيع الثروة الموجودة في أيدي الناس هو خير من إيجاد ثروة جديدة تزيد فينا نعماء الناس، ان تأميم المعامل والمؤسسات هو أفضل من إنشاء معامل ومؤسسات جديدة، ويكف عن التأكيد أن وضع فلاح غافل في مكان ملاك مجرب هو أجدى للإنتاج وأضمن، ان موظفاً حكومياً هو أكثر كفاءة في إدارة العمل من صاحب العمل الذي أنشأه بالذات.
ومن خير لبنان الغد أن يكف بعضنا عن إقناع الناس بأن العمائم والقلانس عملت لأقدامهم، والأحذية لرؤوسهم. ثم أن يكف هذا البعض عن الإتجار ببضاعة الامل، عن المضاربة بآلام الناس وبؤسهم وشقائهم، وعن الإفتتان في إطلاق الأكاذيب بقوالب الوعود والإغراء والتقوى الوطنية.
ونذكر، هنا، كلمة "لجوزف له ميتر" الذي قال:
"الآراء الخاطئة كالعملة الزائفة التي يبدأ صكها مجرمون كبار. ثم يتولى تصريفها ناس طيبون فيتمادى الجرم على يدهم وهم لا يعرفون ماذا يفعلون".
ما لا يقتنع وجدان الأمة بصواب أمر فعبثاً يحاول المحاولون.
وعبثاً يحاول المحاولون أن يشبعوا الناس من كلام طيب.
يحكى أن أحدى الصحفيين، في باريس، كان يقلب بين يديه في مكتبة كتاباً يشتريه، عنوانه "كيف تصبح غنياً". وكان هذا الصحفي صديقاً لفيدو الروائي الشهير. فوقعت عين فيدو على الكتاب فاقترب يهمس في أذن مشتريه قائلاً:
"أنصحك أن تشتري مع هذا الكتاب قانون العقوبات أيضاً".
نعرف كذلك عن بعض الثروات والأثرياء. غير أننا، قبالة هذا، نعرف أن الرئيس عبد الناصر في خطابه أمام مجلس الأمة، مساء الخميس الواقع في 12 تشرين الثاني 1964 قد قال:
"ان بعض المصانع المؤممة، في الجمهورية العربية المتحدة، قد توقفت لسوء الإدارة... وأنه يوجد سرقة وتلاعب في المراكز الحكومية المخصصة لبيع المواد الغذائية...".
سرقة وأختها. أما أختها فأبشع.
يبقى أن المشكلة هي في كيف ننقذ الإنسان من نفسه والنظام منه!
نظام تربوي متطور
ثم يحلو لي أن أنظر فأرى لبنان الغد، وقد وضع نفسه في طريق إقناعه، عاجل الى الأخذ بالثروة التربوية التي بدأت تختمر في نفس بعض عظمائها في هذا العصر من أمثال الذين يرون أن التعليم يجب أن يكون متمادياً الى أكثر من فترته المعتادة من عمر الإنسان.
لأنه ليس في الناس من يستطيع الإعتقاد أن المرء في عمر الفتوة والصبى قادر على استيعاب المعارف التي يحتاج اليه في مدى عمر كامل. ولأن التعليم المتمادي يبقى رغبة الإنسان في الإطلاع بيقظة دائمة، فلا يطفأ في نفسه فرح المعرفة ولا يطمس بريقها.
وعندما يكون التعليم متمادياً يصير بالإماكن أن يعطى لكل عمر ما يناسبه من العلوم. فلا يعلم التلميذ التاريخ مع علم الأشياء، والفلسفة مع علم اللغة، والعلوم الإجتماعية مع العلوم الطبيعية، بل يصير الإكتفاء، في مراحل التعليم الأولى، بإرساء قواعد الأساس للمعرفة عامة، تلك التي يقتضي لها ذاكرة وحفظ كاللغات، وعلوم الأشياء، والطبيعيات، علم الحساب وما اليها.
وعندما يكون التعليم متمادياً يصير همّ المعلم ان يعلم التلميذ كيف يتعلم ، فيلقي بين يديه مفاتيح المعرفة يفتح بها الأبواب التي يريد، في الوقت الذي يراه مناسباً.
وعندما يكون التعليم متمادياً لا يعود السبق للأكثر اجتهاداً، على حساب الأكثر مواهب، ولا للأقوى ذاكرة على حساب الأمتن عقلاً، ولا للأكثر ركوداً على حساب الأكثر تحركاً، ولا للأشد صاعة على حساب الأشد تحرراً، ولا للأسرع أخذاً على حساب الأبعد تعمقاً، اذ ان كثرة ساحقة من الذين ينفعون في غربال المدارس كثيراً ما يكونون من زبدة الأمة.
وبهذا الصدد قال "آلان":
"اذ طلب منا أن نفهم أشياء كثيرة في فترة قصيرة، يجيء يوم نصبح فيه عرضة لأن نحفظ الأشياء الكثيرة دون أن نفهم". وهنا الطامة الكبرى.
هذا التبديل في استيحاء اسلوب التعليم يحتم تبديلاً أصلياً في المناهج. كل تعديل منهجي يبعد عن هذا الوحي – ولا أقول الأسلوب – يفضي، حتماً، الى تثقيل المناهج فقتل الرغبة في العلم بحشو العقول على أن تخفيفها يفضي، حتماً، الى إحياء الرغبة في العلم فتعميقه في النفوس.
وفي كل حال ست لا حيدة عنها:
1- ايقاظ الروح الجماعية - الإجتماعية في التلميذ لأن العصر عصر اجتماعي بمقدار ما هو عصر الذرة والسرعة.
2- فرض التربية المدنية مع سلّم القراءة حتى منتهى العلوم.
3- نشر التعليم الزراعي والمهني وتوطيده.
4- اعادة الإعتبار لتبسيط المعارف والعلوم، ذلك أن المعرفة لم تعد وقفاً على فئة مختارة من الناس، وأن أحد مقاييس الحضارات هو كمية ما يستوعب ابناؤها من مختلف المعارف والعلوم.
5- المسارعة الى ضم الأسطوانات والأفلام التعليمية الى الكتاب، وضم الآلات الحاسبة الى كتب الحساب.
6- الحفاظ على بنية الثقافة اللبنانية وشمولها لأن بعضها متأصل في الروح اللبنانية من تراث عريق، وبعضها متأصل بها على يد التيارات الفكرية – الروحية التي تلتقي وتتمازج في لبنان، وبعضها الأخير صنع يد صاحبها المجذوب اليها كما الفراشة الى القنديل.

أعلام متطور
ثم أتطلع فأجد أن جهاز النشر والأنباء، وقد رسخ انه اقوى جهاز وأنفع جهاز، بات يحتل مركز الصدارة في لبنان الغد، لأن بالنشر والأنباء يمكن تطوير الجماعات حتى مستوى التجهيز العصري. وبالنشر والأنباء تستطيع الديمقراطية ان تعمل وتنمو، اذ بنسبة ما تكون حركة الأنباء الجيدة العميق متسعة كثيفة بنسبة ذلك تكون الديمقراطية متينة سليمة. ذلك أن الديمقراطية هي، في اعمق ما هي، تفاعل صحيح بين الناس وعدد كبير من القضايا التي تتصل بمصلحة المجموع.
على يد الأنباء، بالإضافة الى ذلك، نستطيع أن نضع الفكر في طريق سموه، أن نكثف المعرفة، ان ننمي الوح الإجتماعية، روح التعاون والمحبة، وأن نقرب التفاهم بين الفئات المتباعدة بسبب أنها لم تضع يدها، بعد، على لغة تكون مشتركة بينها جميعاً. وتكون فاعلية الأنباء منقطعة النظير في البيئة التي بدأ يدخل اليها الصوت والصورة وقد كانت مغلقة، من قبل دونهما.
هذا الكائن البشري الذي صار باستطاعته أن يسمع، من وراء الجدران، صوتاً يتحدث اليه في شؤون الفكر والجمال والسياسة والإجتماع، والذي صار باستطاعته أن يرى ألواناً وأزياء ووجوها وحركات لم يكتن يحظى بمثلها من قبل. هذا المخلوق المغلق صار، اليوم، منفتحاً لتيارات جديدة راحت تمخر في نفسه، فصار قابلاً لكل تحول.
وقد ازدادت أهمية الأبناء في الزمن الحاضر، لأن الجريدة والمجلة والكتاب قد بلغت، بفضل الإنتصار على الأمة وإزدهار الطباعة، مدى واسع في الإنتشار. يقرأ اليوم بلزاك في السنة الواحدة أكثر من قريء في مدى عمره الكامل. والجريدة التي تطول، منذ خمسين سنة خمسين ألف قارىء باتت تطول، اليوم، خمسة ملايين.
ولأن حركة الأنباء أصبحت تدرك الطفل والأمي والمحتسب والمحتجب على يد الراديو، والتلفزيون، ولأن الراديو والتلفزيون صارا في عادات الناس فصارت لهما فاعلية عبر الأذن والعين وهما غافلتان. وصار حامل الترانزيستور، مثلاً، يعرف على الرغم منه.
فلأن الأمر كذلك أتصور أن لبنان الغد، مدركاً خطورة الأنباء، قد اسلم أمره الى مجتمع تحتشد فيه المواهب – المواهب في العلوم، في الفنون، في الآداب، وفي التقنية الحديثة – قادر بواسطة أعضائه على ان يتناول كل فن ومطلب وأمر بالبحث والتنفيذ، قادراً على تبسيطه، قادراً على إخراجه ضاحكاً أو عابساً، جاداً أو هازلاً، مسهباً أو مختصراً، جامداً أو متحركاً، موقعاً أو مغفلاً، بلغة الناس أو بلغة القاموس، في أسلوب الحوار أو في أسلوب الدراسة، في مستوى الأطفال أو في مستوى الرجال، مجمع يوازي بالأهمية مجلس التخطيط، دعوته رسالة والداعون اليها رسل يقومون ويقعدون على وقر المسؤولية، مسؤولية المسؤول عن فكر وقلب، وعن مستقبل ديمقراطية، واسعاد جماعة، وتوطيد أمة. مجمع، وقد ألهبه روح العصر، لا يهدأ قبل أن ينقل اللهب الى كل جماعة، وبيت وإنسان.
مثل هذا المجمع يجل نفسه عن الكذب والغش والخداع، يترفع عن التمويه والتخدير، يجابه الواقع، يفجر الحقائق، يخدم الحق، يبده الشعب، ينور عقله، يطهر نزواته، ويقدس مسعاه.
ومثل هذا المجمع قادر، في الأقل، على أن يجعل المواطن اللبناني العادي مواطناً حضرياً. "ولا يكون حضرياً"، على ما يقول "آلان" : "المواطن الذي لا يكون قد أدرك نبل التصرف فأصبح يستحيل عليه أن يعنف شحاذاً، أن يهزأ من أعمى، أن يضلل قاصراً، ان يتخلى عن مريض في الطريق أو أن يتعمد دهس هرة أو كلب أو دجاجة".
ثم لا يعود فرق بين أن تحتكر الدولة حركة الانباء أو أن تبقى مشاعاً بين الناس. أن الغلبة، بالنتيجة، هي للنوع وللجودة.

في جانب مجلس التخطيط ومجمع الانباء أتطلع الى ركن القيادة الذي تصور صديقي بشير العريضي قيامه في لبنان الغد من صفوة لبنانية – علمية – واعية – رسولية تستقطب الرأي والرجال، تبين، تنصح، ترشد، وتلقن مستمدة قواها من الهالة التي تكون قد عصبت بها رأسها المثقل بالخيرات.
ركن القيادة هذا قد تكون له نواة من اللفيف العفوي الذي يتحلق عادة نحو الرئيس الأول، أو في ما يشبه الندوة. وقد لا يكون شبيهاً بأي شيء قائم فيكون طرفة بذاته. الامر الذي يزيدنا حدة في ترقب قيامه.
وأتصور لبنان الغد قد وثق فيه المواطن بدولته فبات يحرص على حصة الدولة بأرباحها منه حرصه على حصة نفسه فيها. فلا يتهرب من ضريبة أو رسم، ما دام دخلهما يقدم له الطبابة والدواء، المسكن والغذاء، المدرسة والكتاب مجاناً، أو بسعر الكلفة، وما دامت الدولة تختزن له المال الذي تعود أن يختزنه، هو، لمرض، أو شيخوخة، أو تعطل.
ثم أتصور لبنان الغد قد أحب فيه الفلاح أرضه فأحنى عليها، والعامل مصنعه فصار منه، والمستخدم متجره فلان له. وأحب الملاك والصناعي والتاجر عمالهم ومستخدميهم فوفوهم حقهم عليهم، وأثابوا انتاجهم، وعدلوا فيهم حتى سقط في الناس هتاف ليقول هتاف: "أيها المنتجون في الأرض اتحدوا". اتحدوا، لأن اليد والمال مجتمعين على عدالة وعدل هما اللذان يبلغان بلبنان الى ما يستحق.
واتحدوا في الكبيرة والصغيرة لأن الخراب يكون من باب الصغيرة التي لا تدخل، عادة في الحساب وفي التحسب.
وهنا استنزل الرحمة على فرنكلين الذي قال:
"لأن مسماراً فقد فقد فقدت النضوة، لأن النضوة فقدت فقد فقد الحصان، لأن حصاناً فقد فقد فقد الفارس، لأن فارساً فقد فقد فقدت المعركة، ولأن معركة فقدت فقد فقد الملك. ولم يفقد كل ذلك الا لأن مسماراً فقد".
لبنان المغترب
ثم أتطلع الى لبنان المغترب الذي أبناؤه أكثر عدداً وأوفر عدة فأراه مشدوداً الى لبنان المقيم بأوصال لا تفصم يقوم على توثيقها وزير للمغتربين، يطوف في الأرض بين الجاليات، يقف على شؤونهم، يستنهض، يحث، ويصمم لنا ولهم، ثم يظل يعمل ويجهد حتى تنفتق الإمكانات جميعاً، ويسطع الخير، فلا تبقى طاقة الا تكونقد أخذت مكانها من مجهود الامة جمعاء. اذ حرام ان لا نثمّر الوجود اللبناني في العالم، وهو أوسع انتشاراً من اي وجود آخر، لأي من شعوب الأرض. وحرام أن لا نضع في خدمة لبنان وأصدقائه وحلفائه جحافل من الشخصيات اللبنانية المهجرية التي هي في الحكم، في الإدارات، في المجالس النيابية، في عالم المال والاعمال، في المحافل العلمية والفنية والفكرية والإجتماعية، شخصيات بالغة الاثر في بيئتها تستطيع ان تنال للبنان الغد كل ما يرى انه لصالح لبنان. ثم حرام أن لا نجعل في خدمة لبنان الغد جهازاً دعائياً زاسع الإنتشار قوامه اللبنانيون المغتربون، جرائدهم، مجلاتهم، دور الطباعة والتلفزيون، والراديو، ومختلف وسائل النشر التي يملكون. وهو جهاز لا تملك مثله أي دولة من عظيمات دول الأرض، شرقية وغربية.
وبعد، فأية غضاضة في ان يكون الرئيس المنتخب للجماعة اللبنانية في العالم نائباً، حتمياً، في مجلس النواب اللبناني، يتمثل به المغتربون، رمزياً، في مجلس يشتاق الإستماع الى صوتهم، والوقوف على أحوالهم، وتبادل الرأي في جميع شؤوننا وشؤونهم؟ كل ذلك،ى وأن الذي أقوله الآن، كان يجل أن يقال في هذا المكان بالذات، على رأس الهرم الذي بلغنا اليه.
كل ذلك يحتم أن تكون الامة اللبنانية، بشقيها الإثنين، قد باتت وطيدة الإيمان بلبنان مرحلة نهائية في سعيها وطلابها وعيشها، وقيمة أخيرة بين القيم التي في ظلها أن تحيا، وفي غير ظلها لا تكون لها حياة.
فعلى نحو ما توجب الشفاعة إيماناً لا حد له بالله وبأوليائه، هكذا العمل للبنان الغد لا يمكن أن يقوم الا على إيمان لا نهاية لو بلبنان وبطاقاته جميعاً. وهي لا تحصى ولا تحد.
اما المشاكل اللبنانية الموروثة التي ما برح تعميق لبنان في طريق النمو والإرتقاء، فليس أفضل من الإرتفاع بها الى مستوى الحوار – على ما حاولت الندوة في العام الفائت – حيث للعقل سيادة على النزوات والأهواء، وحيث من المؤمل ان يطلع من الحوار ميثاق ترتضيه الأمة على مختلف فئاتها فيصبح، عندها، ديناً من الدين، او نسماً من مقدساً.

سيداتي، سادتي،
في السنة 1875 تقدم رئيس مكتب تسجيل الإختراعات في الولايات المتحدة الاميركية باستقالته قائلاً لوزيره:
"لماذا تريدني أن أبقى، ولم يعد بالإمكان اختراع أي شيء جديد؟".
من السنة 1875 حتى يومنا هذا مشت الإنسانية في طريق الإختراعات والإكتشافات شوطاً لم تقو على مثله من قبل.
ومن يدري فقد يكون لها، في الثلث الباقي من القرن الحاضر، شوط من أبعد من الشوط الذي اجتاوته من ثلثيه الأولين. فلم يعد علينا إذاً ان نضع أنفسنا في مستوى ما بلغ اليه العصر فحسب، بل علينا أن نهيىء أنفسنا لتكون في مستوى ما قد بلغ اليه العصر في المستقبل.
ان سبل التكيف والإرتقاء متشعبة، وعرة المسالك. لكن لا بد من طيها للوصول.
وحده تقدم في الروح الإجتماعية – المدنية موازى لتقدم التقنية يمكّن من بلوغ الأرب.

طريق المستقبل
علينا ان نعي التحول الذي ألنا اليه. علينا ان نخلق إدارة في مستوى ذلك التحول. علينا أن ننور الرأي العام، ونصدقه الخبر والرأي.
وعلينا أن نثق بالدولة، بعد أن تربح الدولة معركة الثقة التي بينها وبيننا. وعلينا ان نتفلت من قيود ماضينا، من تحجر عاداتنا، من جمود فلسفاتنا، ومن تفاهة النطاق الذي ما زلنا نسرح فيه. علينا ان نعيد النظر في أشيائنا جميعاً، وفي أنفسنا. علينا أن نثق بالشباب، أن نضارب بوثبهم، وأن لا تخيفنا جرأتهم وجسارتهم. وعلينا أن نؤمن بلبنان، وأن نقدم، أن نقدم اليوم لا غداً لأن الطريق الطويل، والعمل مقض، والرهان كثير الإغراء. "... لأن العمل سيكون طويلاً يجب أن نبدأ في الحال"، قال الماريشال ليوتي لمعاونيه عندما عزم على انهاض المغرب العربي.
سيداتي، سادتي،
مؤمن أنا اذا تهيأت ظروف العمل، وخفت صوت السياسة، وخجلت من نفسها المناورات، وتحطمت العصي التي تدس في الدواليب، ثم استراح من يجب أن يستريح ليعمل من يجب أن يعمل.
اذا تهيأت الظروف، وصار الإتكال على الله، ووثقنا بالعقل النيّر الذي يقودنا والإرادة الحسنة، والقصد الصالح، والعلم الاجح، والمثالية التي لا مثي لها.
اذا تهيأت الظروف،
كان طلوعنا الى طريق الغد غداً.
وكان لنا لبنان، هذا الذي يتحرك في عزمنا، يتوثب في أوصالنا، ويهدر. كان لنا "لبنان الغد" بعد غد.
ويا ايها السيدات والسادة،
أبعد مكا يبعد الإنسان هو عندما لا يعرف في أي اتجاه يتجه.
ففي سبيل اختصار الوقت والمسافات لنضع، نصب أعيننا، لبنان، ونمش. "وفي طريق الجهاد الحقيقي سنسبق آمالنا في طريق".
لنمش.
  المارونية : كنيسة وحزب
كان طبيعيًا أن تسهم "ألفصول" في المؤتمر الماروني العالمي الثاني الذي ينعقد، في نيويورك من 8 إلى 12 تشرين الأول 1980، فتخصّه بواحد من اعدادها. لأن عمل "ألفصول" يدور، في الأصل، على كل ما من شأنه أن يعمّق معرفة اللبنانيين بلبنان. ذلك أن المعرفة، في اعتقادها، تبني المحبة وترسّخ جذورها في النفوس. أوليس أنّ المرء عدو ما يجهل ومَن يجهل؟! فأية غضاضة في أن تعالج، اليوم، قضية الموارنة على أن تعالج، غدًا، قضايا الطوائف الاخرى، كما تعالج، على الدوم، القضايا المشتركة بينها جميعًا.
حتى لو لم يكن هذا المؤتمر لكان لزامًا على هذا العدد أن يكون، لأن الموارنة هم الذين كانوا أول من اختار لبنان ملجأ لهم، فتبعهم إليه الدروز، والشيعة، والسّنة، والطوائف الإسلامية والمسيحية الاخرى، فكان محتومًا أن يُعرف، على يد "ألفصول"، من هم الموارنة، وما كان عملهم، على مدى التاريخ، بدقة التاريخ.
لذا رأينا أن نفصّل الكلام عليهم في أبواب ستة:
1- منشأ المارونية.
2- موطن المارونية ودورها في بناء لبنان.
3- الروحانية المارونية.
4- الإشعاع الماروني.
5- المارونية في العالم، والعالم في بلاد الموارنة.
6- المراجع المارونية المهمة، وشهادات الموارنة فتكاد تتكامل، حول هذا العدد، المعرفة عمهم.
وبديهي أن لا يتسع عدد فرد لجميع هذه المطالب، وبخاصة عندما يتوخى الباحث الدخول في تفرعاتها، والتزام الإحاطة والإفصاح.
لذلك لن يرد في هذا العدد سوى بعض تفرّعات من كل مطلب. على أن تجتمع كلّها في أعداد مقبلة حتى تستقيم.
وقد يستغرق عمل التأليف هذا زمنًا طويلاً. ولكنه لن ينقطع حتى يكتمل.
على أنه من شأن هذا العدد بالذات، أن يرسم الخطوط الكبرى للعمل الكبير، وأن يلقي النور على بوارزها.
وهو حسبنا وما نبتغيه.
وفي ما يلي، من دراسات وأبحاث، سيتراءى الكثير مما يجب أن يكون معلومًا عن نشأة المارونية، وتكوّنها، وروحانيتها، وأعمالها.
فليس علينا، هنا، أن نستبق ما سيكتب في ذلك، تجنّبًا للإعادة والتكرار والملل.
غير أن فوائد مما لا بد أن يعرف، منذ البدء، في موضوعها يجري عليه القلم لمامًا في هذه المقدمة:
الموارنة، دينيًا ، أبناء مار مارون، وأبناء الفينيقيين، ثنيًا، وتاريخهم، طبيعيًا، امتداد لتاريخ الفينيقيين.
المارونية تمرّد على السلطان وخضوع للإيمان. فكأن في ذلك تسليمًا لله ومقارعة للإنسان،
وهي سيرتهم.
ليست المارونية دينًا، إن هي إلا طائفة من دين.
وليست هي لبنان، إن هي إلا ركن من أركانه.
وعلى صعيد الدين، فإنها تمثّل الانقطاع إلى التفكير اللاهوتي الذي حفظ المارونية في الخط المستقيم فحافظت، أبدًا معه، على علاقتها السليمة بالكرسي الرسولي. فلا بدعة فيها ولا انحراف، بل انسجام متواصل دائم مع الكنيسة الرسولية – الرومانية – الكاثوليكية – الواحدة، في جميع الأزمان والعصور.
أما على صعيد لبنان فقد كانت المارونية حريصة، أبدًا، على أن يبقى لبنان ملجأ المروّعين، وموئل الحرية، ودار الامان، كلاً لكل أبنائه.
فالماروني أراد نفسه، في لبنان، إنسانًا حرًا:
حرًا في معتقده يستطيع أن يكون، ضمن المسيحية، حيثما يشاء أن يكون.
حرًا في تصرّفه: في ممارسة شعائر دينه، في إقامته وترحّله، في اختيار ومعاطاة عمله، في محازبة من يريد على من يريد، في التعبير عن معتقده وشؤون عمله، وعن كل ما يجول في خاطره.
وقد حضّ نفسه، إلى ذلك، بحرية لا حد لها في التعيّش والارتزاق حملته على فتح أبواب العالم من جهاته الأربع، فملأ الدنيا بولده ومآتيه.
وما أراده الماروني لنفسه أراد مثله لغيره من شركائه في الوطن الصغير.
من هنا يتضح، كما سيتبين من كل ما يجيء، أن المارونية كنيسة ووطن، وأنها حريصة على استقلال كنيستها، وعلى استقلال وطنها، تستميت، أبد الدهر، في الدفاع عنها وعنه.
ثم إن المارونية ليست كنيسة، ولا هي طائفة، فحسب، بل هي حزب سياسي متعدد الجناحات.
فيوم لم يكن في الإكليروس الماروني غير الرهبان، كان الرهبان ينتخبون، من بينهم، بطريركًا عليهم. والبطريرك، بفعل هذا الانتخاب، كان الرئيس الأعلى للكنيسة المارونية الذي حُصرت في يده السلطة الروحية والسلطة الزمنية في آن معًا.
الكنيسة المارونية تحولت، هكذا، إلى كنيسة قومية. فتحوّلت على التوالي إلى أمّة.
وحيث أن المارونية لم تكن وحدها في لبنان، بعد أن انضم إليه الدروز والشيعة والسنة، وجد الموارنة أنفسهم، في الدفاع عن حقوقهم، حزمة واحدة، تحولت، مع الزمن، إلى حزب سياسي له هيكليته، وأهدافه ومراميه، وخطّة عمله التي كانت تملي على أتباعه مواقفهم.
وما برح الموارنة ذاك الحزب السياسي الواحد. وإن كانت لم تتوحد فئاتهم فيه، ولا توحّدت سبلهم إلى أهدافه، غير أن المطالب البعيدة، وبخاصة المطالب المصيرية، كانت تحملهم، أبدًا ولا تزال على أن يكونوا، عن طرائق مختلفة، في اتجاه المطلب الواحد.
وإنهم لكذلك، مقيمين كانوا أم منتشرين في الدنيا.
وإذا كان الظرف الحاضر قد قضى، على صعيد السياسة، بانقسام الموارنة إلى فئات، فما ذلك إلا لأنهم نسور، والنسور تأبى أن تطير أسرابًا.
غير أن ما يبدو بالغًا في انقساماتهم، لن يلبث أن تزول نواتئه عندما يزول الظرف، أو قبل أن يزول.
وبما أن الموارنة فئة لبنانية مستقلة في حزب سياسي لبناني، هو أكبر حزب، كان طبيعيًا أن يعملوا مع الطوائف اللبنانية الأخرى، على بناء لبنان.
وليس صحيحًا انهم، وحدهم، بنوا هذا الوطن الصغير، فلكل اللبنانيين، في بنائه، يد. غير أن شؤونًا إنشائية – حضارية جمّة لو لم تُعمل على يد الماورنة، لما كانت وَجَدت، في ذلك الحين يدًا تعمل لها، أو كان قد طال انتظار مجيئها.
من هذه الشؤون:
تعريب الروائع العالمية الكبرى، كما "ألخلاصة اللاهوتية" و"إلياذة هوميروس" شعرًا.
وضع الموسوعات والقواميس كما "دائرة المعارف" و"ألمحيط المحيط" و"أقرب الموارد" و"البستان".
تنظيم تدريس اللغة العربية وقواعدها الصرفية والنحوية، كما "بحث المطالب"، و"المبادئ العربية".
إنشاء أول مطبعة باللغة العربية في الشرق قاطبة، وهي مطبعة دير مار أنطونيوس قزحيا، في وادي قنوبين، السنة 1610.
انتجاع العلم في بلاد الغرب، وتأسيس مدرسة روما.
الدعوة إلى تعليم المرأة في السنة 1848 على لسان المعلم بطرس البستاني.
ركوب المخاطر إلى المهاجر، وإنشاء القرطجنّات الألف على سطح الدنيا.
يبقى أن الموارنة هم الذين انشأوا "لأبنان المختبر" هذا المختبر الحضاري الذي بات، في أيامنا الاخيرة، دعامة من أقوى دعائم رسوخ لبنان واستمراره.
وكانت أول نشأة هذا المختبر يوم أفسح الموارنة في المجال للدروز ثم للشيعة ثم للنافرين الآخرين من المظالم في أرضهم، فأنزلزهم أرضهم، وتعايشوا عليها، بعضهم مع بعضهم الآخر، تعايشًا أخويًا يلتقون فيه، ولا سيّما في الدفاع عن هذه الأرض في وجه المعتدي، أيًا كان هذا المعتدي.
ثم راح هذا المختبر يتّسع للشؤون الأُخر كالانفتاح على العالم، والمشاركة الغنسانية، والديمقراطية، وإحياء التراث، والحياة، المجتمعية. وتعليم المرأة، والانسياق مع التيار الحضاري، حتى بات فريدًا في العالم.
الموارنة مبنيون على الرفض، رفض كل ما ينتقص من كرامة إنسانهم، فرفضوا، فيما رفضوا، أن يحيوا ذميين.
هذا الرفض للذمية رافقهم في جميع اطوار حياتهم. لأنهم يلتمسون حقوقهم من الشرع لا من ذمة الناس.
وهذا الرفض بالذات هو الذي جرّ عليهم المتاعب، ولا يزال.
رفضهم هذا ألّب عليهم بعضًا من مواطنيهم، وكل العالم المحيط. فحُكم عليهم بالشعوبية، فعزلوهم، واضطهدوهم، وشنّوا عليهم الحروب.
الواقع هو ان الموارنة ما كانوا إلا أوفيا لجوهرهم، ولمن هم.
فليس على أساس العلم والتاريخ، فحسب، يتنكرون للعروبة، بل ينكرونها لانها تُدخلهم قسرًا، في الذمية التي رفضوا، ونفروا من ديارها.
هذا الذي قيل فيه إنه "تعصب ماروني" ليس إلا تشبثًا في الأصول، في ما أفضى إلى تكوينهم على ما هم عليه، وتشبثًا في رفضهم الأكبر الذي ما زال وسيظل رفضهم الاكبر.
وإن مثل هذا التشبث مبرره، لديهم، أقوى من التشبث الديني. لأن مصدر هذا إيماني، ومصدر ذاك كياني، والكيان قبل الإيمان في طبع الإنسان وتطبعه.
وبعد،
عدد "ألفصول" هذا الذي سنقترب به، أكثر ما يمكن، إلى الواقع والحقيقة التاريخية، والذي سنبتعد به، أكثر ما يمكن عن التبجج والمفاخرة والاعتزاز، نقدّمه إلى القراء، واثقين انهم سيطلعون منه اكثر بعدًا عن الأوهام وأكثر التصاقًا بالحقائق، توصلاً إلى الطريق المنقذ.
وإن امل أسرتي المجلة والتحرير هو ان يكون هذا العدد، بما سيوضح، وبما سيعمّق وبما سيثار فيه، بداية وثبة روحية تلقي النور على كل ما انتاب لبنان من حوادث وأحداث دامية – مقضّة، بغية الوصول بعد تصفية النفوس وتسديد المواقف، إلى ما يستحق لبنان من كرامة وسعادة، وإلى ما استحق له فعله المستمر – المتمادي – الدائب من مكانة بين البلدان المتحضرة التي عليها ما عليه من خدمة الغنسان والقيم الإنسانية.
وإن أسرتي المجلة والتحرير اللتين التزمتا بإصدار هذا العدد الخاص، في شكله الحاضر، عازمتان على مواصلة العمل حتى يكتمل التصميم الذي وضع له في أعداد مقبلة، دون أن يسقط حق القارئ في التنوع الموعود الذي درجت عليه الفصول في أعدادها السابقة.
وبديهي أن بناء الإنسان هو في أساس بناء الأوطان.
ومن حظ بناء الإنسان أن مباشرة العمل فيه، جائزة من كل ميل، من القرميد والأساس، ومن كل فسحة وشرفة وجدار، في آن معًا. وهو ما تعتمده أسرة المجلة وأسرة التحرير حتى يتكامل بين أيدي البنائين بنا هذا الوطن الصغير، لبنان، الذي يجب أن يظل روعة في الاوطان، كبيرها وصغيرها.
ومعلوم أن ليس في البناء بناء يُعفى من تكسير الحجر، وتفسيخ الخشب، وجمع الرمال إلى الرمال عنوة.
كما لا غنية في كل ورشة، عن تعاون البنائين وتعاضدهم. حتى لا غنية عن اهازيج المتفرجين.
وبخاصة عندما يكون البناء للكل، على يد الكل، ومن أجل الكل.
لذلك، تجد أسرتا المجلة والتحرير، المجال واسعًا لكل من في يده طاقة على العمل، ومَن على قلمه كلمة للتبيان.
وإن السرتين ماضيتان معًا في الطريق الموصل الذي طيّه على وعورته مفروض وواجب.
وإنّا بعون الله لواصلون.
أوليس أن العتبة نصف الدرب؟!
الارشيف
الأدب الروحي
الذين يشاهدون الله
4/1/64

كانت أكثر ما تفرح بهذا العيد
عيد الغطاس
ولم تكن تقول لماذا
ولكننا كنا نرى ذلك في وجهها، ووفي عينيها السوداوين

كان الميلاد، عندها، - في ما كان يبدو عليها – عيدًا لتذكار.
تذكار جميل لمجيء إله على الأرض في جسم إنسان لرحمة الإنسان.
ولكنه تذكار على كل حال
وكنا نعرف ذلك من أنها كانت تبتهج بالعيد بنسبة ما كانت تمطر، ليلة العيد، وتثلج، ويكثر بردها، وبنسبة ما كانت أجواء لبنان، تذكر بليلة الميلاد في الناصرة، منذ 1954 سنة.
وإني لأذكر سنة لم تكن لييلة العيد فيها ماطرة، ولا بردها قارصًا، ولا ثلجها ينهمر، فلم أقرأ على وجهها تلاوين السعادة كالعادة. فكأنها، ليلتذاك، كانت تستحيي، أمامنا، من قطن نثرته على أنه ثلج، حول المغارة، وتنظر فلا ترى ثلجًا، حولها في كل أنحاء لبنان. وكان رأس السنة – في ما كان يبدو عليها – رأسًا لهم مكبوت.
الأعلّه كان الهم الذي بدأ قلقني في مطالع كل عام: زمن يدبر وعمر يلحق به في الأدبار.
أما العيد الذي كان لها عيدًا فيملأ نفسها غبطة، كيفما جاء، فهو عيد الغطاس.
لأنه لم يكن، عندها – في ما كان يبدو عليها – عيد تذكار.
إن هو إلا مناسبة مقدسة مفرحة هي العيد بالذات
وما هذه المناسبة غير ما كان في اعتقادها من أن المسيح يخطر في الأرض، عند منتصف هذا الليل، فيراه كل من في قلبه نور.
ولقد كانت تراه، هي أيضًا، بنور إيمانها.
لم تكن أمي ترى ما لا يرى.
ولا كانت ترى ما ليس كائنًا.
ولكنها كانت، مثل أمها، تثق بأمها.
وكان راسخًا في اعتقاد هذه السلالة الحلوة أنهن يشاهدن اللله.
ألم يقل سبحانه:
"طوبى للأبرار فإنهم يشاهدون الله".

كانت امنا لنا أطيب أم على الأرض.
وأطيب ما كان يطيب لنا طيبها يوم الغطاس:
فمنذ الصباح الباكر كانت ترسل هذا في طلب حطب الزيتون.
وهذا في طلب أمها وأخواتها.
وذاك وذاك في طلب الطحين والكستناء والسكر والجوز واللوز والتين والزبيب.
ومنذ الصباح الباكر كانت تنقل مواقد الطوب إلى زاوية في غرفة السمر
وكانت تملأ القناديل زيتًا.وكانت تفرض علينا أن ننام في النهار لنقوى على السهر في الليل الذي ما أن يبدو جناحه حتى كانت تضاء الشموع في منارة البيت، فنقف من حولها، ونسجد، ثم تأخذ الصلاة مجراها المقدس على صوتها الحنون الشجي الذي لم يكن يسمع إلا في مناسبة الصلاة.
ولا تنتهي الصلاة إلا يكون قد بدأ الدق في ---- : دق المسك واليانسون
ويستمر عرس قلي العويمات والزلابيه والمعكرون حتى منتصف الليل.
وفي منتصف هذا الليل، كانت أمي وامها وأخواتها يتخطفن من بيننا، يلتحفن بمعاطفهن بشالاتهن ويخرجن بين الزيتون الذي حول بيتنا في --- الخضراء.

يا أمي
لن ننسى، هذه الليلة أيضًا، أن نترك أبواب بيوتنا مشرّعة على الليل، وعلى مالئ هذا الليل، القادم فيه إلينا.
لنن ننسى أن نترك الأضواء مضاءة
ولن ننسى أن نضع الخميرةفي قرقارة الزيتونة، حد السنديانة، لأن المسيح الذي في الخميرة القديمة قد قدم ولا بد لها من مسيح جديد.
ويا أمي،
فما زلنا نلتقي الله، في هذا الليل، مثلما كنا نلقيه في عينيك كل ليلة غطاس
وسنبقى للقاء مرة مل عام
إلى أن نلقى وجهه، جميعًا، في ملكوته، فيكون اللقا البهي الذي لا فرقة بعده.
الارشيف
في يوم القيامة
10/10/57

سيدي صاحب الفخامة
ما لم تر العين لن يوجع القلب.
الكارثة أكبر من أن يعيها العقل بالأخبار.
والمخبرون، حرصًا منهم على ألا يدب الرعب في أعراق الرعية، لزموا حدود الاعتدال.
بيد أن هذا لا يقلل شيئًا من فداحة النكبة.

ليست الوفيات – على أن حياة إنسان واحد لا يعدلها عند الله شيء من ثروة الأرض – أفدح ما في هذه الكارثة.
ولا هو المرض والجوع.
إن هي قوى، من بابها إلى محرابها، لم تعد تصلح لإيواء اللبنانيين:
بيوتها رمم، متاعها حطم، شوارعها كوم.
حتى ليحار القروي المنكوب في أين يبدأ:
أبدفن موتاه؟!
أبمداواة مرضاه؟!
أم بتعمير بيته؟!
وهل يبدأ بتقرير البقاء في قريته؟! أم بالارتحال عنها؟!

لبنان، يا صاحب الفخامة، قرية تلجئ النخوة.
وما إن القرية تتهدم فلا تضعف النخوة.
وما النخوة اللبنانية في أن نبكي مع الباكين فنذرف دمعة حية ونهدأ، أو في أن نطعم الجائعين لقمة ذليلة ونستريح، إن هي في أن نحمل بعض حمل المثقلين لنخفف، قدر المستطاع، مصيبة المصابين، وهي مشاركة لا تفريق، بعدها، بين مشارك ومصاب.
وليس هذا بالعمل اليسير العابر.
بل هو عمل مشقة واستمرار. يبدأ مع النكبة ولا ينتهي قبل أن تزول.

لقد شاء الله أن يجنب المدينة والسواحل الآهلة، وأغنياء المدينة والسواحل، شر هذه الزلزلة العمياء.
وشاء سبحانه، أن تكون الاكواخ فدية القصور.
فهل أقل من أن يتحمل أبناء المدينة والسواحل، وأرباب الدور والقصور، شيئًا مما حمله منهم الىخرون.
وأقل من أن يتحمل هؤلاء حملاً على ذلك إن لم تحملهم النخوة عليه؟!

لن يكون الإسعاف بطرح الصوت، وبالدعوة إلى الاجتماعات والمؤتمرات.
وإنما يجب لهذا يد عملاق بناء .
لم لا تكون يدك، يا صاحب الفخامة؟ - تأخذ على نفسها تعمير ما انهدم، وجمع ما اندثر، قبل أن يفكر صاحب البيت أن بيت بعودة عن البيت الذي تقوض وانهار، وقبل أن يهم صاحب الأرزاق أن يرزق من غير أرزاقه التي عاد إليها البوار ، وقبل أن تقفر القرية فيتبوأ عرشها البوم.

لذلك يستصرخ المخلصون، في يوم القيامة هذا، أن يصير اللجوء إلى التدابير الكلية الصاعقة:
فتعبأ جميع قوى الدولة للتعمير.
ويدفع إلى الساحة المال الاحتياطي المجمد.
ويمول نصف اعتمادات وزارة الأشغال العامة، ووزارة الشؤون الاجتماعية، وصولاً لغايتين:
1- حمل الدفء مع الشوادر والأحرمة إلى الذين سقطت السقوف عن رؤوسهم، ونزعت عنهم الألحفة فأرعد البرد أجسادهم ولا يزال.
2- إعادة بناء القرية التي ترزح تحت الخرب والدمار. والتي بدونها لا يكون لبنان.
حتى إذا عصا الأمر وامتنع، صار اقتطاع 10 بالمئة من اعتمادات وزارات الدولة جميعًا – مهما تخلخل قانون الموازنة وزاغ ميزان الإنفاق – نصرفها في شؤون التعمير.
ولتكن البداية، يا صاحب الفخامة، بما أردتم لجمعية أهل القلم من الحق في مال الدولة.

هذا، إذا ظل راسخًا في أذهان الأثرياء اللبنانيين أن قروضًا معلقة في أجياد نسائهم هي المن لدى تعداد القيم، من القرى المعلقة في جيد هذا الجبل.!!
وإذا ما ظلوا يستمرئون أن يعدوا ثرواتهم من خشب الأولى وأن لا تكون لهم يد في تقليب تراب!!
  ميلاد 1979

إلى يسوع
وتطل علينا هذا العام فلا تعرف فيلبنان مغارتك ولا رعيانك،
حتى ولا الحيوان الذي التف عليك يدفئ يديك وقدميك وينفخ الحرارة في وجهك.
على أنك كنت تطل فيطل معك كل هذا في آن...
المغارة التي احتضنتك طفلاً باتت مغارة لصوص ورعيانك غفوا عن قطعانهم وحيوانك وقع في البهمنة وبالغ حتى أنه لم يعد في حيوان الله.

كنت تطل ويطل معك الخير والبركة
تطل ويطل معك عالم النور
تطل معك الرحمة وتطل المحبة.
كنت تطل فيسجد لك العالم.
العالم يسجد لتعاليمك.
كتابك كان يركع العالم على ركبتيه
كنت تطل فتهجع لك الدنيا وترقص
كنت تطل ووجه الله كان يطل معك... كان الله يطل...
وتطل اليوم فإذا الخير قد فقد، وإذا المحبة والرحمة فقدتا، والنور قد انطفأ...
وتطل فلا العالم يسجد ولا وجهك يصرع ولا كتابك يصعق.
وتطل فلا تهزج لك الدنيا، ولا ترقص...
كان كل ذلك في العالم...
الآن،
لأن العالم الآخر ركب رأسه وهبّ إليك.
تعالم حتى يطول القمر وحتى يطولك من بعد.
اما نحن في عالمنا نحن، أي شرقك الذي فيه ولدت، في مغارتك، بيتك، في لبنان...
فإن كان الذين تعودوا أن يهزجوا ويرقصوا ما عادوا يهزجون ويرقصون فلأن ساحة الرقص عندهم قد زلزلت أقدامهم ومادت رواسيها...
ولأن الذين تعودوا أن يهزجوا ويرقصوا، يدبكون. قد دبكت بهم الأرض على أيديهم وأرجلهم وحطمت ضلوعهم وجماجم رؤوسهم فما عادوا يقوون على الوقوف ولا عادوا يصلحون للهزج والرقص والدبكة
الدابكين
بطون الأرض يا يسوع امتلأت من جثثهم المكسرة، من حطامهم،
الأرض كانت تفرح بوقع أقدامهم، باتت تئن على زوارها. عن زوارها تئن...
الموتى الذين قضوا، ما زالت الأنزال، ثم مشوا غلى قبورهم على زغردة الأبطال، أو كان أولئك النساء والشيوخ والاطفال، اولئك الرجال في بطون الارض في بطنها أهازيجهم، وقع أقدامهم، رأسهم، الدبكة التي يدبكون.
إنهم يا يسوع ما زالوا يبتهجون بك، بقدومك، بوجهك، بكتابك وبالله الذي هو أنت.
فيا يسوع،
رعيتك تفتقدك، أبناؤك ينادونك،
ببطون الأرض ينادونك، من موتهم ينادون،
ويا يسوع،
لا تكون إلههم، لا تكون إلهًا، لا تكون الله إن لم تحبهم اليوم قبل أن تبعث الموتى أحيا، اليوم اليوم، لا بعده.
وتكون قد أحييتهم، تحيهم، ساعة تمر يدك على لبنان، جباله ، أوديته، وسهوله.
فتعطل فيه السلاح، تخرس فيه المدافع، تجمّد فيه الرصاص، تشل الأيدي التي تطلق فيه الرصاص، تحطمها من الباع، ترمي بها للكلاب. للكلاب الكلبة، للذئاب الجائعة، ---- في وجه أصحابها، في عيونهم، في اقوالهم، وتمر من فوقهم، يدك التي تحيي، كما أحييت منا من مات وتطرح اجسادهم خارج أرضنا بعيدًا عن أرضنا في أرضهم يا الله.

لأن أرضهم باتت بلا عضل، وهي بحاجة إلى عضل لتقوم من القبر.
لتقوى، لتحيي، ولتعود تصلح أرضًا للميعاد.
فيا يسوع،
لا تكون إلههم، لا تكون إلهنا، لا تكون إلهًا، لا تكون الله، إن لم تحبهم اليوم قبل أن تبعث الموتى أحياءً اليوم لا بعده...

الميلاد
للناس ميلادهم ولنا ميلادنا...
ميلاد الناس في الساحات ، في الطرق، في الشوارع،
ميلادنا في قلوبنا...
ميلادهم يمشي معهم في الطريق، ومعه يمشون...
ميلادنا نحمله في أنفسنا ويحملنا في نفسه، فكأننا وإياه واحد. فلا يأخذ ميلادنا منا ولا نأخذ منه. لا يعطينا ولا نعطيه، بل نحيا نحن وإياه في ىن معًا في وحدة لا تنفصل ولا تتعثر لذلك، يبقى ميلادنا في انفسنا وتبقى أنفسنا في ميلاد دائم.
كل يوم يتجدد فنتجدد، وتقدم من جديده على شيء جديد.
فيه نيحيا لبنان ويظل العتيق الجديد الذي لا يتوقف أبدًا والذي لا تستطيع أن تزيح به يد عما رسم لنفسه من طريق...
إلى الله،

كل شيء يا ألله مكانه
كل شيء لم يبرح مكانه.
كل إنسان يا ألله مكانه...
كل غنسان لم يبرح مكانه.
الدنيا هي الدنيا، والإنسان الإنسان، إلا في لبنان...
فما كان فوق الارض بات تحتها. وما كان في غمرة الارض بات فوقها...
والإنسان خنقته يد الإنسان، فبات كل شيء في لبنان في غير مكانه وفي غير مكانه كل إنسان... وأنت،أنت من خلق الأرض والسماء، من كوكب الكواكب، وأدخلها في حركة أبدية سرمدية لا تتوانى ولا تخطئ.
اعد أشياءنا إلى مكانها... أعد إلى مكانه إنساننا. أعد لبنان إلى مكانه.
هذا الجبل يا ألله، هذا الجبل الأبيض، لبنان.
إجعل وطننا أن يظل صالحًا، أن يكون موطئًا لقدميك، مسرحًا لأبطالنا، وهيكلاً مشرقًأ لإيماننا، لاعمالنا، لغدنا، لنا ولك، نحن أبناؤك الذي بك نؤمن ومن أجلك نحيا ومن اجلك نموت.
إجعل، رجوناك أن نموت من أجل أن يحيا الغيمان ، من أجل أن تحيا في نفوسنا، ومن أجل أن يحيا إلى الأبد لبنان
ليلة الميلاد 1979
بيت شباب.
  أيها المسيح الإله

أيها المسيح الإله، لقد جئت منذ جئت منذ 1980 عامًا لتوقظ النائمين على رجاء القيامة. في أية ساعة ستجيء لتنقذ المثقلين في ظل قيامتك أنت الذي قلت "تعالوا إليّ أيها المثقلون وأنا أريحكم!"
لقد صرت إنسانًا لتجعل الإنسان إلهًا. فتبعناك على طريق إنسانيتك الإلهية.
وها هو إنسانك في لبنان تقام في طريقه السدود محاولين أن يعيدوه بشرًا سويًا.
فأين يدك، أنت الذي قلت "من آمن بي وحمل صليبه وتبعني، تعطى له الحياة."
نحن الذين استمعنا إلى ندائك،
أين يدك نحن الذين استمعنا إلى ندائك وتبعناك
--- صخور لبنان هياكل --- وجعلنا دعاءك غليك ان: إجعل منا ألهم شعبًا يعظم مآتيك، --- لك بقية لا تنحني لغير صليبك.
إجعلنا ذبيحة مقدسة جديرة بك، كما جعلنا في صلاتنا إليك أن تحينا أل----
واجعل من كرمًا مختارًا --- عنايتك كل شر وأذى. فلا يدوسه وحش الغاب
--- استمعت إلى دعائنا وكأنك ما استمعت إلى صلاتنا... على أن نيرك طيب وحملك خفيف
--- عنا وجوه من يتعمدون إيذاءك فينا ومن يحاولون زعزعة عرشك على أرضنا.
أيها الحي الذي لا يموت، يا عظيمًا أمت الموت بموتك، أنت من أصلح بين الأرض والسماء
نسألك من أعماق ضعفنا أن تعزز فينا روح البذل والعطاء والقدرة على حمل صليبك فنموت عن ذاتنا لنحيا

أيها المسيح الإله
--- رجاء قيامتك. وطدنا على رجاء حقيقي فلا نتزعزع.
ويا أيها المسيح الإله،
انت الجالس على أجنحة الكاروبين وقد سمحت أن تعلق على خشبة، إجعلنا نحن القابعين في احضانك عذابات صليبك.
أيها المسيح الغله نؤمن أن مملكتك ليست من هذا العالم، ولكننا نؤمن ايضًا أن هذا العالم من مملكتك، فلا تدع الخراف فيه فريسة للذئاب، ولا الأشرار --- مجدك بحقارتهم.
أيها المسيح الغله،
أنت القائل إذا خطئ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه على انفراد. فإن سمع لك فقد ربحت أخاك، وغن لم يسمع لك، فخذ معك واحدًا او اثنين لكي تكون على فم شاهدين او ثلاثة كل كلمة . فإن أبى أن يسمع لهم فقل للبيعة. وإن لم يسمع من البيئة فليكن عندك كوثني وعشار.
لقد ذهبنا إلى إخواننا، وعاتبناهم بيننا وبينهم على انفراد فلم يسمعوا وعاتبناهم في العلن وأشهدنا عليهم شهودًا عادلين فلم يسمعوا ثم شكوناهم إلى البيعة فلم يسمعوا فاعتبرناهم وثنيين وعشّارًا فافترقت الطريق بيننا وبينهم وها نحن ننتظر.
وأنت القائل إذا اتفق اثنان منكم على الأرض في كل شيء يطلبانه فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات. لأنه حيث اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فأنا أكون هناك بينهما.
--- رجوناك ---- بين الاخ الذي في الجبل وبين أخيه الذي في الشمال فيتفقا.
أيتها الآلام المقدسة المحيية التي حييناها مع المسيح الإله وكل يوم نحياها معه من جديد بوركت فلقد صيرت ضعفنا قوة الجمعة العظيمة 4 نيسان 1980
وضعت هذه التاملات في ضوء الليتورجيا المارونية إستنادًا إلى كتبها.
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.