محاضرة الأستاذ إدوار حنين
الندوة اللبنانية – السنة الثالثة – النشرة 9 – 10، تاريخ 6 حزيران 1949.
سأل معاوية الاحنف بن قيس رأيه في بعض شؤون الخلافة،
فسكت عنه،
فقال معاوية:
"ما لك لا تقول؟
فقال الأحنف:
"إن صدقناك أسخطناك، وإن كذبناك أسخطنا الله.
وحدثني أحد رواد السرايات قال:
"عرفت رجلاً اسمه غندور كان يلازم أبواب المحاكم منذ أن تفتح حتى آخر جلسة. عمله الذي اختاره لنفسه مساعدة المحاكم على إحقاق الحق بالشهادة يبادلها المتقاضين: شهادة بمال".
فكان إذا ما ناداه المنادي إلى الشهادة في قضية ليس له فيها سابق علم ولا سابق معرفة بالمتقاضين، كان يهرول ناحية المحكمة والنداء مهمهمًا شاتمًا لا عنًا يقول:
"نكر. ها. نكر. قلت أنا بدو ينكر هالملعون".
وإذا شهادة شاهد المصطبة غندور تجيء طبقًا لادعاء طالبها فتكشف عن الحقيقة ، وتعيد الحق إلى نصابه... ويكون عدلاً...
وبديهي أن أخي ميشال أسمر وهو من دينه ديننا في "قل الحق ولو قتلك" – بديهي أنه يريدني ألا أسخط الله وأكون غندورًا.
أما بعد،
فوالله، سبحانه، سأقول ما أعرف، ولا أقول غير ما أعرف.
وسأشهد بالحقيقة، كل الحقيقة.
ولا أشهد بغيرها أبدًا.
سيداتي، آنساتي، سادتي.
إذ صح أن الشعب أصل، وما سوى الشعب فروع،
إذ صح أن أصل الحكومات شعب ينتخب الحكومات،
كان عليّ أن أبدأ شهادتي بشعب لبنان فأهيئ منه الممسحة التي يتسح بها الأطهار المراؤون.
بيد أني قد أردت، في السنة الماضية، على درس ما بدا لي أنها ميزات الشعب اللبناني وطباعه،
أراني مكررًا نفسي إذا ما بدأت من حيث يشبّه أن البداية يجب أن تكون.
ثم، أليس أن شهادة تدور على الفروع يمكن أن تحمل على أنها شهادة تتناول الأصل، يستفيدها استنتاجًا، كل من يعتقد، مخطئًا أو غير مخطئ، أن الشعب أصل وما سوى الشعب فروع، ويستفيدها استنتاجًا من يقول مع التحريف:
"كما تكونون يولّى عليكم"
ومن يقول مع الأفغاني:
"كما يولى عليكم تكونون"؟
وهل يحكم عليّ أن أعود بالناس إلى ما قبل الطوفان ساعة أستطيع – وانا بينهم اليوم، شاهد حال – أن أتنقل بهم على وضح النهار، وإن جفتنا وطريقنا الورود، من حاضر إلى حاضر، ومن محسوس إلى ملموس، في فسيح هذه الزاوية حيث كل واحد يعرف ما لا يجهل الآخرون، وحيث الشهادة مذاكرة وما بعد المذاكرة اتهام؟
لقد توافق اللبنانيون على أن تعيش جماعاتهم وأفرادهم في ظل ديمقراطية من الديمقراطيات التي قيل إن من أجلها، ومن أجل خلاصها، أريدت الحروب وأهدرت الدماء...
وتوافقوا، في ما بينهم، على أن يدّعوا لأنفسهم إرثًا تتوارثه الشعوب العريقة كابرًا عن كابر.
فيساهمون، هكذا، في الحفاظ على إرث إنساني كبير، كبير من حيث أن كل من ادعاه ناله وكل من ناله امتلكه،
فلا هو ينقص إذا وزع
ولا يبخل على صاحب حصة في حصته.
وتوافقوا على أن يتعهدوا إرثهم بالخير والمبرات لاستحالة تعهده بالسيف والمدفع، وإيمانًا راسخًا منهم انهم يرعون زمام هذا الإرث على أرض جمهورية صغيرة، إن لم تكن مثالية أعادتها القوة إلى العدم.
وتوافقوا على أن يفرقوا بين السلطة والسلطان:
فتكون السلطة الحق في الإدارة والتدبير، في الأمر والنهي، في أن يسمع إلى الآمر، وفي ان يطاع.
ويكون السلطان القوة التي تفرض السمع على من يجب أن يسمع والطاعة على من يجب أن يطيع.
فلا تتخاذل السلطة في حضرة السلطان، ولا يتعاظم السلطان على السلطة حتى يكبر "ويتبختر" وإنما توازن وانسجام فائق الأحكام من دونها تنهار هيبة الحاكم، ومن دونها يستحيل الحكم طغيانًا.
وتوافقوا على أن تجعل السلطة في يد نخبة يسلخها الشعب، من صميمه، تعيش حياته، كل حياته، وتحتفظ بالسلطة المعطاة لها بيدها،
فلا تفرّغها للعنتريين والشارع،
ولا تسخّرها للتحكّم والتطبيل،
ولا تبني من فوقها مجدًا هزيلاً زائلاً،
ولا تقايض بها سلطة بتبويق بحيث لا تنبثق عن السلطة السلطة سلطة زائفة تؤيد السلطة السلطة فتستر هذه بفعل ذاتها لا بفعل الناخبين.
وتوافقوا على غايات الديمقراطية الأخيرة:
أولها الظفر بالحرية،
وآخرها ان تحكم الناس سلطة شرعية من الناس،
وأن لا تغيب عن سلطة الحكم إرادة المحكومين.
إذ لا خير في جمهورية يجبر فيها المرء ويرغم على إتيان ما هو من الحق والقانون وإن لمصلحة الحق والقانون.
ولا خير في جمهورية لا تمشي بالإنسان من فاضل إلى أفضل، ومن حسن إلى أحسن، بغية أن يدرك الإنسان كامل إنسانيته.
ولا خير في جمهورية، لا تكون، من الحد إلى الحد، واحة لحقوق الغنسان، ومسرحًا رحبًا لإمكانياته وآماله.
ولا خير في